نُصُوصُ العُلَمَاءِ، وَمَوَاطِنُ الضَّلَالِ، وَأَمثِلَةُ الحُكمِ بِمُقتَضَى اللَّازِمِ، وَالقَاعِدَةُ المُحَكَّمَةُ فِي اللُّزُومِ وَالِالتِزَامِ
مُقَدِّمَةُ:
الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ. أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ مَسأَلَةَ «لَازِمِ المَذهَبِ» لَا تَتِمُّ فَائِدَتُهَا بِمُجَرَّدِ تَصوِيرِهَا وَتَحرِيرِ أَقسَامِهَا وَمَوَاضِعِ الِاتِّفَاقِ وَالِخِلَافِ فِيهَا، بَل إِنَّ كَمَالَ النَّفعِ وَتَمَامَ الإِحكَامِ يَحصُلَانِ عِندَ النَّظَرِ فِي نُصُوصِ الأَئِمَّةِ الَّتِي قَرَّرَت هَذَا التَّفصِيلَ، وَعِندَ تَتَبُّعِ مَوَاضِعِ التَّطبِيقِ الَّتِي تَكشِفُ عَن مَحَالِّ الِاشتِبَاهِ، وَتُبَيِّنُ مَتَى يَصِحُّ أَن يُقَالَ: «لَازِمُ المَذهَبِ مَذهَبٌ»، وَمَتَى يَصِحُّ أَن يُقَالَ: «لَازِمُ المَذهَبِ لَيسَ بِمَذهَبٍ».
وَقَد كَانَ مِن أَعظَمِ أَبوَابِ الغَلَطِ فِي هَذِهِ المَسأَلَةِ أَن يَتَجَرَّأَ بَعضُ النَّاسِ عَلَى تَعمِيمِ قَاعِدَةٍ مُقَيدَةٍ، أَو أَن يَستَعمِلَهَا فِي غَيرِ مَوضِعِهَا؛ فَيَجعَلُهَا سُلَّمًا لِتَصحِيحِ مَا يَجِبُ إِبطَالُهُ، أَو ذَرِيعَةً لِدَفعِ مَا تَقتَضِيهِ الدَّلَالَةُ وَيَستَلزِمُهُ اللِّسَانُ وَالعَقلُ. وَمِن هُنَا يَنشَأُ الضَّلَالُ، وَيَتَفَرَّعُ الِانحِرَافُ، وَتَتَّسِعُ مَسَالِكُ التَّلبِيسِ عَلَى مَن لَم يُحكِم أُصُولَ الدَّلَالَاتِ، وَلَم يُمَيِّز بَينَ اللَّازِمِ البَيِّنِ الَّذِي يَلحَقُ بِالصَّرِيحِ، وَبَينَ اللَّازِمِ الخَفِيِّ الَّذِي يَدخُلُهُ الِاحتِمَالُ وَيَتَوَقَّفُ فِيهِ الحُكمُ عَلَى القَرَائِنِ وَالإِفصَاحِ وَالِالتِزَامِ.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا المَقَالَ سَيَتَوَجَّهُ إِلَى بَيَانِ أَربَعَةِ مَحَاوِرَ كُبرَى، تَتَكَامَلُ بِهَا الصُّورَةُ، وَتَستَقِرُّ بِهَا القَاعِدَةُ عَلَى ضَابِطٍ مَحكَمٍ:
الأَوَّلُ: مَن مِنَ العُلَمَاءِ بَيَّنَ هَذَا التَّفصِيلَ وَقَرَّرَهُ، وَكَيفَ تَعَاقَبَت نُصُوصُهُم فِي تَقيِيدِ الإِطلَاقِ وَتَحرِيرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ.
الثَّانِي: مَوضِعُ ضَلَالِ بَعضِ النَّاسِ فِي هَذِهِ المَسأَلَةِ، وَوَجهُ الِانحِرَافِ فِي تَعمِيمِ مَا لَا يَصِحُّ تَعمِيمُهُ، وَإِهمَالِ ضَوَابِطِ الفَهمِ وَالتَّنزِيلِ.
الثَّالِثُ: أَمثِلَةٌ تَطبِيقِيَّةٌ لِمَوَاضِعِ حَكَمَ فِيهَا العُلَمَاءُ بِالكُفرِ عَلَى مُقتَضَى اللَّازِمِ، مَعَ تَحرِيرِ الفَرقِ بَينَ اللَّازِمِ البَيِّنِ وَغَيرِ البَيِّنِ فِي مِثلِ هَذِهِ الأَحكَامِ.
الرَّابِعُ: خُلَاصَةُ التَّحقِيقِ، وَزِيَادَةُ تَوضِيحٍ، وَبَيَانُ القَاعِدَةِ المُحَكَّمَةِ فِي اللُّزُومِ وَالِالتِزَامِ، عَلَى وَجهٍ يَقطَعُ سُبُلَ التَّلبِيسِ، وَيَرُدُّ كُلَّ قَولٍ إِلَى مَوضِعِهِ، وَيَضَعُ كُلَّ حُكمٍ فِي مَحَلِّهِ.
وَبِهَذِهِ المَحَاوِرِ يَتَأَكَّدُ المَقصُودُ مِن تَحقِيقِ هَذِهِ المَسأَلَةِ، وَيَكتَمِلُ بِنَاؤُهَا، وَيَتَّضِحُ مِيزَانُهَا، وَيَتَحَقَّقُ النُّورُ الَّذِي يَهدِي فِي هَذَا البَابِ إِلَى سَبِيلِ الإِنصَافِ وَالتَّحرِيرِ.
وَاللهُ أَسأَلُ أَن يُوَفِّقَنَا لِلسَّدَادِ، وَأَن يَجعَلَ أَعمَالَنَا خَالِصَةً لِوَجهِهِ، وَأَن يَنفَعَ بِهَا طَالِبَ الحَقِّ، وَيَدفَعَ بِهَا التَّلبِيسَ وَالزَّيغَ وَسُوءَ الفَهمِ.
أَوَّلًا: مَن مِنَ العُلَمَاءِ بَيَّنَ هٰذَا التَّفصِيلَ وَقَرَّرَهُ؟
إِذَا تَبَيَّنَت مَعَالِمُ البَابِ، وَاتَّضَحَ الفَرقُ بَينَ اللَّازِمِ البَيِّنِ وَاللَّازِمِ الخَفِيِّ، وَعُلِمَ أَنَّ مَوضِعَ الخِلَافِ إِنَّمَا هُوَ فِي اللَّازِمِ غَيرِ البَيِّنِ، بَقِيَ السُّؤَالُ الَّذِي لَا يَستَغنِي عَنهُ طَالِبُ التَّحقِيقِ: مَن مِنَ العُلَمَاءِ نَصَّ عَلَى هَذَا التَّفصِيلِ، وَقَرَّرَهُ فِي كَلَامِهِ تَقرِيرًا يُزِيلُ الإِشكَالَ؟
وَالجَوَابُ: أَنَّ هَذَا التَّفصِيلَ لَم يَكُنِ ابتِدَاعًا مُحدَثًا، وَلَا تَحَكُّمًا فِي الدَّلَالَةِ، بَل هُوَ مِمَّا تَتَابَعَ عَلَيهِ أَئِمَّةُ العِلمِ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وَتَظَاهَرَت عَلَيهِ نُصُوصُ الشُّرَّاحِ وَالمُعَلِّقِينَ، خَاصَّةً فِي مَوَاضِعِ التَّكفِيرِ وَأَلفَاظِهِ، وَفِي بَابِ الدَّلَالَاتِ وَاللُّزُومِ.
