﴿إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ (110) وَإِذۡ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّـۧنَ أَنۡ ءَامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ (111) إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ (112) قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا وَنَكُونَ عَلَيۡهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلۡ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدٗا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةٗ مِّنكَۖ وَٱرۡزُقۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ (114) قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ (115) وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ (116) مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ (117) إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ (118) قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ (119) لِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا فِيهِنَّۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرُ(120)﴾
﴿إذ قال الله﴾
بدلٌ من يومَ يجمع
﴿يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك﴾
حيث طهرتُها واصطفيتُها على نساء العالمين.
وإذًا عندما تتمرد الأمم المُكذبة وتخالف أمر الله تُوَبَّخُ تلك الأمم التي كذبت أنبياءَ الله وكان من أكثر الأمم وأشدها احتياجًا وافتقارًا إلى التوبيخ والملامة النصارى الذين يزعمون أنهم أتباعُ عيسى عليه السلام، ووجه ذلك أن جميع الأمم إنما كان طعنُهم في أنبيائهم بالتكذيب لهم ولكن طعنَ هؤلاء النصارى ما اقتصر على الطعن في أنبياء الله بل تعدى ذلك إلى الطعن في الله عزَّ وجلّ.
لذلك هم أشدُّ الأممِ احتياجًا وافتقارًا إلى التوبيخ لأنهم وصفوا الله تعالى بما لا يليق بجلاله من اتخاذ الزوجة والولد فمنهم من قال مريم هي زوجة الله وعيسى هو ابن الله.
﴿إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك﴾
هذه النعم التي تدل على أن عيسى عبدُ الله وليس بإله وهذا فيه تنبيه للنصارى على قبح مقالتهم وفساد اعتقادهم وتوكيدِ الحجة عليهم، وعندما عُدّدَت نِعَمُ الله على عيسى عليه السلام قيل من جملة فوائد ذلك إسماع الله الأمم يوم القيامة لِما خص الله به عيسى عليه السلام من الكرامة.
فالنبيّ محمد عليه الصلاة والسلام كان يقول “أنا أولى بعيسى بنِ مريم” وليس بين عيسى ومحمد نبيٌّ آخر، عيسى عليه السلام سينزل في آخر الزمان على شريعة محمد عليه الصلاة والسلام سيحكم أربعين سنة بشريعة سيّدنا محمد عليه الصلاة والسلام فيعم الإسلامُ الأرض ولا يصل نَفَسُه إلى كافر إلا ويَهلِك ويبقى دينُ الله الإسلام.
لذلك كان ذكر هذه النعم من الله سبحانه وتعالى وجاءت على لفظ الماضي ﴿إذ قال الله يا عيسى﴾ لأنه ورد على سبيل حكايةِ الحال، قيل أيضًا تقديره إذ يقول الله يا عيسى، لفظُه واحد والمراد به الجمع عندما قال ﴿اذكر نعمتي عليك﴾ المراد الجمع نِعَم وإن قال بلفظ الواحد، والمراد من ذلك إظهارُ ما خص الله تعالى به عيسى وخص أمَّه مريم عليها السلام من أنه تعالى أنبتها نباتًا حسنًا وطهّرها واصطفاها على نساء العالمين.
فلذلك عدّد الله سبحانه وتعالى ما كان لسيّدنا عيسى عليه السلام من هذه النعم العظيمة التي تدل على عظيم شرف عيسى عليه السلام، وسيّدنا عيسى عليه السلام ذُكر في ثلاث عشر سورة من القرآن في ثلاث وثلاثين آية من القرآن، و رُفع عيسى عليه السلام إلى السماء في سن ثلاث وثلاثين سنة.
والعاملُ في ﴿إذ أيّدتك﴾
أي قوّيتك بنعمتي
﴿بروح القدس﴾
بجبريل عليه السلام، أُيِّد به لتثبتَ الحجّةُ عليهم أو بالكلام الذي يحيا به الدين وأضافه إلى القدس لأنه سببُ الطُّهر من أو ضارِمِ الآثامِ.
جبريل تعاديه اليهود، فترى أن عدوَّها جبريل، وجبريل رئيسُ الملائكة وأفضلُ الملائكة، في التفضيل في الخلق بعد الأنبياء خواصُّ الملائكة وجبريل عليه السلام رئيسُهم وأفضلهم وهو أمين الوحي وجبريل عليه السلام جعل الله سبحانه وتعالى فيه خصائص: فكثير الرحمات والبركات تجري مع جبريل عليه السلام.
فالله سبحانه وتعالى أيَّد عيسى عليه السلام بروح القدس أي بجبريل عليه السلام ويقال كان عيسى عليه السلام لا يفارقه جبريل أينما توجه و هذا يدل على عظيم قدر عيسى عليه السلام وأننا نعظم سيّدَنا عيسى عليه الصلاة والسلام لكن لا نعبده ولا نقول هو ابن الله إنما نقول هو عبد الله.
فائدة:
يوم بدر أُيِّد نبيُّنا عليه الصلاة والسلام بجبريل على فرسه وهو يقول أقدِم حيزوم، جاء جبريل بجيش من الملائكة يتقدمهم فكان الكافر من الكفار في المعركة يصيح لا يدري من أين جاءته الضربة، يكون مسلم رفع سيفه فطار رأس هذا الكافر.
