﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾
وَالمِحرابُ قِيلَ: غُرفَةٌ في المَسجِدِ صَعِدَ إِلَيها بِسُلَّمٍ، بَناها لَها زَكَرِيَّا. وَقيلَ: المِحرابُ أَشرَفُ المَجالِسِ وَمُقَدَّمُها، فَكَأَنَّها وُضِعَت في أَشرَفِ مَوضِعٍ مِن بَيتِ المَقدِسِ. وَقيلَ: كانَت مَساجِدُهُم تُسَمَّى المَحاريبَ، وَكانَ لا يَدخُلُ عَلَيها إِلَّا هُوَ وَحدَهُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾
أَي: كانَ يَجِدُ عِندَها رِزقًا عَجِيبًا، وَقَد ذَكَرَ المُفَسِّرونَ أَنَّ رِزقَها كانَ يَنزِلُ عَلَيها مِنَ الجَنَّةِ، وَأَنَّها لَم تَرضَع ثَديًا قَطُّ، وَكانَ زَكَرِيَّا يَجِدُ عِندَها فاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيفِ، وَفاكِهَةَ الصَّيفِ في الشِّتاءِ.
فَقالَ لَها: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾
أَي: مِن أَينَ لَكِ هٰذا الرِّزقُ الَّذي لا يُشبِهُ أَرزاقَ الدُّنيا، وَيَأتي في غَيرِ أَوانِهِ؟
فَقالَت: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
أَي: هُوَ فَضلٌ مِنَ اللَّهِ وَرِزقٌ ساقَهُ إِلَيَّ. وَقيلَ: إِنَّها تَكَلَّمَت وَهِيَ صَغيرَةٌ، كَما تَكَلَّمَ عيسى عَلَيهِ السَّلامُ في المَهدِ.
ثُمَّ مِن جُملَةِ كَلامِ مَريمَ، أو مِن كَلامِ ربِّ العَالَمينَ قالَت ـ أَو قالَ اللَّهُ تَعالى ـ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
أَي: بِغَيرِ تَقديرٍ لِكَثرَتِهِ، أَو تَفَضُّلًا مِن غَيرِ مُحاسَبَةٍ وَلا مُجازاةٍ عَلى عَمَلٍ.
ثُمَّ قالَ سُبحانَهُ: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾
أَي: في ذٰلِكَ المَكانِ الَّذي كانَ فيه عِندَ مَريَمَ في المِحرابِ، أَو في ذٰلِكَ الوَقتِ؛ فَقَد تُستَعارُ «هُنالِكَ» وَ«هُنا» وَ«ثَمَّ» لِلزَّمانِ كَما تُستَعمَلُ لِلمَكانِ. فَلَمَّا رَأى زَكَرِيَّا ما لِمَريَمَ مِنَ الكَرامَةِ عِندَ اللَّهِ، وَما لَها مِنَ المَنزِلَةِ العَظِيمَةِ، رَغِبَ أَن يَكونَ لَهُ وَلَدٌ يَكونُ لَهُ نَظيرُ هٰذِهِ الكَرامَةِ، مَعَ أَنَّهُ كانَ شَيخًا كَبيرًا وَامرَأَتُهُ عاقِرًا. وَقيلَ: لَمَّا رَأى الفاكِهَةَ في غَيرِ وَقتِها، تَنَبَّهَ إِلى جَوازِ وِلادَةِ العاقِرِ، فَدَعا رَبَّهُ.
فَقالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾
أَي: ارزُقنِي مِن عِندِكَ وَلَدًا صالِحًا مُبارَكًا؛ وَ«الذُّرِّيَّةُ» تُطلَقُ عَلَى الواحِدِ وَالجَمعِ، وَتَأنيثُ «طَيِّبَةً» لِمُراعَاةِ لَفظِ الذُّرِّيَّةِ.
ثُمَّ خَتَمَ دُعاءَهُ بِقَولِهِ: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾
أَي: سَميعٌ لِلدُّعاءِ، مُجيبٌ لَهُ.