أَوَّلًا: تَقرِيرُ عَلَاءِ الدِّينِ البُخَارِيِّ (ت: ٨٤١هـ) فمِن أَجمَعِ مَن مَثَّلَ لِهَذَا البَابِ، وَبَيَّنَ أَنَّ مَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ «لَازِمَ المَذهَبِ» لَيسَ عَلَى مَرتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، الإِمَامُ عَلَاءُ الدِّينِ البُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ «مُلجِمَةُ المُجَسِّمَةِ»، حَيثُ ضَرَبَ مِثَالًا يَكشِفُ وَجهَ الاشتِبَاهِ عِندَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي مَوضُوعِ اللُّزُومِ، فَقَالَ فِي مِثَالِهِ: إِنَّ بَعضَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ مَن قَالَ بِوُجُوبِ تَبيِيتِ النِّيَّةِ فِي صَومِ رَمَضَانَ -مِثلَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ- يَلزَمُهُ أَن يَقُولَ بِوُجُوبِهَا فِي صَومِ النَّفلِ؛ لِأَنَّ العِلَّةَ عِندَهُ هِيَ: أَنَّ خُلُوَّ أَوَّلِ الصَّومِ عَنِ النِّيَّةِ مُفسِدٌ لِلعِبَادَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ عَلَاءِ الدِّينِ البُخَارِيُّ أَنَّ هَذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعضُهُم «لَازِمًا» لَيسَ لَازِمًا عَقلِيًّا يَمتَنِعُ تَخَلُّفُهُ، بَل هُوَ تَابِعٌ-أَو مُتَفَرِّعٌ-يُمكِنُ أَن يَتَخَلَّفَ لِقِيَامِ مَانِعٍ أَو لِفَقدِ شَرطٍ؛ وَمِن ثَمَّ فَقَد تَخَلَّفَ فِي صَومِ النَّفلِ لِعَدَمِ وُجُوبِ التَّبيِيتِ فِيهِ إِجمَاعًا.
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَا يَسمِيهِ النَّاسُ «لَازِمَ المَذهَبِ» مِن هَذَا القَبِيلِ هُوَ تَابِعٌ يُمكِنُ تَخَلُّفُهُ، فَلِذَلِكَ قَالُوا: «لَازِمُ المَذهَبِ لَا يَلزَمُ أَن يَكُونَ مَذهَبًا»، أَمَّا اللَّوَازِمُ العَقلِيَّةُ البَيِّنَةُ فَهِيَ مَا يَمتَنِعُ اِنفِكَاكُهُ، كَالجِسمِيَّةِ لِلمُتَحَيِّزِ، وَوُجُودِ النَّهَارِ لِطُلُوعِ الشَّمسِ، وَالزَّوجِيَّةِ لِلأَربَعَةِ… إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ.
وَهَذَا التَّفصِيلُ مِنَ عَلَاءِ الدِّينِ البُخَارِيِّ يُفِيدُ قَاعِدَةً جَلِيَّةً: أَنَّ «اللَّازِمَ» لَيسَ مُجَرَّدَ تَخَيُّلٍ يَتَفَرَّعُ عَن قَولٍ، بَل مِنهُ مَا يَصِيرُ «لَازِمًا حَقِيقِيًّا» لَا يَتَصَوَّرُ تَخَلُّفُهُ، وَمِنهُ مَا يَكُونُ تَابِعًا ظَنِّيًّا يَتَخَلَّفُ بِفَقدِ شَرطٍ أَو وُجُودِ مَانِعٍ.
قال عَلَاءِ الدِّينِ البُخَارِيِّ (ت: ٨٤١هـ) فِي كِتَابِهِ «مُلجِمَةُ المُجَسِّمَةِ» ما نصه: « لَا اللَّوَازِمِ العَقلِيَّةِ الَّتِي بَينَهَا وَبَينَ مَلزُومَاتِهَا رَابِطَةٌ عَقلِيَّةٌ تَقتَضِي امتِنَاعُ انفِكَاكِهَا عَن مَلزُومَاتِهَا، كَالجِسمِيَّةِ لِلمُتَحَيِّزِ وَلَذِي الجِهَةِ، وَوُجُودِ النَّهَارِ لِطُلُوعِ الشَّمسِ، وَالزَّوجِيَّةِ لِلأَربَعَةِ؛ فَالاعتِرَافَ بِهَذِهِ المَلزُومَاتِ اعتِرَافٌ بِلَوَازِمِهَا قَطعًا، وَإلَا يَلزَمُ القَولُ بِجَوَازِ الانفِكَاكِ المُمتَنِعِ.».
يُقَرِّرُ عَلَاءُ الدِّينِ البُخَارِيُّ أَنَّ قَاعِدَةَ «لَازِمُ المَذهَبِ لَيسَ بِمَذهَبٍ» لَا تُطلَقُ عَلَى اللَّوَازِمِ العَقلِيَّةِ البَيِّنَةِ الَّتِي يَمتَنِعُ انفِكَاكُهَا عَن مَلزُومَاتِهَا، فَمَن أَقَرَّ بِالمَلزُومِ لَزِمَهُ الإِقرَارُ بِلَازِمِهِ قَطعًا، وَلَا يَصِحُّ أَن يَدَّعِيَ أَنَّهُ غَيرُ مُلزَمٍ بِهِ، فَهٰذَا تَنَاقُضٌ يُضحِكُ العُقَلَاءَ.
ثَانِيًا: تَتَابُعُ شُرَّاحِ مُختَصَرِ خَلِيلٍ عَلَى تَقيِيدِ القَاعِدَةِ ثُمَّ قَد تَوَارَدَت نُصُوصُهُم عَلَى التَّنبِيهِ عَلَى هَذَا القَيدِ، وَأَنَّ قَولَهُم: «لَازِمُ المَذهَبِ لَيسَ بِمَذهَبٍ» لَا يُحمَلُ عَلَى إِطلَاقِهِ، بَل يُقَيَّدُ بِاللَّازِمِ الخَفِيِّ، أَو غَيرِ البَيِّنِ، أَوِ الظَّنِّيِّ الَّذِي يُحتَاجُ فِي إِثبَاتِهِ إِلَى دَلِيلٍ وَنَظَرٍ.