رُفِعت خمسُ قرى في سدوم على مقربة منا في الذي يقال له البحر الميت بطرف جناح من أجنحة جبريل عليه السلام إلى عنان السماء، أعطاه الله قوة كبيرة.
في ليلة القدر ينزل جبريل عليه السلام في كبكبة من الملائكة يصلون ويدعون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عزَّ وجلّ، فجبريل عليه السلام له شأنٌ كبير في ليلة القدر، ثم جبريل عليه السلام ما انقطع نزوله إلى هذه الأرض، فقد يحضر في مجالس علم الدين فتعمها الرحمة والبركة والسكينة، أما إن كان هناك نساء حاسرات عن رؤوسهن في المجلس لا يحضر جبريل، ولكن قد يحضر غيره من الملائكة،
عظَّم الله تعالى شأن جبريل ويجوز لك أن تقول اللهم أمدني بمدد سيّدي جبريل ويجوز أن تقول اللهم أمدني بمدد سيّدي ميكائيل ويجوز ولا خوف ولا محذور أن تقول اللهم أمدني بمدد سيّدي عزرائيل عليه السلام، عزرائيل ليس بشعًا هو ملكٌ كريم من ملائكة الله، سنراه إن شاء الله سنراه، لكن إن شاء الله يكون لقاؤنا بعزرائيل على صورة يكون فيها سكينة لنفوسنا.
فسيدنا عزرائيل ياتي للأتقياء بصورة شيخ وقور، أما الكفار يأتيهم بصورةٍ يخافون منه خوفًا شديدًا، قد يتقطع القلب من شدة الخوف.
﴿تكلم الناس في المهد﴾
حال، أي تكلمهم طفلًا إعجازًا يعني في حال الصغر
الله تعالى أنطقه، قال إني عبد الله
﴿وكهلًا﴾
تبليغًا، يعني وفي حالة الكهولة من غير أن يتفاوت كلامُك في هذين الوقتين فسبحان الذي أنطق عيسى وهو طفل صغير فقال إني عبد الله وأنطقه الله وهو كهل فنطق بمثل الذي قاله وهو صغير فليس هناك تفاوت بين مقالته وهو صغير وبين مقالته وهو كهل.
قال ابن عباس: أرسل الله عيسى عليه السلام وهو ابن ثلاثين سنة أي نُبِّئ، قال فمكث في رسالته ثلاثين شهرًا ثم رفعه الله إليه.
﴿وإذ علمتك﴾
معطوفٌ على ﴿إذ أيَّدتك﴾ ونحوُه ﴿وإذ تخلق﴾ ﴿وإذ تخرج﴾ ﴿وإذ كففت﴾ وإذ أوحيت
﴿الكتاب﴾
الخطَّ وهي الكتابة
﴿والحكمة﴾
الكلامَ المُحكَمَ الصواب، والحكمة يدخل في ذلك الفهم والاطلاعُ على أسرار العلوم
﴿والتوراة والإنجيل﴾
يعني التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام الله علَمها عيسى، والإنجيل علمه الله تعالى إياه
﴿وإذ تخلق﴾
تُقَدِّر، تخلق هنا بمعنى تُصَوِّر، هذا ليس على معنى الإبراز من العدم إلى الوجود من جملة معاني الخلق التصوير أما المعنى الذي هو خاص بالله فهو الإبراز من العدم إلى الوجود
﴿من الطين كهيئة الطير﴾
هيئةً مثلَ هيئةِ الطير
يومًا قال له قومه: إن كنت صادقًا في قولك ودعوتك فصور لنا خُفاشًا من الطين واجعله يطير، قام سيّدنا عيسى عليه السلام متوكلًا على الله وأخذ طينًا وجعل منه خفاشًا ثم نفخ فيه فقام يطير بإذن الله بين السماء والأرض وسط دهشة الناظرين، لكنه ما أن غاب عن أعينهم حتى سقط ميتًا.
اغتاظ اليهود من حصول هذه المعجزة وطلبوا الخفاش تحديدًا قيل لأنه من أعجب وأغرب خلق الله ومن أكمل الطيور خَلقًا، فمن عجائبه أنه من لحم ودم يطير بغير ريش ويلد كما يلد الإنسان ولا يبيض كما تبيض سائرُ الطيور لا يُبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل وإنما يرى في ساعتين، ساعة بعد غروب الشمس وساعة بعد طلوع الفجر هكذا الخفاش فقط، ويضحك كما يضحك الإنسان، ويقال له أذنين وله أسنان، فلذلك عندما طلبوا هذا الخفاش يعلمون أنهم يطلبون شيئًا عجيبًا ، فاليهود ما كان منهم إلا أن ازدادوا غيظًا.
﴿بإذني﴾
بتسهيلي، أي أن ذلك هو بإذن الله عزَّ وجلّ وليس عيسى يخلق بمعنى إبرازه من العدم إلى الوجود
﴿فتنفخ فيها﴾
الضميرُ للكاف لأنها صفةُ الهيئةِ التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها، ولا يرجع إلى الهيئة المضافِ إليها لأنها ليست من خلقه، وكذا الضمير في: ﴿فتكون طيرًا بإذني﴾.
﴿فتنفخ فيها﴾: قالوا بإذن الله سبحانه وتعالى النفخ الذي يكون بسببه أن يطير هذا الطائر بإذن الله سبحانه وتعالى، فقال الضمير في قوله ﴿فيها﴾ يعود إلى الهيئة بجعلِها مصدرًا قالوا لأن النفخَ لا يكون في الهيئة لذلك قالوا ﴿فتنفخ فيها﴾ يعود إلى الهيئة فبإذن الله تعالى يصير طيرًا.
﴿فتكون طيرًا بإذني﴾
هذا فيه تأكيد على أن هذا الخلق إنما هو واقع بقدرة الله سبحانه وتعالى، فهذا الخلق هذا الطير هو بخلق الله وهو معجزة لنبيّ الله عيسى عليه السلام
﴿وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني﴾
وعَطَفَ ﴿وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني﴾ على تخلق، يعني كذلك تشفي الأكمه: وهو الأعمى المطموس البصر، والأبرص: من به مرضُ البرص وهي بقع بيضاء تخالف لونَ سائرِه فكان على يد عيسى عليه السلام يحصل هذا بإذن الله تعالى.
خُصَ هذان المرضان بالذكر لأنهما داءان مُعضِلان، وفي زمان عيسى عليه السلام كان الغالبُ على زمانه الطب فأراهم الله المعجزة على يدي سيّدنا عيسى من جنس ذلك، فكان الأكمه الذي ولد أعمى والأبرص الذي عم جلده على شكل بياض يغطي مساحات من الجسم ينفر الناس منه، يأتون إلى عيسى عليه السلام ويمسح على ذلك فيكون الشفاء بإذن الله
﴿وإذ تخرج الموتى بإذني﴾
من القبور أحياءً
قيل أخرج سامَ بنَ نوح ورجلين وامرأةً وجارية
وهذه أيضًا من معجزات عيسى عليه السلام فقد كان عليه الصلاة والسلام يحيي الموتى بإذن الله حتى قيل إنه أُحييَ أربعة من الخلق بمشيئة الله وقدرته على يد عيسى عليه السلام معجزة لسيّدنا عيسى.
قصص من معجزات سيدنا عيسى: يروى أن عيسى عليه السلام أول ما أحيا من الموتى ابنةَ امرأة كانت قاعدة عند قبر وهي تبكي، أم تبكي عند قبر مر بها سيّدنا عيسى، فقال لها: مالك أيتها المرأة؟ قالت له: ماتت ابنةٌ لي لم يكن لي ولدٌ غيرها وإني عاهدت ربي ألا أبرح من موضعي هذا حتى أذوق ما ذاقت من الموت أو يحييها الله لي فأنظرَ إليها، فقال لها نبيُّ الله عيسى: أرأيت إن نظرتِ إليها أراجعةٌ أنتِ؟ أي إن أُريتِ ابنتَك ترجعي عن الذي أنت فيه؟ قالت: نعم، فصلى عيسى عليه السلام ركعتين لله تعالى ثم جاء فجلس عند القبر فنادى: يا فلانة قومي بإذن الله الرحمن فاخرجي، فتحرك القبر، ثم نادى المرة الثانية فانصدع القبر بإذن الله ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسَها من التراب، ثم قال لها عيسى عليه السلام: ما أبطأ بك عني؟ فقالت له: لما جاءتني الصيحة الأولى، أي لما ناداها عليه السلام في المرة الأولى بعث الله لي ملكًا فركَّب خَلقي، ثم جاءتني الصيحةُ الثانية فرجع إلي روحي، ثم جاءتني الصيحة الثالثة فخفت أنها صيحة القيامة فشاب رأسي وحاجباي وأشفارُ عيني من مخافة يومِ القيامة، فخرجت والشيب فيها وهي كانت ماتت صغيرة، ثم أقبلت على أمها قالت لها: يا أماه ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين؟ يا أماه اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا، ثم كلمت نبيَّ الله عيسى عليه السلام فقالت له: سل ربي أن يردني إلى الآخرة وأن يهوِّن علي كربَ الموت، فدعا عليه السلام ربَّه فقبضها إليه واستوت عليها الأرض فسبحان القادر على كل شيء.ولما بلغ اليهودَ خبرُ هذه الحادثة ازدادوا على عيسى عليه السلام غضبًا، هذه واحدة ممن أحياهم عيسى بإذن الله تبارك وتعالى.
واحد آخر من الذين أحياهم سيّدنا عيسى عليه السلام أحد أصدقائه واسمه عازر، لما مرض عازر أرسلت أختُه إلى سيّدنا عيسى عليه السلام أن عازرَ يموت فسار إليه وبينهما ثلاثة أيام فوصل إليه سيّدنا عيسى فوجده قد مات فأتى قبره فدعا الله عزَّ وجلّ وقال: قم بإذن الله، فقام عازر بإذن الله وعاش ووُلِد له.
ومن الذين أُحيُوا بإذن الله على يدي سيّدنا عيسى المسيح عليه السلام ابنُ العجوز، فإنه مُرَّ به محمولًا على سريره فدعا له سيّدنا عيسى عليه السلام أن يقوم بإذن الله، كانوا يحملون النعش ويمشون، مُرَّ به سيّدنا عيسى وهو على النعش محمول فدعا له سيّدنا عيسى فقام ونزل عن أكتاف الرجال ولبس ثيابه ثم حمل سريره ورجع إلى أهله.
ومثل ذلك يروى ما فعله مع أحد الملوك إذ كان محمولًا وجرى معه مثلما جرى مع ابن العجوز.
﴿وإذ كففت بني إسرائيل عنك﴾
أي اليهود حين هموا بقتله
أجرى الله تبارك وتعالى هذه المعجزات العظيمة على يد سيّدنا عيسى عليه السلام ومع ذلك ما كان من اليهود إلا أن ازدادوا في حسدهم حتى انتهى بهم الأمر إلى أن أرادوا قتله.
﴿إذ جئتهم﴾
ظرف لكفَفت
﴿بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين(110)﴾
﴿ساحرٌ﴾ حمزةٌ وعلي،
﴿وإذ أوحيت﴾
ألهمت، المراد بذلك وحيُ الإلهام، أليس ورد أنه أُوحِي إلى أمِّ موسى وإلى النحل، كذلك الحواريون هم أصحاب عيسى وخواصُّه فهنا المراد ﴿أوحيت﴾ أي الذي هو وحيُ الإلهام ليس الذي هو نزل على الأنبياء هذا من جملة معاني الوحي
﴿إلى الحواريين﴾
الخواصِّ أو الأصفياء، وهؤلاء هم خواصُّ وأصفياء عيسى عليه السلام هنا
﴿أن آمنوا﴾
أي آمِنوا
﴿بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون(111)﴾
أي اشهد بأننا مخلِصون، وفقهم الله سبحانه وتعالى للإيمان وشهدوا بهذه الشهادة ، وقالوا ﴿واشهد بأننا مسلمون﴾ وهذا يدل على أنهم كانوا على دين الإسلام وأن عيسى عليه السلام أتباعُه مسلمون فهو على دين الإسلام.
وإذًا ما أعظمَ سورةَ المائدة كم وكم جاء فيها من الإشارة إلى هذا المعنى وإلى تنزيه الله عن الزوجة وإلى تنزيه الله تعالى عن الولد وإلى توحيد الله سبحانه وتعالى وإلى وجوب عبادةِ الله سبحانه وتعالى وحده وأن ملةَ الكفر واحدة وأن دينَ الله واحد وهو الإسلام، وأتباع عيسى عليه السلام قالوا اشهد بأننا مسلمون وقد وفقهم الله سبحانه وتعالى لأنهم آمنوا بقلوبهم وانقادوا كذلك بظواهرهم.
﴿إذ قال الحواريون﴾
أي اذكُروا إذ
﴿يا عيسى ابن مريم﴾
عيسى نُصِبَ على إتْباعِ حركتِه حركةَ الابنِ نحوُ يا زيدَ بنَ عمرو
﴿هل يستطيع ربك﴾
هل يفعل، هل تستطيعُ ربَّك على؟ أي هل تستطيعُ سؤالَ ربِّك؟ فحُذِفَ المضاف، والمعنى هل تسأله ذلك من غير صارفٍ يصرِفك عن سؤاله.
المعنى المراد هنا في ﴿هل يستطيع ربك﴾: المفسرون قالوا هذا على المجاز ولا يجوز لأحد أن يتوهم على الحواريين أنهم شكوا في قدرة الله تعالى لأنهم ما كانوا على الشك بل هم أتباع أصفياء لسيّدنا عيسى عليه السلام، فهنا المعنى على المجاز، يعني أليس قد يقول الرجل لصاحبه هل تستطيع أن تقوم معي مع علمه بأنه يقدر على القيام من غير أن يكون عنده شك، والحواريون كانوا مؤمنين عارفين بالله عزَّ وجلّ ومعترفين بكمال قدرته.
إذًا لو سأل سائل لماذا قالوا ذلك؟ قالوا ليحصل لهم مزيد الطمأنينة، لذلك في قراءة ﴿هل تستطيعُ ربَّك﴾ وهذه قراءة علي وعائشة وابن عباس ومجاهد، والمعنى هل تستطيع أن تدعوَ وتسأل ربَّك أن ينزل علينا المائدة؟
ولذلك قيل أيضًا هل يقبل ربُّك دعاءَك ويعطيك بإجابة دعائِك وسؤالِك إنزالَ المائدة، وهذا معنى قريب أيضًا ﴿هل يستطيع ربك﴾ يعني قالوا هل يقبل ربُّك دعاءَك ويعطيك بإجابة دعائِك وسؤالك إنزاَل المائدة.
إبراهيم عليه السلام أليس قال ﴿قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ من جملة ما قيل في معاني ذلك أنه مما يحصل عند مشاهدة ما طلب سيّدنا إبراهيم عليه السلام يعطي ذلك مزيدًا من الطمأنينة في القلب، وهل يطمئنُّ قلبي بإجابة طلبي ﴿قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ بإجابة طلبي هل أُعطى الذي سألت أم لا؟ وإذًا هذا المعنى فيه زيادة من الطمأنينة.
فائدة مما جاء في الآثار: قيل (من أطاع اللهَ أطاعه كلُّ شيء)
معنى ذلك: ذلَّل الله له الصعاب وقرَّب الله له البعيد، هذا سرُّ الطاعة لله عزَّ وجلّ أن تطيعَ الله تبارك وتعالى في هذا سر، فإن أطعت الله عزَّ وجلّ ذلَّل الله لك الصعاب وقرَّب الله لك البعيد وهوّن الله عليك مصائب هذه الدنيا فماذا تلتمس؟ تلتمس طاعةً للناس معارضًا ومخالفًا ربَّ الناس؟ أم تطيع ربَّ الناس سبحانه وتعالى فيذلِّلُ الله لك ما في أيدي الناس وتأتيك الدنيا صاغرة؟ وهذا سرُّ في طاعة الله سبحانه وتعالى.
