بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ، تَبْغُونَهَا عِوَجًا، وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ، وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ، وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ، وَفِيكُمْ رَسُولُهُ، وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)﴾ [آل عمران: 98-101]
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98)﴾ [آل عمران: 98]
الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: «وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ» لِلْحَالِ، وَالْمَعْنَى: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَالْحَالُ أَنَّ اللَّهَ شَاهِدٌ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ، فَهُوَ سَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا
فَفِي الْآيَةِ تَوْبِيخٌ لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَتَهْدِيدٌ لَهُمْ بِعِلْمِ اللَّهِ بِأَحْوَالِهِمْ وَمَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ.
أَهْلُ القُرْءانِ نَحْنُ، وَهُوَ أَفْضَلُ كِتابٍ أَنْزَلَهُ اللهُ تَعالَى، القُرْءانُ هُوَ سَيِّدُ الكُتُبِ، أَفْضَلُ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، نَحْنُ أَهْلُ القُرْءانِ، أُمَّةُ مُحَمَّدٍ يُقالُ لَهُم أَهْلُ القُرْءانِ، الكِتابِ العَزِيْزِ، أَمّا إِذا قِيْلَ أَهْلُ الكِتابِ، حِينَ يُذْكَرُ فِي القُرْءانِ مَعْناهُ يا يَهُودُ وَيا نَصارَى، اليَهُودُ والنَّصارَى اللهُ تَعالَى سَمّاهُم أَهْلَ الكِتابِ، وَهُم إِلَى الآنَ لَم يَزالُوا يَنْتَسِبُونَ بِالقَوْلِ إِلَى التَّوْراةِ والإِنْجِيْلِ، لَكِنَّهُم خالَفُوا التَّوْراةَ والإِنْجِيْلَ لَكِنَّهُم لَم يَتْرُكُوا الاسْمَ، كَذَلِكَ يَقُولُونَ: نَحْنُ أَحْبابُ عِيْسَى، وَهُم مُخالِفُونَ لِعِيْسَى. وَأُولَئِكَ اليَهُودُ يَقُولُونَ: نَحْنُ أَحْبابُ مُوسَى، نَحْنُ جَماعَةُ مُوسَى، وَهُم أَعْداءُ مُوسَى، فَهَؤُلاءِ لِأَنَّهُم يَنْتَسِبُونَ إِلَى التَّوْراةِ والإِنْجِيْلِ يُقالُ لَهُم أَهْلُ الكِتابِ، لا لِأَنَّهُم مُتَمَسِّكُونَ بِالإِنْجِيْلِ الحَقِيْقِيِّ الأَصْلِيِّ والتَّوْراةِ الحَقِيْقِيَّةِ، لا يَتَّبِعُونَ إِنَّما تَمَسَّكُوا بِالاسْمِ، لِذَلِكَ اللهُ سَمّاهُم أَهْلَ الكِتابِ.
يَقولُ بَعضُ الجُهّالِ: إِنَّ أَهلَ الكِتابِ لَيسوا كُفّارًا، وَيَستَدِلُّونَ بِقَولِهِ تَعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، زاعِمِينَ أَنَّ «مِن» لِلتَّبعيضِ، أَي: إِنَّ بَعضَهُم كُفّارٌ وَبَعضَهُم لَيسوا كَذٰلِكَ. وَهٰذا القَولُ جَهلٌ بِلُغَةِ العَرَبِ وَبِالشَّرعِ؛ لِأَنَّ «مِن» فِي هٰذا السِّياقِ بَيانيَّةٌ لا تَبعيضيَّةٌ، وَمَعنَاها تَوضِيحُ الجِنسِ لا تَقسيمُهُ. وَإِنَّما سُمِّيَ اليَهودُ وَالنَّصارى أَهلَ الكِتابِ لِانتِسابِهِم إِلى التَّوراةِ وَالإِنجيلِ انتِسابًا لَفظيًّا، مَعَ أَنَّهُم لَا يَتَّبِعونَ ما أُنزِلَ فيهِما؛ فَالنَّصارى لَا يَتَّبِعونَ الإِنجيلَ الَّذِي أُنزِلَ عَلَى عِيسى، وَاليَهودُ لَا يَتَّبِعونَ التَّوراةَ الَّتِي أُنزِلَت عَلَى مُوسى، وَإِنَّما أَخَذُوا الاِسمَ وَتَرَكُوا الحُكمَ مُنذُ زَمَنٍ بَعيدٍ. وَلَمّا كَذَّبُوا سَيِّدَنا مُحَمَّدًا ﷺ انخَلَعُوا عَنِ الكِتابَينِ الأَصلِيَّينِ؛ فَبَدَؤوا أَوَّلًا بِتَحريفِ المَعاني مَعَ إِبقاءِ الأَلفاظِ، ثُمَّ تَدَرَّجُوا إِلى تَحريفِ الأَلفاظِ وَالمَعاني مَعًا، حَتّى لَم يَبقَ بَينَ النّاسِ اليَومَ تَوراةٌ حَقيقيَّةٌ وَلَا إِنجيلٌ صَحيحٌ، بَل نُصوصٌ مُلَفَّقَةٌ تَشتَمِلُ عَلى أُمورٍ باطِلَةٍ وَنِسبَةِ النَّقصِ إِلى الأَنْبِياءِ.
وَمِن ذٰلِكَ ما يُوجَدُ فِي الإِنجيلِ المُتداوَلِ اليَومَ مِن عِباراتٍ تَتَضَمَّنُ طَعنًا فِي سَيِّدِنا عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ، كَقَولِهِم: إِنَّ المَلعونَ هُوَ مَن عُلِّقَ عَلى خَشَبَةٍ، مَعَ زَعمِهِم أَنَّ عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ عُلِّقَ عَلَيها، فَيَلزَمُ مِن ذٰلِكَ -عَلى قَولِهِم- وَصفُهُ بِاللَّعنِ، وَهُوَ قَولٌ يَأباهُ العَقلُ وَالفِطرَةُ؛ لِأَنَّ مَن يُعَلَّقُ عَلى خَشَبَةٍ قَد يَكونُ مَظلُومًا أَو مُعتَدًى عَلَيهِ، فَكَيفَ يُجعَلُ كُلُّ مَن حَصَلَ لَهُ ذٰلِكَ مَلعونًا؟! وَهٰذا مِن أَبْيَنِ الدَّلائِلِ عَلى تَحريفِهِم وَبُطلانِ دَعوَاهُم، وَمَعَ ذٰلِكَ يُنكِرُ بَعضُ المُفتونينَ ضَلالَهُم.
وَإِنَّ النَّصارى قَد وَقَعُوا فِي أَنواعٍ مِنَ الشِّركِ؛ فَعَبَدُوا عِيسى وَمَريَمَ، وَجَعَلُوا لِرُؤَسائِهِم الدِّينيِّينَ -مِمَّن يُسمَّونَ بِالبابا وَغَيرِهِ- مَكانَةً يَدَّعونَ فِيها أَنَّهُم وُكَلاءُ عَنِ الرَّبِّ، وَقَد أَحَلُّوا لَهُم ما حَرَّمَهُ اللهُ، فَغَيَّرُوا شَريعَةَ المَسيحِ عَلَيهِ السَّلامُ؛ فَالرِّبا وَأَكلُ لَحمِ الخِنزيرِ كانا مُحَرَّمَينِ فِي التَّوراةِ وَالإِنجيلِ، ثُمَّ أَحَلَّهُما عُلماؤُهُم، فَاتَّبَعوهُم فِي ذٰلِكَ. وَأَمَّا اليَهودُ فَهُم -فِي الظّاهِرِ- أَقرَبُ إِلى عَدَمِ التَّحليلِ فِي بَعضِ هٰذِهِ الأُمورِ، مَعَ بُقائِهِم عَلى ضَلالِهِم.
وَقَد كانَ فِي شَرائِعِهِم الوُضوءُ وَالصَّلاةُ بِالرُّكوعِ وَالسُّجودِ، وَكَذٰلِكَ الصِّيامُ الَّذِي يُمسِكُ فيهِ الصّائِمُ عَنِ الطَّعامِ وَالشَّرابِ، ثُمَّ غَيَّرَ أَحبارُهُم وَرُهبانُهُم هٰذِهِ الأَحكامَ، فَأَطاعوهُم فِي التَّبديلِ. وَصارَ اجتِماعُهُم فِي الكَنائِسِ يَومًا فِي الأُسبوعِ، وَابتَدَعُوا أَموالًا تُؤخَذُ بِاسمِ الدِّينِ، مَعَ أَنَّ سَيِّدَنا عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ لَم يَكُن يَفرِضُ عَلى النّاسِ أَموالًا بِهٰذا الوَجهِ، بَل صارَ بَعضُهُم يَعيشُ بِاسمِ الدِّينِ عِيشَةَ المُترَفينَ، يَأكُلونَ مِن أَموالِ الأَغنِياءِ وَيُعطونَ الفُقَراءَ القَليلَ.
وَالحاصِلُ: أَنَّ مَن لَم يَعتَقِد وُجوبَ اتِّباعِ الشَّريعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ فَهُوَ كافِرٌ، وَمَن شَكَّ فِي كُفرِهِ فَهُوَ كافِرٌ؛ فَلَو قالَ قائِلٌ: أَنا أَعبُدُ اللهَ وَأَقولُ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَلَكِن لَا يَلزَمُنِي اتِّباعُ شَريعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كانَ كافِرًا؛ لِأَنَّ كُلَّ رَسولٍ مَن أَنكَرَ شَريعتَهُ فِي زَمانِهِ فَهُوَ كافِرٌ، كَما كانَ فِي زَمانِ مُوسى وَعِيسى وَإِبراهيمَ عَلَيهِمُ السَّلامُ.
وَفِي هٰذِهِ الأُمَّةِ أُناسٌ انحَرَفُوا عَن عَقيدَةِ الإِسلامِ مَعَ دَعواهُم الإِسلامَ؛ مَعَ أَنَّ الإِيمانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ رُكنٌ لَا يَصِحُّ الإِيمانُ إِلَّا بِهِ، فَمَن شَكَّ فِي ذٰلِكَ أَو أَنكَرَهُ فَهُوَ كافِرٌ؛ لِمُخالَفَتِهِ صَريحَ القُرآنِ، قالَ تَعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (13)﴾، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أَنَّ مَن لَم يُؤمِنْ بِاللهِ وَرَسولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهُوَ كافِرٌ، وَلَو كانَ مُنتَسِبًا إِلى التَّوراةِ أَو الإِنجيلِ؛ لِأَنَّ القُرآنَ سَمّاهُم أَهلَ الكِتابِ وَوَصَفَهُم بِالكُفرِ لِعَدَمِ إِيمانِهِم بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وَفِي الآيَةِ أَيضًا دَلالَةٌ عَلى أَنَّ مَن آمَنَ بِاللهِ وَرَسولِهِ ثُمَّ لَم يَعمَلْ بِبَعضِ الفَرائِضِ فَلَيسَ بِكَافِرٍ، وَأَنَّهُ لَا يَخلُدُ فِي النّارِ. وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَإِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ أَي هَيَّأنا، ﴿لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ أَي نَارَ جَهَنَّمَ بِسَبَبِ كُفرِهِم.
وَقَد كانَ فِي التَّوراةِ وَالإِنجيلِ الأَصلِيَّينِ الأَمرُ بِالإِيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَلَو عَمِلَ أَهلُهُما بِما فيهِما لَاتَّبَعوهُ، وَلٰكِنَّهُما حُرِّفا تَحريفًا شَديدًا، وَحُذِفَ مِنهُما ذِكرُ الإِيمانِ بِهِ، فَلَم يَبقَ اليَومَ إِلَّا المُحَرَّفُ. وَلِهٰذا سَمَّاهُمُ القُرآنُ أَهلَ الكِتابِ لِمُجرَّدِ الانتِسابِ، مَعَ الحُكمِ عَلَيهِم بِالكُفرِ، قالَ تَعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70)﴾.
وَمِن أَدلَّةِ كُفرِهِم أَيضًا قَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6)﴾، أَي شَرُّ الخَلقِ. وَقَولُهُ: «مِن أَهلِ الكِتابِ» فِيهِ بَيانيَّةٌ لا تَبعيضيَّةٌ، أَي: الكُفّارُ -سَواءٌ أَكانوا مِن أَهلِ الكِتابِ أَم مِنَ المُشرِكينَ- هُم شَرُّ الخَلقِ، لَا كَما يَتَوَهَّمُهُ بَعضُ الجُهّالِ.
وَبِهٰذا يَتَبَيَّنُ بُطلانُ هٰذِهِ الشُّبهَةِ، وَيَظهَرُ أَنَّ الحُكمَ الشَّرعِيَّ قائِمٌ عَلى أُصولٍ مُحكَمَةٍ لَا يَجوزُ مُخالَفَتُها وَلَا التَّلاعُبُ بِدَلالاتِ أَلفاظِها.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ، تَبْغُونَهَا عِوَجًا، وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ، وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)﴾ [آل عمران: 99]
الْمُرَادُ بِالصَّدِّ: الْمَنْعُ. فَمَعْنَى الآيَةِ: لِمَ تَمْنَعُونَ مَنْ آمَنَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أَيْ: عَنْ دِينِهِ الْحَقِّ الَّذِي عَلِمْتُمْ أَنَّهُ سَبِيلُ اللَّهِ الَّتِي أَمَرَ بِسُلُوكِهَا، وَهِيَ الْإِسْلَامُ؟ وَكَانُوا يَمْنَعُونَ مَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ فِيهِ بِغَايَةِ جُهْدِهِمْ وَسَعْيِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: «تَبْغُونَهَا عِوَجًا» مَوْضِعُهُ النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ؛ أَيْ: تَطْلُبُونَ لِسَبِيلِ اللَّهِ اعْوِجَاجًا وَمَيْلًا عَنِ الْقَصْدِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَذٰلِكَ بِتَغْيِيرِكُمْ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ وَجْهِهَا، وَبِنَحْوِ هٰذَا مِنْ أَنْوَاعِ التَّحْرِيفِ وَالتَّلْبِيسِ. وَقَوْلُهُ: «وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ» أَيْ: وَأَنْتُمْ عَالِمُونَ شَاهِدُونَ أَنَّهَا سَبِيلُ اللَّهِ الْحَقَّةُ، الَّتِي لَا يَصُدُّ عَنْهَا إِلَّا ضَالٌّ مُضِلٌّ. ثُمَّ خَتَمَ بِقَوْلِهِ: «وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» وَهُوَ وَعِيدٌ شَدِيدٌ، يُفِيدُ أَنَّ أَعْمَالَهُمْ مَحْفُوظَةٌ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ مُؤَاخَذُونَ بِهَا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100)﴾ [آل عمران: 100]
ثُمَّ نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ اتِّبَاعِ هٰؤُلَاءِ الصَّادِّينَ عَنْ سَبِيلِهِ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ». وَقَدْ قِيلَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا: إِنَّ شَاسَ بْنَ قَيْسٍ الْيَهُودِيَّ مَرَّ عَلَى نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَهُمْ فِي مَجْلِسٍ يَتَحَدَّثُونَ، فَغَاظَهُ مَا رَأَى مِنْ تَآلُفِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ، فَأَمَرَ شَابًّا مِنَ الْيَهُودِ أَنْ يُذَكِّرَهُمْ يَوْمَ بُعَاثٍ؛ لَعَلَّهُمْ يَغْضَبُونَ، وَكَانَ يَوْمًا اقْتَتَلَتْ فِيهِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، وَكَانَ الظَّفَرُ فِيهِ لِلْأَوْسِ. فَفَعَلَ، فَتَنَازَعَ الْقَوْمُ عِنْدَ ذٰلِكَ، وَقَالُوا: السِّلَاحَ السِّلَاحَ. فَبَلَغَ ذٰلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ: «أَتَدْعُونَ الْجَاهِلِيَّةَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، بَعْدَ إِذْ أَكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَأَلَّفَ بَيْنَكُمْ؟» فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّهَا نَزْعَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَلْقَوُا السِّلَاحَ، وَعَانَقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بَاكِينَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
فَالْمَعْنَى: إِنْ أَطَعْتُمْ هٰؤُلَاءِ، وَاسْتَجَبْتُمْ لِتَحْرِيشِهِمْ وَتَلْبِيسِهِمْ، جَرُّوكُمْ إِلَى مَا يُفْضِي بِكُمْ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ رواه الطبري.
وفي تفسير الرازي رُوِيَ أَنْ شَاسَ بْنَ قَيْسٍ الْيَهُودِيَّ كَانَ عَظِيمَ الْكُفْرِ شَدِيدَ الطَّعْنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَدِيدَ الْحَسَدِ، فَاتُّفِقَ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فَرَآهُمْ فِي مَجْلِسٍ لَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ، وَكَانَ قَدْ زَالَ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَدَاوَةِ بِبَرَكَةِ الْإِسْلَامِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْيَهُودِيِّ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ وَذَكَّرَهُمْ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْحُرُوبِ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ بَعْضَ مَا قِيلَ فِي تِلْكَ الْحُرُوبِ مِنَ الْأَشْعَارِ فَتَنَازَعَ الْقَوْمُ وَتَغَاضَبُوا وَقَالُوا: السِّلَاحَ السِّلَاحَ، فَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَالَ: أَتَرْجِعُونَ إِلَى أَحْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، وَقَدْ أَكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، وَمِنْ كَيْدِ ذَلِكَ الْيَهُودِيِّ، فَأَلْقَوُا السِّلَاحَ وَعَانَقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا كَانَ يَوْمٌ أَقْبَحَ أَوَّلًا وَأَحْسَنَ آخِرًا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ، وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ، وَفِيكُمْ رَسُولُهُ، وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)﴾ [آل عمران: 101]
الِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ: «وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ» لِلْإِنْكَارِ وَالتَّعَجُّبِ؛ أَيْ: مِنْ أَيْنَ يَتَطَرَّقُ إِلَيْكُمُ الْكُفْرُ، وَمَا سَبِيلُهُ إِلَيْكُمْ، وَالْحَالُ أَنَّ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْكُمْ، وَهِيَ الْقُرْآنُ الْمُعْجِزُ، يُتْلَى عَلَيْكُمْ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ ﷺ غَضًّا طَرِيًّا، وَرَسُولُهُ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، يُنَبِّهُكُمْ، وَيَعِظُكُمْ، وَيُزِيحُ عَنْكُمُ الشُّبَهَ، وَيَرُدُّ عَنْكُمْ مَكَايِدَ الْمُضِلِّينَ؟
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ هَذَا سُؤَالُ اسْتِبْعَادِ وُقُوعِ الْكُفْرِ مِنْهُمْ مَعَ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ: وَهُمَا تِلَاوَةُ كِتَابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ الْقُرْآنُ الظَّاهِرُ الْإِعْجَازِ، وَكَيْنُونَةُ الرَّسُولِ فِيهِمُ الظَّاهِرُ عَلَى يَدَيْهِ الْخَوَارِقُ. وَوُجُودُ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ تُنَافِي الْكُفْرَ وَلَا تُجَامِعُهُ، فَلَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِمْ كُفْرٌ مَعَ ذَلِكَ. وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُمُ الْكُفْرُ فَوُبِّخُوا عَلَى وُقُوعِهِ لِأَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ، وَلِذَلِكَ نُودُوا بِقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.
ثُمَّ قَالَ: «وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ» أَيْ: مَنْ يَتَمَسَّكْ بِدِينِ اللَّهِ، أَوْ بِكِتَابِهِ، أَوْ يَلْتَجِئْ إِلَيْهِ فِي دَفْعِ شُرُورِ الْكُفَّارِ وَمَكَايِدِهِمْ، «فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» أَيْ: فَقَدْ أُرْشِدَ وَوُفِّقَ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ وَالطَّرِيقِ السَّوِيِّ. وَيَحْتَمِلُ الْمَعْنَى أَيْضًا: أَنَّ مَنْ جَعَلَ رَبَّهُ مَلْجَأَهُ وَمَفْزَعَهُ عِنْدَ الشُّبَهِ، حَفِظَهُ اللَّهُ مِنَ الشُّبَهِ، وَهَدَاهُ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.