وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16)
هَذَا ابتِدَاءُ قِصَّةِ مَريَمَ وَابنِهَا عِيسَى عَلَيهِمَا السَّلَامُ، قَالَ سُبحَانَهُ: (وَاذْكُرْ) الخِطَابُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ (فِي الْكِتَابِ) القُرآنِ (مَرْيَمَ) أَيِ اقرَأ عَلَيهِم فِي القُرآنِ قِصَّةَ مَريَمَ لِيَقِفُوا عَلَيهَا وَيَعلَمُوا مَا جَرَى مَعَهَا، أَي عَرِّفهُم قِصَّتَهَا لِيَعرِفُوا كَمَالَ قُدرَتِنَا (إِذِ) المَقصُودُ بِذِكرِ مَريَمَ ذِكرُ وَقتِهَا هَذَا لِوُقُوعِ هَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ فِيهِ (انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) أَي تَخَلَّت لِلعِبَادَةِ فِي مَكَانٍ مِمَّا يَلِي شَرقِيَّ بَيتِ المَقدِسِ.
فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17)
(فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا) جَعَلَت بَينَهَا وَبَينَ أَهلِهَا حِجَابًا يَستُرُهَا (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا) جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَالإِضَافَةُ لِلتَّشرِيفِ([1])، وَإِنَّمَا سُمِّيَ رُوحًا لِأَنَّ الدِّينَ يَحيَا بِهِ وَبِوَحيِهِ.
(فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا) أَي فَتَمَثَّلَ لَهَا جِبرِيلُ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ شَابٍّ أَمرَدَ وَضِيءِ الوَجهِ جَعدِ الشَّعَرِ (سَوِيًّا) مُستَوِيَ الخَلقِ، وَإِنَّمَا مُثِّلَ لَهَا فِي صُورَةِ الإِنسَانِ لِتَستَأنِسَ بِكَلَامِهِ وَلَا تَنفِرَ عَنهُ، وَلَو بَدَا لَهَا فِي صُورَةِ المَلَائِكَةِ الَّتِي خُلِقُوا عَلَيهَا لَنَفَرَت وَلَم تَقدِر عَلَى استِمَاعِ كَلَامِهِ([2])
قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (18)
(قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (18)) أَي إِن كُنتَ تَقِيًّا مُطِيعًا فَلَا تَتَعَرَّض لِي بِسُوءٍ، لَكِنَّ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ سُرعَانَ مَا أَزَالَ عَنهَا اضطِرَابَهَا وَهَدَّأَ مِن رَوعِهَا فَـ
قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)
(قَالَ) جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ (إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) أَمَّنَهَا مِمَّا خَافَت وَأَخبَرَ أَنَّهُ لَيسَ بِآدَمِيٍّ بَل هُوَ رَسُولُ مَنِ استَعَاذَت بِهِ (لِأَهَبَ لَكِ) بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى، أَو لِأَكُونَ سَبَبًا فِي هِبَةِ الغُلَامِ بِالنَّفخِ فِي الدِّرعِ لِيَهَبَ لَكِ اللهُ (غُلَامًا زَكِيًّا) طَاهِرًا مِنَ الذُّنُوبِ، أَو نَامِيًا عَلَى الخَيرِ وَالبَرَكَةِ.
قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)
(قَالَتْ أَنَّىٰ) كَيفَ (يَكُونُ لِي غُلَامٌ) ابنٌ (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) زَوجٌ بِالنِّكَاحِ (وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) فَاجِرَةً تَبغِي الرِّجَالَ أَي تَطلُبُ الشَّهوَةَ مِن أَيِّ رَجُلٍ كَانَ، وَلَا يَكُونُ الوَلَدُ عَادَةً إِلَّا مِن أَحَدِ هَذَينِ.
قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا (21)
(قَالَ) جِبرِيلُ (كَذَٰلِكِ) أَيِ الأَمرُ كَمَا قُلتِ: لَم يَمَسَّكِ رَجُلٌ نِكَاحًا أَو زِنًى (قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ ) أَي قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ إِعطَاءَ الوَلَدِ بِلَا أَبٍ عَلَيَّ سَهلٌ (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ) أَي فَعَلنَا ذَلِكَ لِنَجعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ، أَو لِنُبَيِّنَ بِهِ قُدرَتَنَا وَلِنَجعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ، أَي عِبرَةً وَبُرهَانًا عَلَى قُدرَتِنَا (وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ ) لِمَن آمَنَ بِهِ (وَكَانَ) خَلقُ عِيسَى (أَمْرًا مَّقْضِيًّا) مُقَدَّرًا مَسطُورًا فِي اللَّوحِ، فَلَمَّا اطمَأَنَّت إِلَى قَولِهِ دَنَا مِنهَا فَنَفَخَ فِي جَيبِ دِرعِهَا([3]) فَوَصَلَتِ النَّفخَةُ إِلَى بَطنِهَا.
