وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60)
(وَإِذْ) وَاذكُر إِذ.
(قَالَ مُوسَىٰ) وَهَذَا ابتِدَاءُ قِصَّةٍ ثَالِثَةٍ ذَكَرَهَا اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَهِيَ أَنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ([1]) ذَهَبَ إِلَى الخَضِرِ عَلَيهِ السَّلَامُ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ العِلمَ، وَهَذَا وَإِن كَانَ كَلَامًا مُستَقِلًّا فِي نَفسِهِ إِلَّا أَنَّهُ يُعِينُ عَلَى مَا هُوَ المَقصُودُ فِي القِصَّتَينِ السَّابِقَتَينِ، أَمَّا نَفعُ هَذِهِ القِصَّةِ فِي الرَّدِّ عَلَى الكُفَّارِ الَّذِينَ افتَخَرُوا عَلَى فُقَرَاءِ المُسلِمِينَ بِكَثرَةِ الأَموَالِ وَالأَنصَارِ فَهُوَ أَنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مَعَ كَثرَةِ عِلمِهِ وَعَمَلِهِ وَعُلُوِّ مَنصِبِهِ وَاستِجمَاعِ مُوجِبَاتِ الشَّرَفِ التَّامِّ فِي حَقِّهِ ذَهَبَ إِلَى الخَضِرِ عَلَيهِ السَّلَامُ لِطَلَبِ العِلمِ وَتَوَاضَعَ لَهُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوَاضُعَ خَيرٌ مِنَ التَّكَبُّرِ، وَأَمَّا نَفعُ هَذِهِ القِصَّةِ فِي قِصَّةِ أَصحَابِ الكَهفِ فَهُوَ أَنَّ اليَهُودَ قَالُوا لِكُفَّارِ مَكَّةَ إِن أَخبَرَكُم مُحَمَّدٌ عَن هَذِهِ القِصَّةِ فَهُوَ نَبِيٌّ وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا لَيسَ بِشَيءٍ لِأَنَّهُ لَا يَلزَمُ مِن كَونِهِ نَبِيًّا مِن عِندِ اللهِ أَن يَكُونَ عَالِمًا بِجَمِيعِ القَصَصِ وَالوَقَائِعِ، كَمَا أَنَّ كَونَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ نَبِيًّا صَادِقًا مُرسَلًا مِن عِندِ اللهِ لَم يَمنَع مِن أَمرِ اللهِ إِيَّاهُ بِأَن يَذهَبَ إِلَى الخَضِرِ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ، فَظَهَرَ مِمَّا ذَكَرنَا أَنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قِصَّةٌ مُستَقِلَّةٌ بِنَفسِهَا وَمَعَ ذَلِكَ فَهِيَ نَافِعَةٌ فِي تَقرِيرِ المَقصُودِ فِي القِصَّتَينِ المُتَقَدِّمَتَينِ.
(لِفَتَاهُ) هُوَ يُوشَعُ بنُ نُونٍ([2])، وَهُوَ أَوَّلُ أَنبِيَاءِ بَنِي إِسرَائِيلَ بَعدَ مُوسَى عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَانَ يَحكُمُ بِالتَّورَاةِ، وَإِنَّمَا قِيلَ فَتَاهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَخدُمُهُ وَيَتبَعُهُ وَيَأخُذُ مِنهُ العِلمَ.
وَفِي تَفَاصِيلِ القِصَّةِ: رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى مِصرَ مَعَ بَنِي إِسرَائِيلَ وَاستَقَرُّوا بِهَا بَعدَ هَلَاكِ القِبطِ سَأَلَ رَبَّهُ: أَيُّ عِبَادِكَ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: الَّذِي يَذكُرُنِي وَلَا يَنسَانِي، قَالَ: فَأَيُّ عِبَادِكَ أَقضَى؟ قَالَ: الَّذِي يَقضِي بِالحَقِّ وَلَا يَتبَعُ الهَوَى، قَالَ: فَأَيُّ عِبَادِكَ أَعلَمُ؟ قَالَ: الَّذِي يَبتَغِي عِلمَ النَّاسِ إِلَى عِلمِهِ عَسَى أَن يُصِيبَ كَلِمَةً تَدُلُّهُ عَلَى هُدًى أَو تَرُدُّهُ عَنِ الرَّدَى، فَقَالَ: إِن كَانَ فِي عِبَادِكَ مَن هُوَ أَعلَمُ مِنِّي فَدُلَّنِي عَلَيهِ، قَالَ: أَعلَمُ مِنكَ الخَضِرُ، قَالَ: أَينَ أَطلُبُهُ؟ قَالَ: عَلَى السَّاحِلِ عِندَ الصَّخرَةِ، قَالَ: يَا رَبِّ كَيفَ لِي بِهِ؟ قَالَ: تَأخُذُ حُوتًا فِي مِكتَلٍ([3]) فَحَيثُ فَقَدتَهُ فَهُوَ هُنَاكَ، فَقَالَ لِفَتَاهُ: إِذَا فَقَدتَ الحُوتَ([4]) فَأَخبِرنِي، فَذَهَبَا يَمشِيَانِ، فَرَقَدَ مُوسَى فَاضطَرَبَ الحُوتُ وَوَقَعَ فِي البَحرِ، فَلَمَّا جَاءَ وَقتُ الغَدَاءِ طَلَبَ مُوسَى الحُوتَ فَأَخبَرَهُ فَتَاهُ بِوُقُوعِهِ فِي البَحرِ، فَأَتَى الصَّخرَةَ فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى أَي مُغَطًّى بِثَوبِهِ فَسَلَّمَ عَلَيهِ مُوسَى فَرَدَّ عَلَيهِ السَّلَامَ، وَقَالَ: وَأَنَّى بِأَرضِكَ السَّلَامُ([5]) فَعَرَّفَهُ نَفسَهُ، فَقَالَ مُوسَى: أَنَا عَلَى عِلمٍ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعلَمُهُ أَنتَ، وَأَنتَ عَلَى عِلمٍ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعلَمُهُ أَنَا، وَفِي الحَدِيثِ: «بَينَا مُوسَى فِي مَلَأٍ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ إِذ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: هَل تَعلَمُ أَحَدًا أَعلَمَ مِنكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوحَى اللهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبدُنَا الخَضِرُ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقيَاهُ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً([6])».اهـ وَالخَضِرُ([7]) يَزِيدُ عَلَى مُوسَى بِعِلمِ الكُشُوفَاتِ، أَمَّا بِعِلمِ الشَّرِيعَةِ مُوسَى يَزِيدُ عَلَيهِ، ثُمَّ بَعدَ أَنِ اجتَمَعَا وَدَخَلَ السَّفِينَةَ قَالَ لَهُ الخَضِرُ هَذَا الكَلَامَ: “مَا عِلمِي وَعِلمُكَ هَذَا يَا مُوسَى فِي جَنبِ عِلمِ اللهِ إِلَّا كَمَا نَقَرَ هَذَا العُصفُورُ مِنَ البَحرِ”، مَعنَاهُ لَا نَعلَمُ مِن مَعلُومَاتِ اللهِ إِلَّا القَدرَ القَلِيلَ الَّذِي أَعطَانَا، وَالقَدرُ الَّذِي أَعطَانَا بِالنِّسبَةِ لِمَا لَم يُعطِنَا كَمَا أَصَابَ مِنقَارُ العُصفُورِ مِنَ المَاءِ حِينَ غَمَسَهُ فِي البَحرِ، وَلَمَّا مَرَّتِ السَّفِينَةُ بَعدَ حِينٍ بِدُونِ أَن يَغرَقَ أَحَدٌ مَرَّرَ الخَضِرُ يَدَهُ عَلَى مَكَانِ اللَّوحَينِ المَكسُورَينِ فَعَادَا كَمَا كَانَا بِإِذنِ اللهِ وَاستَبشَرَ بِهِ أَهلُ السَّفِينَةِ، ثُمَّ وَصَلَ إِلَى مُرَادِهِ فَنَزَلَ هُوَ وَمُوسَى ثُمَّ قَالَ لَهُ الخَضِرُ: يَا مُوسَى أَنتَ عَلَى عِلمٍ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعلَمُهُ أَنَا، وَأَنَا عَلَى عِلمٍ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعلَمُهُ أَنتَ، ثُمَّ الخَضِرُ عَلَيهِ السَّلَامُ وَعَلَى مُوسَى وَعَلَى جَمِيعِ أَنبِيَاءِ اللهِ عَلَى التَّوَاضُعِ للهِ تَعَالَى، قَالَ: يَا مُوسَى أَنتَ عَلَى عِلمٍ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعلَمُهُ، وَأَنا عَلَى عِلمٍ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعلَمُهُ أَنتَ، فَإِن قِيلَ كَيفَ يَتَّفِقُ هَذَا أَي كَلَامُ الخَضِرِ مَعَ مَا أَوحَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى مُوسَى “بَلَى عَبدُنَا الخَضِرُ”؟ لِأَنَّ هَذِهِ الجُملَةَ مَعنَاهَا الخَضِرُ أَعلَمُ مِنكَ يَا مُوسَى لَستَ أَنتَ أَعلَمَ النَّاسِ؟ فَالجَوَابُ أَن يُقَالَ: إِنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ لَيسَت مَعلُومَاتُهُ بِكَثرَةِ مَعلُومَاتِ الخَضِرِ فِي كُلِّ الأُمُورِ وَإِن كَانَ مُوسَى أَفضَلَ مِنهُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ، وَكَانَ الخَضِرُ لَا يَزِيدُ عَلَيهِ فِي العِلمِ الشَّرعِيِّ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِمَعرِفَةِ اللهِ مَعرِفَةِ أُمُورِ الحَلَالِ وَالحَرَامِ وَالحَسَنِ وَالقَبِيحِ، إِنَّمَا يَزِيدُ الخَضِرُ عَلَى مُوسَى فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحوَالِ الكَائِنَات وَالمَخلُوقَاتِ، لِأَنَّ الخَضِرَ عَلَيهِ السَّلَامُ رُزِقَ مِنَ العُمُرِ مَا لَا يَعلَمُهُ أَحَدٌ مِنَ البَشَرِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، لِأَنَّهُ كَانَ قَبلَ مُوسَى بِزَمَانٍ، يُمكِنُ أَن يَكُونَ مَضَى عَلَيهِ قَبلَ مُوسَى أَلفُ سَنَةٍ أَو أَكثَرُ مِن أَلفٍ، اللهُ أَعلَمُ كَم كَانَ عُمُرُهُ حِينَ خُلِقَ مُوسَى، وَكَانَ عِندَهُ مِنَ المَعلُومَاتِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَحوَالِ المَخلُوقَاتِ مَا لَيسَ عِندَ مُوسَى فَبِهَذَا يُجمَعُ بَينَ قَولِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِمُوسَى: “بَلَى عَبدُنَا الخَضِرُ”، أَي عَبدُنَا الخَضِرُ أَعلَمُ مِنكَ أَي فِي بَعضِ الأَشيَاءِ، وَبَينَ قَولِ الخَضِرِ: “يَا مُوسَى أَنَا عَلَى عِلمٍ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعلَمُهُ أَنتَ وَأَنتَ عَلَى عِلمٍ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعلَمُهُ أَنَا”، هَكَذَا يُجمَعُ بَينَ الجُملَتَينِ.
(لَا أَبْرَحُ) لَا أَزَالُ.
(حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) المَعنَى لَا أَزَالُ أَسِيرُ حَتَّى أَبلُغَ مَجمَعَ البَحرَينِ، وَهُوَ المَكَانُ الَّذِي وُعِدَ فِيهِ مُوسَى لِقَاءَ الخَضِرِ عَلَيهِمَا السَّلَامُ، وَهُوَ مُلتَقَى بَحرِ فَارِسَ وَالرُّومِ وَسُمِّيَ خَضِرًا لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَروَةٍ بَيضَاءَ فَاهتَزَّت خَضرَاءَ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ([8]).
(أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) أو أَسِيرَ زَمَانًا طَوِيلًا، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ سَنَةً.
فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61)
(فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا)
مَجمَعَ البَحرَينِ.
(نَسِيَا حُوتَهُمَا)
أَي نَسِيَ أَحَدُهُمَا وَهُوَ يُوشَعُ لِأَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ الزَّادِ، دَلِيلُهُ.
(فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ)
وَهُوَ كَقَولِهِم نَسُوا زَادَهُم، وَإِنَّمَا يَنسَاهُ مُتَعَهِّدُ الزَّادِ، قِيلَ: كَانَ الحُوتُ سَمَكَةً مَملُوحَةً فَنَزَلَا لَيلَةً عَلَى شَاطِئِ عَينِ الحَيَاةِ وَنَامَ مُوسَى، فَلَمَّا أَصَابَ السَّمَكَةَ رُوحُ المَاءِ أَي “قُوَّتُهُ وَبَردُهُ” عَاشَت وَوَقَعَت فِي المَاءِ.
(فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ)
أَيِ اتَّخَذَ طَرِيقًا لَهُ مِنَ البَرِّ إِلَى البَحرِ.
(سَرَبًا (61)
أَي سَرَبَ فِيهِ سَرَبًا، يَعنِي دَخَلَ فِيهَ وَذَهَبَ، وَحُكِيَ فَوقَ ذَلِكَ أَقوَالٌ أُخَرُ مِنهَا مَا رُوِيَ أَنَّ الحُوتَ جَعَلَ لَا يَمَسُّ شَيئًا مِنَ البَحرِ إِلَّا يَبِسَ حَتَّى يَكُونَ صَخرَةً، وَقِيلَ: جَعَلَ لَا يَسلُكُ طَرِيقًا إِلَّا صَارَ المَاءُ جَامِدًا، وَأَصَحُّ مِن ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الشَّيخَانِ وَأَحمَدُ وَغَيرُهُم عَن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «فَأَمسَكَ اللهُ([9]) بِقُدرَتِهِ عَنِ الحُوتِ جِريَةَ المَاءِ فَصَارَ مِثلَ الطَّاقِ([10])».اهـ وَأَشَارَ ﷺ إِلَى صِفَةِ الطَّاقِ، وَالطَّاقُ مَا عُطِفَ مِنَ الأَبنِيَةِ أَي جُعِلَ كَالقَوسِ مِن قَنطَرَةٍ وَكَوَّةٍ([11]).
فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا (62)
(فَلَمَّا جَاوَزَا)
مَجمَعَ البَحرَينِ ثُمَّ نَزَلَا وَقَد سَارَا مَا شَاءَ اللهُ.
(قَالَ)
مُوسَى.
(لِفَتَاه)
يُوشَعَ.
(آتِنَا غَدَاءَنَا)
أَي طَعَامَنَا الَّذِي نَتَغَدَّى بِهِ وَهُوَ السَّمَكَةُ.
)لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا (62)
تَعَبًا وَلَم يَتعَب وَلَا جَاعَ قَبلَ ذَلِكَ.
قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63(
)قَالَ(
يُوشَعُ لِمُوسَى.
)أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا)
أَي حِينَ نَزَلنَا.
(إِلَى الصَّخْرَةِ)
وَنِمنَا عِندَهَا وَهِيَ مَوضِعُ المَوعِدِ.
)فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ)
أَي حَملَهُ، وَقِيلَ: إِنَّ يُوشَعَ رَأَى مَا حَصَلَ لِلسَّمَكَةِ، لَكِنَّهُ قَالَ لَا أُوقِظُ مُوسَى، ثُمَّ نَسِيَ أَن يُخبِرَهُ فِيمَا بَعدُ مَا جَرَى، ثُمَّ اعتَذَرَ يُوشَعُ قَائِلًا.
)وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ)
أَي فَأَنسَانِي أَن أَحمِلَ الحُوتَ فَفَقدَاهُ.
(وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63)
أَي يَتَعَجَّبُ مِنهُ، وَهُوَ أَنَّ أَثَرَ الحُوتِ بَقِيَ إِلَى حَيثُ سَارَ، أَو مَعنَاهُ فَنَسِيتُ أَن أُخبِرَكَ بِخَبَرِهِ، فَإِنَّهُ حَيِيَ بِإِذنِ اللهِ وَوَقَعَ فِي البَحرِ وَاتَّخَذَ مَسلَكَهُ فِيهِ، وَإِنَّهُ لَأَمرٌ عَجَبٌ، وَرُوِيَ أَنَّ الأَمرَ العَجَبَ كَانَ فِي أَنَّهُمَا قَد أَكَلَا شَيئًا مِنَ السَّمَكَةِ فَأَحيَاهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا هِيَ عَلَيهِ مِنَ الهَيئَةِ، فَلَمَّا عَلِمَ مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ الحُوتَ ذَهَبَ فِي المَاءِ وَبَقِيَ أَثَرُهُ مُتَّصِلًا إِلَى حَيثُ سَارَ فِي البَحرِ.
قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا (64(
)قَالَ ذَٰلِكَ)
أَي فَقدُ الحُوتِ فِي المَوضِعِ هُوَ.
(مَا)
أَيِ الَّذِي.
)كُنَّا نَبْغِ ۚ )
أَي نَطلُبُهُ مِنَ العَلَامَةِ عَلَى وُجُودِ الخَضِرِ، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى اتِّخَاذِهِ سَبِيلًا، أَي ذَلِكَ الَّذِي كُنَّا نَطلُبُ، لِأَنَّ ذَهَابَ الحُوتِ كَانَ عَلَمًا([12]) عَلَى لِقَاءِ الخَضِرِ عَلَيهِ السَّلَامُ.
(فَارْتَدَّا)
أَي فَرَجَعَ مُوسَى وَيُوشَعُ.
(عَلَىٰ آثَارِهِمَا(
فَرَجَعَا فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءَا فِيهِ يَقُصَّانِ.
)قَصَصًا (64(
أَي يَتبَعَانِ آثَارَهُمَا اتِّبَاعًا حَتَّى بَلَغَا الصَّخرَةَ الَّتِي كَانَ عِندَهَا مِن أَمرِ الحُوتِ مَا كَانَ، قَالَ الزَّجَّاجُ: القَصَصُ: اتِّبَاعُ الأَثَرِ([13]).اهـ
فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65(
)فَوَجَدَا(
أَي فَلَمَّا وَصَلَا إِلَى مَوضِعِ الصَّخرَةِ وَجَدَا.
)عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا(
هُوَ نَبِيُّ اللهِ الخَضِرُ بَليَا ابنُ مَلكَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَكُنيَتُهُ أَبُو العَبَّاسِ، جَالِسًا فِي البَحرِ أَو مُغَطًّى بِثَوبٍ عِندَ ذَلِكَ المَوضِعِ.
) آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا(
رَحمَةً خَاصَّةً وَهِيَ الوَحيُ وَالنُّبُوَّةُ.
)وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا(
أَي مِن قِبَلِنَا.
)عِلْمًا(65)
يَعنِي الأَخبَارَ بِالغُيُوبِ بِمَا عَلَّمَهُ اللهُ، وَقِيلَ العِلمُ الَّلدُنِّيُّ مَا حَصَلَ لِلعَبدِ بِطَرِيقِ الإِلهَامِ، وَهَذَا يُعطَاهُ النَّبِيُّ مِن طَرِيقِ الوَهبِ وَهُوَ نَوعٌ مِنَ الوَحيِ.
قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66(
)قَالَ لَهُ مُوسَىٰ(
بِلُطفٍ وَتَوَاضُعٍ بَالِغَينِ، رُوِيَ أَنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى الخَضِرِ عَلَيهِ السَّلَامُ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيكُم فَقَالَ: وَعَلَيكَ السَّلَامُ يَا نَبِيَّ بَنِي إِسرَائِيلَ فَقَالَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ: مَن عَرَّفَكَ هَذَا؟ قَالَ الخَضِرُ: الَّذِي بَعَثَكَ إِلَيَّ، قَالُوا هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الخَضِرَ إِنَّمَا عَرَفَ ذَلِكَ بِالوَحيِ وَالوَحيُ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ النُّبُوَّةِ. )هَلْ أَتَّبِعُكَ(
أَي جِئتُ لِأَصحَبَكَ وَأَتَّبِعَكَ.
)عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا(66)
أَي عِلمًا ذَا رُشدٍ أَرشُدُ بِهِ فِي دِينِي، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ أَن يَترُكَ طَلَبَ العِلمِ وَإِن كَانَ قَد بَلَغَ نِهَايَتَهُ وَأَن يَتَوَاضَعَ لِمَن هُوَ أَعلَمُ مِنهُ، وَالرُّشدُ وَالرَّشَدُ إِصَابَةُ الحَقِّ، فَطَلَبَ مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الخَضِرِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَن يُعَلِّمَهُ بَعضَ مَا خَصَّهُ اللهُ بِهِ مِنَ العِلمِ، فَقَالَ الخَضِرُ عَلَيهِ السَّلَامُ: “يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلمٍ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعلَمُهُ وَأَنتَ عَلَى عِلمٍ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعلَمُهُ” فَقَالَ مُوسَى:) هَلْ أَتَّبِعُكَ(
قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67(
)قَال(
الخَضِرُ لِمُوسَى بِلُطفٍ.
)إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا(67)
أَي عَنِ الإِنكَارِ وَالسُّؤَالِ، أَي فِي أُمُورٍ خَاصَّةٍ وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ لَا صَبرَ لَهُ بِالمَرَّةِ، فَإِنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مِن أُولِي العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ أَيِ الَّذِينَ بَلَغُوا الغَايَةَ فِي الصَّبرِ، وَبِذَلِكَ مَدَحَهَمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَخَاطَبَ نَبِيَّهُ ﷺ فَقَالَ: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) ([14])، وَرَسُولُ اللهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أَعلَى الأَنبِيَاءِ فِي الصَّبرِ، وَوَجهُ قَولِ الخَضِرِ عَلَيهِ السَّلَامُ ذَلِكَ لِمُوسَى أَنَّ الخَضِرَ يُبَاشِرُ بَعضَ الأُمُورِ نَظَرًا إِلَى بَاطِنِهَا وَأَمَّا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ يَنظُرُ لَهَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ([15]).
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68)
أَي عَلَى أَمرٍ لَا تَعلَمُهُ مِن حَيثُ البَاطِنُ، بَل تَرَاهُ فَتُنكِرُ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ، وَالرَّجُلُ الصَّالِحُ لَا يَتَمَالَكُ أَن يَجزَعَ إِذَا رَأَى ذَلِكَ فَكَيفَ إِذَا كَانَ نَبِيًّا.
قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69(
)قَالَ(
مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِندَئِذٍ.
)سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا(
مِنَ الصَّابِرِينَ عَنِ الإِنكَارِ وَالِاعتِرَاضِ.
)وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا(69)
أَي سَتَجِدُنِي صَابِرًا وَغَيرَ عَاصٍ ثُمَّ لَم يَقُلِ الخَضِرُ لِمُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ اتَّبِعنِي بَل تَوَاضَعَ لَهُ وَهَذَا دَأبُ الأَنبِيَاءِ.
قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70(
)قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي(
أَي لَكِن إِن صَحِبتَنِي فَرَأَيتَ مِنِّي شَيئًا قَد عَلِمتَ أَنَّهُ صَحيِحٌ إِلَّا أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيكَ وَجهُ فِعلِي فِيهِ فَأَنكَرتَ فِي نَفسِكَ.
)فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْء(
فَلَا تُفَاتِحنِي بِالسُّؤَالِ وَلَا تُرَاجِعنِي فِيهِ.
)حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا(70)
حَتَّى أَكُونَ أَنَا الفَاتِحَ عَلَيكَ أَيِ البَادِئَ بِذِكرِ الأَمرِ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَفعَالَ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ لَا تَصدُرُ عَن عَبَثٍ بَل يَكُونُ لَهُم فِيهَا حِكمَةٌ وَغَايَةٌ حَمِيدَةٌ.
فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71)
(فَانطَلَقَا)
أَي مُوسَى وَالخَضِرُ عَلَيهِمَا السَّلَامُ عَلَى سَاحِلِ البَحرِ يَطلُبَانِ السَّفِينَةَ، فَلَمَّا رَكِبَاهَا قَالَ أَهلُهَا: هُمَا مِنَ اللُّصُوصِ، وَقَالَ صَاحِبُ السَّفِينَةِ: أَرَى وُجُوهَ الأَنبِيَاءِ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيرِ نَولٍ([16])، فَلَمَّا لَجَجُوا([17]) أَخذَ الخَضِرُ الفَأسَ.
(حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا)
أَخَذَ الخَضِرُ قَدُّومًا أَو فَأسًا فَـ (خَرَقَهَا) أَي شَقَّهَا بِأَن قَلَعَ لَوحَينِ مِن أَلوَاحِهَا مِمَّا يَلِي المَاءَ فَجَعَل مُوسَى يَسُدُّ الخَرقَ بِثِيَابِهِ.
(قَالَ)
لَهُ مُوسَى قَومٌ حَمَلُونَا بِغَيرِ عِوَضٍ فَعَمَدتَ إِلَى سَفِينَتِهِم فَخَرَقتَهَا.
(أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا)
أَي ظَاهِرُ الأَمرِ مِنَ الخَرقِ أَن يُؤَدِّيَ إِلَى غَرَقِ السَّفِينَةِ وَفِيهَا أَهلُهَا.
(لَقَدْ جِئْتَ)
أَي أَتَيتَ بِمَا فَعَلتَ.
(شَيْئًا إِمْرًا (71)
أَتَيتَ شَيئًا عَظِيمًا هَائِلًا مِن حَيثُ الظَّاهِرُ وَلَم يَتَبَيَّن لِمُوسَى بَعدُ بَاطِنُ الأَمرِ الَّذِي جَاءَهُ الخَضِرُ وَحَقِيقَتُهُ، مَعَ أَنَّ سَيِّدَنَا مُوسَى يُوقِنُ أَنَّ فِعلَ سَيِّدِنَا الخَضِرِ كَانَ لِحِكمَةٍ وَلَم يَكُن عَن عَبَثٍ بَل لَهُ فِي فِعلِهِ ذَلِكَ تَأوُّلٌ حَسَنٌ مَقبُولٌ.
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72)
(قَالَ)
أَي الخَضِرُ لِمُوسَى.
(أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72)
أَي عَنِ الإِنكَارِ وَالِاعتِرَاضِ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الأَمرِ الَّذِي تَرَاهُ مِنِّي مَع خَفَاءِ بَاطِنِهِ عَنكَ.
قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73)
(قَالَ)
مُوسَى لِلخَضِرِ لَمَّا رَأَى أَنَّ الخَرقَ لَا يَدخُلُهُ المَاءُ وَلَم يَضُرَّ مَن فِي السَّفِينَةِ. (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ)
بِالَّذِي نَسِيتُهُ، أَرَادَ أَنَّهُ نَسِيَ وَصِيَّتَهُ وَلَا مُؤَاخَذَة عَلَى النَّاسِي، أَو أَرَادَ بِالنِّسيَانِ التَّركَ أَي لَا تُؤَاخِذنِي بِمَا تَرَكتُ مِن وَصِيَّتِكَ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
(وَلَا تُرْهِقْنِي)
أَي وَلَا تُحَمِّلنِي.
(مِنْ أَمْرِي)
فِي اتِّبَاعِكَ.
(عُسْرًا (73)
أَي مَشَقَّةً، مَعنَاهُ لَا تُعَسِّر عَلَيَّ مُتَابَعَتَكَ وَيَسِّرهَا عَلَيَّ بِالإِغضَاءِ وَتَركِ المُنَاقَشَةِ، فَقَبِلَ الخَضِرُ عَلَيهِ السَّلَامُ عُذرَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، وَخَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ.
فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا (74)
(فَانطَلَقَا)
يَمشِيَانِ مَعًا.
(حَتَّىٰ إِذَا)
مَرَّا بِغِلمَانٍ يَلعَبُونَ.
(لَقِيَا)
بَينَهُم.
(غُلَامًا)
حَسَنَ الشَّكلِ وَضِيءَ الوَجهِ فَأَخَذَهُ الخَضِرُ وَأَضجَعَهُ.
(فَقَتَلَهُ)
ذَبحًا بِالسِّكِّينِ أَو بِرَضخِ رَأسِهِ بِحَجَرٍ أَو بِضَربِ رَأسِهِ بِالحَائِطِ وَقِيلَ غَيرُ ذَلِكَ.
(قَالَ)
مُوسَى لِلخَضِرِ.
(أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً)
وَهِيَ الطَّاهِرَةُ مِنَ الذُّنُوبِ، إِمَّا لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ عِندَهُ لِأَنَّهُ لَم يَرَهَا قَد أَذنَبَت، أَو لِأَنَّهَا صَغِيرَةٌ لَم تَبلُغِ الحِنثَ، إِذ كَانَ الغُلَامُ دُونَ البُلُوغِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، وَكَانَ قَتلُكَ لَهُ.
(بِغَيْر)
قِصَاصٍ فِي مُقَابِلِ.
قَتلٍ لـ (نَفْسٍ) أُخرَى، وَالغُلَامُ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ قَتَلَهُ بِوَحيٍ مِنَ اللهِ لِمَا كَانَ سَيَفعَلُهُ مِنَ المَفَاسِدِ لَو تُرِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ دُونَ البُلُوغِ وَلَا يُقَالُ إِنَّهُ يَدخُلُ النَّارَ، نَحنُ نَسكُتُ عَن هَذَا الغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ([18])، وَهُوَ يَحتَمِلُ إِحدَى أَمرَينِ، يَحتَمِلُ أَنَّ الخَضِرَ قَتَلَهُ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ إِن كَبِرَ بَعدَ بُلُوغِهِ يَجُرُّ أَبَوَيهِ إِلَى الكُفرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّه أُعلِمَ بِطَرِيقِ الوَحيِ أَنَّهُ إِن بَلَغَ يَجُرُّ أَبَوَيهِ إِلَى الكُفرِ وَهُوَ يَمُوتُ كَافِرًا، فَقَتَلَهُ، وَرَدَ فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ طُبِعَ كَافِرًا وَأَنَّهُ لَو عَاشَ لَأَرهَقَ أَبَوَيهِ([19]) وَلَم يَذكُرُوا هَل يَذهَبُ إِلَى الجَنَّةِ أَم إِلَى النَّارِ وَنَحنُ نَسكُتُ عَن هَذَا.
تَنبِيهٌ: لَا يَجُوزُ عَلَى نَبِيٍّ مِن أَنبِيَاءِ اللهِ تَعَالَى أَن يَقتُلَ نَفسًا بِغَيرِ حَقٍّ، فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَصَمَ أَنبِيَاءَهُ عَنِ الكُفرِ وَالكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الخِسَّةِ قَبلَ النُّبُوَّةِ وَبَعدَهَا، وَليُحذَر أَيضًا مِن ضَلَالٍ وَقَعَ فِيهِ بَعضُ النَّاسِ حِينَ قَالُوا عَن مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ إِنَّهُ أَسَاءَ الظَنَّ فِي الخَضِرِ، فَنِسبَةُ ذَلِكَ إِلَى الأَنبِيَاءِ كُفرٌ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
(لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا (74)
أَي أَمرًا عَجِيبًا لَا يَظهَرُ لِي بَاطِنُهُ.
۞ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75)
(قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75)
أَي عَنِ الإِنكَارِ وَالِاعتِرَاضِ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الأَمرِ الَّذِي تَرَاهُ مِنِّي.
قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ۖ قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا (76)
(قَالَ)
مُوسَى.
(إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا)
بَعدَ هَذِهِ الكَرَّةِ أَو المَسأَلَةِ.
(فَلَا تُصَاحِبْنِي)
أَي فَارِقنِي.
(قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا (76)
أُعذِرتَ فِيمَا بَينِي وَبَينَكَ فِي الفِرَاقِ حَيثُ خَالَفتُكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)
(فَانطَلَقَا)
يَمشِيَانِ مَعًا.
(حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ)
هِيَ أَنطَاكِيَةُ([20]) أَو الأَيلَةُ([21])، وَهِيَ أَبعَدُ أَرضِ اللهِ مِنَ السَّمَاءِ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعدَ المَغرِبِ.
(اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا)
أَي سَأَلَا أَهلَهَا الضِّيَافَةَ، وَمِن وَظِيفَةِ المُضِيفِ إِكرَامُ الضَّيفِ بِشَيءٍ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ مُسَافِرًا، وَلَكِنَّ أَهلَ هَذِهِ القَريَةِ كَانُوا بُخَلَاءَ.
(فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا)
امتَنَعُوا أَن يُنزِلُوهُمَا عَلَيهِم ضُيُوفًا، قَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «كَانُوا أَهلَ قَريَةٍ لِئامًا([22])».اهـ وَقِيلَ: شَرُّ القُرَى الَّتِي تَبخَلُ بِالقِرَى([23]).
(فَوَجَدَا فِيهَا)
فِي القَريَةِ.
(جِدَارًا)
طُولُهُ مِائَةُ ذِرَاعٍ.
(يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ)
أَي يَكَادُ يَسقُطُ، استُعِيرَتِ الإِرَادَةُ لِلمُدَانَاةِ وَالمُشَارَفَةِ([24])، فَهَذَا مِن مَجَازِ الحَذفِ وَأَمثِلَتُهُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ كَثِيرَةٌ.
(فَأَقَامَهُ)
أَي سَوَّى الخَضِرُ عَلَيهِ السَّلَامُ الجِدَارَ بِيَدِهِ وَرَدَّهُ إِلَى حَالِ الِاستِقَامَةِ، رُوِيَ أَنَّهُمَا كَانَا قَد تَعِبَا وَحَلَّ بِهِمَا مِن مَشَقَّةِ المَسِيرِ مَا حَلَّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الخَضِرَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَقَامَ الجِدَارَ وَسَوَّاهُ عَن مَيلِهِ إِلَى الِاعتِدَالِ بِمَسحَةٍ مِن يَدِهِ الشَّرِيفَةِ مِن غَيرِ كَثِيرِ جُهدٍ وَذَلِكَ مُعجِزَةٌ لَهُ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَلَمَّا رَأَى مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ ذَلِكَ وَهُمَا عَلَى حَالٍ مِنَ الحَاجَةِ إِلَى الطَّعَامِ وَهُوَ مُتَوَفِّرٌ عِندَ أَهلِ القَريَةِ البُخَلَاءِ إِلَّا أَنَّهُم أَبَوا أَن يَجُودُوا بِشَيءٍ لَهُمَا.
(قَالَ)
مُوسَى لِلخَضِرِ: قَومٌ أَتَينَاهُم فَلَم يُطعِمُونَا وَلَم يُضَيِّفُونَا وَقَد عَمَدتَ إِلَى حَائِطِهِمُ المَائِلِ فَسَوَّيتَهُ.
(لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)
أَي لَطَلَبتَ عَلَى إِصلَاحِكَ الجِدَارَ جَعلًا([25]) حَتَّى تَستَدفِعَ بِهِ الضَّرُورَةَ.
قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (78)
(قَالَ)
الخَضِرُ لِمُوسَى.
(هَٰذَا)
إِشَارَةٌ إِلَى السُّؤَالِ الثَّالِثِ مِنكَ.
(فِرَاقُ)
أَي سَبَبُ الفِرَاقِ.
(بَيْنِي وَبَيْنِكَ)
لَكِنَّ الخَضِرَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَرَادَ قَبلَ مُفَارَقَةِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أَن يُبَيِّنَ لَهُ أَوجُهَ مَا فَعَلَهُ فِي القَضَايَا الثَّلَاثَةِ.
(سَأُنَبِّئُكَ)
أَي سَوفَ أُخبِرُكَ.
(بِتَأْوِيلِ)
أَي بِبَيَانِ وَجهِ.
(مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (78)
فَتَنتَظِرَ حَتَّى أُبَيِّنَهُ لَكَ مِن غَيرِ أَن تُفَاتِحَنِي بِالسُّؤَالِ، فَإِنَّهُ لَمَّا خَفِيَ عَلَى مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ بَاطِنُ أَمرِ القَضَايَا الثَّلَاثَةِ سَأَلَهُ عَنهَا.
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)
قَالَ الخَضِرُ (أَمَّا السَّفِينَةُ)
أَيِ الَّتِي خَرَقتُهَا وَلَم تَغرَق وَلَا أَصَابَ أَحَدًا مِن أَهلِهَا أَذًى.
(فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ)
قِيلَ: كَانَت لِعَشَرَةِ إِخوَةٍ خَمسَةٌ مِنهُم زَمنَى([26]) وَخَمسَةٌ.
(يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ)
بِتَأجِيرِهَا طَلَبًا لِلكَسبِ، وَقِيلَ كَانُوا يَعبُرُونَ بِالنَّاسِ بِالأُجرَةِ.
(فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا)
أَجعَلَهَا ذَاتَ عَيبٍ لِئَلَّا تُغصَبَ مِنهُم.
(وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ)
أَي أَمَامَهُم أَو خَلفَهُم وَكَانَ طَرِيقُهُم فِي رُجُوعِهِم عَلَيهِ، وَمَا كَانَ عِندَهُم خَبَرٌ فَأَعلَمَ اللهُ بِهِ الخَضِرَ.
(يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ)
صَالِحَةٍ غَيرِ مَعِيبَةٍ.
(غَصْبًا (79)
مِن أَصحَابِهَا، وَإِن كَانَت مَعِيبَةً تَرَكَهَا.
وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80)
ثُمَّ بَيَّنَ الخَضِرُ لِمُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ القَضِيَّةَ الثَّانِيَةَ فَقَالَ
(وَأَمَّا الْغُلَامُ)
أَيِ الَّذِي قَتَلتُهُ وَكَانَ كَافِرًا
(فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ)
وَاسمُ الأَبِ كَازِيرُ أَو سَلَاسُ وَاسمُ الأُمِّ سَهوَى أَو رَحمَةُ.
(فَخَشِينَا)
أَي خَشِيَ الخَضِرُ.
(أَن يُرْهِقَهُمَا)
أَي أَن يَغشَى الغُلَامُ وَالِدَيهِ وَيُكَلِّفَهُمَا.
(طُغْيَانًا)
أَي ضَلَالًا عَنِ الحَقِّ.
(وَكُفْرًا (80)
فَيُزلِقَهُمَا بِسَبَبِ حُبِّهِمَا لَهُ وَعَطفِهِمَا عَلَيهِ، وَكَانَت خَشيَةُ الخَضِرِ عَلَيهِ السَّلَامُ ذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعلَمَهُ بِطَرِيقِ الوَحيِ أَنَّهُ إِن بَلَغَ هَذَا الغُلَامُ فَإِنَّهُ يَجُرُّ أَبَوَيهِ إِلَى الكُفرِ وَهُوَ يَمُوتُ كَافِرًا.
فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81(
(فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا(
أَي أَن يَرزُقَهُمَا، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعنَى) فَأَرَدْنَا (فَأَرَادَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمِثلُهُ فِي القُرآنِ كَثِيرٌ([27]).اهـ
) رَبُّهُمَا)
بَدَلَ هَذَا الوَلَدِ وَلَدًا آخَرَ.
)خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً(
طَهَارَةً وَنَقَاءً مِنَ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ الأَوَّلَ كَانَ كَافِرًا لَا صَلَاحَ عِندَهُ.
(وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81 (
رَحمَةً وَعَطفًا وَزَكَاةً، رُوِيَ أَنَّهُ وُلِدَت لَهُمَا جَارِيَةٌ تَزَوَّجَهَا نَبِيٌّ فَوَلَدَت نَبِيًّا أَو سَبعِينَ نَبِيًّا([28])، أَو أَبدَلَهُمَا ابنًا مُؤمِنًا مِثلَهُمَا.
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (82(
ثُمَّ بَيَّنَ الخَضِرُ لِمُوسَى عَلَيهِمَا السَّلَامُ القَضِيَّةَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ:
)وَأَمَّا الْجِدَارُ)
أَيِ الَّذِي كَانَ مَائِلًا فَأَقَمتُهُ بِلَا أُجرَةٍ.
)فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ(
أَيِ القَريَةِ المَذكُورَةِ سَابِقًا، وَاليَتِيمُ مَن مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ دُونَ البُلُوغِ([29])، وَاسمُ الغُلَامَينِ أَصرَمُ وَصُرَيمُ.
(وَكَانَ تَحْتَهُ)
أَي تَحتَ الجِدَارِ.
) كَنزٌ لَّهُمَا)
أَي لَوحٌ مِن ذَهَبٍ مَكتُوبٌ فِيهِ: (عَجِبتُ لِمَن يُؤمِنُ بِالقَدَرِ كَيفَ يَحزَنُ، وَعَجِبتُ لِمَن يُؤمِنُ بِالرِّزقِ كَيفَ يَتعَبُ، وَعَجِبتُ لِمَن يُؤمِنُ بِالمَوتِ كَيفَ يَفرَحُ، وَعَجِبتُ لِمَن يُؤمِنُ بِالحِسَابِ كَيفَ يَغفُلُ، وَعَجِبتُ لِمَن يَعرِفُ الدُّنيَا وَتَقَلُّبَهَا بِأَهلِهَا كَيفَ يَطمَئِنُّ إِلَيهَا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ([30]))، وَهَذَا قَولُ ابنُ عَبَّاسٍ، أَوِ الكَنزُ مَالٌ مَدفُونٌ مِن ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَهَذَا قَولُ عِكرِمَةَ وَقَتَادَةَ، أَوِ الكَنزُ صُحُفٌ فِيهَا عِلمٌ، وَالأَوَّلُ أَظهَرُ.
)وَكَانَ أَبُوهُمَا)
أَي وَالِدُ اليَتيمَينِ، وَقِيلَ جَدُّهُمَا السَّابِعُ.
)صَالِحًا( مِنَ الأَتقِيَاءِ وَاسمُهُ كَاشِحُ، وَعَنِ الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ لِبَعضِ الخَوَارِجِ فِي كَلَامٍ جَرَى بَينَهُمَا: بِمَ حَفِظَ اللهُ الغُلَامَينِ؟ قَالَ: بِصَلَاحِ أَبِيهِمَا، قَالَ: فَأَبِي وَجَدِّي خَيرٌ مِنهُ([31]).اهـ وَرَوَى أَبُو نُعَيمٍ فِي الحِليَةِ([32]) عَن مُجَاهِدٍ قَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَيُصلِحُ بِصَلَاحِ العَبدِ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ، اللَّهُمَّ أَصلِح ذُرِّيَّتَنَا
)فَأَرَادَ رَبُّكَ(
أَي شَاءَ رَبُّكَ بِمَشِيئَتِهِ([33]).
)أَن يَبْلُغَا)
أَي أَن يُدرِكَ الغُلَامَانِ.
)أَشُدَّهُمَا(
أَي أَن يَعقِلَا بِبُلُوغِهِمَا.
)وَيَسْتَخْرِجَا(
إِذَا بَلَغَا وَعَقِلَا رَاشِدَينِ.
)كَنزَهُمَا(
مِن تَحتِ الجِدَارِ.
)رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ (
بِهِمَا، أَي نِعمَةً مِنهُ عَلَيهِمَا، فَلِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ الخَضِرَ بِإِقَامَةِ الجِدَارِ المَائِلِ، لِأَنَّهُ لَو سَقَطَ أُخِذَ مِنهُمَا الكَنزُ وَلَكِنَّ اللهَ حَفِظَ الكَنزَ لِليَتِيمَينِ بِمَشِيئَتِهِ وَتَقدِيرِهِ، وَقَد بَيَّنَ الخَضِرُ عَلَيهِ السَّلَامُ لِمُوسَى أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ فِي القَضَايَا الثَّلَاثَةِ كَانَ بِوَحيٍ مِنَ اللهِ إِلَيهِ.
)وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي(
أَي عَن رَأيِي وَاجتِهَادِي، بَل فَعَلتُهُ بِأَمرٍ مِنَ اللهِ وَوَحيٍ مِنهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الخَضِرَ عَلَيهِ السَّلَامُ نَبِيٌّ.
)ذَٰلِكَ(
أَيِ الأَجوِبَةُ عَنِ القَضَايَا الثَّلَاثَةِ.
)تَأْوِيلُ)
تَفسِيرُ.
)مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (82(
فَتَنتَظِرَ حَتَّى أُبَيِّنَهُ لَكَ مِن غَيرِ أَن تُفَاتِحَنِي السُّؤَالَ([34]).
([1]) قُلتُ: أَمَّا مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَهُوَ مُوسَى بنُ عِمرَانَ صَاحِبُ المُعجِزَاتِ الظَّاهِرَةِ وَصَاحِبُ التَّورَاةِ، وَهُوَ نَبِيٌّ رَسُولٌ، وَهُوَ أَحَدُ أُولِي العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَهُوَ مِن سِبطِ لَاوِي ابنِ نَبِيِّ اللهِ يَعقُوبَ إِسرَائِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَقَد أَنزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِ التَّورَاةَ كِتَابًا بِالعِبرَانِيَّةِ، وَالتَّورَاةُ الأَصلِيَّةُ فِيهَا الأَمرُ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحدَهُ وَأَن لَا يُشرَكَ بِهِ شَيءٌ، وَفِيهَا ذِكرُ آخِرِ الأَنبِيَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَنَّ مِن صِفَاتِهِ أَنَّهُ لَا يَجزِي السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، بَل يَعفُو وَيَصفَحُ، وَفِيهَا مِثلُ بَعضِ مَا جَاءَ فِي القُرآنِ، فَقَد أَخرَجَ ابنُ الضُرَيسِ عَن كَعبِ الأَحبَارِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ فَاتِحَةَ التَّورَاةِ الأَصلِيَّةِ فَاتِحَةُ الأَنعَامِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) [سورة الأنعام:1]، وَفِي التَّورَاةِ الأَصلِيَّةِ أَيضًا حَدُّ الرَّجمِ فِي الزِّنَا، وَفِيهَا أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُدفَنُ عِندَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ حَرَّفَتِ اليَهُودُ التَّورَاةَ الصَّحِيحَةَ بَعدَ ذَلِكَ فَلَم تَعُد مَوجُودَةً فِي الأَرضِ بَعدَ ذَلِكَ، فَلَا يُسَمَّى مَا فِيهِ أَنَّ عُزَيرًا ابنُ اللهِ تَورَاةً، هَذَا لَيسَ مِنَ التَّورَاةِ، بَل هَذَا مُحَرَّفٌ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَا فِيهِ أَنَّ عِيسَى ابنُ اللهِ إِنجِيلًا، بَل هَذَا مُحَرَّفٌ، فَكُلُّ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ فِيهَا تَوحِيدُ اللهِ تَعَالَى، وَلنَذكُر قَولَ اللهِ تَعَالَى: (إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ) [سورة ءال عمران:19]، فَدِينُ الأَنبِيَاءِ هُوَ دِينٌ سَمَاوِيٌّ وَاحِدٌ وَهُوَ الإِسلَامُ وَلَيسَت أَديَانًا سَمَاوِيَّةً مُختَلِفَةً، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [سورة ءال عمران:85].اهـ
([2]) يُوشَعُ بنُ نُون عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِن نَسلِ يَعقُوبَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُوَ نَبِيٌّ، وَلَهُ مَقَامٌ فِي الأُردُنِّ وَمَقَامٌ فِي المِنيَةِ فِي شَمَالِ لُبنَانَ، وَلَيسَ يَقِينًا أَنَّهُ مَدفُونٌ هُنَاكَ، وَقَد تَوَلَّى يُوشَعُ أَمرَ بَنِي إِسرَائِيلَ بَعدَ وَفَاةِ نَبِيِّ اللهِ مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَدَخَلَ بِبَنِي إِسرَائِيلَ بِلَادَ فِلَسطِينَ الَّتِي كَانُوا قَد وُعِدُوا بِهَا عَلَى لِسَانِ مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَدَخَلَ بِهِم بِلَادَ فِلَسطِينَ، وَقَامَ يُوشَعُ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَمرِهِ إِلَى وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ تَوَلَّى أَمرَهُم قُضَاةٌ مِنهُم، وَبَقُوا عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً طَوِيلَةً مِنَ الزَّمَنِ، وَفِي هَذِهِ الفَترَةِ دَبَّ إِلَى بَنِي إِسرَائِيلَ الوَهَنُ وَالضَّعفُ وَفَشَت فِيهِمُ المَعَاصِي وَالمُنكَرَاتُ وَدَخَلَتِ الوَثَنِيَّةُ وَعِبَادَةُ الأَوثَانِ وَالأَصنَامِ فِي صُفُوفِهِم، فَسَلَّطَ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمُ الأُمَمَ القَرِيبَةَ مِنهُم فَغَزَاهُمُ العَمَالِقَةُ وَالآرَامِيُّونَ وَغَيرُهُم.
([3]) هُوَ مِثلُ العُلبَةِ الكَبِيرَةِ، قَالَ ابنُ مَنظُورٍ: المِكتَل والمِكتَلَةُ: الزَّبِيلُ الَّذِي يُحمَلُ فِيهِ التَّمرُ أَوِ العِنَبُ إِِلَى الجَرِينِ، وَقِيلَ: المِكتَلُ شِبهُ الزَّبِيلِ يَسَعُ خَمسَةَ عَشَرَ صَاعًا.اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِجَمَالِ الدِّينِ ابنِ مَنظُورٍ (ج11 ص583). وَقَالَ: الزَّبِيلُ والزِّنبِيلُ: الجِرَابُ، وَقِيلَ الوِعَاءُ يُحمَلُ فِيهِ.اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِجَمَالِ الدِّينِ ابنِ مَنظُورٍ (ج11 ص300).
([4]) الحُوتُ اسمٌ لِكُلِّ السَّمَكِ الصَّغِيرِ مِنهَا وَالكَبِيرِ، قَالَ ابنُ مَنظُورٍ: الحُوتُ: السَّمَكَةُ، وَفِي المُحكَمِ: الحُوتُ: السَّمَكُ، مَعرُوفٌ، وَقِيلَ: هُوَ مَا عَظُمَ مِنهُ.اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِجَمَالِ الدِّينِ ابنِ مَنظُورٍ (ج2 ص26).
([5]) صَحَّ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ، وَمَعنَاهُ عَلَى مَا قَالَهُ بَعضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهَا كَانَت بِلَادَ كُفرٍ.
([6]) صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ ـ كِتَابُ العِلمِ ـ بَابُ: مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى ﷺ فِي البَحرِ إِلَى الخَضِرِ ـ رَقمُ الحَدِيثِ (74).
([7]) الخَضِرُ عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى القَولِ الرَّاجِحِ هُوَ نَبِيٌّ، وَقَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ إِنَّهُ وَلِيٌّ فَقَط، ثُمَّ اختَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الخَضِرِ هَل مَاتَ أَو لَم يَمُت، وَأَكثَرُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ بَعدُ لَم يَمُت، لَكِنَّهُ يَمُوتُ عِندَ رَفعِ القُرآنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَبلَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَمِن أَصَحِّ الأَخبَارِ القَدِيمَةِ فِي إِثبَاتِ حَيَاةِ الخَضِرِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا رَوَاهُ يَعقُوبُ بنُ سُفيَانَ فِي تَارِيخِهِ مِن طَرِيقِ رِيَاحِ بنِ عُبَيدَةَ البَاهِلِيِّ قَالَ: رَأَيتُ رَجُلًا يُمَاشِي عُمَرَ بنَ عَبدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَسَأَلَهُ عَنهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنِّي لَا أُرَاكَ إِلَّا رَجُلًا صَالِحًا، ذَاكَ أَخِي الخَضِرُ، بَشَّرَنِي أَنِّي سَأَلِي وَأَعدِلُ، قَالَ الحَافِظُ العَسقَلَانِيُّ فِي “الإِصَابَةِ”: قُلتُ: هَذَا أَصلَحُ إِسنَادٍ وَقَفتُ عَلَيهِ فِي هَذَا البَابِ، ثُمَّ سَاقَ الحَافِظُ أَسَانِيدَ أُخرَى وَقَالَ: قَالَ أَبُو عَبدِ الرَّحمَنِ السُّلَمِيُّ فِي تَصنِيفِهِ: سَمِعتُ مُحَمَّدَ بنَ عَبدِ اللهِ الرَّازِيَّ يَقُولُ: سَمِعتُ بِلَالًا الخَوَّاصَ يَقُولُ كُنتُ فِي تِيهِ بَنِي إِسرَائِيلَ، فَإِذَا رَجُلٌ يُمَاشِينِي فَتَعَجَّبتُ ثُمَّ أُلهِمتُ أَنَّهُ الخَضِرُ فَقُلتُ: بِحَقِّ الحَقِّ مَن أَنتَ؟ قَالَ: أَنَا أَخُوكَ الخَضِرُ، فَقُلتُ: مَا تَقُولُ فِي الشَّافِعِيِّ؟ قَالَ: مِنَ الأَبدَالِ، قُلتُ: فَأَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ؟ قَالَ: صِدِّيقٌ، قُلتُ: فَبِشرُ بنُ الحَارِثِ؟ قَالَ لَم يُخَلِّف بَعدَهُ مِثلَهُ، قُلتُ: بِأَيِّ وَسِيلَةٍ رَأَيتُكَ؟ قَالَ: بِبِرِّكَ لِأُمِّكَ.اهـ الإِصَابَةُ فِي تَميِيزِ الصَّحَابَةِ، لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ (ج2 ص278-279).
(([8]) رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “إِنَّمَا سُمِّيَ الخَضِرَ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَروَةٍ بَيضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهتَزُّ مِن خَلفِهِ خَضرَاءَ“.اهـ صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ ـ كِتَابُ الأَنبِيَاءِ ـ بَابُ حَدِيثِ الخَضِرِ مَعَ مُوسَى عَلَيهِمَا السَّلَامُ ـ رَقمُ الحَدِيثِ (3221).
([10]) صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ ـ كِتَابُ الأَنبِيَاءِ ـ بَابُ حَدِيثِ الخَضِرِ مَعَ مُوسَى عَلَيهِمَا السَّلَامُ ـ رَقمُ الحَدِيثِ (3220).
([11]) القَنطَرَةُ: مَا يُبنَى عَلَى المَاءِ لِلعُبُورِ عَلَيهِ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج2 ص507)، وَالكَوَّةُ بِفَتحِ الكَافِ وَضَمِّهَا: الثُّقبَةُ فِي الحَائِطِ، المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج2 ص545).
([13]) مَعَانِي القُرآنِ وَإِعرَابُهُ، لِأَبِي إِسحَقَ الزَّجَّاجِ (ج3 ص300).
([14]) [سُورَةُ الأَحقَافِ:35].
([15]) وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ كَانَ عَصَبِيَّ المِزَاجِ كَمَا قَالَ بَعضُ الزَّنَادِقَةِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى مَا بَعَثَ نَبِيًّا إِلَّا حَلِيمًا صَبُورًا ثُمَّ إِنَّ بَعضَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ التَّصَوُّفَ يُعَانِدُونَ أَهلَ العِلمِ يَقُولُونَ أَنتُم أَهلُ الظَّاهِرِ وَنَحنُ أَهلُ البَاطِنِ لَا نَتَّفِقُ، هَؤُلَاءِ زَنَادِقَةٌ يَنتَسِبُونَ إِلَى التَّصَوُّفِ، هُم إِذَا عَجَزُوا عَنِ الحَقِّ يَقُولُونَ ذَلِكَ، لَكِنَّ الصُّوفِيَّةَ الحَقَّةَ لَا تُوَافِقُهُم عَلَى ذَلِكَ بَلِ الصُّوفِيَّةُ عِلمٌ وَعَمَلٌ صِدقٌ وَاتِّبَاعٌ، كَانَ الإِمَامُ أَحمَدُ الرِّفَاعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُولُ: كُلُّ طَرِيقَةٍ خَالَفَتِ الشَّرِيعَةَ فَهِيَ زَندَقَةٌ.اهـ وَكَانَ إِمَامُ الطَّائِفَةِ الصُّوفِيَّةِ الجُنَيدُ البَغدَادِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: طَرِيقُنَا هَذَا مَضبُوطٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالطَّرِيقُ إِلَى اللهِ مَسدُودٌ إِلَّا عَلَى المُقتَفِينَ آثَارَ رَسُولِ اللهِ.اهـ
([16]) أَي قَالَ صَاحِبُ السَّفِينَةِ: أَظُنُّ أَنَّكُم مِنَ الصَّالِحِينَ وَوُجُوهُكُم مِن وُجُوهِ الأَنبِيَاءِ، فَحَمَلَهُم مِن غَيرِ أُجرَةٍ، قَالَ الفَيُّومِيُّ: نَوَّلتُهُ المَالَ تَنوِيلًا أَعطَيتُهُ وَالِاسمُ النَّوَالُ، وَنِلتُ لَهُ بِالعَطِيَّةِ أَنُولُ لَهُ نَولًا مِن بَابِ قَالَ، وَنِلتُهُ العَطِيَّةَ أَيضًا كَذَلِكَ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج2 ص631).
([17]) أَي خَاضُوا فِي البَحرِ وَتَعَمَّقُوا فِيهِ.اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِابنِ مَنظُورٍ (ج2 ص355).
([18]) أَي لَا نَخُوضُ فِي الكَلَامِ فِيهِ، هَل هُوَ فِي الجَنَّةِ أَم هُوَ فِي النَّارِ.
([19]) مُسنَدُ أَحمَدَ، لِلإِمَامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ – مُسنَدُ الأَنصَارِ – حَدِيثُ عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ عَن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ – (رقم الحديث: 21120).
([20]) أَنطَاكِيَةُ: بِالفَتحِ ثُمَّ السُّكُونِ، وَاليَاءُ مُخَفَّفَةٌ، أَوَّلُ مَن بَنَى أَنطَاكِيَةَ مَلِكٌ بَعدَ الإِسكَندَرِ، وَقِيلَ هِيَ أَنطَاكِيَةُ بِنتُ الرُّومِ، وَهِيَ مِنَ الثُّغُورِ الشَّامِيَّةِ، مَوصُوفَةٌ بِالحُسنِ وَطِيبِ الهَوَاءِ وَعُذُوبَةِ المَاءِ وَكَثرَةِ الفَوَاكِهِ وَسَعَةِ الخَيرِ.اهـ مُعجَمُ البُلدَانِ، لِيَاقُوتَ الحَمَوِيِّ (ج1 ص266).
([21]) مَدِينَةٌ عَلَى سَاحِلِ بَحرِ القُلزُمِ مِمَّا يَلِي الشَّامَ، وَقِيلَ هِيَ آخِرُ الحِجَازِ وَأَوَّلُ الشَّامِ.اهـ مُعجَمُ البُلدَانِ، لِيَاقُوتَ الحَمَوِيِّ (ج1 ص292).
([22]) السُّنَنُ الكُبرَى، لِأَبِي عَبدِ الرَّحمَنِ النَّسَائِيِّ (ج10 ص165).
([23]) مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَحَقَائِقُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج2 ص313).
قَالَ العَينِيُّ: القِرَى بِكَسرِ القَافِ: الضِّيَافَةُ.اهـ عُمدَةُ القَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِبَدرِ الدِّينِ العَينِيِّ (ج22 ص177).
([24]) وَهَذَا مِن مَجَازِ الكَلَامِ لِأَنَّ الجِدَارَ لَا إِرَادَةَ لَهُ وَهُوَ كَقَولِكَ دَارٌ تَنظُرُ إِلَى دَارِ فُلَانٍ أَي تُقَابِلُهَا، وَفِي القُرآنِ مِن ذَلِكَ أَمثِلَةٌ، كَقَولِهِ تَعَالَى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [سُورَةُ يُوسُفَ:82]، أَي أَهلَ القَريَةِ، وَكَذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)[سُورَةُ الفَجرِ:22]، أَي جَاءَت قُدرَةُ رَبِّكَ، أَي أَثَرُ قُدرَةِ رَبِّكَ، وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَنتَقِلُ مِن مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَعَنِ الِانتِقَالِ مِن مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ.
([25]) قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: الجُعلُ الِاسمُ بِالضَّمِّ، وَالمَصدَرُ بِالفَتحِ. يُقَالُ: جَعَلتُ كَذَا جَعلًا وجُعلًا، وَهُوَ الأُجرَةُ عَلَى الشَّيءِ فِعلًا أَو قَولًا.اهـ النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ، لِابنِ الأَثِيرِ الجَزَرِيِّ (ج1 ص276).
([26]) أَي مَرضَى بِمَرَضٍ يَدُومُ زَمَانًا طَوِيلًا، قَالَ الفَيُّومِيُّ: زَمِنَ الشَّخصُ زَمَنًا وَزَمَانَةً فَهُوَ زَمِنٌ مِن بَابِ تَعِبَ وَهُوَ مَرَضٌ يَدُومُ زَمَانًا طَوِيلًا وَالقَومُ زَمنَى مِثلُ: مَرضَى.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج1 ص256).
([27]) مَعَانِي القُرآنِ وَإِعرَابُهُ، لِأَبِي إِسحَقَ الزَّجَّاجِ (ج3 ص305).
([28]) حِليَةُ الأَولِيَاءِ وَطَبَقَاتُ الأَصفِيَاءِ، لِأَبِي نُعَيمٍ الأَصبَهَانِيِّ (ج10 ص103).
([29]) فَقَد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (لَا يُتمَ بَعدَ احتِلَامٍ).اهـ سُنَنُ أَبِي دَاودَ، لِأَبِي دَاودَ السِّجِستَانِيِّ (ج3 ص74).
([30]) ذَكَرَ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عِدَّةَ تَفَاسِيرَ لِمَعنَى الكَنزِ هُنَا.اهـ جَامِعُ البَيَانِ عَن تَأوِيلِ آيِ القُرآنِ، لِابنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ (ج18 ص88ـ90).
([31]) التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج21 ص492).
([32]) حِليَةُ الأَولِيَاءِ وَطَبَقَاتُ الأَصفِيَاءِ، لِأَبِي نُعَيمٍ الأَصبَهَانِيِّ (ج3 ص285).
([33]) وَلَا يَصِحُّ أَن يُقَالَ: شَاءَتِ الأَقدَارُ بَل يُقَالُ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَمَشِيئَةُ اللهِ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَمَعنَى المَشِيئَةِ تَخصِيصُ المُمكِنِ بِبَعضِ مَا يَجُوزُ عَلَيهِ عَقلًا دُونَ بَعضٍ، وَكُلُّ شَيءٍ يَحصُلُ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعالَى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [سُورَةُ التَّكوِيرِ:29]، وَمَشِيئَةُ اللهِ تَعَالَى لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَتَبَدَّلُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَم يَشَأ لَم يَكُن)، سُنَنُ أَبِي دَاودَ، لِأَبِي دَاودَ السِّجِستَانِيِّ (ج4 ص479).
([34]) وَقَد زَلَّ أَقدَامُ أَقوَامٍ فِي الضَّلَالِ فَقَالُوا بِتَفضِيلِ الوَلِيِّ عَلَى النَّبِيِّ، وَمِنَ المُحَالِ أَن يَكُونَ الوَلِيُّ وَلِيًّا إِلَّا بِإِيمَانِهِ بِالنَّبِيِّ، وَالأَنبِيَاءُ هُم أَفضَلُ خَلقِ اللهِ تَعَالَى وَالنَّبِيُّ أَفضَلُ مِنَ الوَلِيِّ، بَل إِنَّ نَبِيًّا وَاحِدًا أَفضَلُ عِندَ اللهِ مِن جَمِيعِ الأَولِيَاءِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا غَضَاضَةَ [أَي لَا انتِقَاصَ] فِي طَلَبِ مُوسَى العِلمَ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي العِلمِ مَطلُوبَةٌ.