مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ مِن أَعظَمِ أُصُولِ العَقِيدَةِ الإِسلَامِيَّةِ: تَنزِيهَ اللهِ تَعَالَى عَن مُشَابَهَةِ الخَلقِ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالأَفعَالِ؛ لِأَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ هُوَ الخَالِقُ، وَمَا سِوَاهُ مَخلُوقٌ، وَلا يَجُوزُ عَقلًا وَلَا شَرعًا أَن يَشتَرِكَ الخَالِقُ وَالمَخلُوقُ فِي صِفَةٍ تَختَصُّ بِالمَخلُوقَاتِ، كَالحَدِّ وَالمِقدَارِ وَالكَمِّيَّةِ وَالحَجمِ.
وَلَمَّا كَانَ بَعضُ النَّاسِ قَدِ انحَرَفُوا عَن هَذَا الأَصلِ الجَلِيلِ، فَوَقَعُوا فِي تَشبِيهِ اللهِ بِخَلقِهِ، وَتَوَهَّمُوا فِي حَقِّهِ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَجَبَ بَيَانُ الدَّلِيلِ العَقلِيِّ الصَّرِيحِ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الحَدِّ وَالمِقدَارِ، تَنزِيهًا يَجمَعُ بَينَ نَقَاءِ العَقِيدَةِ وَسَلَامَةِ الفِكرِ.
أَوَّلًا: مَعنَى الحَدِّ وَالمِقدَارِ وَالكَمِّيَّةِ
لَا بُدَّ أَوَّلًا مِن فَهمِ مَعنَى «الحَدِّ» الَّذِي تَكَلَّمَ عَلَيهِ عُلَمَاءُ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.
فَالحَدُّ مَعنَاهُ: الكَمِّيَّةُ؛ أَي: مِقدَارُ الحَجمِ وَالمِسَاحَةِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ مِنَ الطُّولِ وَالعَرضِ وَالسُّمكِ وَالمَقَادِيرِ الَّتِي تَختَصُّ بِالأَجسَامِ وَالمَحدُودَاتِ.
فَإِذَا قَالَ عُلَمَاءُ أَهلِ السُّنَّةِ: «إِنَّ اللهَ لَيسَ بِمَحدُودٍ»، فَلَيسَ مُرَادُهُم أَن لِلهِ حَدًّا وَلكِننَا نَجهَلُهُ، كَمَا يَزعُمُ بَعضُ المُنحَرِفِينَ، بَل مُرَادُهُم: أَنَّهُ سُبحَانَهُ لَيسَ شَيئًا لَهُ كَمِّيَّةٌ؛ لِأَنَّ الكَمِّيَّةَ وَالحَدَّ وَالمِقدَارَ مِن خَصَائِصِ المَخلُوقَاتِ، وَمَن وُصِفَ بِهَا فَقَد دَخَلَ فِي دَائِرَةِ المُحدَثَاتِ وَالمُمكِنَاتِ.
ثَانِيًا: القَاعِدَةُ العَقلِيَّةُ: كُلُّ مَا لَهُ كَمِّيَّةٌ مُحتَاجٌ
يُقَرِّرُ العَقلُ الصَّحِيحُ قَاعِدَةً بَيِّنَةً لَا يَرتَابُ فِيهَا ذُو فِطرَةٍ سَلِيمَةٍ، وَهِيَ:
أَنَّ كُلَّ شَيءٍ لَهُ كَمِّيَّةٌ وَحَدٌّ وَمِقدَارٌ فَهُوَ مُحتَاجٌ إِلَى مَن جَعَلَهُ عَلَى تِلكَ الكَمِّيَّةِ وَالحَدِّ وَالمِقدَارِ.
فَمَا مِن مَوجُودٍ لَهُ حَجمٌ قَلَّ أَو كَثُرَ إِلَّا وَالعَقلُ يَحكُمُ بِأَنَّهُ لَم يُوجِد نَفسَهُ بِتِلكَ الصُّورَةِ، وَلَم يَختَر لِنَفسِهِ ذَلِكَ القَدرَ، بَل لَا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ خَالِقٍ خَصَّهُ بِهَذَا المِقدَارِ دُونَ غَيرِهِ.
فَإِن قِيلَ: لِمَاذَا كَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى الاحتِيَاجِ؟
قُلنَا: لِأَنَّ تَخصِيصَ الشَّيءِ بِقَدرٍ مُعَيَّنٍ دُونَ قَدرٍ آخَرَ يَفتَقِرُ إِلَى مُخَصِّصٍ؛ فَإِذَا كَانَ الشَّيءُ يُمكِنُ أَن يَكُونَ أَصغَرَ مِمَّا هُوَ عَلَيهِ، وَيُمكِنُ أَن يَكُونَ أَكبَرَ مِمَّا هُوَ عَلَيهِ، فَمَن الَّذِي خَصَّهُ بِهَذَا القَدرِ دُونَ ذَاكَ؟! وَهَذَا هُوَ مَعنَى الِافتِقَارِ وَالحَاجَةِ.