﴿أن يُنَزِّلَ علينا﴾
﴿يُنزِلَ﴾ مكيٌّ وبصري
﴿مائدة من السماء﴾
هي الخِوانُ إذا كان عليه الطعام من مَادَهُ إذا أعطاهُ كأنها تَميدُ مَن تقدَّم إليها، يعني ليس الخوان فقط الذي يوضع عليه الطعام من غير طعام، لا، إذا قيل مائدة معناه خوان عليه طعام، فإذًا سألوا الله سبحانه وتعالى أن ينزِّل هذه المائدة فماذا كان من سيّدنا عيسى عليه السلام؟ أجابهم قال
﴿قال اتقوا الله﴾
في اقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات
﴿إن كنتم مؤمنين(112)﴾
وقيل أمرهم بالتقوى ليحصلَ لهم هذا السؤال، أي إن أردتم الذي طلبتم وأن تنزِل هذه المائدة من السماء فاتقوا الله.
حيث مر في آيات تقدمت في هذه السورة العظيمة أن من أسباب الرزق تقوى الله ومن أسباب استجلاب الرحمة تقوى الله ومن أسباب تيسير المقاصد تقوى الله سبحانه وتعالى، وإذًا إلى كل غافل وضائع وتائه وغارق في الدنيا وبعيد عن طاعة الله عزَّ وجلّ وإلى كل لاهثٍ وراء الدنيا وإلى كل متتبع سرابَ الدنيا أين تذهب؟ مالك إلا أن تتقيَ الله فإلى أين تذهب؟ تأخذك الدنيا أيام وأسابيع وشهورًا ولعله سنينَ في بعض الأحيان ظنًّا منك أنك تبلغُ المجدَ والظَّفَر والسُؤدَدَ وتصير في درجات دنيوية وفي يدك ما في يدك من جاه الدنيا وأنت مُسَيكينٌ إنما أنت تبتعد ولو أنك أطعت الله عزَّ وجلّ واتقيت الله ليسر الله تعالى لك ذلك الأمر من غير أن تصير عبدًا له بل تبقى حرَّ نفسِك لست أسيرًا لشهوة نفسٍ ولا أسيرًا لمعصيةٍ ولا أسيرًا لدنيا فلا تُقدِم على شيء إلا أن تعلم هل هذا يرضي الله؟ فإن علمتَ أنه يرضي الله فأسرع إليه وإن علمت أن الله لا يحبه فالويل ثم الويل لك إن أنت سعيت إليه، إذ الإيمان يوجب التقوى.
﴿قالوا نريد أن نأكل منها﴾
تبركًا، وهذا دليلٌ على التبرك حتى في هذا الموضع فقد مرّ أيضًا في السورة الكريمة ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾.
وهنا أيضًا بعضهم قال لماذا يطلب الحواريون الذين هم أصفياء وأتباع سيدنا عيسى عليه السلام هذه المائدة؟ قالوا يتبركون بها.
أليس بعضهم يأتي يقول أتبرك بطعام هذا الرجل الصالح؟ أليس كان من يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل من قصعة أصابتها يد النبيّ عليه الصلاة والسلام؟ أليس منهم من كان يسعى إلى طعام وكان قد سبّح الطعام في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه عليه الصلاة والسلام في يد أبي بكر فسبح ففي يد عمر فسبّح فإن ظَفِرتَ بهذا الطعام الذي سبّح بين يدي رسول الله أفيه بركة أم ليس فيه بركة؟ وهؤلاء طلبوا ذلك لأجل البركة، ﴿وتطمئن قلوبنا﴾ ونزداد يقينًا كقول إبراهيم عليه السلام ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾.
﴿ونعلم أن قد صدقتنا﴾
أي نعلمُ صدقَك عيانًا كما علمناه استدلالًا، نعاين و نرى، نحن حصل عندنا اليقين لكن سبحان الله أحيانًا يسعى الواحد إلى بعض المشاهدات.
مثال توضيحي: في كل رمضان يسمع شخص عن ليلة القدر ويسمع أن هناك من يرى ليلة القدر وهو لا يرى ثم يمضي رمضان ولا يرى يقول رمضان الذي بعده لعله يحصل ثم يأتي رمضان الذي بعده ويقول لعله بعده وهكذا وهكذا، لكن إن مرةً هو رأى ذلك بعينه هو موقن بوجود ليلة القدر شجر يسجد وأبواب تفتح بالسماء وملائكة تنزل ودعوة صالحة مستجابة هو ما صار عنده شك لكن ما عاين، لكن إن عاين كم يكون في ذلك من التثبيت لفؤاده؟
إذا طال عليه ليالي طويلة ما رأى النبيّ عليه الصلاة والسلام يقول ما رأيت رسول الله فقلبه ماذا يصير فيه؟ فعندما تحصل له رؤية النبيّ عليه الصلاة والسلام كم يكون هذا قلبه يقوم بقلب بالهمة بالطاعة قد رأى أجمل البشر عليه الصلاة والسلام فيقول بعد كل هذا الحمد لله ظفرت ورأيت وجه النبيّ عليه الصلاة والسلام فنفسه تُقبل على طاعة الله عزَّ وجلّ فهذه المشاهدة اليقينية لها أثر في النفس ولها أثر في تثبيت الفؤاد.