۞ فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22)
(فَحَمَلَتْهُ) أَيِ المَوهُوبَ وَكَانَ سِنُّهَا ثَلَاثَ عَشرَةَ سَنَةً أَو عَشرًا أَو عِشرِينَ (فَانتَبَذَتْ بِهِ) اعتَزَلَت وَهُوَ فِي بَطنِهَا، وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: كَانَت مُدَّةُ الحَملِ سَاعَةً وَاحِدَةً كَمَا حَمَلَتهُ نَبَذَتهُ، وَقِيلَ سِتَّةُ أَشهُرٍ وَقِيلَ سَبعَةٌ وَقِيلَ ثَمَانِيَةٌ، وَقِيلَ حَمَلَتهُ فِي سَاعَةٍ وَوَضَعَتهُ فِي سَاعَةٍ (مَكَانًا قَصِيًّا) بَعِيدًا عَن أَهلِهَا وَرَاءَ الجَبَلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَمَّا أَحَسَّت بِالحَملِ هَرَبَت مِن قَومِهَا مَخَافَةَ اللَّائِمَةِ.
فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23)
(فَأَجَاءَهَا) جَاءَ بِهَا، وَقِيلَ أَلجَأَهَا (الْمَخَاضُ) وَجَعُ الوِلَادَةِ (إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ) أَصلِهَا، وَكَانَت يَابِسَةً، وَكَانَ الوَقتُ شِتَاءً، وَتَعرِيفُهَا مُشعِرٌ بِأَنَّهَا كَانَت نَخلَةً مَعرُوفَةً، وَجَازَ أَن يَكُونَ التَّعرِيفُ لِلجِنسِ أَي جِذعِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، كَأَنَّهُ تَعَالَى أَرشَدَهَا إِلَى النَّخلَةِ لِيُطعِمَهَا مِنهَا الرُّطَبَ لِأَنَّهُ طَعَامُ النُّفَسَاءِ، ثُمَّ (قَالَتْ) جَزَعًا مِمَّا أَصَابَهَا (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا) اليَومِ (وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23)) شَيئًا مَترُوكًا لَا يُعرَفُ وَلَا يُذكَرُ، وَهُوَ الشَّىءُ الَّذِي حَقُّهُ أَن يُطرَحَ وَيُنسَى.
فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24)
(فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا) أَيِ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُ كَانَ بِمَكَانٍ مُنخَفِضٍ عَنهَا أَو عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، وَسُلِّيَت بِقَولِهِ لِشِدَّةِ مَا لَقِيَت (أَلَّا تَحْزَنِي) لَا تَهتَمِّي بِالوَحدَةِ وَعَدَمِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَمَقَالَةِ النَّاسِ (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ) قُربَكِ، أَو تَحتَ أَمرِكِ إِن أَمَرتِهِ أَن يَجرِيَ جَرَى وَإِن أَمَرتِهِ أَن يَقِفَ وَقَفَ (سَرِيًّا) نَهَرًا صَغِيرًا عِندَ الجُمهُورِ، وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ السَّرِيِّ فَقَالَ هُوَ الجَدوَلُ([4])، وَعَنِ الحَسَنِ: سَيِّدًا كَرِيمًا يَعنِي عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ([5])، وَرُوِيَ أَنَّ خَالِدَ بنَ صَفوَانٍ قَالَ لَهُ: إِنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الجَدوَلَ سَرِيًّا، فَقَالَ: الحَسَنُ صَدَقتَ، وَرَجَعَ إِلَى قَولِهِ([6])، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: ضَرَبَ عِيسَى أَو جِبرِيلُ عَلَيهِمَا السَّلَامُ بِعَقِبِهِ الأَرضَ فَظَهَرَت عَينُ مَاءٍ عَذبٍ فَجَرَى النَّهَرُ اليَابِسُ فَاخضَرَّتِ النَّخلَةُ وَأَثمَرَت وَأَينَعَت ثَمَرَتُهَا فَقِيلَ لَهَا:
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)
(وَهُزِّي إِلَيْكِ) (بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) أَي هُزِّي جِذعَ النَّخلَةِ (تُسَاقِطْ) تَتَسَاقَط (عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) طَرِيًّا، وَقَالُوا التَّمرُ لِلنُّفَسَاءِ عَادَةٌ مِن ذَلِكَ الوَقتِ، وَقِيلَ لَيسَ لِلنُّفَسَاءِ خَيرٌ مِنَ الرُّطَبِ وَلَيسَ لِلمَرِيضِ خَيرٌ مِنَ العَسَلِ.
فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26)
(فَكُلِي) مِنَ الرُّطَبِ الجَنِيِّ(وَاشْرَبِي) مِنَ السَّرِيِّ (وَقَرِّي عَيْنًا ۖ) بِالوَلَدِ الرَّضِيِّ، أَي طِيبِي نَفسًا بِعِيسَى وَارفُضِي عَنكِ مَا أَحزَنَكِ (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا) أَي فَإِن رَأَيتِ آدَمِيًّا يَسأَلُكِ عَن حَالِكِ (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا) صَمتًا وَإِمسَاكًا عَنِ الكَلَامِ، وَكَانُوا يَصُومُونَ عَنِ الكَلَامِ كَمَا يَصُومُونَ عَنِ الأَكلِ وَالشُّربِ([7])، وَقِيلَ صِيَامًا حَقِيقَةً، وَكَانَ صِيَامُهُم فِيهِ الصَّمتُ، وَقَد نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن صَومِ الصَّمتِ فَصَارَ ذَلِكَ مَنسُوخًا فِينَا([8])، وَإِنَّمَا أُمِرَت أَن تَنذُرَ السُّكُوتَ لِأَنَّ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ يَكفِيهَا الكَلَامَ بِمَا يُبَرِّئُ بِهِ سَاحَتَهَا، وَلِئَلَّا تُجَادِلَ السُّفَهَاءَ، وَإِنَّمَا أَخبَرَتهُم بِأَنَّهَا نَذَرَتِ الصَّومَ بِالإِشَارَةِ، وَقَد تُسَمَّى الإِشَارَةُ كَلَامًا وَقَولًا، وَقِيلَ كَانَ وُجُوبُ الصَّمتِ بَعدَ هَذَا الكَلَامِ، أَو سُوِّغَ لَهَا هَذَا القَدرُ بِالنُّطقِ (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26)) آدَمِيًّا.
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)
(فَأَتَتْ بِهِ) بِعِيسَى (قَوْمَهَا) بَعدَ مَا طَهُرَت مِن نِفَاسِهَا (تَحْمِلُهُ ۖ) أَي أَقبَلَت نَحوَهُم حَامِلَةً إِيَّاهُ فَلَمَّا رَأَوهُ مَعَهَا (قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) بَدِيعًا عَجِيبًا، وَالفَريُ القَطعُ كَأَنَّهُ يَقطَعُ العَادَةَ.
يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)
(يَا أُخْتَ هَارُونَ) وَكَانَ أَخَاهَا مِن أَبِيهَا وَمِن أَفضَلِ بَنِي إِسرَائِيلَ، أَو هُوَ أَخُو مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ وَكَانَت مِن أَعقَابِهِ وَبَينَهُمَا أَلفُ سَنَةٍ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ يَا أَخَا هَمدَانَ أَي يَا وَاحِدًا مِنهُم، أَو رَجُلٌ صَالِحٌ فِي زَمَانِهَا شَبَّهُوهَا بِهِ فِي الصَّلَاحِ (مَا كَانَ أَبُوكِ) عِمرَانُ (امْرَأَ سَوْءٍ) زَانِيًا (وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ) حَنَّةُ (بَغِيًّا) زَانِيَةً.
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)
(فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ ) إِلَى عِيسَى أَن يُجِيبَهُم، وَذَلِكَ أَنَّ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ قَالَ لَهَا لَا تَحزَنِي وَأَحِيلِي بِالجَوَابِ عَلَيَّ، وَقِيلَ أَمَرَهَا جِبرِيلُ بِذَلِكَ، وَلَمَّا أَشَارَت إِلَيهِ غَضِبُوا وَتَعَجَّبُوا وَ(قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ) حَدَثَ وَوُجِدَ (فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا).
قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)
(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ)([9]) لَمَّا أَسكَتَت بِأَمرِ اللهِ لِسَانَهَا النَّاطِقَ أَنطَقَ اللهُ اللِّسَانَ السَّاكِتَ حَتَّى اعتَرَفَ بِالعُبُودِيَّةِ وَهُوَ ابنُ أَربَعِينَ لَيلَةً أَوِ ابنُ يَومٍ، رُويَ أَنَّهُ أَشَارَ بِسَبَّابَتِهِ وَقَالَ بِصَوتٍ رَفِيعٍ إِنِّي عَبدُ اللهِ، وَفِيهِ رَدٌّ لِقَولِ المُخَالِفِينَ فِي أَمرِ عِيسَى وَأُمِّهِ، وَفِي بَقِيَّةِ كَلَامِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ فِي المَهدِ مَزِيدُ رَدٍّ عَلَيهِم فِي هَذَا الاِدِّعَاءِ البَاطِلِ، قَالَ عَلَيهِ السَّلَامُ: (آتَانِيَ الْكِتَابَ) الإِنجِيلَ (وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) مَعنَاهُ سَيُنَزَّلُ عَلَيَّ الكِتَابُ فِي المُستَقبَلِ وَيَجعَلُنِي نَبِيًّا فِي المُستَقبَلِ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أَنَّ عِيسَى كَانَ فِي المَهدِ نَبِيًّا وَكَلَامُهُ مُعجِزَتُهُ، وَقِيلَ مَعنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ سَبَقَ فِي قَضَاءِ اللهِ أَو جَعَلَ الآتِيَ لَا مَحَالَةَ كَأَنَّهُ وُجِدَ.
وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)
(وَجَعَلَنِي) ([10]) (مُبَارَكًا)([11]) أَيْنَ مَا كُنتُ) نَفَّاعًا حَيثُ كُنتَ، أَو مُعَلِّمًا لِلخَيرِ(وَأَوْصَانِي) وَأَمَرَنِي (بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) إِن مَلَكتُ مَالًا، وَقِيلَ بِصَدَقَةِ الفِطرِ، أَو تَطهِيرِ البَدَنِ وَيَحتَمِلُ وَأَوصَانِي بِأَن آمُرَكُم بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ (مَا دُمْتُ حَيًّا) نَصبٌ عَلَى الظَّرفِ أَي مُدَّةَ حَيَاتِي.
وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)
(وَبَرًّا بِوَالِدَتِي) عَطفًا عَلَى مُبَارَكًا، أَي بَارًّا بِهَا أُكرِمُهَا وَأُعَظِّمُهَا (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا) مُتَكَبِّرًا (شَقِيًّا) عَاقًّا.
وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)
(وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ) يَعنِي فِي الدُّنيَا (وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) أَي ذَلِكَ السَّلَامُ المُوَجَّهُ إِلَى يَحيَى فِي المَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ مُوَجَّهٌ إِلَيَّ إِن كَانَ حَرفُ التَّعرِيفِ لِلعَهدِ، وَإِن كَانَ لِلجِنسِ فَالمَعنَى وَجِنسُ السَّلَامِ عَلَيَّ، وَفِيهِ تَعرِيضٌ بِاللَّعنَةِ عَلَى أَعدَاءِ مَريَمَ وَابنِهَا لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: وَجِنسُ السَّلَامِ عَلَيَّ فَقَد عَرَّضَ بِأَنَّ ضِدَّهُ عَلَيكُم، إِذِ المَقَامُ مَقَامُ مُنَاكَرَةٍ وَعِنَادٍ فَكَانَ مَئِنَّةً([12]) لِمِثلِ هَذَا التَّعرِيضِ.
ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)
وَبَعدَ أَن ظَهَرَ الحَقُّ فِي أَمرِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أَكَّدَ الحَقُّ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى سَلَامَةَ المُعتَقَدِ فِيهِ فَقَالَ: (ذَٰلِكَ) مُبتَدَأٌ (عِيسَى) خَبَرُهُ (ابْنُ مَرْيَمَ ۚ) نَعتُهُ أَو خَبَرٌ ثَانٍ، أَي ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرنَاهُ عِيسَى ابنُ مَريَمَ فَكَذَلِكَ اعتَقِدُوهُ، لَا كَمَا تَقُولُ بَعضُ اليَهُودِ: إِنَّهُ ابنُ يُوسُفَ النَّجَّارِ، وَلَا كَمَا قَالَ غَيرُهُم: إِنَّهُ الإِلَهُ أَوِ ابنُ الإِلَهِ (قَوْلَ الْحَقِّ) كَلِمَةَ اللهِ، فَالقَولُ الكَلِمَةُ وَالحَقُّ اللهُ، وَمَعنَى قَولِنَا عَن عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ (كَلِمَةُ اللهِ) أَي بِشَارَتُهُ الَّتِي بَشَّرَتهَا بِهَا المَلَائِكَةُ، أَي أَقُولُ القَولَ الحَقَّ فِي عِيسَى: هُوَ ابنُ مَريَمَ وَلَيسَ بِإِلَهٍ كَمَا يَدَّعُونَ (الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) مِنَ المِريَةِ وَهِيَ الشَّكُّ أَي يَشُكُّونَ، أَو مِنَ المِرَاءِ وَهُوَ الجَدَلُ أَي يُجَادِلُونَ وَيَختَلِفُونَ، فَقَالَتِ اليَهُودُ سَاحِرٌ كَذَّابٌ، وَقَالَتِ النَّصَارَى ابنُ اللهِ وَثَالِثُ ثَلَاثَةٍ.
(مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ۖ سُبْحَانَهُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (35)
(مَا كَانَ لِلَّه) أَي يَستَحِيلُ عَلَى اللهِ (أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ۖ ) جِيءَ بِـ(مِن) لِتَأكِيدِ النَّفيِ (سُبْحَانَهُ ۚ) نَزَّهَ ذَاتَهُ عَنِ اتِّخَاذِ الوَلَدِ (إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) أَي أَنَّ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ هُوَ عَبدٌ مِن عِبَادِ اللهِ مَخلُوقٌ وَأُمُّهُ هِيَ مَريَمُ، وَاللهُ تَعَالَى لَا يُعجِزُهُ شَىءٌ وَلَا يَؤُودُهُ وَيُتعِبُهُ شَىءٌ، بَل يُوجِدُ مَا أَرَادَ وُجُودَهُ بِسُرعَةٍ أَي مِن غَيرِ تَأَخُّرٍ عَنِ الوَقتِ الَّذِي أَرَادَ وُجُودَهُ فِيهِ مِن غَيرِ أَن يَلحَقَهُ تَعَبٌ وَلَا مَشَقَّةٌ.
(36) (وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ)
(وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ ) وَهُوَ مِن كَلَامِ عِيسَى، يَعنِي كَمَا أَنَّنِي عَبدُهُ فَأَنتُم عَبِيدُهُ عَلَيَّ وَعَلَيكُم أَن نَعبُدَهُ، أَي وَأَوصَانِي بِالصَّلَاةِ وَبِالزَّكَاةِ وَبِأَنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُم، أَو وَلِأَنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُم فَاعبُدُوهُ (هَٰذَا) الَّذِي ذَكَرتُ (صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) فَاعبُدُوهُ وَلَا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا([13]).
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37)
(فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ) يَعنِي الكُفَّارَ مِنَ النَّصَارَى (مِن بَيْنِهِمْ ۖ ) اختَلَفُوا فِي عِيسَى وَتَفَرَّقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ، قَالَتِ النَّسطُورِيَّةُ: عِيسَى ابنُ اللهِ، وَاليَعقُوبِيَّةُ قَالُوا: إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ، وَالمَلكَانِيَّةُ قَالُوا: إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ مِن قَولِهِم جَمِيعًا (فَوَيْلٌ) أَيِ الشِّدَّةُ مِنَ العَذَابِ (لِّلَّذِينَ كَفَرُوا) مِنَ هَؤُلَاءِ الأَحزَابِ (مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) هُوَ يَومُ القِيَامَةِ، فَعِيسَى لَم يَكُنِ اللهَ وَلَا وَلَدَهُ وَلَا شَرِيكَهُ، وَجَعَلَهُ عَظِيمًا لِفَظَاعَةِ مَا شَهِدُوا بِهِ فِي عِيسَى.
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَٰكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (38)
(أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ ) الجُمهُورُ عَلَى أَنَّ لَفظَهُ أَمرٌ وَمَعنَاهُ التَّعَجُّبُ وَاللهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالتَّعَجُّبِ، وَلَكِنِ المُرَادُ أَنَّ سَمَاعَهُم وَإِبصَارَهُم لِلحَقِّ يَومَ القِيَامَةِ جَدِيرٌ بِأَن يُتَعَجَّبَ مِنهُمَا بَعدَ مَا كَانُوا صُمًّا وَعُميًا فِي الدُّنيَا، قَالَ قَتَادَةُ: إِن عَمُوا وَصَمُّوا عَنِ الحَقِّ فِي الدُّنيَا فَمَا أَسمَعَهُم وَمَا أَبصَرَهُم بِالهُدَى يَومَ لَا يَنفَعُهُم (لَٰكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ) أَي لَكِنَّهُمُ اليَومَ فِي الدُّنيَا بِظُلمِهِم أَنفُسَهُم حَيثُ تَرَكُوا الِاستِمَاعَ وَالنَّظَرَ حِينَ كَانَ يُجدِي عَلَيهِم وَوَضَعُوا العِبَادَةَ فِي غَيرِ مَوضِعِهَا (فِي ضَلَالٍ) عَنِ الحَقِّ (مُّبِينٍ) ظَاهِرٍ، وَهُوَ اعتِقَادُهُم عِيسَى إِلَهًا مَعبُودًا مَعَ ظُهُورِ آثَارِ الحَدَثِ، وَفِيهِ إِشعَارٌ بِأَنَّهُ لَا ظُلمَ أَشَدُّ مِن ظُلمِهِم.
وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39)
(وَأَنذِرْهُمْ) خَوِّفهُم (يَوْمَ الْحَسْرَةِ) يَومَ القِيَامَةِ لِأَنَّهُ يَقَعُ فِيهِ النَّدَمُ عَلَى مَا فَاتَ، فَإِنَّ الكَافِرَ يُعرَضُ عَلَيهِ مَقعَدُهُ فِي الجَنَّةِ أَن لَو كَانَ مُؤمِنًا وَمَقعَدَهُ فِي النَّارِ الَّذِي سَيَتَبَوَّؤُهُ فِي الآخِرَةِ (إِذْ) بَدَلٌ مِن(يَوْمَ الْحَسْرَةِ)أَو ظَرفٌ لِلحَسرَةِ (قُضِيَ الْأَمْرُ) فُرِغَ مِنَ الحِسَابِ وَتَصَادَرَ الفَرِيقَانِ إِلَى الجَنَّةِ وَالنَّارِ (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ) عَنِ الِاهتِمَامِ لِذَلِكَ المَقَامِ فِي الدُّنيَا (وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) لَا يُصَدِّقُونَ بِهِ، وَهُمَا حَالَانِ، أَي وَأَنذِرهُم عَلَى هَذِهِ الحَالِ غَافِلِينَ غَيرَ مُؤمِنِينَ.
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40)
(إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا) أَي نَتَفَرَّدُ بِالمُلكِ وَالبَقَاءِ عِندَ تَعمِيمِ الهُلكِ وَالفَنَاءِ، وَذَكَرَ (مَن) لِتَغلِيبِ العُقَلَاءِ (وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) أَي يُرَدُّونَ فَيُجَازَونَ جَزَاءً وِفَاقًا.
([1]) الشَّىءُ يُضَافُ إِلَى اللهِ إِمَّا بِمَعنَى أَنَّهُ خَلقٌ لَهُ هُوَ خَلَقَهُ وَكَوَّنَهُ وَيُضَافُ إِلَى اللهِ عَلَى أَنَّهُ صِفَتُهُ، فَإِذَا قُلنَا قُدرَةُ اللهِ عِلمُ اللهِ هَذِهِ الإِضَافَةُ إِضَافَةُ الصِّفَةِ إِلَى المَوصُوفِ، أَمَّا إِذَا قُلنَا نَاقَةُ اللهِ بَيتُ اللهِ هَذِهِ إِضَافَةُ المِلكِ وَالتَّشرِيفِ، فَالكَعبَةُ نُسَمِّيهَا بَيتَ اللهِ وَكُلُّ مَسجِدٍ كَذَلِكَ.
([2]) لَو جَاءَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ السَّيِّدَةَ مَريَمَ عَلَى خِلقَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللهُ عَلَيهَا لَرُبَّمَا خَافَت مِن عِظَمِ خِلقَتِهِ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَالمَلَائِكَةُ الكِرَامُ جَمِيعُهُم لَيسُوا ذُكُورًا وَلَا إِنَاثًا، لَا يَأكُلُونَ وَلَا يَشرَبُونَ وَلَا يَنَامُونَ، قَالَ ابنُ حَجَرٍ: «عَن سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ قَالَ: المَلَائِكَةُ لَيسُوا ذُكُورًا وَلَا إِنَاثًا وَلَا يَأكُلُونَ وَلَا يَشرَبُونَ وَلَا يَتَنَاكَحُونَ وَلَا يَتَوَالَدُونَ، قُلتُ: وَفِي قِصَّةِ المَلَائِكَةِ مَعَ إِبرَاهِيمَ وَسَارَةَ مَا يُؤَيِّدُ أَنَّهُم لَا يَأكُلُونَ»، وَهُم أَجسَامٌ لَطِيفَةٌ أُعطِيَت قُدرَةً عَلَى التَّشَّكُّلِ بِأَشكَالٍ مُختَلفَةٍ، لَكِنَّهُم إِذَا تَشَكَّلُوا بِشَكلِ بَشَرٍ فَيَتَشَكَّلُونَ بِصُورَةِ الذُّكُورِ مِن غَيرِ آلَةِ الذُّكُورِيَّةِ، وَلَا يَتَشَكَّلُونَ بِصُورَةِ الإِنَاثِ، وَكُلُّهُم رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم أَولِيَاءُ للهِ، وَهُم ذَوُو أَجنِحَةٍ، فَمِنهُم مَن لَهُ جَنَاحَانِ، وَمِنهُم لَهُ أَربَعَةٌ، وَمِنهُم لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ كَجِبرِيلَ، وَاللهُ خَلَقَ جِبرِيلَ عَلَى سِتِّمِائَةِ جَنَاحٍ وَكُلُّ جَنَاحٍ يَسُدُّ مَا بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، هَذِهِ صُورَتُهُ الأَصلِيَّةُ، وَيُوجَدُ مَن هُوَ مِنَ المَلَائِكَةِ أَكبَرُ جِسمًا مِن جِبرِيلَ كَحَمَلَةِ العَرشِ، وَلَهُم أَعضَاءٌ، وُجُوهٌ وَأَرجُلٌ وَأَيدٍ. وَأَشرَفُ المَلَائِكَةِ وَرَئِيسُهُم هُوَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَهُم أَكثَرُ المَخلُوقَاتِ عَدَدًا، وَتَجِبُ العِصمَةُ مُطلَقًا مِن كُلِّ ذَنبٍ لِجَمِيعِ المَلَائِكَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، فَلَا يَجُوزُ عَلَيهِمُ الصَّغِيرَةُ مُطلَقًا فَضلًا عَمَّا هُوَ أَشنَعُ مِنهَا كَالكَبَائِرِ وَالكُفرِ، فَلَا يَصدُرُ مِنهُم مَعصِيَةٌ قَطُّ، وَالنُّصُوصُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى عِصمَةِ المَلَائِكَةِ صَرِيحَةٌ وَكَثِيرَةٌ مِنهَا قَولُهُ تَعَالَى: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6)) [سُورَةُ التَّحرِيمِ:6].
([3]) قَالَ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (91) [سُورَةُ الأَنبِيَاءِ:91]، قَالَ السُّهَيلِيُّ: فَلَا يَذهَبَنَّ وَهَمُكَ إِلَى غَيرِ هَذَا، فَإِنَّهُ مِن لَطِيفِ الكِنَايَةِ لِأَنَّ القُرآنَ أَنزَهُ مَعنًى، وَأَوزَنُ لَفظًا، وَأَلطَفُ إِشَارَةً، وَأَحسَنُ عِبَارَةً مِن أَن يُرِيدَ مَا يَذهَبُ إِلَيهِ وَهَمُ الجَاهِلِ، لَا سِيَّمَا وَالنَّفخُ مِن رُوحِ القُدُسِ بِأَمرِ القُدُّوسِ، وَنَزِّهِ المُقَدَّسَةَ المُطَهَّرَةَ عَنِ الظَّنِّ الكَاذِبِ وَالحَدسِ. (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا) يَعنِي أَمَرنَا جِبرِيلَ حَتَّى نَفَخَ فِي دِرعِهَا، فَأَحدَثنَا بِذَلِكَ النَّفخِ المَسِيحَ فِي بَطنِهَا.اهـ الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرآنِ، لِلقُرطُبِيِّ (ج11 ص338).
([4]) التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِي (ج21 ص528).
([5]) مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَحَقَائِقُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج2 ص332).
([7]) هَكَذَا كَانَ الصِّيَامُ فِي شَرِيعَةِ زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ.
([8]) مُسنَدُ أَبِي حَنِيفَةَ بِرِوَايَةِ الحَصكَفِيِّ، لِلإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعمَانِ (ص323).
([9]) تَنزِيهُ اللهِ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقِ: إِنَّ مِن أَهَمِّ هَذِهِ الثَّوَابِتِ الَّتِي تُرَسِّخُهَا سُورَةُ مَريَمَ هِيَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقِ وَأَنَّ الإِلَهَ الحَقَّ لَا يُشبِهُ مَخلُوقَاتِهِ بِوَجهٍ مِنَ الوُجُوهِ، حَيثُ أَثبَتَت هَذِهِ السُّورَةُ مِن كَلَامِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ حِينَ كَانَ فِي المَهدِ اعتِرَافَهُ بِالعُبُودِيَّةِ للهِ تَعَالَى حِينَ قَالَ: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) وَأَنَّهُ نَبِيٌّ مُرسَلٌ مِن عِندِ اللهِ وَلَيسَ ابنًا لَهُ كَمَا ادَّعَت بَعضُ الطَّوَائِفِ زُورًا وَبُهتَانًا. وَتَفصِيلُ ذَلِكَ أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ حَمَلَتهُ أُمُّهُ كَمَا تَحمِلُ النِّسَاءُ أَولَادَهَا، وَكَبِرَ فِي رَحِمِ أُمِّهِ كَمَا تَكبَرُ سَائِرُ الأَجِنَّةِ، وَوَضَعَتهُ أُمُّهُ كَمَا تَضَعُ النِّسَاءُ، وَنَزَلَ مُحتَاجًا إِلَى مَن يَرعَاهُ، مُحتَاجًا إِلَى الأَكلِ وَالشُّربِ، يُحَدِّثُ النَّاسَ وَيُحَدِّثُونَهُ، يُجَالِسُهُم وَيُجَالِسُونَهُ، صِفَاتُهُ كَصِفَاتِهِم، إِلَّا أَنَّهُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ مُشَرَّفٌ بِالصِّفَاتِ العَلِيَّةِ مُطَهَّرٌ عَنِ الصِّفَاتِ الرَّذِيلَةِ، فَهُوَ جِسمٌ مِنَ الأَجسَامِ وَبَشَرٌ كَسَائِرِ البَشَرِ، وَأَيضًا مِن أَهَمِّ الدَّلَائِلِ عَلَى بُطلَانِ قَولِهِم بِأُلُوهِيَّةِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ هُوَ أَنَّ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ لَهُ بِدَايَةٌ، كَانَ بَعدَ أَن لَم يَكُن، وَمِن أَكبَرِ صِفَاتِ المَخلُوقِ الحُدُوثُ، وَقَد نَفَى اللهُ تَعَالَى عَن عِيسَى الأُلُوهِيَّةَ لِأَجلِ هَذِهِ المَعَانِي، فَأَشَارَ النَّفيُ مَعَ تَعلِيلِ النَّفيِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَن يَكُونَ الإِلَهُ مُتَّصِفًا بِمِثلِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَهِيَ الجِسمِيَّةُ وَالشَّكلُ وَاللَّونُ وَالِاحتِيَاجُ وَالحُلُولُ فِي المَكَانِ وَالحُدُوثُ وَصِفَاتُ الحُدُوثِ، فَالكَلَامُ الَّذِي نَطَقَ بِهِ سَيِّدُنَا عِيسَى مِن أَدَلِّ الأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ مَخلُوقٌ للهِ تَعَالَى عَبدٌ لَهُ وَنَبِيٌّ، وَعَلَى أَنَّهُ لَيسَ ابنًا للهِ تَعَالَى وَالعِيَاذُ بِاللهِ، فَقَد أَنطَقَهُ اللهُ القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ بِالِاعتِرَافِ بِالعُبُودِيَّةِ وَهُوَ ابنُ أَربَعِينَ يَومًا، وَكَفَى بِهَذَا شَاهِدًا وَدَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ.
([10]) يُفهَمُ مِن قَولِهِ عَلَيهِ السَّلَامُ: (وَجَعَلَنِي) وَتَكرَارِهِ فِي الآيَاتِ أَنَّ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مَخلُوقٌ للهِ، وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَن قَالَ بِأَنَّهُ إلهٌ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
([11]) وَهَذِهِ الآيَةُ تُثبِتُ البَرَكَةَ فِي أَنبِيَاءِ اللهِ وَلَا سِيَّمَا فِي سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإِذَا كَانَ عِيسَى مُبَارَكًا كَمَا قَالَ، فَكَيفَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَمِن هُنَا أَخَذَ العُلَمَاءُ جَوَازَ التَّبَرُّكِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَبِآثَارِهِ الشَّرِيفَةِ وَبِآثَارِ الأَنبِيَاءِ.
([12]) قَالَ الرَّازِيُّ: (المَئِنَّةُ) العَلَامَةُ. اهـ مُختَارُ الصَّحَاحِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ بنِ أَبِي بَكرٍ الرَّازِيِّ (ص289).
([13]) كُلُّ هَذِهِ الآيَاتِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ دَعوَةَ جَمِيعِ الأَنبِيَاءِ هِيَ الإِسلَامُ، كُلُّ الأَنبِيَاءِ دَعَوا إِلَى تَوحِيدِ اللهِ وَأَمَرُوا أَقوَامَهُم بِهِ.