ثَالِثًا: تَطبِيقُ الدَّلِيلِ عَلَى الشَّمسِ وَسَائِرِ المَخلُوقَاتِ
إِذَا نَظَرنَا إِلَى الشَّمسِ وَهِيَ مِن أَعظَمِ الأَجسَامِ فِي مَشهُودِنَا وَجَدنَا أَنَّ لَهَا كَمِّيَّةً وَحَدًّا وَمِقدَارًا، وَلَهَا حَجمٌ وَمَسَاحَةٌ وَمَقدَارٌ مُعَيَّنٌ، وَفِيهَا تَركِيبٌ وَنِظَامٌ وَحَرَكَةٌ وَتَغَيُّرٌ.
فَيَحكُمُ العَقلُ بِدَاهَةً أَنَّهَا مُحتَاجَةٌ إِلَى مَن أَوجَدَهَا عَلَى هَذَا القَدرِ وَعَلَى هَذَا النِّظَامِ؛ لأَنَّ الشَّيءَ لَا يَخلُقُ نَفسَهُ، وَلَا يُخرِجُ ذَاتَهُ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، فَإِذًا الشَّمسُ لَيسَت إِلَهًا، وَإِن عَظُمَ نَفعُهَا وَعَظُمَ جِرمُهَا وَكَبُرَت مَنَافِعُهَا؛ لِأَنَّ الإِلَهَ لَا يَكُونُ مُحتَاجًا، وَمَا احتَاجَ لَا يَكُونُ إِلَهًا.
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الشَّمسَ مُحتَاجَةٌ، وَأَنَّ كُلَّ ذِي كَمِّيَّةٍ مُحتَاجٌ، وَجَبَ أَن يَكُونَ خَالِقُهَا مُنَزَّهًا عَنِ الكَمِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَا كَمِّيَّةٍ لَكَانَ مُحتَاجًا مِثلَهَا، وَلَمَا صَحَّ أَن يَكُونَ إِلَهًا خَالِقًا لَهَا.
رَابِعًا: العَرشُ أَعظَمُ المَخلُوقَاتِ كَمِّيَّةً، فَهُوَ دَلَالَةً عَلَى الاحتِيَاجِ
وَإِذَا تَأَمَّلنَا فِي العَرشِ وَهُوَ أَعظَمُ المَخلُوقَاتِ كَمِّيَّةً وَحَجمًا بِمَا أَخبَرَ بِهِ الشَّرعُ وَجَدنَا أَنَّ لَهُ كَمِّيَّةً وَمِقدَارًا وَحَدًّا، فَلَا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ جَعَلَهُ عَلَى تِلكَ الكَمِّيَّةِ.
وَالعَقلُ لَا يَقبَلُ أَن يَكُونَ العَرشُ أَوجَدَ نَفسَهُ، كَمَا لَا يَقبَلُ أَن تكُونَ الشَّمسُ أَوجَدَت نَفسَهَا؛ لأَنَّ الأَجسَامَ كُلَّهَا فِي حَقِيقَتِهَا مُحدَثَةٌ مُفتَقِرَةٌ.
فَإِذَا كَانَ العَرشُ وَهُوَ أَعظَمُ المَخلُوقَاتِ كَمِّيَّةً مُحتَاجًا، فَكُلُّ مَا دُونَهُ مِنَ الذَّرَّةِ إِلَى السَّمَاءِ إِلَى الجِبَالِ وَالبِحَارِ وَسَائِرِ المَخلُوقَاتِ أَولَى بِالاحتِيَاجِ.
فَحِينَئِذٍ يَثبُتُ العَقلُ عَلَى نَتِيجَةٍ قَاطِعَةٍ: أَنَّ مُوجِدَ هَذِهِ العَوَالِمِ وَخَالِقَ هَذِهِ المَحدُودَاتِ لَا يَصِحُّ أَن يَكُونَ مَحدُودًا؛ لِأَنَّ مَن كَانَ مَحدُودًا كَانَ مِثلَهَا فِي الِافتِقَارِ، وَهَذَا نَقضٌ لِمَعنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ مِن أَصلِهِ.
خَامِسًا: إِلزَامٌ عَقلِيٌّ: لَو كَانَ لِلَّهِ حَدٌّ لَاحتَاجَ إِلَى مُخَصِّصٍ
إِذَا فَرَضنَا جَدَلًا أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَهُ حَدٌّ وَمِقدَارٌ، لَزِمَ مِن ذَلِكَ أَنَّهُ مُختَصٌّ بِهَذَا المِقدَارِ دُونَ غَيرِهِ، وَأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ فِي كَمِّيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ.
وَكُلُّ مُتَعَيِّنٍ بِقَدرٍ مُعَيَّنٍ يَفتَقِرُ إِلَى مُخَصِّصٍ خَارِجٍ عَنهُ جَعَلَهُ عَلَى هَذَا التَّعيِينِ، وَإِلَّا لَكَانَ تَخصِيصُهُ بِلَا مُخَصِّصٍ، وَهُوَ مَحَالٌ فِي العَقلِ.