﴿ونكون عليها من الشاهدين﴾
بما عاينّا لمن بعدنا، من الشاهدين لله بالوحدانية ولعيسى عليه السلام بالرسالة والنبوة، وقيل ﴿ونكون عليها من الشاهدين﴾ عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم وإنهم لما قالوا ذلك نيتهم صالحة، لما قالوا ذلك أمرهم عيسى أن يصوموا ثلاثين يومًا وقال لهم سيّدنا عيسى إنكم إذا صمتم ذلك ثلاثين يوما وأفطرتم فلا تسألون الله شيئًا إلا أعطاكم، ولما كان السؤالُ لزيادة العلم لا للتعنت .
فائدة:
قال النبيّ عليه الصلاة والسلام “من صام رمضان إيمانًا واحتسابا لله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه” لذلك من الليالي التي يستجاب فيها الدعاء ليلة عيد الفطر حيث يكون الواحد صام ثلاثين يوم دخلت في الطاعة.
﴿قال عيسى ابن مريم اللهم﴾
أصلُه يا الله فحُذِف يا وعُوِّضَ منه الميم
﴿ربنا﴾
نداءٌ ثان، يعني اللهم، أصلُه يا الله، اللهم يا الله هذا معناه
﴿أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا﴾
أي يكونُ يومُ نزولِها عيدًا، قيل هو يومُ الأحد ومن ثم اتخذه النصارى عيدًا، والعيدُ السرورُ العائد ولذا يقال يومُ عيد، فكان معناه تكون لنا سرورًا وفرحًا، لذلك يجوز أن نقول عن يوم مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدُ المولد، العيد السرورُ العائد، فنقول يومُ مولدِ النبيّ عليه الصلاة والسلام عيدُ المولد لنا أن نقول عيدُ المولد سرورٌ عائد.
﴿لأولنا وآخرنا﴾
بدلٌ من لنا بتكريرِ العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخرُ الناس كما يأكل أولُهم، أو للمتقدمين منا والأتباع
﴿وآية منك﴾
على صحة نبوتي، ثم أُكِّدَ ذلك بقوله:
﴿وارزقنا وأنت خير الرازقين(114)﴾
وأعطنا ما سألناك وأنت خير المعطين
﴿قال الله إني منزِّلها عليكم﴾
بالتشديد مدني وشامي وعاصم، وعَدَ الإنزالَ يعني وعد أن تنزل عليهم لكنه شرط عليهم شرطًا بقوله:
﴿فمن يكفر بعد منكم﴾
بعد إنزالها منكم
﴿فإني أعذبه عذابًا﴾
أي تعذيبًا كالسلام بمعنى التسليم
﴿لا أعذبه﴾
والضمير في ﴿لا أعذبه﴾ للمصدر ولو أُريد بالعذاب ما يُعَذَّبُ به لم يكن بُدٌّ من الباء
﴿أحدًا من العالمين(115)﴾
فعن وهبٍ نزلت مائدةٌ منكوسة تطير بها الملائكة عليها كلُّ طعام إلا اللحم، وقيل كانوا يجدون عليها ما شاءوا، وقيل كانت تنزل حيث كانوا بُكرَةً وعشيًّا، العشيّ العصر.
هذه إذًا معجزة عيسى عليه السلام من إنزال المائدة من السماء قيل إن عيسى اغتسل ولبس من المسوح وصلى ركعتين وطأطأ رأسَه وبكى ثم دعا الله تعالى فقال: ربنا أنزل علينا مائدة من السماء، فأجابه الله سبحانه وتعالى. قال ابن عباس: (كان يأكل منها أولُ الناس كما يأكل آخرهم)،
﴿وآية منك﴾: تكون المائدة دلالة على قدرتك ووحدانيتك وحجة بصدق رسولك
﴿وارزقنا﴾: هنا عبدٌ يريد أن يسأل الله حاجة ماذا يفعل؟ يتذلل لله، لبس من المسوح، لبس من الصوف الخشن صلى تذلل لله وبكى ثم دعا الله تعالى قال: وارزقنا وأنت خير الرازقين، وارزقنا ذلك من عندك، وقيل ارزقنا الشكر على هذه النعمة وأنت خير الرازقين، والله سبحانه وتعالى أجابه في ذلك.
لكن كان الإخبار بأنه إن حصل الجحود والكفر بعد نزول المائدة فسيكون العذاب لمن يجحد وقد كان فمخسهم الله تعالى خنازير، لذلك كان ابن عمر يقول: إن أشدَّ الناسِ عذابًا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وكذلك آلُ فرعون.
مما جاء في الخبر عن النبيّ عليه الصلاة والسلام قال: “أُنزِلت المائدة من السماء خبزًا ولحمًا وأُمِروا ألا يخونوا ولا يدّخروا لغد فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخوا قردة وخنازير”.
من جملة ما نزل عند المائدة من الروايات:
أقبلت الملائكة بمائدة يحملونها عليها سبعةُ أرغفة وسبعةُ أحوات من الحوت حتى وضعوها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم، قال سلمان الفارسي: (لما سأل الحواريون المائدة لبس عيسى صوفًا وبكى وقال اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها وهي تهوي إليهم منقضة حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى عليه السلام وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة، واليهود ينظرون إلى شيء لم ينظروا مثله ويجدوا ريحًا أطيب من ريحه، فقال عيسى عليه السلام: ليقم أحسنكم عملًا فليكشف عنها ويسم الله فقام رأس الحواريين، كان يقال له شمعون مصطفى، قال: أنت أولى بذلك منا، فقام سيّدنا عيسى فتوضأ وصلّى صلاة طويلة، وبكى بكاء كثيرًا ثم كشف المنديل عنها وقال: بسم الله خيرِ الرازقين فإذا هو بسمكةٍ مشوية ليس فيها شوك ولا عليها فلوس تسيل من الدسم وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكُرّاث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد.
فقال شمعون لسيّدنا عيسى: أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الجنة، ولكن ذكر ما معناه أن هذا من خلق الله سبحانه وتعالى، كلوا مما سألتم واشكروا يمددكم ويزدكم من فضله، ثم منهم من قال لسيّدنا عيسى كن أول من يأكل منها لكن عيسى الأمر له أن يطعمهم هذا الطعام لا أن يأكل هو، فعيسى قال لهم كلوا منها يعني من سأل يأكل منها، فخافوا أن يأكلوا منها مع كل هذا خافوا أن يأكلوا منها.
فدعا عيسى عليه السلام أهلَ الفاقة والمرض والجذام والمقعدين، فقال: كلوا من رزق الله لكم الشفاء ولغيركم البلاء، فأكلوا منها وهم ألف وثلاثمائة رجل وامرأة، منهم فقير ومنهم مريض وزمِن ومبتلى، صدروا منها وهم شباع وإذا السمكة بحالها حين أُنزِلَت.
ثم طارت المائدة صعودًا وهم ينظرون إليها حتى توارت وما أكل منها مريض أو زمِن أو مبتلى إلا عوفي ولا فقير إلا استغنى، وندم من لم يأكل منها.
في بعض الروايات يقال مكثت أربعين صباحًا تنزل ضحى فإذا نزلت اجتمع إليها الأغنياء والفقراء والصغار والكبار والرجال والنساء يأكلون منها ولا تزال منصوبةً يُؤكَل منها حتى يفيء الفيء، فإذا فاء الفيء طارت وهم ينظرون إليها حتى تتوارى عنهم، وهكذا كانت هذه المعجزة العظيمة لسيّدنا عيسى عليه السلام.
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
الجمهور على أن هذا السؤال يكون في يوم القيامة دليلُه سياق الآية، وقيل خاطبه به حين رفعه إلى السماء دليلُه لفظُ إذ، وهذا ليس معناه أن عيسى عليه السلام قال هذا أو أن مريم قالت هذا، لكن هذا لحكمة ولبيان أنه عليه السلام بريء من ذلك.
﴿قال سبحانك﴾
من أن يكون لك شريك
﴿ما يكون لي﴾
ما ينبغي لي
﴿أن أقول ما ليس لي بحق﴾
أن أقول قولًا لا يحق لي أن أقوله
﴿إن كنت قلته فقد علمته﴾
إن صح أني قلته فيما مضى فقد علمته، والمعنى أني لا أحتاج إلى الاعتذار لأنك تعلم أني لم أقُله، ولو قلته لعلمته لأنك ﴿تعلم ما في نفسي﴾
﴿إن كنت قلته فقد علمته﴾ إني أنا لا أقول ما فيه مخالفة لله عزَّ وجلّ أنا أُسَلِّم لله، يعني يا رب أنت تعلم أني أنا ما قلت هذا، الله يعلم أن عيسى ما كان منحرفًا عن طاعة الله تعالى ولا قال ما قاله أهل الشرك إنما هذا لإقامة الحجة عليهم أن عيسى عليه السلام بريء مما قالوه من الكفر
﴿تعلم ما في نفسي﴾
ذاتي
﴿ولا أعلم ما في نفسك﴾
ذاتِك، فنفسُ الشيء ذاتُه وهُوِيَّتُه، والمعنى تعلم معلومي ولا أعلم معلومَك، تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم، سبحان علام الغيوب. يعني هنا في غاية الأدب سيّدنا عيسى وإظهار المسكنة لعظمة الله وتفويض الأمر إلى علم الله تعالى.
قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ (تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك) يعني إنك تعلم ما كان وما سيكون.
﴿إنك أنت علام الغيوب(116)﴾
تقرير للجملتين معًا لأن ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب ولأن ما يعلم علامُ الغيوب لا ينتهي إليه علم أحد
﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به﴾
أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني به، ثم فسر ما أمر به فقال:
﴿أن اعبدوا الله ربي وربكم﴾
فأن مُفَسِّرَةٌ بمعنى أي
﴿وكنت عليهم شهيدًا﴾
رقيبًا
﴿ما دمت فيهم﴾
مدة كوني فيهم
﴿فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم﴾
الحفيظ ، فلما توفيتني يعني لما رفعتني إلى السماء هذا المراد من ﴿فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم﴾ يعني عندما أنا كنت فيهم وكنتُ عليهم شهيدًا ما دمت فيهم كنت أشهد ما يفعلون، أحصره ما دمت مقيمًا فيهم، ﴿فلما توفيتني﴾ فلما رفعتني إلى السماء، والصحيح أنه رفع مستيقظًا ليس نائمًا، وحيًّا ليس ميتًا، ﴿كنت أنت الرقيب عليهم﴾ يعني الحفيظ عليهم أي المراقبَ لأعمالهم وأحوالهم والرقيب الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء.