١) الشَّيخُ مُحَمَّدٌ عَلِيشٌ (ت: ١٢٩٩هـ) [مِنَحُ الجَلِيلِ شَرحُ مُختَصَرِ خَلِيلٍ، مُحَمَّدُ عَلِيشٌ، (9/154)]
فَقَد قَالَ فِي «مِنَحِ الجَلِيلِ»: «وَسَوَاءٌ كَفَرَ بِقَولٍ صَرِيحٍ فِي الكُفرِ… أَو بِلَفظٍ يَقتَضِيهِ؛ أَي: يَستَلزِمُ اللَّفظُ الكُفرَ استِلزَامًا بَيِّنًا، كَجُحُودِ مَشرُوعِيَّةِ شَيءٍ مُجمَعٍ عَلَيهِ مَعلُومٍ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً، فَإِنَّهُ يَستَلزِمُ تَكذِيبَ القُرآنِ أَوِ الرَّسُولِ، وَكَاعتِقَادِ جِسمِيَّةِ اللهِ وَتَحَيُّزِهِ، فَإِنَّهُ يَستَلزِمُ حُدُوثَهُ وَاحتِيَاجَهُ لِمُحدِثٍ، وَنَفيَ صِفَاتِ الأُلُوهِيَّةِ عَنهُ، جَلَّ جَلَالُهُ وَعَظُمَ شَأنُهُ» ثُمَّ نَصَّ فِي مَوضِعٍ آخَرَ عَلَى القَيدِ، فَقَالَ: وَقَالَ فِي مَوضِعٍ آخَرَ: «وَيَكفُرُ مَن ذَهَبَ مَذهَبَ القُدَمَاءِ مِن أَنَّ فِي كُلِّ جِنسٍ مِنَ الحَيَوَانِ نَذِيرًا أَو نَبِيًّا، حَتَّى مِنَ القِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ وَالدَّوَابِّ وَالدُّودِ، وَهَذَا يَستَلزِمُ وَصفَ الرُّسُلِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِصِفَاتِ البَهَائِمِ الذَّمِيمَةِ، وَهَذَا يُوجِبُ القَتلَ بِلَا استِتَابَةٍ، إِلَّا أَنَّهُ تَقَرَّرَ أَنَّ لَازِمَ المَذهَبِ غَيرَ البَيِّنِ لَيسَ بِمَذهَبٍ» اهـ. ثُمَّ زَادَ تَصرِيحًا فَقَالَ: «لَازِمُ المَذهَبِ لَيسَ مَذهَبًا إِذَا لَم يَكُن بَيِّنًا». وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ القَاعِدَةَ لَا تُقَالُ عَلَى الإِطلَاقِ، بَل تُحصَرُ فِي غَيرِ البَيِّنِ، وَأَمَّا البَيِّنُ فَلَهُ حُكمٌ آخَرُ.
وَهُوَ مِن أَجلِّ مَن حَسَمَ الإِشكَالَ بِعِبَارَةٍ جَامِعَةٍ قَاطِعَةٍ، فَقَالَ فِي «حَاشِيَتِهِ عَلَى الشَّرحِ الكَبِيرِ»:
فقال «قَولُهُ: «بِصَرِيحٍ» أَي: بِقَولٍ صَرِيحٍ فِي الكُفرِ. قَولُهُ: «أَو لَفظٍ يَقتَضِيهِ» أَي: يَقتَضِي الكُفرَ؛ أَي: يَدُلُّ عَلَيهِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الدَّلَالَةُ اِلتِزَامِيَّةً؛ كَقَولِهِ: اللهُ جِسمٌ مُتَحَيِّزٌ، فَإِنَّ تَحَيُّزَهُ يَستَلزِمُ حُدُوثَهُ لِافتِقَارِهِ لِلحَيِّزِ، وَالقَولُ بِذَلِكَ كُفرٌ.» ثم قال: «وَأَمَّا قَولُهُم: لَازِمُ المَذهَبِ لَيسَ بِمَذهَبٍ؛ فَمَحمُولٌ عَلَى اللَّازِمِ الخَفِيِّ». ثُمَّ زَادَ تَحقِيقًا فِي مَوضِعٍ آخَرَ، فَقَالَ-فِي مَثَالِ إِنكَارِ وُجُودِ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ-: «إِنَّ إِنكَارَ وُجُودِ أَبِي بَكرٍ رِدَّةٌ؛ لِأَنَّهُ يَلزَمُ مِن إِنكَارِ وُجُودِهِ إِنكَارُ صُحبَتِهِ لُزُومًا بَيِّنًا، وَقَد عَلِمتَ أَنَّ قَولَهُم: لَازِمُ المَذهَبِ لَيسَ بِمَذهَبٍ إِنَّمَا هُوَ فِي اللَّازِمِ غَيرِ البَيِّنِ». وَفِي هَذَا مِثَالٌ تَعلِيمِيٌّ بَالِغٌ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَ المَسأَلَةَ مِن مُجَرَّدِ تَحرِيرٍ نَظَرِيٍّ إِلَى تَطبِيقٍ عَمَلِيٍّ يُبَيِّنُ أَنَّ البَيِّنَ لَا يُدفَعُ بِالدَّعوَى وَلَا بِالمُنَازَعَةِ.
٣) الشَّيخُ أَحمَدُ الصَّاوِيُّ (ت: ١٢٤١هـ) [بُلغَةُ السَّالِكِ لِأَقرَبِ المَسَالِكِ، الصَّاوِي، (4/224)].
وَقَد صَرَّحَ فِي «بُلغَةِ السَّالِكِ» بِمِثلِ ذَلِكَ، فَقَالَ: «وَلَا يَرِدُ عَلَينَا قَولُهُم: لَازِمُ المَذهَبِ لَيسَ بِمَذهَبٍ؛ لِأَنَّهُ فِي اللَّازِمِ الخَفِيِّ». فَهُوَ تَقرِيرٌ صَرِيحٌ لِمَحَلِّ القَاعِدَةِ، وَأَنَّ إِيرَادَهَا فِي مَوضِعِ اللَّازِمِ البَيِّنِ تَحرِيفٌ عَن مَوضِعِهَا.
٤) الشَّيخُ مُحَمَّدُ الخَرَشِيُّ (ت: ١١٠١هـ) [حَاشِيَةُ الخَرَشِيِّ عَلَى مُختَصَرِ خَلِيلٍ، مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللهِ الخَرَشِيُّ، (8/257)].
وَقَد نَبَّهَ تَنبِيهًا دَقِيقًا يَدُلُّ عَلَى فَهمٍ مُحكَمٍ لِلمَقصُودِ، فَقَالَ: «ظَاهِرُهُ وَلَو بَيِّنًا، مَعَ أَنَّ اللَّازِمَ إِذَا كَانَ بَيِّنًا يَكُونُ كُفرًا وَلَا يَخفَى أَنَّ اللَّازِمَ هُنَا بَيِّنٌ؛ فَليُنظَر ذَلِكَ». وَمَعنَى كَلَامِهِ: أَنَّ إِطلَاقَ عِبَارَةِ «لَازِمُ المَذهَبِ لَيسَ بِمَذهَبٍ» عَلَى البَيِّنِ يُؤَدِّي إِلَى نَقضِ قَوَاعِدِ الدِّينِ وَالتَّكفِيرِ بِالصَّرِيحِ؛ فَلِذَلِكَ احتَاجَتِ العِبَارَةُ إِلَى تَقيِيدٍ، وَهُوَ الَّذِي أَثبَتَهُ غَيرُهُ بِنَصٍّ صَرِيحٍ. وَذَلِكَ تَعقِيبًا عَلَى قَولِ صَاحِبِ المَتنِ الَّذِي يَقُولُ: «وَكَذَلِكَ مَن اعتَقَدَ أَنَّ فِي كُلِّ جِنسٍ مِن أَجنَاسِ الحَيَوَانَاتِ مِنَ القِرَدَةِ وَالدُّودِ وَنَحوِهِمَا نَذِيرًا؛ أَي: نَبِيًّا، فَإِنَّهُ يَكفُرُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنَّ جَمِيعَ الحَيَوَانَاتِ تَكُونُ مُكَلَّفَةً، وَهَذَا يُخَالِفُ الإِجمَاعَ، وَأَن تُوصَفَ أَنبِيَاءُ هَذِهِ الأَصنَافِ بِصِفَاتِهِمُ الذَّمِيمَةِ، وَفِيهِ مِنَ الِازدِرَاءِ عَلَى هَذَا المَنصِبِ المَنِيفِ مَا فِيهِ، مَعَ إِجمَاعِ المُسلِمِينَ عَلَى خِلَافِهِ، وَتَكذِيبِ قَائِلِهِ.»
