مُقَدِمَةٌ:
بِسمِ اللهِ، والحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا رسولِ اللهِ ﷺ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن والاهُ. أمَّا بعدُ؛ فإنَّ منَ المسائلِ الَّتي يَكثُرُ السُّؤالُ عنها في مواسِمِ الأعيادِ: حُكمُ زِيارةِ القُبورِ في يومِ العيدِ، وهل تُشرَعُ في هذا اليومِ كما تُشرَعُ في سائرِ الأيَّامِ، أم يُقالُ بِمَنعِها أو كَراهتِها؟ وهذهِ المسألةُ مِمَّا يَنبغي بَيانُهُ؛ رَفعًا لِلَّبسِ، وَإظهارًا لِما دَلَّت عليهِ النُّصوصُ وكلامُ أهلِ العلمِ، وبيانًا لِأصلِ هذهِ المسألةِ على ضوءِ القواعدِ الشرعيَّةِ وكلامِ الأئمَّةِ المُعتبَرينَ.
الأصلُ في زيارةِ القبورِ ومشروعِيَّتُها:
قد ثبَتَت مشروعِيَّةُ زيارةِ القبورِ في السُّنَّةِ النبويَّةِ، فقد قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «زُورُوا القُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ» رواهُ البيهقيُّ. وهذا الحديثُ أصلٌ عظيمٌ في استحبابِ زيارةِ القبورِ؛ لِما فيها منَ الاعتبارِ، وتذكُّرِ الآخرةِ، وترقيقِ القلبِ، والدُّعاءِ للأمواتِ، والاتِّعاظِ بمصيرِ الخلقِ، فإنَّ الوقوفَ على القبورِ يُذكِّرُ الإنسانَ بحقيقةِ الدُّنيا وفنائِها، ويُهيِّئُ قلبَهُ للاستعدادِ للآخرةِ.
وقد قرَّرَ جماعةٌ من أئمَّةِ الإسلامِ هذا الأصلَ الشرعيَّ، وبيَّنوا أنَّ زيارةَ القبورِ مِنَ السُّننِ المشروعةِ الَّتي انعقدَ عليها إجماعُ العلماءِ.
قالَ الإمامُ النوويُّ رحمهُ اللهُ تعالى [شرح صحيح مسلم]: «اتَّفَقَ العلماءُ على أنَّ زيارةَ القبورِ للرجالِ مشروعةٌ، وقد كانت ممنوعةً في أوَّلِ الإسلامِ ثم نُسِخَ النهيُ عنها، فاستحبَّها الجمهورُ».
وهذا الكلامُ منَ الإمامِ النوويِّ يُبيِّنُ أنَّ الحكمَ قد استقرَّ في الشريعةِ على مشروعيَّةِ زيارةِ القبورِ، بعد أن كانَ النهيُ عنها في أوَّلِ الإسلامِ سدًّا لذريعةِ ما كانَ عليهِ الناسُ من تعظيمِ القبورِ والغلوِّ فيها، ثم لمَّا استقرَّ التوحيدُ في النفوسِ رُخِّصَ في زيارتِها؛ لما فيها من المصالحِ الشرعيَّةِ الكثيرةِ.
وقالَ الإمامُ ابنُ قدامةَ الحنبليُّ رحمهُ اللهُ تعالى [المغني لابن قدامة]: «ولا بأسَ بزيارةِ القبورِ، بل تُستحبُّ؛ لما فيها منَ الاعتبارِ وتذكُّرِ الآخرةِ، والدعاءِ للأمواتِ».
وهذا بيانٌ واضحٌ لمقصودِ الشريعةِ من هذهِ الزيارةِ؛ فإنَّها تجمعُ بين مصلحتينِ عظيمتينِ: مصلحةِ الحيِّ بالاتِّعاظِ والتذكُّرِ، ومصلحةِ الميِّتِ بالدعاءِ لهُ والاستغفارِ.
وقالَ الإمامُ القرطبيُّ رحمهُ اللهُ تعالى [التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة]: «زيارةُ القبورِ مندوبٌ إليها؛ لما فيها من تذكُّرِ الآخرةِ، والزهدِ في الدنيا، والدعاءِ للأمواتِ».
وهذا التقريرُ من الإمامِ القرطبيِّ يؤكِّدُ أنَّ أصلَ زيارةِ القبورِ مندوبٌ إليهِ شرعًا، وأنَّها وسيلةٌ من وسائلِ الزهدِ في الدنيا، وإيقاظِ القلبِ من الغفلةِ، والتذكيرِ بحقيقةِ المصيرِ.
وقالَ شهابُ الدِّينِ القرافيُّ رحمهُ اللهُ تعالى [الذخيرة]: «زيارةُ القبورِ مندوبٌ إليها؛ لما فيها من الاعتبارِ وتذكُّرِ الآخرةِ، والدعاءِ للأمواتِ».
وهذا أيضًا تقريرٌ فقهيٌّ واضحٌ بأنَّ أصلَ الزيارةِ مندوبٌ إليهِ في الشرعِ، وأنَّ الحكمةَ منها قائمةٌ على الاعتبارِ وتذكُّرِ الآخرةِ، وهي مقاصدُ لا تختصُّ بزمنٍ دون زمنٍ.
وقالَ الإمامُ محمدُ عرفةَ الدسوقيُّ المالكيُّ رحمهُ اللهُ تعالى [حاشية الدسوقي على الشرح الكبير]: «تُندَبُ زيارةُ القبورِ للاتِّعاظِ والدعاءِ للأمواتِ».
وهذا تأكيدٌ من فقهاءِ المالكيَّةِ كذلك على أنَّ زيارةَ القبورِ مندوبةٌ في أصلِها، وأنَّ مقصدَها الأعظمَ الاتِّعاظُ وتذكُّرُ الآخرةِ والدعاءُ للميِّتِ.
عدمُ تخصيصِ الزيارةِ بِوقتٍ دونَ وقتٍ:
وأمَّا وقتُ زيارةِ القبورِ، فلم يُخصِّصِ الشارعُ جوازَها بوقتٍ دونَ آخَرَ، بل جاءتِ الأدلَّةُ مُطلَقةً في مشروعِيَّتِها. فقد قالتِ السيِّدةُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ كُلَّما كانَت لَيلَتُها يَخرُجُ مِن آخِرِ اللَّيلِ إلى البَقيعِ». أخرجَهُ مسلمٌ في كتابِ الجنائزِ، بابُ ما يُقالُ عندَ دخولِ القبورِ والدُّعاءِ لأهلِها.
وفي هذا الحديثِ دلالةٌ بيِّنةٌ على أنَّ زيارةَ القبورِ ليست مقيَّدةً بزمنٍ معيَّنٍ، بل كانَ النبيُّ ﷺ يفعلُها في أوقاتٍ مختلفةٍ، ممَّا يدلُّ على أنَّها مشروعةٌ متى وُجِدَ سببُها ومقصودُها من الاعتبارِ والدعاءِ.
وقد نصَّ العلماءُ صراحةً على أنَّ زيارةَ القبورِ لا تختصُّ بيومٍ دونَ يومٍ فقالَ الإمامُ النوويُّ رحمهُ اللهُ تعالى [المجموع شرح المهذب]: «الأصحُّ عند أصحابِنا أنَّ زيارةَ القبورِ لا تختصُّ بيومٍ دونَ يومٍ، بل تُستحبُّ في كلِّ وقتٍ».
وهذا النصُّ صريحٌ في أنَّ أصلَ الزيارةِ مطلقٌ في الأزمنةِ، وأنَّه لا يُقيَّدُ بيومٍ دون يومٍ، ما دامَ المقصودُ منها حاصلًا.
وقالَ ابنُ حجرٍ الهيتميُّ [الفتاوى الفقهية الكبرى]: «تُندَبُ زيارةُ القبورِ مطلقًا في أيِّ وقتٍ، ولا تختصُّ بزمانٍ دونَ زمانٍ».
وهذا التقريرُ من فقهاءِ الشافعيَّةِ يدلُّ على أنَّ الزيارةَ مشروعةٌ على الإطلاقِ، وأنَّها لا تُمنَعُ في زمنٍ دون زمنٍ؛ لأنَّ النصوصَ الواردةَ فيها جاءت عامَّةً.
عدمُ استثناءِ يومِ العيدِ مِن جوازِ الزيارةِ:
ولم يَستَثنِ النبيُّ ﷺ يومًا منَ الأيَّامِ في زيارةِ القبورِ، فلا يومَ عيدٍ ولا غيرَهُ، فبقيَ الأمرُ على عمومِهِ. فمَنِ ادَّعى المنعَ في يومِ العيدِ، فعليهِ الدليلُ؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ الحكمِ على ما دلَّت عليهِ النصوصُ العامَّةُ.
وقد قرَّرَ الأصوليُّونَ قاعدةً مهمَّةً في هذا البابِ، وهي أنَّ النصَّ العامَّ يبقى على عمومِهِ ما لم يَرِد دليلٌ يخصِّصُهُ.
قالَ الإمامُ الشاطبيُّ رحمهُ اللهُ تعالى [الموافقات]: «الأدلَّةُ العامَّةُ إذا لم يَثبُت تخصيصُها بقيت على عمومِها».وقالَ أيضًا: «العملُ بالدليلِ العامِّ واجبٌ حتَّى يَرِدَ دليلٌ يخصِّصُهُ».
وهذا أصلٌ أصوليٌّ عظيمٌ؛ لأنَّ الأحاديثَ الواردةَ في زيارةِ القبورِ جاءت مطلقةً عامَّةً، ولم يَرِد نصٌّ صحيحٌ ينهى عن الزيارةِ في يومِ العيدِ، فتبقى على عمومِها، ويكونُ الحكمُ فيها الجوازَ والاستحبابَ كما في سائرِ الأيَّامِ.
نقولُ الفقهاءِ في استحبابِ الزيارةِ في الأزمنةِ المباركةِ:
وقد ذكرَ بعضُ الفقهاءِ أنَّ زيارةَ القبورِ قد يزدادُ فضلُها في الأزمنةِ الفاضلةِ والمواسمِ المباركةِ؛ لما في تلكَ الأوقاتِ من رجاءِ قبولِ الدعاءِ.
قالَ الإمامُ ابنُ عابدينَ الحنفيُّ رحمهُ اللهُ تعالى [رد المحتار على الدر المختار]: «لا بأسَ بزيارةِ القبورِ في الأيَّامِ الفاضلةِ والمواسمِ؛ لما فيها من تذكُّرِ الآخرةِ والدعاءِ للأمواتِ».
وهذا يدلُّ على أنَّ الأزمنةَ الفاضلةَ لا يُمنَعُ فيها من زيارةِ القبورِ، بل قد تكونُ مظنَّةً لزيادةِ الخيرِ والدعاءِ.
وقالَ الإمامُ عليٌّ القاري رحمهُ اللهُ تعالى [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح]: «زيارةُ القبورِ مستحبَّةٌ في الجملةِ، ويزدادُ فضلُها في الأزمنةِ الشريفةِ والأوقاتِ المباركةِ».
ومعنى هذا أنَّ الزيارةَ في أصلِها مستحبَّةٌ، غيرَ أنَّ فضلَها قد يزدادُ في الأوقاتِ الَّتي يُرجى فيها قبولُ الدعاءِ.
وقالَ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ ابنُ الحاجِّ المالكيُّ رحمهُ اللهُ تعالى [المدخل]: «وينبغي للإنسانِ أن يُكثِرَ مِن زيارةِ القبورِ؛ لأنَّ فيها الاعتبارَ وتذكُّرَ الآخرةِ، وترقيقَ القلبِ، والزهدَ في الدنيا، والدعاءَ للأمواتِ. ويكونُ ذلكَ آكَدَ في الأزمنةِ الفاضلةِ والمواسمِ الشريفةِ؛ لأنَّ الدعاءَ فيها أقربُ إلى القبولِ، فيغتنمُ المسلمُ تلكَ الأوقاتَ المباركةَ لزيارةِ القبورِ والدعاءِ لأهلِها». وقالَ أيضًا: «وينبغي للإنسانِ أن لا يتركَ زيارةَ القبورِ في الأوقاتِ الفاضلةِ؛ فإنَّ المقصودَ منها الاعتبارُ والدعاءُ للأمواتِ».
وهذا النصُّ يدلُّ بوضوحٍ على أنَّ الأزمنةَ الفاضلةَ ـ ومنها الأعيادُ وسائرُ المواسمِ الشرعيَّةِ ـ لا يُمنَعُ فيها من زيارةِ القبورِ، بل تندرجُ في عمومِ الأوقاتِ المباركةِ الَّتي يُستحبُّ فيها الدعاءُ.
وجاءَ في الفتاوى الهنديَّة: «وأفضلُ أيَّامِ الزيارةِ أربعةٌ: يومُ الاثنينِ، والخميسِ، والجُمعةِ، والسَّبتِ، والزيارةُ يومَ الجُمعةِ بعدَ الصلاةِ حَسَنٌ، ويومَ السَّبتِ إلى طُلوعِ الشمسِ، ويومَ الخميسِ في أوَّلِ النهارِ، وقيلَ: في آخِرِ النهارِ، وكذا في اللَّيالي المباركةِ، لا سيَّما لَيلَةَ براءةَ، وكذلكَ في الأزمنةِ المباركةِ كعَشرِ ذي الحِجَّةِ، والعيدَينِ، وعاشوراءَ، وسائرِ المواسِمِ، كذا في الغرائبِ».
وهذا نصٌّ صريحٌ في إدخالِ العيدينِ ضمن الأزمنة المباركة التي تُزار فيها القبور، ممَّا يدلُّ على أنَّ زيارةَ القبورِ في يومِ العيدِ لا حرجَ فيها، بل قد تدخلُ في جملةِ الأوقاتِ الفاضلةِ الَّتي يُرجى فيها الخيرُ والبركةُ
فضلُ يومِ العيدِ وكونُهُ منَ الأيَّامِ العظيمةِ:
ومنَ الأمورِ الَّتي ينبغي التنبُّهُ لها أنَّ يومَ العيدِ نفسَهُ منَ الأيَّامِ العظيمةِ الَّتي عظَّمها الشرعُ، وجعلها مواسمَ للطاعةِ والذِّكرِ والدعاءِ.
فقد قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ أَعظَمَ الأَيَّامِ عِندَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَومُ النَّحرِ، ثُمَّ يَومُ القَرِّ» رواهُ أبو داود.
ويومُ النَّحرِ هو يومُ عيدِ الأضحى، وقد وصفَهُ النبيُّ ﷺ بأنَّهُ أعظمُ الأيَّامِ عندَ اللهِ تعالى، وهذا يدلُّ على عِظَمِ فضلِ يومِ العيدِ ومكانتِهِ في الشريعةِ.
وقد نصَّ العلماءُ على أنَّ الأيَّامَ الَّتي عظَّمها الشرعُ وجعلَها مواسمَ للعبادةِ والطاعةِ يُرجى فيها إجابةُ الدعاءِ؛ لأنَّها أوقاتٌ شريفةٌ يجتمعُ فيها الذِّكرُ والعبادةُ.
وممَّا يدلُّ على ذلكَ ما رُوِيَ عن أبي موسى الأشعريِّ رضيَ اللهُ عنه أنَّه قال في خُطبتهِ يومَ النَّحرِ: «بعدَ يومِ النَّحرِ ثلاثةُ أيَّامٍ ذكرهنَّ اللهُ في القرآنِ، لا يُرَدُّ فيهنَّ الدعاءُ، فارفعوا رغبتَكم إلى اللهِ».
وهذا يدلُّ على أنَّ أيَّامَ العيدِ وما يتبعُها من أيَّامِ التَّشريقِ من الأزمنةِ الَّتي يُرجى فيها قبولُ الدعاءِ واستجابتُهُ.
ولذلكَ كانَ يومُ العيدِ يومًا يجتمعُ فيهِ المسلمونَ على الذِّكرِ والتكبيرِ والدعاءِ، وقد شُرِعَ فيهِ الإكثارُ من ذكرِ اللهِ تعالى؛ قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلِتُكمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُم وَلَعَلَّكُم تَشكُرونَ﴾ [البقرة: 185].
فاجتماعُ الذِّكرِ والتكبيرِ والدعاءِ في يومِ العيدِ يدلُّ على أنَّهُ منَ الأيَّامِ الفاضلةِ الَّتي يُستحبُّ للمسلمِ أن يُكثِرَ فيها من الدعاءِ والطاعةِ، رجاءَ القبولِ من اللهِ تعالى.
وقد قرَّرَ العلماءُ أنَّ الأزمنةَ الفاضلةَ تُرجى فيها إجابةُ الدعاءِ، لأنَّها مواسمُ للعبادةِ والطاعةِ.
قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي [كِتَابِهِ الأُمّ]: «وَبَلَغَنَا أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ: إِنَّ الدُّعَاءَ يُستَجَابُ فِي خَمسِ لَيَالٍ فِي لَيلَةِ الجُمُعَةِ، وَلَيلَةِ الأَضحَى، وَلَيلَةِ الفِطرِ، وَأَوَّلِ لَيلَةٍ مَن رَجَب، وَلَيلَةِ النِّصفِ مِن شَعبَانَ» اهـ
قالَ الإمامُ ابنُ رجبٍ الحنبليُّ رحمهُ اللهُ تعالى [لطائف المعارف]: «الأزمنةُ الفاضلةُ يشرعُ فيها الإكثارُ من الذِّكرِ والدعاءِ والطاعاتِ؛ لأنَّ العملَ فيها أعظمُ أجرًا».
وقالَ الإمامُ النوويُّ رحمهُ اللهُ تعالى [الأذكار]: «الأوقاتُ الفاضلةُ يُستحبُّ فيها الإكثارُ من الدعاءِ والذِّكرِ وسائرِ الطاعاتِ».
وهذا يدلُّ على أنَّ يومَ العيدِ ـ لكونِهِ منَ الأيَّامِ العظيمةِ في الإسلامِ ـ هو من الأزمنةِ الَّتي يُستحبُّ فيها الذِّكرُ والدعاءُ وسائرُ أعمالِ البرِّ، وهذا أصلٌ عامٌّ في أنَّ الأزمنةَ الَّتي شرفها الشرعُ يَشرعُ فيها الإكثارُ من الدعاءِ، ويومُ العيدِ من أعظمِ تلكَ الأزمنةِ.
وقالَ الإمامُ ابنُ حجرٍ العسقلانيُّ رحمهُ اللهُ تعالى [فتح الباري شرح صحيح البخاري]: «في الأيَّامِ الفاضلةِ تُشرَعُ أنواعُ الطاعاتِ من الذِّكرِ والدعاءِ والصدقةِ وغيرِ ذلك».
وهذا يدلُّ على أنَّ الأزمنةَ المباركةَ مواسمُ لإظهارِ العبوديةِ للهِ تعالى، ومن أعظمِها يومُ العيدِ.
وقالَ الإمامُ القرافيُّ رحمهُ اللهُ تعالى [الذخيرة]: «الأزمنةُ الفاضلةُ يُستحبُّ فيها الإكثارُ منَ الطاعاتِ والدعاءِ؛ لأنَّ فضلَ الزمانِ سببٌ لزيادةِ الأجرِ».
وهذا يدلُّ على أنَّ الأزمنةَ المباركةَ ـ ومنها يومُ العيدِ ـ يُستحبُّ فيها الإكثارُ من الدعاءِ والطاعاتِ.
أثرٌ عن السَّلفِ في زيارةِ القبورِ والدعاءِ لأهلِها:
وقد نقلَ أهلُ العلمِ آثارًا عن الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم في زيارةِ القبورِ والدعاءِ لأهلِها..
يُستَحَبُّ لِلرِّجَالِ زِيَارَةُ القُبُورِ بِالإِجمَاعِ نَقَلَ الإِجمَاعَ الحَافِظُ النَّوَوِىُّ فِى كِتَابِهِ المَجمُوعِ أَمَّا لِلنِّسَاءِ فَفِيهَا قَولانِ قَولٌ بِالكَرَاهَةِ وَقَولٌ بِعَدَمِ الكَرَاهَةِ قَالَ النَّوَوِىُّ الشَّافِعِىُّ فِى رَوضَةِ الطَّالِبِينَ يُستَحَبُّ لِلرِّجَالِ زِيَارَةُ القُبُورِ وَهَل يُكرَهُ لِلنِّسَاءِ وَجهَانِ أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الأَكثَرُونَ يُكرَهُ وَالثَّانِى وَهُوَ الأَصَحُّ عِندَ الرُّويَانِىِّ لا يُكرَهُ إِذَا أَمِنَت مِنَ الفِتنَةِ.
وَعِندَ الحَنَفِيَّةِ لا يُكرَهُ وَهُوَ الأَوفَقُ لِعُمُومِ حَدِيثِ كُنتُ نَهَيتُكُم عَن زِيَارَةِ القُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا. وَأَمَّا حَدِيثُ لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ القُبُورِ فَقَد قَالَ التِّرمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ وَقَد رَأَى بَعضُ أَهلِ العِلمِ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبلَ أَن يُرَخِّصَ النَّبِىُّ ﷺ فِى زِيَارَةِ القُبُورِ فَلَمَّا رَخَصَّ دَخَلَ فِى رُخصَتِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَقَالَ بَعضُهُم إِنَّمَا كُرِهَ لِلنِّسَاءِ لِقِلَّةِ صَبرِهِنَّ وَكَثرَةِ جَزَعِهِنَّ وَقَالَ الحَاكِمُ النَّيسَابُورِىُّ فِى المُستَدرَكِ وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ المَروِيَّةُ فِى النَّهىِ عَن زِيَارَةِ القُبُورِ مَنسُوخَةٌ وَالنَّاسِخُ لَهَا حَدِيثُ عَلقَمَةَ عَن سُلَيمَانَ بنِ بُرَيدَةَ عَن أَبِيهِ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ كُنتُ نَهَيتُكُم عَن زِيَارَةِ القُبُورِ أَلا فَزُورُوهَا.
وَرَوَى الحَاكِمُ فِى مُستَدرَكِهِ عَن جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ عَن أَبِيهِ عَن عَلِىِّ بنِ الحُسَينِ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنتَ النَّبِىِّ ﷺ كَانَت تَزُورُ قَبرَ عَمِّهَا حَمزَةَ كُلَّ جُمُعَةٍ فَتُصَلِّى وَتَبكِى.
وَيُسَنُّ لِلمُسلِمِ إِذَا أَتَى المَقبَرَةَ أَن يُسَلِّمَ عَلَى أَهلِهَا فَقَد رَوَى مُسلِمٌ وَالطَّبَرَانِىُّ عَن أَبِى هُرَيرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَتَى المَقبَرَةَ فَقَالَ السَّلامُ عَلَيكُم دَارَ قَومٍ مُؤمِنِينَ وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ بِكُم لَلاحِقُونَ. وَرَوَى التِّرمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُبُورِ المَدِينَةِ فَأَقبَلَ عَلَيهِم بِوَجهِهِ فَقَالَ السَّلامُ عَلَيكُم يَا أَهلَ القُبُورِ يَغفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُم أَنتُم سَلَفُنَا وَنَحنُ بِالأَثَرِ.
وقالَ الإمامُ النوويُّ رحمهُ اللهُ تعالى [المجموع]: «وَمِمَّا يَدُل أَنَّ زِيَارَتَهُنَّ ليسَت حَرَامًا حَدِيثُ أَنَسٍ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِامرَأَةٍ تَبكِي عِندَ قَبرٍ فَقَال: اتَّقِ اللهَ وَاصبِرِي» رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلمٌ، وَمَوضِعُ الدَّلالةِ أَنَّهُ ﷺ لم يَنهَهَا عَن الزِّيَارَةِ. وَعَن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالت «كَيفَ أَقُول يَا رَسُول اللهِ؟ – يَعنِي إذَا زُرت القُبُورَ – قَال: قُولي: السَّلامُ عَلى أَهل الدِّيَارِ مِن المُؤمِنِينَ وَالمُسلمِينَ، وَيَرحَمُ اللهُ المُستَقدِمِينَ مِنَّا وَالمُستَأخِرِينَ، وَإِنَّا إن شَاءَ اللهُ بِكُم للاحِقُونَ» رَوَاهُ مُسلمٌ. قَال أَصحَابُنَا رحمهم الله: وَيُستَحَبُّ للزَّائِرِ أَن يُسَلمَ عَلى المَقَابِرِ، وَيَدعُوَ لمَن يَزُورُهُ، وَلجَمِيعِ أَهل المَقبَرَةِ، وَالأَفضَل أَن يَكُونَ السَّلامُ وَالدُّعَاءُ بِمَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ، وَيُستَحَبُّ أَن يَقرَأَ مِن القُرآنِ مَا تَيَسَّرَ، وَيَدعُوَ لهُم عَقِبَهَا، نَصَّ عَليهِ الشَّافِعِيُّ، وَاتَّفَقَ عَليهِ الأَصحَابُ».
وقالَ الإمامُ مالكٌ رحمهُ اللهُ تعالى [المدونة الكبرى]: «بلغني أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما كان يأتي القبورَ فيُسلِّمُ على أهلِها ويدعو لهم».
وهذا يدلُّ على أنَّ زيارةَ القبورِ كانت معروفةً عندَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم، وأنَّهم كانوا يقصدونها للدعاءِ لأهلِها والسلامِ عليهم، ولم يُنقَل عنهم تخصيصُها بزمنٍ دون زمنٍ.
الرَّدُّ على شُبهةِ مَنعِ الزيارةِ لأنَّ العيدَ يومُ فَرَحٍ:
وأمَّا ادِّعاءُ بعضِ الناسِ تحريمَ زيارةِ القبورِ في العيدَينِ بدعوى أنَّهما يومَا فرحٍ وسرورٍ، فلا وجهَ لهُ؛ لأنَّ المقصودَ منَ الزيارةِ الاعتبارُ والدُّعاءُ والتذكُّرُ، وهذا لا يُنافي كونَ اليومِ يومَ عيدٍ. فإنَّ الفرحَ المشروعَ لا يَمنعُ التذكُّرَ والاتِّعاظَ، ولا يَرفعُ مشروعيَّةَ ما ندبَ إليهِ الشرعُ، كما أنَّ النصوصَ الشرعيَّةَ لم تُفرِّق بين يومٍ وآخرَ في أصلِ هذهِ العبادةِ.
بل قد ثبتَ في الحديثِ الَّذي أخرجَهُ مسلمٌ، في كتابِ صلاةِ العيدينِ، بابُ ما يُقرأُ بهِ في صلاةِ العيدينِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يقرأُ في صلاةِ العيدينِ بـ ﴿ق وَالقُرآنِ المَجِيدِ﴾ [ق: 1]. وفي هذهِ السورةِ تذكيرٌ بالموتِ والبعثِ والآخرةِ، ممَّا يدلُّ على أنَّ تذكُّرَ الآخرةِ لا يتعارضُ مع أحكامِ العيدِ ولا معانيهِ المشروعةِ.
زيارةُ الأحياءِ والأمواتِ في يومِ العيدِ:
ومِنَ الخِصالِ الحسنةِ الَّتي ينبغي للمسلمِ أن يحرصَ عليها في يومِ العيدِ: صِلَةُ الأرحامِ، وزيارةُ الأقاربِ والأصدقاءِ، والدعاءُ للأحياءِ والأمواتِ.
وليس بصحيحٍ ما يزعُمُهُ بعضُ الناسِ مِن أنَّ زيارةَ الأحياءِ للأحياءِ، أو زيارةَ الأحياءِ للأمواتِ في يومِ العيدِ، مِن جملةِ البدعِ المذمومةِ؛ فإنَّ زيارةَ الأحياءِ للأحياءِ مطلوبةٌ بعمومِ الأدلَّةِ، وهي غيرُ مقيَّدةٍ بوقتٍ دونَ وقتٍ، بل هي مستحبَّةٌ في يومِ العيدِ وغيرِ يومِ العيدِ.
وكذلكَ زيارةُ القبورِ مستحبَّةٌ في جميعِ الأوقاتِ، والأحاديثُ الواردةُ في الحثِّ عليها عامَّةٌ لا تختصُّ بوقتٍ دونَ وقتٍ، كما قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «زُورُوا القُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ». فهي جائزةٌ في العيدِ وغيرِ العيدِ.
وجاءَ في كتابِ [الإيضاحِ] للإمامِ النوويِّ، في البابِ السادسِ في زيارةِ قبرِ سيِّدِنا ومولانا رسولِ اللهِ ﷺ وما يتعلَّقُ بذلكَ، قولُهُ: «يُستحبُّ أن يخرُجَ كُلَّ يومٍ إلى البقيعِ، خُصوصًا يومَ الجُمعةِ». اهـ. وجاءَ فيهِ أيضًا: «ويُستحبُّ أن يزورَ قبورَ الشهداءِ بأُحُدٍ، وأفضلُهُ يومُ الخميسِ، وابتداؤُهُ بحمزةَ عمِّ رسولِ اللهِ ﷺ». اهـ.
فهذهِ النقولُ عن أهلِ العلمِ تدلُّ على أصلِ الاستحبابِ، وعلى أنَّهم يذكرونَ بعضَ الأوقاتِ الفاضلةِ والهيئاتِ الحسنةِ في الزيارةِ، مِن غيرِ أن يذكروا مَنعًا في يومِ العيدِ، ولا نهيًا عنهُ.
وليس بصحيحٍ ما يزعُمُهُ بعضُ الناسِ مِن أنَّ زيارةَ القبورِ في يومِ العيدِ بدعةٌ؛ فإنَّ زيارةَ القبورِ عبادةٌ ثبتَ أصلُها في السنَّةِ، وجاءت نصوصُها عامَّةً غيرَ مقيَّدةٍ بزمنٍ دون زمنٍ.
وقد قرَّرَ الأصوليُّونَ قاعدةً مهمَّةً تؤكِّدُ هذا المعنى، فقالوا: «إبقاءُ النصِّ على عمومِهِ واجبٌ ما لم يَرِد دليلُ التخصيصِ». كما في [الموافقات] للشاطبي.
وتقريرُ الأئمَّةِ لمشروعيَّةِ زيارةِ القبورِ بصيغةِ الإطلاقِ يدلُّ على أنَّها مشروعةٌ في سائرِ الأوقاتِ؛ إذ لو كانَ ثمَّةَ زمنٌ يُمنَعُ فيهِ منها ـ كالعيدِ مثلًا ـ لنبَّهوا عليهِ، لأنَّ تأخيرَ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ لا يجوزُ في الشريعةِ.
الخاتمةُ:
وخُلاصةُ الأمرِ: أنَّ زيارةَ القبورِ مشروعةٌ في أصلِها بنصِّ السُّنَّةِ وإجماعِ العلماءِ، وأنَّ النصوصَ الواردةَ فيها جاءت عامَّةً غيرَ مقيَّدةٍ بوقتٍ دون وقتٍ، ولم يَرِد في الشرعِ دليلٌ صحيحٌ يمنعُ منها في يومِ العيدِ.
بل قد دلَّ كلامُ جماعةٍ من الفقهاءِ على أنَّ الأزمنةَ المباركةَ ـ ومنها الأعيادُ ـ لا تُمنَعُ فيها زيارةُ القبورِ، بل قد تندرجُ في عمومِ الأوقاتِ الَّتي يُستحبُّ فيها الدعاءُ والتذكُّرُ.
وعليهِ؛ فإنَّ زيارةَ القبورِ في يومِ العيدِ جائزةٌ شرعًا، ولا تعارُضَ بينها وبينَ ما في العيدِ من الفرحِ المشروعِ؛ لأنَّ الفرحَ لا يُنافي الاعتبارَ، ولا يمنعُ الدعاءَ للأمواتِ، ولا يرفعُ استحبابَ التذكُّرِ والاتِّعاظِ.
بل قد وردَت نصوصٌ وآثارٌ وكلامٌ لِجماعةٍ منَ الفقهاءِ يدلُّ على جوازِها، بل وعلى استحبابِها في الأزمنةِ المباركةِ، ومن جملتِها يومَا العيدِ.
فالواجبُ أن يُترَكَ التشديدُ بغيرِ دليلٍ، وأن يُرجَعَ في هذهِ المسائلِ إلى النصوصِ الشرعيَّةِ وكلامِ أهلِ العلمِ المُعتبَرينَ، تحقيقًا للاتباعِ، وابتعادًا عن الغلوِّ والتشديدِ بغيرِ برهانٍ.
واللهُ تعالى أعلمُ وأحكمُ.