الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا؛ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا شَبِيهَ لَهُ، وَلَا مِثِيلَ لَهُ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ، وَلَا ضِدَّ لَهُ وَلَا نِدَّ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا وَنَبِيَّنَا وَقُرَّةَ عُيُونِنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَحَبِيبُهُ. أَشْهَدُ أَنَّكَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّيْتَ الأَمَانَةَ، وَنَصَحْتَ لِلأُمَّةِ، وَجَاهَدْتَ فِي اللَّهِ حَقَّ الجِهَادِ؛ فَجَزَى اللَّهُ مُحَمَّدًا عَنَّا خَيْرَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ. اللَّهُمَّ صَلِّ صَلَاةً كَامِلَةً، وَسَلِّمْ سَلَامًا تَامًّا، عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي تَنْحَلُّ بِهِ العُقَدُ، وَتَنْفَرِجُ بِهِ الكُرَبُ، وَتُقْضَى بِهِ الحَوَائِجُ، وَتُنَالُ بِهِ الرَّغَائِبُ، وَحُسْنُ الخَوَاتِيمِ، وَيُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
عِبَادَ اللَّهِ، خَيْرُ وَصِيَّةٍ الوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى؛ أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ العَلِيَّ العَظِيمَ وَأَطِيعُوهُ. قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 187). وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 188).
إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ لِعِبَادِهِ حُدُودًا لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَتَعَدَّوْهَا، وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ فَرَائِضَ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُضَيِّعُوهَا. فَمِنْ هٰذِهِ الفَرَائِضِ صَوْمُ رَمَضَانَ، وَالصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالحَجُّ لِمَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. كَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ أُمُورًا كَثِيرَةً، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَقَعَ فِيهَا أَوْ يَقْتَرِبَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الحَلَالَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالحَرَامَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ فِيهِ تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ مِنَ الاقْتِرَابِ مِنَ المُحَرَّمَاتِ، فَضْلًا عَنِ الوُقُوعِ فِيهَا؛ لِأَنَّ مَنْ اقْتَرَبَ مِنَ الحَرَامِ يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ.
وَقَدْ أَكَّدَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى حُرْمَةِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَقَالَ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ﴾؛ فَسَمَّى أَمْوَالَ المُسْلِمِينَ «أَمْوَالَكُمْ»؛ لِأَنَّ المُؤْمِنِينَ إِخْوَةٌ، فَكَأَنَّكَ إِذَا أَكَلْتَ مَالَ أَخِيكَ بِالبَاطِلِ فَقَدْ أَكَلْتَ مَالَ نَفْسِكَ.
وَقَدْ يَحْكُمُ القَاضِي لِبَعْضِ النَّاسِ فِي خُصُومَةٍ لِوُجُودِ البَيِّنَةِ أَوِ الشُّهُودِ، مَعَ أَنَّ الحَقَّ فِي الحَقِيقَةِ لِغَيْرِهِ؛ فَإِذَا أَخَذَ المَالَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فَقَدْ أَكَلَهُ بِالبَاطِلِ، وَسَيُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ… أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ».
فَالحَلَالُ وَاضِحٌ فِي الشَّرْعِ، وَالحَرَامُ وَاضِحٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: 275).
فَهٰذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي حِلِّ البَيْعِ وَتَحْرِيمِ الرِّبَا. وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ.
وَلِذٰلِكَ يَجِبُ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَحْكَامَ المُعَامَلَاتِ؛ لِئَلَّا يَقَعَ فِي الحَرَامِ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي. وَقَدْ كَانَ الفَارُوقُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ لِلتُّجَّارِ فِي السُّوقِ: لَا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلَّا مَنْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ.
فَمَنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ أَحْكَامَ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالمُعَامَلَاتِ، قَدْ يَقَعُ فِي الرِّبَا أَوِ الغَشِّ أَوِ البُيُوعِ المُحَرَّمَةِ. وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ، وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَوَرَّعَ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَمَالِهِ، وَأَنْ يَتَحَرَّى الحَلَالَ، وَيَبْتَعِدَ عَنِ الشُّبُهَاتِ؛ لِأَنَّ مَنْ اقْتَرَبَ مِنَ الشُّبُهَاتِ يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِي الحَرَامِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ».
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ المُصْطَفَى، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أُولِي الفَضْلِ وَالوَفَاءِ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ السُّؤَالَ يَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَنِ القَلِيلِ وَالكَثِيرِ مِنَ المَالِ، حَتَّى عَنِ الشَّيْءِ اليَسِيرِ. فَقَدْ يَغْتَصِبُ الإِنْسَانُ شَيْئًا صَغِيرًا مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، كَالإِبْرَةِ أَوِ الدِّبُّوسِ، فَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيُسْأَلُ عَنْهُ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ».
فَلْيَتَّقِ اللَّهَ كُلُّ مُسْلِمٍ فِي مَالِهِ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى مَالٍ لَيْسَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ، وَلْيَتَعَلَّمْ أَحْكَامَ الدِّينِ لِيَعْرِفَ الحَلَالَ مِنَ الحَرَامِ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 56).
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبَنَا. اللَّهُمَّ ارْحَمْ شُهَدَاءَنَا فِي فِلَسْطِينِ، وَانْصُرْ إِخْوَانَنَا فِي غَزَّةَ وَالضِّفَّةِ وَفِي سَائِرِ بِلَادِ المُسْلِمِينَ، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَأَنْزِلِ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وَارْفَعِ البَلَاءَ عَنْهُمْ، وَارْزُقْهُمُ الصَّبْرَ وَالثَّبَاتَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِلَادَنَا آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً سَخَاءً رَخَاءً، وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90).