ثَالِثًا: شَاهِدٌ تَطبِيقِيٌّ مِنَ القَرَافِيِّ فِي مَسأَلَةِ البَسمَلَةِ مَعَ المَعصِيَةِ [الفُرُوقُ مَعَ هَوَامِشِهِ، القَرَافِيُّ، (1/240)].
فمِنَ الشَّوَاهِدِ الَّتِي تُجَلِّي مَعنَى اللَّازِمِ الخَفِيِّ وَأَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ مُطلَقًا: مَا نَقَلَهُ القَرَافِيُّ فِي هَامِشِ «إِدرَارِ الشُّرُوقِ عَلَى الفُرُوقِ» فِي بَابِ مَن قَالَ: «بِسمِ اللهِ» عِندَ شُربِ الخَمرِ أَوِ اقتِرَافِ المَعصِيَةِ، قَالَ: «وَمُنِعَت عِلَّةُ التَّكفِيرِ؛ إِذ لَم يَتَهَاوَن وَلَم يَستَحِلَّ، فَإِنَّهُ المُعِينُ عَلَى الخَيرِ وَالشَّرِّ. عَلَى أَنَّا لَو سَلَّمنَا أَنَّ الِاستِعَانَةَ وَالتَّبَرُّكَ بِهِ – أَي: بِاللهِ – لَا تَتَصَوَّرُ إِلَّا فِيمَا فِيهِ إِذنُهُ وَرِضَاهُ، فَهُوَ أَمرٌ لَم يَقصِدهُ، وَإِنَّمَا هُوَ لَازِمٌ لِمَا فَعَلَهُ، وَلَازِمُ المَذهَبِ لَيسَ بِمَذهَبٍ إِذَا لَم يَكُنِ اللُّزُومُ بَيِّنًا، كَمَا هُنَا» اهـ.
فَقَرَّرَ أَنَّ مَنعَ عِلَّةِ التَّكفِيرِ هُنَا مَبنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَم يَستَحِلَّ وَلَم يَتَهَاوَن، وَأَنَّ مَا يُتَوَهَّمُ مِنَ الِاستِعَانَةِ وَالتَّبَرُّكِ فِي مَعصِيَةٍ هُوَ لَازِمٌ غَيرُ مَقصُودٍ، وَهَذَا مَوضِعُهُ الدَّقِيقُ؛ فَإِنَّ اللَّازِمَ هُنَا لَيسَ بَيِّنًا، وَإِلَّا لَكَانَ مُؤَاخَذًا بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّخصَ قَد يَقصِدُ عِندَ تَلَفُّظِهِ بِالبَسمَلَةِ أَن يَتَخَلَّصَ مِن ضَرَرِ الخَمرِ، وَلَا يَخطُرُ لَهُ التَّبَرُّكُ بِالبَسمَلَةِ حَالَ كَونِهِ يَشرَبُ الخَمرَ الَّتِي تُعلَمُ حُرمَتُهَا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.
رابعًا: شَوَاهِدُ تَطبِيقِيَّةٌ مِن نُصُوصِ الأَئِمَّةِ تُثبِتُ أَنَّ القَاعِدَةَ مُقَيَّدَةٌ:
قَالَ الشَّيخُ حَسَنُ العَطَّارُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرحِ الجَلَالِ المَحَلِّيِّ عَلَى [جَمعِ الجَوَامِعِ]: «لَازِمُ المَذهَبِ لَا يُعَدُّ مَذهَبًا إِلَّا أَن يَكُونَ لَازِمًا بَيِّنًا فَإِنَّهُ يُعَدُّ» اهـ.
وَقَالَ فِي مَوضِعٍ آخَرَ: «مُهِمَّتَانِ: الأُولَى: قَولُهُم: «لَازِمُ المَذهَبِ لَيسَ بِمَذهَبٍ» مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَم يَكُنِ اللَّازِمُ لَازِمًا بَيِّنًا. الثَّانِيَةُ: التَّكفِيرُ بِالعَقَائِدِ، لَا سِيَّمَا مَسأَلَةُ الكَلَامِ؛ أَمرٌ مُستَفِيضٌ فِيهِ النِّزَاعُ بَينَ الأَئِمَّةِ مِن قَدِيمِ الزَّمَانِ؛ حَتَّى نَقَلَ السُّيُوطِيُّ فِي شَرحِ «التَّقرِيبِ» أَنَّ القَائِلَ بِخَلقِ القُرآنِ يَكفُرُ، نَصَّ عَلَيهِ الشَّافِعِيُّ، وَاختَارَهُ البُلقِينِيُّ، وَمَنَعَ تَأوِيلَ البَيهَقِيِّ لَهُ بِكُفرَانِ النِّعمَةِ؛ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ ذَلِكَ فِي حَقِّ حَفصٍ الفَردِ لَمَّا أَفتَى بِضَربِ عُنُقِهِ، وَهَذَا رَدٌّ لِلتَّأوِيلِ» اهـ.
قَالَ الشَّيخُ الكِشمِيرِيُّ فِي كِتَابِهِ [إِكفَارُ المُلحِدِينَ]: «وَالحَاصِلُ فِي مَسأَلَةِ اللُّزُومِ وَالِالتِزَامِ: أَنَّ مَن لَزِمَ مِن رَأيِهِ كُفرٌ لَم يَشعُر بِهِ، وَإِذَا وُقِفَ عَلَيهِ أَنكَرَ اللُّزُومَ، وَكَانَ فِي غَيرِ الضَّرُورِيَّاتِ، وَكَانَ اللُّزُومُ غَيرَ بَيِّنٍ، فَهُوَ لَيسَ بِكَافِرٍ -أَي: إِن لَم يَلتَزِمهُ-. وَإِن سَلَّمَ اللُّزُومَ وَقَالَ: إِنَّ اللَّازِمَ لَيسَ بِكُفرٍ، وَكَانَ عِندَ التَّحقِيقِ كُفرًا، فَهُوَ إِذًا كَافِرٌ» اهـ.
قال فخر الدّين الرّازيّ [مفاتيح الغيب للرازي]: «فَإِلزَامُ الكُفرِ غَيرٌ، وَالتِزَامُ الكُفرِ غَيرٌ، وَالقَومُ لَمَّا لَم يَلتَزِمُوا ذَلِكَ فَكَيفَ يُقضَى عَلَيهِم بِالكُفرِ. قُلنَا: الإِلزَامُ إِذَا كَانَ خَفِيًّا بِحَيثُ يُحتَاجُ فِيهِ إِلَى فِكرٍ وَتَأَمُّلٍ كَانَ الأَمرُ فِيهِ كَمَا ذَكَرتُم، أَمَّا إِذَا كَانَ جَلِيًّا وَاضِحًا لَم يَبقَ بَينَ الإِلزَامِ وَالِالتِزَامِ فَرقٌ» اهـ
قَالَ الشَّيخُ مُحَمَّدُ الخَضِرِ الشَّنقِيطِيُّ فِي [استِحَالَةِ المَعِيَّةِ بِالذَّاتِ وَمَا يُضَاهِيهَا مِن مُتَشَابِهِ الصِّفَاتِ]: «وَأَمَّا إِن كَانَ اللُّزُومُ بَيِّنًا فَهُوَ كَالقَولِ بِلَا خِلَافٍ». اهـ. فَخُلَاصَةُ مَقصُودِهِ: أَنَّ اللَّازِمَ إِذَا كَانَ بَيِّنًا ظَاهِرًا لَا يَحتَمِلُ، فَهُوَ كَالقَولِ صَرَاحَةً، وَيُحكَمُ عَلَى صَاحِبِهِ بِمُقتَضَاهُ، وَلَا يُنفَعُ فِي دَفعِهِ التَّعَلُّلُ بِأَنَّهُ لَم يَنوِهِ أَو لَم يَقصِدهُ.
وقال مُحَمَّدُ الطَّاهِرُ بنُ عَاشُورٍ، [أُصُولُ النِّظَامِ الِاجتِمَاعِيِّ فِي الإِسلَامِ، صَحِيفَةُ ١٧٢.] ما نَصُّهُ: «إِذَا كَانَ مِن بَعضِ النِّحَلِ المُحدَثَةِ مَا يَستَلزِمُ وَيَجُرُّ إِلَى إِبطَالِ مَعلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَتَرجِعُ إِلَى المُؤَاخَذَةِ بِلَازِمِ الرَّأيِ، وَتُعرَفُ عِندَ الفُقَهَاءِ بِالتَّكفِيرِ بِاللَّازِمِ، وَتِلكَ حَالَةٌ لِلنَّظَرِ فِيهَا مَجَالٌ، وَتَفصِيلُهَا يُستَطَالُ». اهـ.
وَالتَّفصِيلُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيهِ الشَّيخُ مُحَمَّدٌ الطَّاهِرُ بنُ عَاشُورٍ بَيَّنَهُ فِي كِتَابِهِ [تَحقِيقَاتٌ وَأَنظَارٌ ص: ١٣٢-١٣٣]، فَقَالَ مَا نَصُّهُ: «وَقَد صَرَّحَ عُلَمَاؤُنَا بِأَنَّ حَالَ المُخَالِفِينَ لَنَا فِي الِاعتِقَادِ مَعَ الِالتِزَامِ بِعَقِيدَةِ الإِسلَامِ، إِذَا لَم يُصَرِّحُوا بِالكُفرِ، بَل قَالُوا مَقَالَاتٍ تَجُرُّ إِلَى الكُفرِ، أَو إِلَى مُخَالَفَةِ ظَوَاهِرِ الأَدِلَّةِ مِنَ الكِتَابِ، أَو مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ؛ يَرجِعُ النَّظَرُ فِي تَكفِيرِهِم أَو تَفسِيقِهِم إِلَى قَاعِدَةٍ أَصلِيَّةٍ، وَهِيَ قَاعِدَةُ المُؤَاخَذَةِ بِلَازِمِ المَذهَبِ، فَمِنَ العُلَمَاءِ مَن يَرَونَ لَازِمَ المَذهَبِ مَذهَبًا؛ فَيُرَتِّبُونَ عَلَى أَقوَالِ الفِرَقِ المُخَالِفَةِ لَنَا فِي الأُصُولِ مَا يَلزَمُ أَقوَالَهُم لُزُومًا بَيِّنًا، فَإِن لَزِمَ مِنهُ إِبطَالُ أَصلٍ مِن أُصُولِ الإِيمَانِ، أَو إِنكَارُ مَعلُومٍ بِالضَّرُورَةِ، يَعتَبِرُونَهُم كُفَّارًا أَو فُسَّاقًا عَلَى تَفَاوُتِ قُوَّةِ اللُّزُومِ وَضَعفِهِ».
فَكَلَامُ الشَّيخِ ابنِ عَاشُورٍ فِيهِ نَصٌّ صَرِيحٌ عَلَى أَنَّ مَن قَالَ مَقَالَةً تَستَلزِمُ مُخَالَفَةً لِأَصلٍ مِن أُصُولِ الدِّينِ، أَو تُؤَدِّي إِلَى إِبطَالِ مَعلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ؛ فَإِنَّ الحُكمَ عَلَيهِ ـ تَكفِيرًا ـ يَكُونُ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، بَل يَتَرَتَّبُ عَلَى قُوَّةِ ذَلِكَ اللُّزُومِ، وَعَلَى مَا إِذَا كَانَ اللَّازِمُ بَيِّنًا جَلِيًّا؛ وَهَذَا بِذَاتِهِ يَهدِمُ دَعوَى مَن يَزعُمُ ـ عَلَى الإِطلَاقِ ـ أَنَّ «لَازِمَ المَذهَبِ لَيسَ بِمَذهَبٍ» فِي كُلِّ الأَحوَالِ؛ لِأَنَّ ابنَ عَاشُورٍ صَرَّحَ أَنَّ مِنَ العُلَمَاءِ مَن يَرَى لَازِمَ المَذهَبِ مَذهَبًا، وَأَنَّهُم يُرَتِّبُونَ عَلَى ذَلِكَ اللَّازِمِ أَحكَامًا بقُوَّةِ اللُّزُومِ.
وَإِذَا جَمَعتَ إِلَى كَلَامِ ابنِ عَاشُورٍ مَا نَقَلتَهُ عَن سَعدِ الدِّينِ التَّفتَازَانِيِّ فِي [شَرحِ التَّلوِيحِ عَلَى التَّوضِيحِ]، اتَّضَحَ المَعنَى أَشَدَّ وُضُوحًا؛ فقد قَالَ مَا نَصُّهُ: «وَتَحقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ المُعتَبَرَ فِي دَلَالَةِ الِالتِزَامِ عِندَ عُلَمَاءِ الأُصُولِ وَالبَيَانِ مُطلَقُ اللُّزُومِ؛ عَقلِيًّا كَانَ أَو غَيرَهُ، بَيِّنًا كَانَ أَو غَيرَ بَيِّنٍ؛ وَلِهَذَا يَجرِي فِيهَا الوُضُوحُ وَالخَفَاءُ». اهـ.
وَبِجَمعِ هَذِهِ النُّصُوصِ، يَتَبَيَّنُ بِلَا شَكٍّ أَنَّ العُلَمَاءَ قَد قَرَّرُوا قَاعِدَتَينِ مُتَلَازِمَتَينِ: أَنَّ اللَّازِمَ البَيِّنَ لَا يَنفَكُّ عَن مَلزُومِهِ، فَهُوَ مَذهَبٌ لِقَائِلِهِ، وَلَا يُعتَدُّ بِإِنكَارِهِ لَهُ إِذَا كَانَ مِنَ أَهلِ الفَهمِ وَالعِلمِ بِمَعَانِي الأَلفَاظِ. وَأَنَّ اللَّازِمَ الخَفِيَّ -أَو غَيرَ البَيِّنِ- لَا يُنسَبُ إِلَى صَاحِبِهِ إِلَّا إِذَا صَرَّحَ بِهِ أَو أَقَرَّ بِهِ بَعدَ تَنبِيهِهِ عَلَيهِ.
وَمِن هُنَا تَعلَمُ أَنَّ مَن يَستَدِلُّ بِقَولِهِم: «لَازِمُ المَذهَبِ لَيسَ بِمَذهَبٍ» عَلَى نَفيِ المُؤَاخَذَةِ بِاللَّازِمِ البَيِّنِ، فَهُوَ مُحَرِّفٌ لِلنُّصُوصِ عَن مَوَاضِعِهَا، وَنَاقِلٌ لِلقَاعِدَةِ مِن مَحَلِّهَا الصَّحِيحِ إِلَى غَيرِهِ؛ وَهُوَ مِن أَبيَنِ مَدَاخِلِ التَّلبِيسِ فِي هَذَا البَابِ.
ثَانِيًا: مَوضِعُ ضَلَالِ بَعضِ النَّاسِ فِي هٰذِهِ المَسأَلَةِ
وَبَعدَ هَذِهِ المُقَدِّمَاتِ الَّتِي تُبَيِّنُ حَقِيقَةَ «اللُّزُومِ»، وَتُحَرِّرُ مَوضِعَ الخِلَافِ فِي قَاعِدَةِ «لَازِمِ المَذهَبِ»، نَنتَقِلُ إِلَى بَيَانِ مَوضِعِ الضَّلَالِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ بَعضُ النَّاسِ، حِينَ سَاءَ فَهمُهُم لِهَذِهِ القَاعِدَةِ، فَأَطلَقُوهَا فِي غَيرِ مَوضِعِهَا، وَجَعَلُوهَا ذَرِيعَةً لِتَسوِيغِ مَا لَا يُسَوَّغُ، وَدَفعِ مَا لَا يَجُوزُ دَفعُهُ مِن أَحكَامِ الشَّرعِ المُحكَمَةِ فِي بَابِ الكُفرِ وَالإِيمَانِ.
فَقَد زَعَمَ هَؤُلَاءِ -وَهُوَ زَعمٌ بَاطِلٌ- أَنَّ المَرءَ لَا يَكفُرُ بِالتَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الكُفرِ، وَلَو كَانَ عَالِمًا بِمَعنَاهَا، وَقَالَهَا مُختَارًا غَيرَ مُكرَهٍ، مَا لَم يَعتَقِد جَمِيعَ لَوَازِمِهَا! فَجَعَلُوا العِبرَةَ فِي الكُفرِ وَالإِيمَانِ بِـ«الِاعتِقَادِ الدَّاخِلِيِّ» حَصرًا، وَأَسقَطُوا عِبرَةَ اللَّفظِ الصَّرِيحِ الَّذِي يَدُلُّ فِي نَفسِهِ عَلَى المَعنَى الكُفرِيِّ دَلَالَةً ظَاهِرَةً، وَهَذَا مِمَّا يَهدِمُ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ فِي الحُكمِ عَلَى الأَقوَالِ، وَيَفتَحُ بَابًا مِنَ الفَوضَى لَا يَنضَبِطُ.
وَمِن أَشهَرِ مَا يَتَفَرَّعُ عَن هَذَا الضَّلَالِ: أَنَّ بَعضَهُم لَا يُكَفِّرُ القَائِلِينَ بِالجِهَةِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، وَلَا يَحكُمُ عَلَيهِم بِالتَّجسِيمِ؛ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُم يَقُولُونَ: «نَحنُ لَسنَا مُجَسِّمَةً»! وَكَأَنَّهُم يَظُنُّونَ أَنَّ الإِنكَارَ اللِّسَانِيَّ يَسقُطُ حَقِيقَةَ المَعنَى وَمَدلُولَ اللَّفظِ، وَكَأَنَّ الأَلفَاظَ لَا مَعَانِيَ لَهَا، وَكَأَنَّ دَلَالَاتِ اللُّغَةِ تَتَغَيَّرُ بِمُجَرَّدِ أَن يَدَّعِيَ المُتَكَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ لَازِمَهَا!
وَمِنهُم مَن لَا يُكَفِّرُ مَن قَالَ: «إِنَّ كَلَامَ اللهِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ ذَاتِهِ مَخلُوقٌ» -وَالعِيَاذُ بِاللهِ- مَعَ أَنَّ هَذَا قَولٌ يَمَسُّ أُصُولَ العَقِيدَةِ، وَيُعَارِضُ مَا تَوَاتَرَ عِندَ أَهلِ السُّنَّةِ مِن أَنَّ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى صِفَةٌ قَدِيمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ لَيسَت مَخلُوقَةً.
وَسَبَبُ ضَلَالِ هَؤُلَاءِ -فِي الحَقِيقَةِ- هُوَ أَنَّهُم فَهِمُوا قَولَ بَعضِ العُلَمَاءِ: «لَازِمُ المَذهَبِ لَيسَ بِمَذهَبٍ» عَلَى غَيرِ وَجهِهِ، وَأَنزَلُوهُ غَيرَ مَنزِلِهِ، وَجَعَلُوهُ قَاعِدَةً مُطلَقَةً تَجرِي فِي كُلِّ لَازِمٍ، وَهِيَ فِي الحَقِيقَةِ «مُقَيَّدَةٌ» بِقَيدٍ أَسَاسِيٍّ، وَهُوَ أَن يَكُونَ اللُّزُومُ «غَيرَ بَيِّنٍ» أَو «مُحتَمِلًا»، أَمَّا مَا كَانَ لُزُومُهُ بَيِّنًا قَطعِيًّا فَإِنَّهُ لَا يَدخُلُ تَحتَ هَذِهِ القَاعِدَةِ، بَل يَدخُلُ تَحتَ قَاعِدَةِ: «لَازِمُ المَذهَبِ مَذهَبٌ».
ثَالِثًا: أَمثِلَةٌ تَطبِيقِيَّةٌ تُفَرِّقُ بَينَ اللَّازِمِ البَيِّنِ وَاللَّازِمِ غَيرِ البَيِّنِ
وَمِن هُنَا يَحسُنُ أَن نَضرِبَ مِثَالَينِ مُقَابِلَينِ يَتَبَيَّنُ بِهِمَا حَقِيقَةُ الفَرقِ بَينَ «اللَّازِمِ غَيرِ البَيِّنِ» وَ«اللَّازِمِ البَيِّنِ»، وَكَيفَ يُسَاءُ تَطبِيقُ القَاعِدَةِ إِذَا لَم تُفهَم فَهمًا مُحَقَّقًا.
وَمِن أَمثِلَةِ اللَّازِمِ غَيرِ البَيِّنِ: مَا وَقَعَ مِنَ المُعتَزِلَةِ فِي مَسأَلَةِ إِنكَارِ رُؤيَةِ أَهلِ الجَنَّةِ لِرَبِّهِم تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الآخِرَةِ؛ فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنهُم أَنكَرُوا الرُّؤيَةَ، وَحَمَلَهُم عَلَى ذَلِكَ وَهمٌ بَاطِلٌ، وَهُوَ أَنَّ الرُّؤيَةَ تَلزَمُ مِنهَا الجِهَةُ وَالحَدُّ وَالحَجمُ، فَقَالُوا: «لَا يُمكِنُ أَن يُرَى إِلَّا مَن كَانَ فِي جِهَةٍ، وَلَهُ حَدٌّ وَحَجمٌ»! فَنَفَوا الرُّؤيَةَ، وَأَوَّلُوا الآيَاتِ وَالأَحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَت فِي إِثبَاتِهَا.
وَمَعَ أَنَّ مَذهَبَهُم فِي أُصُولِهِ فَاسِدٌ، وَتَأوِيلَهُم لِلنُّصُوصِ تَحرِيفٌ عَن مَعَانِيهَا الصَّحِيحَةِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِن عُلَمَاءِ أَهلِ السُّنَّةِ لَم يُكَفِّرُوهُم فِي هَذَا المَوضِعِ، بَل فَسَّقُوهُم وَبَدَّعُوهُم؛ لِأَنَّ اللَّازِمَ الَّذِي تَوَهَّمُوهُ (وَهُوَ لُزُومُ التَّجسِيمِ مِنَ الرُّؤيَةِ) لَازِمٌ غَيرُ بَيِّنٍ؛ فَهُم زَعَمُوا أَنَّهُم يَنفُونَ الرُّؤيَةَ تَنزِيهًا، وَيَخَافُونَ مِنَ التَّشبِيهِ، وَإِن كَانُوا فِي ذَلِكَ مُخطِئِينَ.
وَنَحنُ أَهلَ السُّنَّةِ نَقُولُ: إِنَّ الرُّؤيَةَ حَقٌّ، لِوُرُودِ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ بِهَا، وَإِنَّ كُلَّ مَوجُودٍ يَصِحُّ أَن يُرَى إِذَا شَاءَ اللهُ، وَلَكِنَّ رُؤيَةَ اللهِ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ لَيسَت كَرُؤيَةِ المَخلُوقَاتِ، وَلَا تَستَلزِمُ جِهَةً وَلَا حَدًّا وَلَا حَجمًا؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن ذَلِكَ كُلِّهِ.
فَهُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ المُعتَزِلَةَ وَإِن قَالُوا قَولًا بَاطِلًا، فَإِنَّ اللَّازِمَ الَّذِي يَدَّعِيهِ خُصُومُهُم عَلَيهِم لَيسَ بَيِّنًا فِي نَفسِ القَضِيَّةِ، وَلهذا قد وَقَعَ التَّفسِيقُ دُونَ التَّكفِيرِ عِندَ طَائِفَةٍ مِن أَهلِ العِلمِ.
وَأَمَّا مِثَالُ اللَّازِمِ البَيِّنِ فَهُوَ أَوضَحُ وَأَشَدُّ لُزُومًا، وَمِن أَبيَنِهِ مَا اشتَهَرَ عَن المُعتَزِلَةِ فِي بَابِ الصِّفَاتِ؛ إِذ قَالُوا: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالعِلمِ، وَلَا بِالسَّمعِ، وَلَا بِالبَصَرِ، وَلَا بِالقُدرَةِ، وَلَا بِالإِرَادَةِ، وَلَا بِالتَّخلِيقِ، وَلَا بِالتَّكوِينِ، وَلَا بِغَيرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالفِعلِيَّةِ. ثُمَّ لَمَّا أَدرَكُوا أَنَّ تَجرِيدَ الإِلَهِ عَن هَذِهِ الصِّفَاتِ يُؤَدِّي إِلَى تَعطِيلِ الرُّبُوبِيَّةِ وَإِثبَاتِ النَّقَائِصِ، قَالُوا مَعَ ذَلِكَ: «هُوَ عَالِمٌ لِنَفسِهِ، قَادِرٌ لِنَفسِهِ، لَا بِعِلمٍ وَلَا بِقُدرَةٍ»!
وَهُنَا يَقَعُ اللُّزُومُ البَيِّنُ الَّذِي لَا يَقبَلُ تَخَلُّفًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَسُوغُ فِي العَقلِ أَن يُقَالَ: «عَالِمٌ بِلَا عِلمٍ»، كَمَا لَا يَسُوغُ أَن يُقَالَ: «قَادِرٌ بِلَا قُدرَةٍ»، وَكَمَا لَا يَسُوغُ أَن يُقَالَ: «ضَارِبٌ بِلَا ضَربٍ»، أَو «مُتَحَرِّكٌ بِلَا حَرَكَةٍ». فَهَذَا تَنَاقُضٌ فِي نَفسِ العِبَارَةِ، وَاللُّغَةُ وَالعَقلُ يَرُدَّانِهِ؛ لِأَنَّ الوَصفَ يَلزَمُهُ مَوصُوفُهُ، وَلَا يَثبُتُ وَصفٌ حَقِيقِيٌّ إِلَّا بِمَا يُحَقِّقُهُ.
فَيَكُونُ مَذهَبُ المُعتَزِلَةِ -فِي حَقِيقَةِ المَعنَى- نَفيَ العَالِمِيَّةِ وَالقَادِرِيَّةِ عَنِ اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ قَولَهُم: «عَالِمٌ لَا بِعِلمٍ» مَعنَاهُ: «لَيسَ بِعَالِمٍ»، وَقَولَهُم: «قَادِرٌ لَا بِقُدرَةٍ» مَعنَاهُ: «لَيسَ بِقَادِرٍ». وَهُنَا يَصِحُّ قَولُ العُلَمَاءِ: «لَازِمُ المَذهَبِ مَذهَبٌ»؛ لِأَنَّ اللُّزُومَ بَيِّنٌ لَا يَحتَمِلُ انفِكَاكًا، وَلَا يَصِحُّ فِي مِثلِ هَذَا أَن يُقَالَ: «لَازِمُ المَذهَبِ لَيسَ بِمَذهَبٍ».
وَلَو قَالَ المُعتَزِلِيُّ: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِنَّهُ يَلزَمُ مِن قَولِي نَفيُ الصِّفَةِ، وَلَا أَلتَزِمُ هَذَا اللَّازِمَ»؛ فَلَا عِبرَةَ بِإِنكَارِهِ؛ لأَنَّ اللَّازِمَ هُنَا بَيِّنٌ، وَاللَّازِمُ البَيِّنُ لَا يُدفَعُ بِمُجَرَّدِ الإِنكَارِ؛ إِذ هُوَ مُتَضَمَّنٌ فِي حَقِيقَةِ قَولِهِ، لَا يَنفَكُّ عَنهُ.
رابعًا: خُلَاصَةُ التَّحقِيقِ وَزِيَادَةُ تَوضِيحٍ
وَفِي المُحَصِّلَةِ يَتَلَخَّصُ مَا يَلِي فِي مَسأَلَةِ اللُّزُومِ وَالِالتِزَامِ: أَنَّ مَن لَزِمَ مِن رَأيِهِ كُفرٌ لَم يَشعُر بِهِ، وَإِذَا وَقَفَ عَلَيهِ أَنكَرَ اللُّزُومَ، وَكَانَ فِي غَيرِ الضَّرُورِيَّاتِ، وَكَانَ اللُّزُومُ غَيرَ بَيِّنٍ، فَهُوَ لَيسَ بِكَافِرٍ أَي: إِن لَم يَلتَزِمهُ. وَإِن سَلَّمَ اللُّزُومَ وَقَالَ: إِنَّ اللَّازِمَ لَيسَ بِكُفرٍ، وَكَانَ عِندَ التَّحقِيقِ كُفرًا، فَهُوَ إِذًا كَافِرٌ. وَإِن أَنكَرَ اللُّزُومَ وَكَانَ فِي الضَّرُورِيَّاتِ أَو كَانَ اللُّزُومُ بَيِّنًا؛ لَم يَنفَعهُ الإِنكَارُ، وَجَرَى عَلَيهِ حُكمُهُ بِحَسَبِ تَحقِيقِ أَهلِ العِلمِ وَالقَضَاءِ.
قَالَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ نَاقِلًا عَن شَيخِهِ الحَافِظِ ابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ: «وَالَّذِي يَظهَرُ أَنَّ الَّذِي يُحكَمُ عَلَيهِ بِالكُفرِ مَن كَانَ الكُفرُ صَرِيحَ قَولِهِ، وَكَذَا مَن كَانَ لَازِمُ قَولِهِ وَعُرِضَ عَلَيهِ فَالتَزَمَهُ [أَي: عُرِضَ عَلَيهِ اللَّازِمُ فَقَبِلَهُ، بِأَن قِيلَ لَهُ: هَذَا يَلزَمُ مِنهُ، فَقَالَ: أَقبَلُ بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ اللَّازِمُ كُفرًا.]، أَمَّا مَن لَم يَلتَزِمهُ وَنَاضَلَ عَنهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَافِرًا وَلَو كَانَ اللَّازِمُ كُفرًا، وَيَنبَغِي حَملُهُ عَلَى غَيرِ القَطعِيِّ لِيُوَافِقَ كَلَامَهُ الأَوَّلَ، وَسَبَقَهُ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ فَقَالَ: الَّذِي تَقَرَّرَ عِندَنَا أَن لَا نَعتَبِرَ المَذَاهِبَ فِي الرِّوَايَةِ إِذ لَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِن أَهلِ القِبلَةِ إِلَّا بِإِنكَارِ قَطعِيٍّ مِنَ الشَّرِيعَةِ» اهـ [فَتحُ المُغِيثِ شَرحُ أَلفِيَّةِ الحَدِيثِ، السَّخَاوِيُّ، (2/68، 69)]. وَمِثلُهُ فِي التَّقرِيرِ وَالتَّحرِيرِ لِابنِ أَمِيرِ الحَاجِّ فِي بَحثٍ مُطَوَّلٍ [التَّقرِيرُ وَالتَّحبِيرُ، ابنُ أَمِيرِ الحَاجِّ، (1/143)].
وَبِمَا تَقَدَّمَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَذهَبَ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ جَلِيٌّ بِحَمدِ اللهِ: لَيسَ فِيهِ تَسَرُّعٌ فِي التَّكفِيرِ، وَلَا تَسَاهُلٌ يُفضِي إِلَى تَميِيعِ الدِّينِ وَتَبدِيلِ مِيزَانِهِ، بَل هُوَ مَذهَبٌ يَقُومُ عَلَى العِلمِ وَالتَّحقِيقِ، وَيَجمَعُ بَينَ تَعظِيمِ حُرمَةِ التَّكفِيرِ وَمَنعِ التَّجَاسُرِ عَلَيهِ، وَبَينَ صَونِ العَقِيدَةِ وَحِفظِ جَوَانِبِ التَّوحِيدِ مِن أَلفَاظِ الزَّيغِ وَمَعَانِي الإِلحَادِ.
وَبِذَلِكَ نَكُونُ قَد وَفَّينَا بِبَيَانِ مَسأَلَةِ «لَازِمِ المَذهَبِ»، وَحَرَّرنَا مَحَلَّهَا، وَأَبرَزنَا قَيدَهَا الَّذِي لَا يَستَقِيمُ فَهمُهَا إِلَّا بِهِ. وَبَعدَ هَذِهِ الأَمثِلَةِ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ بَابَ اللُّزُومِ وَالِالتِزَامِ لَهُ ضَوَابِطُ دَقِيقَةٌ، وَأَنَّ التَّسَاهُلَ فِيهِ يَفتَحُ بَابًا لِتَحرِيفِ الدِّينِ وَتَضيِيعِ أُصُولِهِ. وَحَاصِلُ القَاعِدَةِ:
إِنَّ مَن يُحكَمُ عَلَيهِ بِالكُفرِ هُوَ:
1. مَن كَانَ الكُفرُ صَرِيحَ قَولِهِ؛ لِأَنَّ الصَّرِيحَ لَا يُحتَمَلُ فِيهِ تَأوِيلٌ يُخرِجُهُ عَن دَلَالَتِهِ.
2. وَكَذَلِكَ مَن كَانَ لَازِمُ قَولِهِ كُفرًا، ثُمَّ عُرِضَ عَلَيهِ فَالتَزَمَهُ؛ فَإِذَا قِيلَ لَهُ: «يَلزَمُ مِن كَلَامِكَ كَذَا»، فَقَالَ: «أَقبَلُهُ وَأَلتَزِمُهُ»، وَكَانَ ذَلِكَ اللَّازِمُ كُفرًا؛ كَفَرَ بِالتِزَامِهِ.
أَمَّا إِذَا لَم يَلتَزِمهُ وَنَاضَلَ عَنهُ، فَهُنَا يَتَفَصَّلُ الحُكمُ:
- فَإِن كَانَ اللَّازِمُ بَيِّنًا لَم يَنفَعهُ إِنكَارُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ الصَّرِيحِ، وَإِنكَارُهُ لَهُ إِنكَارٌ لِمَا تَقتَضِيهِ اللُّغَةُ وَالعَقلُ.
- وَإِن كَانَ اللَّازِمُ خَفِيًّا غَيرَ بَيِّنٍ فَلَا يُكَفَّرُ بِهِ، وَلَو كَانَ فِي نَفسِ اللَّازِمِ كُفرٌ؛ لأَنَّهُ لَم يَلتَزِمهُ، وَلِأَنَّهُ لَازِمٌ مُحتَمَلٌ غَيرُ قَطعِيٍّ. وَيُنَزَّلُ هَذَا عَلَى غَيرِ القَطعِيَّاتِ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كَلَامِ المُحَقِّقِينَ.
وَبِهَذَا تَتَّضِحُ وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ تَعمِيمَ قَاعِدَةِ «لَازِمُ المَذهَبِ لَيسَ بِمَذهَبٍ» فِي كُلِّ شَيءٍ، وَجَعلَهَا مَترَسًا لِدَفعِ الكُفرِ الصَّرِيحِ أَوِ اللَّازِمِ البَيِّنِ هُوَ تَحرِيفٌ لِكَلاَمِ العُلَمَاءِ، وَإِفسَادٌ لِمِيزَانِ الشَّرعِ فِي الحُكمِ عَلَى الأَقوَالِ وَالِاعتِقَادَاتِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ.
المَقالُ القَادِم: التَّجسِيمُ وَلَازِمُ المَذهَبِ، وَإِبطَالُ تَعَلُّقِ بَعضِ المُتَمَشعِرَةِ بِقَاعِدَةِ «لَازِمِ المَذهَبِ لَيسَ بِمَذهَبٍ» فِي إِكفَارِ المُجَسِّمِ.