﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (51) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ (52)
﴿وَإِلَى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِن إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلّا مُفْتَرونَ (50)﴾
نبيُّ اللهِ هودٌ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام من الأنبياءِ العرب، وقد ثبت أنّ أربعةً من أنبياءِ الله تعالى كانوا من العرب، وهم: محمّدٌ صلّى الله عليه وسلّم، وهودٌ، وصالحٌ، وشعيبٌ عليهم الصَّلاةُ والسَّلام، كما رواه ابنُ حبّان من حديثِ أبي ذرٍّ رضي الله عنه عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم. وقد بعثَ اللهُ تعالى هذا النبيَّ العربيَّ، سيِّدَنا هودًا عليه السَّلام، إلى قومِ عاد، وهم عادٌ الأولى.
﴿وَإِلَى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا﴾
أي واحدًا منهم، لا أخًا لهم في الدِّين، وإنَّما في النَّسَب والقبيلة؛ فالأخوَّة الحقَّةُ إنّما تكون بين المؤمنين.
﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾
أي وحدِّدوا عبادتَكم للهِ تعالى وحده، لا تُشرِكوا به شيئًا، ولتكن عبادتُكم خالصةً لوجهِه سبحانه؛ فهو وحده المستحقُّ للعبادة، الخالقُ، الرازقُ، القاهرُ، العزيزُ، الجبّار.
﴿ما لَكُمْ مِن إِلهٍ غَيْرُهُ﴾
فدعوةُ هودٍ عليه السَّلام هي عينُ دعوةِ آدم، ومحمّد، وجميعِ الأنبياءِ والمرسَلين: لا إلهَ إلّا الله. فهي دعوةٌ إلى توحيدِ الله تعالى وتنزيهِه عن الشريك، وتنزيهُه سبحانه عن الزَّوجةِ والولدِ والضِّدِّ والندِّ، وتنزيهُه عن الجهةِ والحدِّ، وعن مشابهةِ خلقه.
﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلّا مُفْتَرونَ﴾
أي إنّكم تفتَرونَ على اللهِ تعالى الكذبَ باتِّخاذكم الأوثانَ شركاءَ له. وكيف يسوغُ لعقولِكم أن تصنعوا شيئًا من مخلوقاتِ الله ثم تجعلوه شريكًا لله تعالى؟! أهذه الأصنامُ ترزق؟! أهذه الأوثانُ تخلق؟! أهذه الجماداتُ تضرُّ وتنفعُ أو تُحيي وتُميت؟!
من عبدَ مع الله تعالى شيئًا فقد أشرك، وهكذا كان حالُ أهلِ الجاهليّة، وكيف قبلت عقولُهم ذلك؟! بل كيف قبِلَ بعضُ ملاحدةِ العصر إنكارَ وجودِ الله تعالى!؟ العقلُ السليمُ لا يقبلُ شِركًا، ولا يقبل إنكارًا لوجودِ الخالق سبحانه.
هذه هي دعوةُ هودٍ عليه السَّلام، وقد قال لهم مُنكِرًا عليهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلّا مُفْتَرونَ﴾، أي إنّ المشركَ باللهِ كاذبٌ مُفتَرٍ على الله تعالى. ولم يقل لهم نبيُّ الله هود إنّ لهم الحقَّ في اختيار عبادةِ الأصنام، ولا جاء في كتابِ الله تعالى شيءٌ من ذلك؛ بل جاء في القرآن كلُّه التنديدُ، والتسفيهُ، والوعيدُ الشديدُ على الشركِ بالله عزّ وجلّ.
﴿يا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (51)﴾
﴿يا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾
يُخاطِبُهم هودٌ عليه السَّلام بلُطفٍ ورِفقٍ قائلاً: يا قومِ، أي أنتم أهلي وعشيرتي، وأنا أريد لكم الخير والنَّجاة. إنِّي لا أطلب منكم على نُصحي لكم، ولا على دعوتي إيّاكم إلى عبادةِ الله تعالى، أيَّ أجرٍ أو مقابل.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾
أي إنَّ ثوابي على الله تعالى وحده، الذي خلقني وأنشأني.
﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾
أي أفلا تفهمون صدقي ونُصحي لكم؟! فأنا رسولٌ أمين، أبلِّغكم رسالة ربِّي ولا أبتغي منكم نفعًا دنيويًّا، فثوابي على الله سبحانه وتعالى.
﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلىٰ قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)﴾
﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾
أي آمنوا بالله تعالى.
﴿ثُمَّ توبُوا إِلَيْهِ﴾
أي ارجعوا عمّا أنتم عليه من عبادة غيره. واستغفارُ الكافر إنّما يكون بإسلامه، وليس بمجرد قوله: أستغفرُ الله. فمعنى قوله: استغفِروا ربَّكم أي ادخلوا في الإسلام، فإنَّ دين هودٍ عليه السَّلام هو الإسلام، ودينُ جميعِ الأنبياء الإسلام.
﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا﴾
أي يُنزِل المطرَ عليكم إنزالًا كثيرًا متتابعًا، فيه الخير والنَّفع.
﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلىٰ قُوَّتِكُمْ﴾
وهذا من باب استمالتهم إلى الإيمان؛ فإنهم كانوا أصحابَ زرعٍ وبساتين، محتاجين إلى المطر. وقد حُبِس عنهم القَطْرُ ثلاثَ سنين، وعقمت أرحامُ نسائهم. فوعدهم هودٌ عليه السَّلام بأنَّ الله سيزيدهم قوّةً على قوّتهم:
فسَّرها بعضهم بقوّة البدن، وبعضهم بقوّة المال، وبعضهم بقوّة النسل والأولاد.
وقد جاء بمعناه ما قاله نوحٌ عليه السَّلام لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّارًا يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا﴾
فالمعنى: إن آمنتم، فتح الله لكم أبوابَ الخير والرزق.
وممّا رُوي في ذلك: أنّ رجلًا شكا إلى الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما قلّة الولد، فأمره بالإكثار من الاستغفار، فأكثر حتى بلغ استغفاره في اليوم سبعمائة مرّة، فولِدَ له عشرةُ أبناء. فلمّا سُئل الحسن عن مستند ذلك، قال: إنّ الله تعالى يقول: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلىٰ قُوَّتِكُمْ﴾، والولدُ من أعظم أسباب القوّة.
﴿وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾
أي لا تُعرِضوا عن دعوتي مصرِّين على ذنوبكم وشِرككم. وأيُّ جُرمٍ أعظم من الإشراك بالله عزَّ وجلّ؟! فالشركُ أعظمُ الذنوب، وقد كان تحذيرُ الأنبياءِ جميعًا منه أشدَّ التحذير.