﴿وأنت على كل شيء شهيد(117)﴾
من قولي وفعلي وقولهم وفعلهم
﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم(118)﴾
لابد من التنبه لمعنى هذه الآية الكريمة لأن بعضًا هلك عندما فسرها على غير وجهها وظن أن المعنى أنه ولو مات كافرًا قد يغفر الله تعالى له، وليس المعنى هكذا.
قال الزجاج: عَلِم عيسى عليه السلام أن منهم من آمن ومنهم من أقام على الكفر فقال في جملتهم ﴿إن تعذبهم﴾ أي إن تعذب من كفر منهم ﴿فإنهم عبادك﴾ الذين علمتهم جاحدين لآياتك مكذبين لأنبيائك وأنت العادل في ذلك فإنهم قد كفروا بعد وجوب الحجة عليهم، ﴿وإن تغفر لهم﴾ أي لمن أقلع منهم وآمن فذلك تفضل منك، وأنت عزيزٌ لا يمتنع عليك ما تريد حكيم في ذلك، أو عزيز قوي قادر على الثواب حكيم لا يعاقب إلا عن حكمة وصواب.
﴿إن تعذبهم﴾ إن تعذب هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة بأن تميتهم على كفرهم فإنهم عباد لا يقدرون على دفع ضر نزل بهم ولا جلب نفع لأنفسهم، ﴿وإن تغفر لهم﴾ يعني لمن تاب عن كفره منهم بأن تهديه إلى الإيمان فإن ذلك بفضلك ورحمتك، ﴿فإنك أنت العزيز﴾ يعني في الانتقام ممن تريد الانتقام منه لا يمتنع عليك ما تريده، ﴿الحكيم﴾ في أفعالك كلِّها
﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾
برفع اليوم والإضافة على أنه خبرُ هذا، أي يقول الله تعالى هذا يوم ينفع الصادقين فيه صدقهم المستمر في دنياهم وآخرتِهم، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصبِ على المفعولية كما تقول قال زيدٌ عمرٌو منطلق، وبالنصب نافعٌ على الظرف أي قال الله هذا لعيسى عليه السلام ﴿يومَ ينفع الصادقين صدقهم﴾ وهو يوم القيامة.
فالمعنى الذي هو على قراءة النصب: أن الله أسمع عيسى ذلك يومَ القيامة لا أن الله يبتدئ ذلك اليوم لعيسى عليه السلام كلامًا يسمعه لأن كلام الله تعالى أزلي ليس متقيدًا بالزمان.
وفي الآية الكريمة ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ قال بعضهم السؤال يوم القيامة وبعضهم قال السؤال عند رفع عيسى عليه السلام ولكن قول الجمهور المفسرين إنما هو يقع في يوم القيامة، ففي قوله ﴿وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ إن أخذنا على هذا التفسير قد يقول البعض لكن هناك إشكال أنه لا يليق بعيسى عليه السلام طلب المغفرة لهم مع علمه بأن الله لا يغفر لمن يموت على الشرك.
الجواب على هذا الإشكال من وجهين:
الوجه الأول: أنه ليس هذا على طريق طلب المغفرة قالوا ولو كان كذلك لقال فإنك أنت الغفور الرحيم.
الوجه الثاني: قيل معناه ﴿إن تعذبهم﴾ يعني بإقامتهم على كفرهم إلى الموت ﴿وإن تغفر لهم﴾ يعني لمن آمن منهم وتاب ورجع عن كفره.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عزَّ وجلّ في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وقول عيسى :﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فرفع صلى الله عليه وسلم يديه وقال: “اللهم أمتي أمتي” وبكى، فقال الله تعالى يا جبريل اذهب إلى محمد وهو عالم سبحانه فاسأله ما يبكيك فأتاه جبريل فسأله، جبريل عليه السلام يأتي نبيَّنا عليه الصلاة والسلام بأمر من الله عزَّ وجلّ، فأتاه جبريل، فسأله فأخبره صلى الله عليه وسلم لِما قال، فقال الله يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك، رواه مسلم.
رأيتم رحمة الله تعالى بمحمد لهذه الأمة، كثيرممن يقرأ هذه الآية ويمر عليها ولا يقف وأما نبيُّنا فعندما وصل إليها بكى رحمة بهذه الأمة.
عن أبي ذر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قام حتى أصبح بآية من الليل إلى الصباح يرددها عليه الصلاة والسلام تدرون ما هي الآية؟ ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ غفر الله لي ولكم.
﴿لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم﴾
بالسعي المشكور
﴿ورضوا عنه﴾
بالجزاء الموفور
﴿ذلك الفوز العظيم(119)﴾
لأنه باقٍ بخلاف الفوز في الدنيا فهو غير باق
﴿لله ملك السماوات والأرض وما فيهن﴾
عظم نفسه عما قالت النصارى إن معه إلهًا آخر
﴿وهو على كل شيء قدير(120)﴾
من المنع والإعطاء والإيجاد والإفناء نسأله أن يوفقنا لمرضاته ويجعلنا من الفائزين بجناته وصلَّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم.