بسم الله الرحمن الرحيم
﴿لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)﴾
﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 28]
نَهَى اللهُ المُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ، أَيْ: نَهَاهُمْ عَنْ مُوَالَاةِ الكُفَّارِ وَمُوَدَّتِهِمْ وَنُصْرَتِهِمْ عَلَى حِسَابِ أَهْلِ الإِيمَانِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذٰلِكَ لِقَرَابَةٍ بَيْنَهُمْ، أَوْ لِصَدَاقَةٍ سَابِقَةٍ قَبْلَ الإِسْلَامِ، أَوْ لِغَيْرِ ذٰلِكَ مِنَ الأَسْبَابِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ هٰذَا الأَصْلُ فِي القُرْآنِ، وَهُوَ أَنَّ المَحَبَّةَ فِي اللهِ وَالبُغْضَ فِي اللهِ بَابٌ عَظِيمٌ مِنْ أَبْوَابِ الإِيمَانِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
أَيْ: إِنَّ لَكُمْ فِي مُوَالَاةِ المُؤْمِنِينَ غُنْيَةً عَنْ مُوَالَاةِ الكَافِرِينَ، فَلَا تُؤْثِرُوهُمْ عَلَيْهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾
أَيْ: مَنْ يُوَالِ الكُفَّارَ هٰذِهِ المُوَالَاةَ المَنْهِيَّ عَنْهَا، فَلَيْسَ مِنْ وِلَايَةِ اللهِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ مُوَالَاةَ وَلِيِّ اللهِ وَمُوَالَاةَ عَدُوِّهِ أَمْرَانِ مُتَنَافِيَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ.
ثُمَّ اسْتَثْنَى سُبْحَانَهُ حَالَةً خَاصَّةً، فَقَالَ: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾
أَيْ: إِلَّا أَنْ تَخَافُوا مِنْ جِهَتِهِمْ خَوْفًا يَحْمِلُكُمْ عَلَى الِاتِّقَاءِ وَالتَّحَفُّظِ، كَأَنْ يَكُونَ لِلْكَافِرِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانٌ، فَتَخَافُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوْ أَمْوَالِكُمْ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَكُمْ إِظْهَارُ شَيْءٍ مِنَ المُوَالَاةِ فِي الظَّاهِرِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، مَعَ بَقَاءِ العَدَاوَةِ لَهُمْ فِي البَاطِنِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾
أَيْ: يُخَوِّفُكُمُ اللهُ ذَاتَهُ الجَلِيلَةَ، فَلَا تَتَعَرَّضُوا لِسَخَطِهِ بِمُوَالَاةِ أَعْدَائِهِ، وَفِي هٰذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾
أَيْ: مَرْجِعُكُمْ إِلَيْهِ، وَالعَذَابُ مُعَدٌّ لَدَيْهِ لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ، وَهٰذَا وَعِيدٌ آخَرُ يُؤَكِّدُ الأَوَّلَ.
﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 29]
أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولَ لِلنَّاسِ: إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ، أَيْ: مَا تُضْمِرُونَهُ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ مُوَالَاةِ الكُفَّارِ أَوْ غَيْرِ ذٰلِكَ مِمَّا لَا يَرْضَاهُ اللهُ، أَوْ تُبْدُوهُ وَتُظْهِرُوهُ، فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ. وَهٰذَا أَبْلَغُ فِي الوَعِيدِ وَالتَّخْوِيفِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الأَسْرَارَ وَالعَلَانِيَاتِ عِنْدَهُ سَوَاءٌ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾
وَهُوَ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى جَوَابِ الشَّرْطِ، وَالمَعْنَى: أَنَّ الَّذِي يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ بِالأَوْلَى سِرُّكُمْ وَعَلَانِيَتُكُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
أَيْ: هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعَاقِبَكُمْ عَلَى مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، فَلَا يَتَوَهَّمَنَّ أَحَدٌ أَنَّ خَفَاءَ الشَّيْءِ يَمْنَعُ الجَزَاءَ عَلَيْهِ.
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 30]
المَعْنَى: اذْكُرُوا يَوْمًا تَجِدُ فِيهِ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْهُ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا، أَيْ: حَاضِرًا مُهَيَّأً أَمَامَهَا، لَا يَغِيبُ عَنْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَتَجِدُ أَيْضًا مَا عَمِلَتْهُ مِنْ سُوءٍ حَاضِرًا. فَحِينَئِذٍ تَوَدُّ، أَيْ: تَتَمَنَّى، لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ذٰلِكَ السُّوءِ أَمَدًا بَعِيدًا، أَيْ: مَسَافَةً بَعِيدَةً وَزَمَنًا مُتَطَاوِلًا، حَتَّى لَا تَرَاهُ وَلَا يُلَاحِقَهَا أَثَرُهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ﴾
يَرْجِعُ إِلَى اليَوْمِ، أَيْ: تَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ذٰلِكَ اليَوْمِ أَمَدًا بَعِيدًا. وَيَصِحُّ أَنْ يَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿تَجِدُ﴾ عَلَى ﴿مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ﴾ وَحْدَهُ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ مُبْتَدَأً، وَقَوْلُهُ: ﴿تَوَدُّ﴾ خَبَرَهُ، أَيْ: وَالَّذِي عَمِلَتْهُ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّهُ تَبَاعَدَ عَنْهَا.
ثُمَّ كَرَّرَ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾
لِيَكُونَ هٰذَا التَّحْذِيرُ حَاضِرًا فِي قُلُوبِهِمْ عَلَى الدَّوَامِ، فَلَا يَغْفُلُوا عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾
أَيْ: مِنْ رَأْفَتِهِ بِهِمْ أَنَّهُ حَذَّرَهُمْ نَفْسَهُ، وَنَبَّهَهُمْ إِلَى مَوَاقِعِ سَخَطِهِ؛ لِئَلَّا يَتَعَرَّضُوا لَهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المَعْنَى: أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مَحْذُورًا لِكَمَالِ قُدْرَتِهِ وَشِدَّةِ عِقَابِهِ، فَهُوَ مَرْجُوٌّ لِسَعَةِ رَحْمَتِهِ وَعَظِيمِ رَأْفَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هٰذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ قَالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ.