
الآية
قال الله تعالى
يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُواْ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُواْۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَٰنٖ (٣٣)الرحمن [33-33]
التفسير
يخبرنا الله سبحانه وتعالى أن الإنس والجن في موقف القيامة تحيط بهم الملائكة الكرام فلا يغادرون الموقف إلا من أذن الله له وهذا هو الذي معه الحجة والإذن بالمغادرة من ذلك الموقف، فيوم القيامة يوم عظيم الأهوال وهو أعظم الأيام وأشدها إلا على من هونه الله عليه، فإن يوم القيامة خمسون موقفا كل موقف بألف سنة فهو إذًا خمسون ألف سنة كما نقل الغزالي عن الحسن البصري وغيره.
يوم القيامة يمر على المؤمن التقي أهون من الصلاة المفروضة
فقد جاء في الحديث الذي يرويه الطبري:
قال رسول الله ﷺ
والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أهون من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا يعني يوم القيامة
رواه الطبري
فلا ينفذ أحد من تلك المواقف العظيمة إلا بإذن الله تعالى. فقد قال الله تعالى في سورة النبأ:
قال الله تعالى
يَوۡمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ صَفّٗاۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَقَالَ صَوَابٗا (٣٨)النبأ [38-38]
وليس معنى الآية التي نحن بصدد شرحها (لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) الصعود إلى الفضاء بما يسمى المركبات الفضائية والصاروخ، وهذا التفسير لم يقله عالم معتبر.
قال المفسر محمد بن جرير الطبري في تفسيره ما نصه:
«قالوا: وإنّما هذا قولٌ يقال لهم يوم القيامة. قالوا: ومعنى الكلام: سنفرغ لكم أيّها الثّقلان، فيقال لهم ((يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا)).
ذكر من قال ذلك
الطبري
قال الطبري:
حدّثني موسى بن عبد الرّحمن المسروقيّ قال: ثنا أبو أسامة، عن الأجلح قال: سمعت الضّحّاك بن مزاحمٍ قال: «إذا كان يوم القيامة أمر الله السّماء الدّنيا فتشقّقت بأهلها، ونزل من فيها من الملائكة، فأحاطوا بالأرض ومن عليها بالثّانية، ثمّ بالثّالثة، ثمّ بالرّابعة، ثمّ بالخامسة، ثمّ بالسّادسة، ثمّ بالسّابعة، فصفّوا صفًّا دون صفٍّ، ثمّ ينزل الملك الأعلى على مجنّبته اليسرى جهنّم، فإذا رآها أهل الأرض ندّوا، فلا يأتون قطرًا من أقطار الأرض إلّا وجدوا سبعة صفوفٍ من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الّذي كانوا فيه، فذلك قول الله ((وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ)) وذلك قوله: ((يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)) وذلك قوله: ((وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا)) اهـ.
المفسر محمد الطاهر
وقال المفسر محمد الطاهر بن عاشور المالكي في كتابه التحرير والتنوير ما نصه: «هذا مقول قول محذوف يدل عليه سياق الكلام السابق واللاحق، وليس خطابا للإنس والجن في الحياة الدنيا. والتقدير: فنقول لكم كما في قوله تعالى ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس الآية، أي فنقول: يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس.
والمعشر: اسم للجمع الكثير الذي يعد عشرة عشرة دون آحاد.
وهذا إعلان لهم بأنهم تحت مشيئة الله لا يجدون منجى منها، وهو ترويع للضالين والمضلين من الجن والإنس بما يترقبهم من الجزاء السيء لأن مثل هذا لا يقال لجمع مختلط إلا والمقصود أهل الجناية منهم فقوله يا معشر الجن والإنس عام مراد به الخصوص بقرينة قوله بعده يرسل عليكما شواظ إلخ.
والنفوذ والنفاذ: جواز شىء عن شىء وخروجه منه. والشرط مستعمل في التعجيز، وكذلك الأمر الذي هو جواب هذا الشرط من قوله فانفذوا، أي وأنتم لا تستطيعون الهروب.