فَإِذًا: لَو كَانَ لِلَّهِ كَمِّيَّةٌ لَكَانَ مُحتَاجًا، وَإِذَا كَانَ مُحتَاجًا لَم يَكُن إِلَهًا، وَهَذَا بَاطِلٌ بِالإِجمَاعِ وَالعَقلِ وَالفِطرَةِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ سُبحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الحَدِّ وَالمِقدَارِ.
سَادِسًا: تَأيِيدُ الدَّلِيلِ العَقلِيِّ بِالدَّلِيلِ النَّقلِيِّ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾
وَمِن أَحسَنِ مَا يُوَافِقُ هَذَا الدَّلِيلَ العَقلِيَّ وَيُؤَيِّدُهُ: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾.
فَإِنَّ مَا لَهُ حَدٌّ وَكَمِّيَّةٌ وَمِقدَارٌ يَدخُلُ تَحتَ أَجنَاسِ الأَجسَامِ وَالمَخلُوقَاتِ، فَيَكُونُ لَهُ أَمثَالٌ وَأَشبَاهٌ كَثِيرَةٌ؛ لأَنَّ الأَجسَامَ كُلَّهَا تَشتَرِكُ فِي أُصُولِ الجِسمِيَّةِ وَالكَمِّيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ.
فَلَو كَانَ لِلَّهِ حَدٌّ وَكَمِّيَّةٌ لَكَانَ مِثلًا لِمَا لَهُ حَدٌّ وَكَمِّيَّةٌ مِن حَيثُ أَصلُ المَعنَى، وَهَذَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ القُرآنِ الَّذِي نَفَى المِثلِيَّةَ نَفيًا قَاطِعًا.
فَبِاجتِمَاعِ الدَّلِيلِ العَقلِيِّ وَالدَّلِيلِ النَّقلِيِّ يَثبُتُ أَنَّ تَنزِيهَ اللهِ عَنِ الحَدِّ وَالمِقدَارِ وَالكَمِّيَّةِ وَاجِبٌ، وَأَنَّ إِثبَاتَ ذَلِكَ لَهُ تَعَالَى ضَلَالٌ وَتَشبِيهٌ.
سَابِعًا: تَنزِيهُ اللهِ عَنِ الحَدِّ مَعنًى مَعرُوفٌ فِي كَلَامِ السَّلَفِ الصَّالِحِ
وَلَيسَ هَذَا المَعنَى مِمَّا أَحدَثَهُ المُتَأَخِّرُونَ، بَل هُوَ مَعرُوفٌ فِي كَلَامِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، مِن قَرنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَتبَاعِ التَّابِعِينَ.
وَقَد جَاءَ عَن سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَن زَعَمَ أَنَّ إِلَهَنَا مَحدُودٌ فَقَد جَهِلَ الخَالِقَ المَعبُودَ».
فَهَذَا يَدُلُّ دَلَالَةً بَيِّنَةً عَلَى أَنَّ تَصَوُّرَ الحَدِّ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى جَهلٌ بِحَقِيقَةِ الأُلُوهِيَّةِ، وَأَنَّ العَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ تَفتَرِضُ تَنزِيهَ اللهِ عَن كُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّركِيبِ وَالكَمِّيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ.
ثَامِنًا: خَاتِمَةٌ جَامِعَةٌ
وَبِعَونِ اللهِ تَعَالَى يَتَبَيَّنُ أَنَّ الدَّلِيلَ العَقلِيَّ عَلَى تَنزِيهِ اللهِ عَنِ الحَدِّ وَالمِقدَارِ يَقُومُ عَلَى أُسُسٍ بَيِّنَةٍ، أَُجمِلُهَا فِي نِقَاطٍ مُرَتَّبَةٍ:
1. الحَدُّ وَالمِقدَارُ هُمَا الكَمِّيَّةُ، وَالكَمِّيَّةُ مِن خَصَائِصِ الأَجسَامِ وَالمَخلُوقَاتِ.
2. كُلُّ مَا لَهُ كَمِّيَّةٌ مُحتَاجٌ إِلَى مَن جَعَلَهُ عَلَى تِلكَ الكَمِّيَّةِ.
3. المُحتَاجُ لَا يَكُونُ إِلَهًا؛ لِأَنَّ الإِلَهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ.
4. فَثَبَتَ أَنَّ خَالِقَ المَحدُودَاتِ وَمُوجِدَ المَقَادِيرِ يَجِبُ أَن يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنِ الحَدِّ وَالكَمِّيَّةِ.
5. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ صَرِيحُ القُرآنِ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾.
فَنَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يَرزُقَنَا مَعرِفَتَهُ عَلَى وَجهِ التَّنزِيهِ، وَأَن يَجعَلَ قُلُوبَنَا ثَابِتَةً عَلَى العَقِيدَةِ الحَقَّةِ، وَأَن يُبَصِّرَنَا بِمَكَايِدِ المُشَبِّهَةِ وَالمُجَسِّمَةِ وَأَهلِ الضَّلَالِ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ.