﴿۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفسِيٓ إِنَّ ٱلنَّفسَ لَأَمَّارَةُ بالسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓ إِنَّ رَبِّي غَفُور رَّحِيم ﴿٥٣﴾﴾
﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفسِيٓ﴾ ما معنى هذا؟ ليس المعنى أن يوسف عليه الصلاة والسلام حصل منه سوء هذا معناه التفويض إلى الله معناه يا ربّ أنت تحفظني ولولا حفظك ما سلمت معناه فوض أمره إلى الله
﴿ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفسِيٓ﴾ معناه يا رب أنا فوضت أمري إليك سلمتُ نفسي إليك أفوض أمري إلى الله أنا أتوكل على الله، الله هو الذي يبرئني هذا معناه، هذا ليس فيه أنّ يوسف عليه الصلاة والسلام لم يكن مبرأً إنما قد فوض أمره إلى الله
﴿إِنَّ ٱلنَّفسَ لَأَمَّارَةُ بالسُّوٓءِ﴾ أراد الجنس أي أنّ هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه مما فيه من الشهوات
﴿إِنَّ ٱلنَّفسَ لَأَمَّارَةُ بالسُّوٓءِ﴾ كم نفسُ الإنسان تأمره بالسوء إلا ما رحم الله؟ كان سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول: “اللهم يا مقلبّ القلوب ثبت قلبي على دينك”.
هذه النفس لها تقلُب هذه النفس أمارة بالسوء في غالبها تدفع بصاحبها إلى الشهوات تزيّن له طريق الشهوات هذه النفس تزيّن في أكثر الأحيان للإنسان أن يتقاعس عن نصرة الدين أن يتخلف عن مجالس علم الدين، نفسه في كثير من الأحيان تزين له الراحة الدَعَة، النوم، الطعام، الشراب، الشهوات
﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓ﴾ لذلك ما الذي علينا؟ ﴿وَأَمَّا مَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفسَ عَنِ ٱلهَوَىٰ ﴿٤٠﴾ فَإِنَّ ٱلجَنَّةَ هِيَ ٱلمَأوَىٰ﴾ خالف نفسك ولذلك قال بعض العارفين:
(إن أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك)
وقال بعضهم: (شفاء النفس مخالفتها)
لا تعطِ نفسك كل ما تطلب كثير مما تطلب هذه النفس إن أنت مضيت مع نفسك فربّ امرئ حتفه فيما تمناه، تمنّى طعاما فكان فيه هلاكه تمنّى مركوبًا فكان فيه حتفه تمنّى ولدًا فكان العقوق منه وكان هلاك أبويه على يديه تمنّى مالا فأغرقه المال، وذهب إلى الدنيا ثم يقول: يا ليتني لم أوت شيئا من هذا المال. إذا هذه النفس ينبغي أن نلتفت إليها وهذه النفس تحتاج إلى معالجة. إذا أنت طعمت لا تذهب فورًا إلى النّوم وإلا كان أثر على قلبك من ذلك الطعام قد يسبب له قسوة من هذا الطعام فماذا تفعل؟ فالنبيّ عليه الصلاة والسلام يرشد إلى ماذا؟ يرشد إلى أن تصلي بعد الطعام، أن تصلي وأن تذكر. مداخل النفس هذه عجيبة ومداخل الشيطان عجيبة البعض أيها الإخوة عنده قوة ونشاط أن يجلس على مائدة الطعام ساعة ولا يجد قوة على الحضور أو الجلوس في مجلس العلم ولو كان ربع ساعة من أين هذا؟ النَفْس. نفس الإنسان لذلك في هذا الموضع فيه تنبيه إلى هذه النّفس ﴿إِنَّ ٱلنَّفسَ لَأَمَّارَةُ بالسُّوٓءِ﴾
لذلك أيضًا كان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام الذي علمنا:
“اللّهمّ إنّي أعوذ بك من شّر سمعي ومن شر بصري”
يعني من شَرّ هذه الجوارح لأنك إن تركتها، العين تنطلق قد تنطلق إلى النّظر المحرم اللسان قد ينطلق إلى الحرام اليد، الرجل، البطن، الأذن وهكذا البدن، ﴿إِنَّ ٱلنَّفسَ لَأَمَّارَةُ بالسُّوٓءِ﴾، لكن انظر ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓ﴾ إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة، يوجد معنى لطيف آخر هنا:
﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓ﴾ يَجُوزُ أَن يَكُونَ الْمَعْنَى إِلَّا مَا رَحِمَ، يَجُوزُ أَن يَكُونَ مَا رَحِمَ فِي مَعْنَى الزَّمَانِ معناه إِلَّا وَقْتَ رَحْمَةِ رَبِّي، إذا إما ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓ﴾ من عَصَمَهُ رَبِّي أو إلَّا إذا رددناها إلى الزَّمَان إلا وقت رحمة ربي هنالك أوقات يوجد فيها رحمات خاصة فبسبب هذه الرحمات الخاصة التي ينبغي أن تُعرّض أنت نفسك إليها، يحفظك الله تعالى يحفظ نفسك الأمارة بالسوء
﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓ﴾ إلا وقت رحمة ربي يعني إذا رجعنا إلى المعنى الأول أنها أمّارة بالسوء في كل وقت إلا في وقت العصمة
أو يقال كذلك ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓ﴾ استثناء منقطع معناه إلا ما رحم ربي أي لكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، برحمة الله سبحانه وتعالى أليس أخبر عليه الصلاة والسلام:
“ما منكم من أحد يدخل الجنّة بعمله قالوا: وَلا أَنتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قال: ولا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدنِي اللَّهُ” بِرَحْمَة اللَّهِ سبحانه وتعالى؛ لأنه كما جاء “رحمة الله تعالى أرجى لنا من أعمالنا كما أن مغفرة الله أوسع من ذنوبنا”، مغفرة الله أوسع من ذنوبنا فهو العفو سبحانه وتعالى
﴿ذَٰلِكَ لِيَعلَمَ أَنِّي لَمۡ أَخُنهُ بالغَيبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهدِي كَيدَ ٱلخَآئِنِينَ﴾ أليس قدمنا بأن هذا الكلام ليوسف عليه الصلاة والسلام ليعلم من إما هو من؟ قلنا الملك أو العزيز، هذا وجه لكن يوجد وجه لطيف آخر ويربط معه ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفسِيٓ﴾ فيكون القائل في الأول ذلك ليعلم هو الذي قال أيضا: ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفسِيٓ﴾ فقيل: هذا من كلام امرأة العزيز، ويصير ذلك ليعلم إذا رد هذا إلى امرأة العزيز ليعلم أن يوسف الذي هو ينتظر ماذا سيكون وهو في السجن ماذا سيكون من حالنا أني أنا كنت كذبت عليه فيما مضى ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصدق فيما سئلت عنه، ثم هي قالت: فيكون هذا الكلام لها ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفسِيٓ﴾ مع ذلك إلى امرأة العزيز ما أبرئ نفسي من الخيانة فإني قد خنته حين قذفته وقلت ﴿مَا جَزَآءُ مَن أَرَادَ بِأَهلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسجَنَ﴾ وأودعته السجن وهي كأنها تريد الاعتذار منه عن الشيء الذي مضى
﴿إِنَّ رَبِّي غَفُور رَّحِيم﴾ استغفرت ربها واسترحمته ما ارتكبت وهي هنا رأت أن يوسف عليه الصلاة والسلام قد ظهر أمره وهذا الذي قلنا من تقديم القرآن وتأخيره أي قوله: ﴿ذَٰلِكَ لِيَعلَمَ﴾ متصل بقوله: ﴿فَسئَلهُ مَا بَالُ ٱلنِّسوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعنَ أَيدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيدِهِنَّ عَلِيم﴾،