بسم الله الرحمن الرحيم
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (2)﴾
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١]
سُورَةُ النَّحْلِ سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ، وَعَدَدُ آيَاتِهَا مِائَةٌ وَثَمَانٌ وَعِشْرُونَ آيَةً، وَقَدْ سُمِّيَتْ كَذٰلِكَ سُورَةَ النِّعَمِ؛ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِ كَثِيرٍ مِنْ نِعَمِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا فِيهَا مِنْ دَلَائِلِ القُدْرَةِ، وَآثَارِ الرَّحْمَةِ، وَإِحْكَامِ التَّدْبِيرِ.
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]
البَسْمَلَةُ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، تُفْتَتَحُ بِهَا سُوَرُ القُرْآنِ الكَرِيمِ سِوَى سُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ سُورَةُ بَرَاءَةَ. وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ سُوَرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ ذِكْرُ مَعَانٍ وَلَطَائِفَ وَإِشَارَاتٍ جَلِيلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهٰذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ﴾، وَذَكَرْنَا أَنَّ المَنَاوِيَّ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ﴾ اهْتَزَّتْ لَهَا جِبَالُ الدُّنْيَا». فَإِذَا كَانَ ذٰلِكَ شَأْنُ نُزُولِهَا، فَكَمْ يَكُونُ فِيهَا مِنَ الأَسْرَارِ وَالمَعَانِي؟ إِنَّهَا مَعَانٍ لَا تُحْصَى فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ.
يَقُولُ عَبْدُ الكَرِيمِ القُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي «لَطَائِفِ الإِشَارَاتِ» فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾: إِنَّ حَرْفَ البَاءِ حَرْفُ تَضْمِينٍ، أَيْ: بِاللهِ ظَهَرَتِ الحَادِثَاتُ، وَبِهِ وُجِدَتِ المَخْلُوقَاتُ. فَمَا مِنْ حَادِثٍ مَخْلُوقٍ، وَلَا حَاصِلٍ مَنْسُوقٍ، مِنْ عَيْنٍ وَأَثَرٍ، وَغَبَرٍ وَغَيْرِهِ، مِنْ حَجَرٍ وَمَدَرٍ، وَنَجْمٍ وَشَجَرٍ، وَرَسْمٍ وَطَلَلٍ، وَحُكْمٍ وَعِلَلٍ، إِلَّا وَبِالحَقِّ وُجُودُهُ؛ أَيْ إِنَّ ذٰلِكَ كُلَّهُ إِنَّمَا وُجِدَ بِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى.
فَكُلُّ الحَادِثَاتِ وُجِدَتْ بِخَلْقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَبِمَشِيئَتِهِ، وَبِتَقْدِيرِهِ. فَالعِبَادُ، وَحَرَكَاتُهُمْ، وَسُكُونُهُمْ، وَقُوَّتُهُمْ، وَضَعْفُهُمْ، وَخَيْرُهُمْ، وَشَرُّهُمْ، وَغِنَاهُمْ، وَفَقْرُهُمْ، وَصِحَّتُهُمْ، وَسَقَمُهُمْ، وَحَسَنُهُمْ، وَقَبِيحُهُمْ، وَتَدْبِيرُهُمْ، وَمَكْرُهُمْ؛ كُلُّ ذٰلِكَ وُجِدَ بِخَلْقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ فِي هٰذَا العَالَمِ عَمَّا أَرَادَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَهٰذَا العَالَمُ وَمَا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بَدْؤُهُ، وَإِلَى الحَقِّ عَوْدُهُ، وَبِهِ عَرَفَ مَنِ اعْتَرَفَ، وَبِهِ تَخَلَّفَ مَنِ اقْتَرَفَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمٰنِ﴾، فَهُوَ اسْمٌ خَاصٌّ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَعْنَاهُ: كَثِيرُ الرَّحْمَةِ. فَرَحْمَةُ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَسِعَتِ المُؤْمِنَ وَالكَافِرَ؛ فَكُلُّهُمْ يَتَنَفَّسُونَ، وَيَشْرَبُونَ، وَيَأْكُلُونَ، وَيَلْبَسُونَ، وَيَنْتَفِعُونَ بِمَا بَثَّهُ اللهُ تَعَالَى فِي هٰذَا العَالَمِ مِنَ النِّعَمِ. وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ النَّحْلِ، سُورَةِ النِّعَمِ، ذِكْرُ كَثِيرٍ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا؛ مِنَ النَّحْلِ، وَالأَنْعَامِ، وَالجِمَالِ وَمَا فِيهَا مِنْ جَمَالٍ، وَالوَبَرِ، وَالصُّوفِ، وَالدِّفْءِ، وَالمَطَرِ، وَالمَاءِ، وَالسَّمَاوَاتِ، وَالأَرْضِ، وَغَيْرِ ذٰلِكَ مِمَّا جَعَلَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَتَاعًا يَنْتَفِعُ بِهِ المُؤْمِنُ وَغَيْرُهُ فِي هٰذِهِ الدُّنْيَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحِيمِ﴾، فَمَعْنَاهُ أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ إِنَّمَا تَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي أَوَّلِ صَحِيفَتِهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيُفْتَحُ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ مِنَ الجَنَّةِ، يُقَالُ لَهُ: ادْخُلْ مِنْ أَيِّهَا شِئْتَ، فَلْيَقُلْ إِذَا أَمْسَى وَإِذَا أَصْبَحَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِاللَّيْلِ بِقُدْرَتِهِ، وَجَاءَ بِالنَّهَارِ بِرَحْمَتِهِ خَلْقًا جَدِيدًا، مَرْحَبًا بِكُمَا وَأَهْلًا مِنْ حَافِظَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَحَيَّاكُمُ اللهُ لِلْكَاتِبَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، اكْتُبُوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ، عَلَى ذٰلِكَ أَحْيَا، وَعَلَى ذٰلِكَ أَمُوتُ، وَعَلَى ذٰلِكَ أُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللهُ، اللَّهُمَّ اذْكُرْ مُحَمَّدًا مِنَّا بِالسَّلَامِ».
وَهٰذِهِ الكَلِمَةُ العَظِيمَةُ، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ﴾، مِنْ عَظِيمِ أَسْرَارِهَا مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ تَعَالَى وَجْهَهُ: «إِذَا أَصْبَحْتَ فَقُلْ ثَلَاثًا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ؛ فَإِنَّهَا شِفَاءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ دَاءً، أَدْنَاهَا الهَمُّ».
فَلْيُحَافِظِ العَبْدُ فِي صَبَاحِهِ عَلَى قَوْلِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ فَإِنَّ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الكَلِمَتَيْنِ أَسْرَارًا عَظِيمَةً؛ فَفِي البَسْمَلَةِ مَعَانِي التَّوْحِيدِ وَالاسْتِعَانَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَفِي الحَوْقَلَةِ تَفْوِيضُ الأَمْرِ إِلَى اللهِ، وَالاعْتِرَافُ بِأَنَّهُ لَا تَحَوُّلَ عَنِ المَعْصِيَةِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى الطَّاعَةِ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ. فَإِذَا جُمِعَتَا، كَانَ فِي اجْتِمَاعِهِمَا مِنْ مَعَانِي التَّوْحِيدِ وَالاعْتِقَادِ مَا يَشْرَحُ صَدْرَ المُؤْمِنِ وَيُثَبِّتُهُ.
وَمِنْ أَسْرَارِ البَسْمَلَةِ كَذٰلِكَ أَنْ يَقُولَهَا العَبْدُ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مَرَّةً؛ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مَنْ قَالَهَا عِنْدَ النَّوْمِ آمَنَهُ اللهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَمِنَ السَّرِقَةِ، وَدَفَعَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ البَلَاءَ. فَهِيَ كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَلَّا يَغْفُلَ عَنْهَا، لَا سِيَّمَا عِنْدَ نَوْمِهِ وَاسْتِيقَاظِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ.
وَمِنَ اللَّطَائِفِ الَّتِي يَذْكُرُهَا أَهْلُ العِلْمِ وَالعَمَلِ أَنَّ مَنْ كَانَ مَعْيُونًا، أَوْ مَسْحُورًا، أَوْ أَصَابَهُ أَذًى، قُرِئَتْ لَهُ البَسْمَلَةُ بِنِيَّةِ الاسْتِشْفَاءِ وَالبَرَكَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ قِرَاءَتَهَا خَمْسِينَ مَرَّةً لِبَعْضِ الأَحْوَالِ، وَذَكَرَ آخَرُونَ قِرَاءَتَهَا سَبْعَمِائَةٍ وَسِتًّا وَثَمَانِينَ مَرَّةً، وَأَنْ تُقْرَأَ عَلَى مَاءٍ فَيُشْرَبَ، فَإِنْ كَانَ المَاءُ مَاءَ مَطَرٍ كَانَ ذٰلِكَ أَقْوَى، وَإِنْ كَانَ مَاءَ زَمْزَمَ كَانَ أَقْوَى وَأَعْظَمَ بَرَكَةً. وَكُلُّ ذٰلِكَ مِمَّا يُذْكَرُ فِي بَابِ التَّبَرُّكِ بِكَلَامِ اللهِ تَعَالَى وَالاسْتِشْفَاءِ بِهِ، مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ النَّافِعَ وَالضَّارَّ عَلَى الحَقِيقَةِ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ.
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]
كَانَ المُشْرِكُونَ يَسْتَعْجِلُونَ مَا وُعِدُوا بِهِ مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَمِنْ نُزُولِ العَذَابِ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، اسْتِهْزَاءً وَتَكْذِيبًا بِالوَعْدِ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أَيْ إِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الآتِي الوَاقِعِ، وَإِنْ كَانَ مُنْتَظَرًا، لِقُرْبِ وُقُوعِهِ وَتَحَقُّقِ مَجِيئِهِ.
وَأَمْرُ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي هٰذِهِ الآيَةِ هُوَ وَعِيدُهُ وَعَذَابُهُ الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ الكُفَّارَ. وَقَدْ ذَكَرَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ أَنَّ لَفْظَ الأَمْرِ جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ مَعْنًى، وَأَنَّ المُرَادَ بِهِ هُنَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: الوَعِيدُ الَّذِي كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ بِمَا نَالَهُمْ مِنَ العَذَابِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: المُرَادُ بِهِ وَعِيدُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَذَابُهُ الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ الكُفَّارَ يَوْمَ القِيَامَةِ.
وَمِنَ اللَّطَائِفِ المُتَعَلِّقَةِ بِلَفْظِ «الأَمْرِ» مَا يُذْكَرُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾؛ فَقَدْ نُقِلَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ تَأَوَّلَهَا بِقَوْلِهِ: جَاءَتْ قُدْرَتُهُ، أَيْ: أَثَرٌ مِنْ آثَارِ قُدْرَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِي مَعْنَى الآيَةِ: جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ. وَهٰذَا تَأْوِيلٌ يُوَافِقُ أُصُولَ التَّنْزِيهِ؛ إِذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ المَعْنَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَجِيءُ كَالمَخْلُوقَاتِ، أَوْ يَنْتَقِلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، أَوْ يَقِفُ فِي صَفٍّ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذٰلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَهُوَ سُبْحَانَهُ مَوْجُودٌ بِلَا مَكَانٍ، لَا تَحْوِيهِ الجِهَاتُ، وَلَا تَجْرِي عَلَيْهِ صِفَاتُ الأَجْسَامِ.
وَقَدِ اسْتُشْهِدَ لِهٰذَا المَعْنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ عَلَى تَقْدِيرِ: وَجَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ، وَهٰذَا مِنْ بَابِ التَّأْوِيلِ المُوَافِقِ لِلتَّنْزِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، فَالمَعْنَى: لَا تَسْتَعْجِلُوا وُقُوعَ مَا تَوَعَّدَكُمُ اللهُ بِهِ مِنَ العَذَابِ. فَقَدْ كَانُوا يَقُولُونَ عَلَى سَبِيلِ الاسْتِهْزَاءِ وَالتَّكْذِيبِ: ﴿مَتَى هٰذَا الوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وَكَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِمَا جَاءَ بِهِ، كَمَا يَسْتَهْزِئُ أَهْلُ الكُفْرِ وَالضَّلَالِ فِي كُلِّ زَمَانٍ بِأَهْلِ الإِسْلَامِ، وَيَلْمِزُونَهُمْ، وَيَنْسُبُونَهُمْ إِلَى التَّخَلُّفِ. وَالحَقِيقَةُ أَنَّ الحَضَارَةَ الحَقَّةَ إِنَّمَا عَلَّمَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ لِلْعَالَمِ؛ فَمَنْ أَرَادَ الأَخْلَاقَ فَلْيَأْتِ إِلَى دِينِ الإِسْلَامِ، وَمَنْ أَرَادَ الحَقَّ فَلْيَأْتِ إِلَى دِينِ الإِسْلَامِ، وَمَنْ أَرَادَ العِزَّةَ فَلْيَأْتِ إِلَى دِينِ الإِسْلَامِ، وَمَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ مِنَ العَذَابِ الأَبَدِيِّ فِي الآخِرَةِ فَلْيَشْهَدْ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.
وَقَدْ عَبَّرَ القُرْآنُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَتَى﴾ بِصِيغَةِ المَاضِي، مَعَ أَنَّ بَعْضَ مَا أُخْبِرَ بِهِ مُسْتَقْبَلٌ؛ لِأَنَّ أَمْرَ اللهِ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ الوَاقِعِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ. وَمِثْلُ ذٰلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أُمُورٍ غَيْبِيَّةٍ وَقَعَ بَعْضُهَا فِي حَيَاتِهِ، وَوَقَعَ بَعْضُهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَسَيَقَعُ مَا بَقِيَ مِنْهَا كَمَا أَخْبَرَ؛ فَإِنَّ خَبَرَ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ ﷺ حَقٌّ لَا يَتَخَلَّفُ.
فَقَدْ أَخْبَرَ ﷺ بِرِدَّةِ جَمَاعَاتٍ مِنَ القَبَائِلِ، وَوَقَعَتْ بَعْدَ وَفَاتِهِ. وَأَخْبَرَ ﷺ بِقَوْلِهِ: «خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا»، فَتَمَّتْ خِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، ثُمَّ أُتِمَّتِ الثَّلَاثُونَ بِخِلَافَةِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ. وَبَشَّرَ ﷺ بِفَتْحِ القُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَقَالَ: «لَتُفْتَحَنَّ القُسْطَنْطِينِيَّةُ، فَلَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الجَيْشُ ذٰلِكَ الجَيْشُ»، فَوَقَعَ ذٰلِكَ بَعْدَ قُرُونٍ، وَكَانَ الفَتْحُ عَلَى يَدِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ الفَاتِحِ رَحِمَهُ اللهُ، الَّذِي كَانَ عَلَى عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَتَنْزِيهِ اللهِ تَعَالَى.
وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ مِنْ عَلَامَاتِ آخِرِ الزَّمَانِ كَثْرَةَ الزَّلَازِلِ، وَقَدْ مَرَّتْ أَزْمَانٌ لَمْ يَكُنِ النَّاسُ يُكْثِرُونَ فِيهَا الكَلَامَ عَنِ الزَّلَازِلِ كَمَا كَثُرَ فِي أَزْمِنَةٍ لَاحِقَةٍ. وَأَخْبَرَ ﷺ عَنْ ظُهُورِ أَمْرَاضٍ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً مِنْ قَبْلُ، وَقَدْ رَأَى النَّاسُ فِي زَمَانِهِمْ آفَاتٍ وَأَمْرَاضًا انْتَشَرَتْ حَتَّى أُغْلِقَتْ بِسَبَبِهَا بِلَادٌ كَثِيرَةٌ. فَكُلُّ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَهُوَ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ وَقَعَ بَعْدُ، فَإِنَّهُ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ.
وَقَدْ أَشَارَ أَهْلُ اللَّطَائِفِ إِلَى أَنَّ ذِكْرَ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى الآتِي بِهٰذَا الوَعِيدِ قَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ، وَأَخْبَرَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَهُوَ نَبِيُّ آخِرِ الزَّمَانِ؛ فَقَدْ قَالَ ﷺ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ». وَلِذٰلِكَ قَالَ العُلَمَاءُ: إِنَّ مَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا أَكْثَرُ بِكَثِيرٍ مِمَّا بَقِيَ. وَلَوْ تَفَكَّرَ الإِنْسَانُ فِي هٰذَا المَعْنَى لَكَانَ حَالُهُ غَيْرَ حَالِ الغَفْلَةِ؛ غَيْرَ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَنْسَوْنَ، فَيُفَكِّرُ أَحَدُهُمْ فِيمَا يَكُونُ بَعْدَ سَاعَاتٍ، أَوْ أَيَّامٍ، أَوْ شُهُورٍ، أَوْ سَنَوَاتٍ، وَقَدْ يَكُونُ أَجَلُهُ أَقْرَبَ مِنْ ذٰلِكَ كُلِّهِ.
فَكَمْ مِنْ تَاجِرٍ جَمَعَ مَالًا ثُمَّ تَرَكَهُ وَمَضَى وَلَمْ يَتَمَتَّعْ مِنْهُ بِشَيْءٍ؟ وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ كَنَزَ المَالَ ثُمَّ ذَهَبَ وَخَلَّفَهُ وَرَاءَهُ؟ فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَذَكَّرَ قُرْبَ المَوْتِ، وَقُرْبَ السَّاعَةِ، وَأَنْ يَنْظُرَ فِي أَشْرَاطِهَا وَعَلَامَاتِهَا، وَمِنْهَا مَا وَرَدَ فِي انْحِسَارِ الفُرَاتِ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ﴾. فَالسَّاعَةُ قَرِيبَةٌ، وَالمَوْتُ قَرِيبٌ.
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١]
أَيْ تَنَزَّهَ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ وَتَقَدَّسَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ، وَتَنَزَّهَ عَنْ إِشْرَاكِ المُشْرِكِينَ. وَاتِّصَالُ هٰذَا المَعْنَى بِمَا قَبْلَهُ مِنِ اسْتِعْجَالِهِمُ العَذَابَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ اسْتِعْجَالَهُمْ كَانَ عَلَى جِهَةِ الاسْتِهْزَاءِ وَالتَّكْذِيبِ، وَذٰلِكَ مِنَ الكُفْرِ. فَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الإِشْرَاكِ بِاللهِ تَعَالَى وَبَيْنَ الاسْتِهْزَاءِ وَالتَّكْذِيبِ، وَكُلُّ ذٰلِكَ مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ تَعَالَى.
وَالإِشْرَاكُ هُوَ عِبَادَةُ غَيْرِ اللهِ، وَهُوَ كُفْرٌ. وَمِنَ الكُفْرِ كَذٰلِكَ الاسْتِهْزَاءُ بِالدِّينِ، وَالتَّكْذِيبُ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَسَبُّ اللهِ تَعَالَى، أَوْ سَبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَوْ سَبُّ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ. فَمَنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذٰلِكَ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ دِينِ الإِسْلَامِ، فَإِنْ مَاتَ عَلَى ذٰلِكَ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ، كَانَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِي نَارِ جَهَنَّمَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهِيَ مِنْ تَسْبِيحِ المَلَائِكَةِ وَدُعَائِهِمْ. وَمَعْنَى «سُبْحَانَ اللهِ»: أُنَزِّهُ اللهَ؛ أَيْ أُنَزِّهُ اللهَ عَنِ الشَّرِيكِ، وَعَنِ المَثِيلِ، وَعَنِ الزَّوْجَةِ، وَعَنِ الوَلَدِ، وَعَنِ الأَعْضَاءِ، وَعَنِ الجَوَارِحِ، وَعَنْ صِفَاتِ المَخْلُوقِينَ. وَمَعْنَى ﴿وَتَعَالَى﴾: تَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ وَتَعَالَى عَنْ كُلِّ نَقْصٍ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَشْكُو قِلَّةَ ذَاتِ اليَدِ، أَيْ الفَقْرَ، فَقَالَ لَهُ ﷺ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنْ صَلَاةِ المَلَائِكَةِ وَتَسْبِيحِ الخَلَائِقِ؟ قُلْ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ، مِائَةَ مَرَّةٍ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ؛ تَأْتِكَ الدُّنْيَا صَاغِرَةً رَاغِمَةً».
وَهٰذَا الوِرْدُ العَظِيمُ يُقَالُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى المُبَادَرَةِ إِلَى الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا؛ فَإِنَّ بَعْضَ الأَوْرَادِ لَهَا أَسْرَارٌ وَأَحْوَالٌ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ. فَيَسْتَيْقِظُ العَبْدُ قَبْلَ الفَجْرِ، فَيُصَلِّي مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَيَخْتِمُ صَلَاتَهُ بِالوِتْرِ، ثُمَّ يَقْعُدُ مُسْتَغْفِرًا ذَاكِرًا، فَإِذَا طَلَعَ الفَجْرُ قَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ» مِائَةَ مَرَّةٍ، قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ. وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ مَنْ قَالَهَا أَتَتْهُ الدُّنْيَا صَاغِرَةً رَاغِمَةً.
وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ يَقُومُ مُتَأَخِّرًا، وَقَدْ فَاتَهُ الفَجْرُ وَالذِّكْرُ، ثُمَّ يَمْضِي يَوْمَهُ يَتْعَبُ وَيَطْلُبُ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَرْجِعُ وَيَقُولُ: لَمْ يَتَيَسَّرْ لِي بَيْعٌ وَلَا تِجَارَةٌ وَلَا تَحْصِيلٌ. وَآخَرُ يَقُومُ وَقْتَ الصُّبْحِ، وَيَأْتِي بِهٰذَا الوِرْدِ، وَيُحَافِظُ عَلَى صَلَاتِهِ، فَإِذَا بِالدُّنْيَا تَأْتِيهِ صَاغِرَةً رَاغِمَةً بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى. فَهٰذِهِ الكَلِمَةُ تُسَمَّى صَلَاةَ المَلَائِكَةِ وَتَسْبِيحَ الخَلَائِقِ: «سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ».
﴿يُنَزِّلُ المَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢]
﴿يُنَزِّلُ المَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢]
لَفْظُ «الرُّوحِ» وَرَدَ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى عَلَى مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَالمُرَادُ بِهِ هُنَا عَلَى أَحَدِ أَوْجُهِ التَّفْسِيرِ: الوَحْيُ. وَقِيلَ: المُرَادُ بِهِ القُرْآنُ. وَسُمِّيَ الوَحْيُ أَوِ القُرْآنُ رُوحًا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَقُومُ فِي الدِّينِ مَقَامَ الرُّوحِ فِي الجَسَدِ؛ فَكَمَا أَنَّ الرُّوحَ بِهَا حَيَاةُ الجَسَدِ، فَكَذٰلِكَ الوَحْيُ وَالقُرْآنُ بِهِمَا حَيَاةُ القُلُوبِ. فَالقُلُوبُ الَّتِي أَمَاتَهَا الجَهْلُ إِنَّمَا تَحْيَا بِالقُرْآنِ، وَبِالعِلْمِ، وَبِالوَحْيِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَالمَلَائِكَةُ سُكَّانُ السَّمَاوَاتِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي السَّمَاءِ مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ. وَلِلْمَلَائِكَةِ وَظَائِفُ كَثِيرَةٌ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا ذُكِرَ فِي ذٰلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَكَّلَ مَلَائِكَةً بِمَا يَكُونُ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ؛ فَوَكَّلَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالكُتُبِ وَالوَحْيِ إِلَى الأَنْبِيَاءِ، وَبِالنَّصْرِ عِنْدَ الحُرُوبِ، وَبِالمُهْلِكَاتِ إِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُهْلِكَ قَوْمًا. وَوَكَّلَ مِيكَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالقَطْرِ وَالنَّبَاتِ، أَيْ بِالمَطَرِ وَالنَّبَاتِ. وَوَكَّلَ مَلَكَ المَوْتِ، عَزْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِقَبْضِ الأَنْفُسِ.
فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ عَارَضَتِ المَلَائِكَةُ مَا عِنْدَهَا بِمَا كَانَ فِي أُمِّ الكِتَابِ، فَيَجِدُونَهُ سَوَاءً، فَلَا يَكُونُ قَدْ خَرَجَ شَيْءٌ مِنَ النَّصْرِ، وَلَا مِنَ المُهْلِكَاتِ، وَلَا مِنَ المَطَرِ، وَلَا مِنَ النَّبَاتِ، وَلَا مِنْ قَبْضِ الأَرْوَاحِ، عَمَّا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللهِ تَعَالَى وَكُتِبَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢]
أَيْ إِنَّ المَلَائِكَةَ تَتَنَزَّلُ بِالوَحْيِ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُمُ الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَقَدْ كَانَ الوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ فَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَأْتِيهِ أَحْيَانًا، فَيَسْمَعُ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتًا مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَكَانَ ذٰلِكَ مِنْ أَشَدِّ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ. وَكَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ يَعْرِفُونَ أَثَرَ ذٰلِكَ عَلَيْهِ.
وَأَحْيَانًا يَأْتِي المَلَكُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، فَيُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَيَكُونُ ذٰلِكَ مِنَ الوَحْيِ. وَقَدْ يَنْزِلُ الوَحْيُ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ المَلَائِكَةِ، وَإِنْ كَانَ الغَالِبُ فِي الوَحْيِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَمِينِ الوَحْيِ.
وَمِنْ وُجُوهِ الوَحْيِ أَيْضًا مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا؛ فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَاتْرُكُوا مَا حَرُمَ». وَمَعْنَى «نَفَثَ فِي رُوعِي»: أَلْقَى فِي قَلْبِي.
وَقَدْ يَكُونُ الوَحْيُ إِلَى الأَنْبِيَاءِ فِي المَنَامِ؛ لِأَنَّ قُلُوبَ الأَنْبِيَاءِ لَا تَنَامُ وَإِنْ نَامَتْ أَعْيُنُهُمْ. وَلِذٰلِكَ كَانَتْ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيًا، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
وَمِنَ الوَحْيِ كَذٰلِكَ مَا كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ المِعْرَاجِ، حِينَ سَمِعَ كَلَامَ اللهِ الأَزَلِيَّ الأَبَدِيَّ، الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ أَزَلِيٍّ أَبَدِيٍّ، لَا يُشْبِهُ كَلَامَ المَخْلُوقِينَ.
وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ الوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ فِي غَارِ حِرَاءٍ بِجَبَلِ النُّورِ، وَيُقَالُ: كَانَ ذٰلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. وَقَدْ قِيلَ: كَانَ فِي السَّابِعِ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ: فِي الثَّامِنِ عَشَرَ، وَقِيلَ: فِي لَيْلَةِ السَّابِعِ وَالعِشْرِينَ. فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ خَمْسُ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ العَلَقِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
فَلَمَّا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: اقْرَأْ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمِّيًّا، وَأُمِّيَّتُهُ فِي حَقِّهِ مَدْحٌ لَا ذَمٌّ؛ لِأَنَّهُ ﷺ مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا أَعْطَاهُ اللهُ عِلْمَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَكَانَ يَتَعَلَّمُ مِنْ جِبْرِيلَ، ثُمَّ أَفَاضَ اللهُ تَعَالَى عَلَى قَلْبِهِ مِنَ العِلْمِ مَا زَادَهُ اللهُ بِهِ رِفْعَةً وَفَضْلًا، حَتَّى صَارَ مُحَمَّدٌ ﷺ أَعْلَمَ الخَلْقِ وَأَفْضَلَهُمْ.
فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: اقْرَأْ. فَقَالَ ﷺ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»؛ أَيْ لَسْتُ مِمَّنْ يَقْرَأُ المَكْتُوبَ. وَكَرَّرَ عَلَيْهِ ذٰلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَيُرْوَى أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَغُطُّ النَّبِيَّ ﷺ، أَيْ يَضُمُّهُ، فَكَانَ ذٰلِكَ تَهْيِئَةً لَهُ ﷺ لِمَا سَيَكُونُ لَهُ مِنَ الرُّوحَانِيَّاتِ، وَمَعَ كُلِّ ضَمَّةٍ كَانَ يَقْوَى ﷺ وَيَتَهَيَّأُ لِمَا سَيُلْقَى عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ.
﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢]
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾، «أَنْ» فِيهِ مُفَسِّرَةٌ؛ لِأَنَّ تَنْزِيلَ المَلَائِكَةِ بِالوَحْيِ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى القَوْلِ. وَالمَعْنَى: أَعْلِمُوا النَّاسَ وَأَنْذِرُوهُمْ أَنَّهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ. وَقِيلَ فِي مَعْنَى ﴿أَنْذِرُوا﴾: أَعْلِمُوا، مِنْ قَوْلِهِمْ: نَذِرْتُ بِكَذَا إِذَا عَلِمْتُ بِهِ. فَالمَعْنَى: أَعْلِمُوا النَّاسَ قَوْلِي، وَبَيِّنُوا لَهُمْ أَصْلَ الدِّينِ وَأَسَاسَهُ، وَهُوَ تَوْحِيدُ اللهِ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا أَنَا﴾ هُوَ أَعْظَمُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ دَعْوَةُ الخَلْقِ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ، وَإِفْرَادِهِ بِالعِبَادَةِ، وَنَفْيُ الشَّرِيكِ عَنْهُ. فَلَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ، وَلَا خَالِقَ إِلَّا اللهُ، وَلَا رَازِقَ إِلَّا اللهُ، وَلَا مُدَبِّرَ لِلْعَالَمِ عَلَى الحَقِيقَةِ إِلَّا اللهُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُونِ﴾، مَعْنَاهُ: فَخَافُونِ، وَاتَّقُوا عِقَابِي، وَاجْتَنِبُوا الشِّرْكَ وَالكُفْرَ وَالمَعَاصِيَ. وَالتَّقْوَى هِيَ أَدَاءُ مَا فَرَضَ اللهُ، وَاجْتِنَابُ مَا حَرَّمَ اللهُ. فَمَنْ حَقَّقَ التَّوْحِيدَ، وَخَافَ اللهَ، وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ، كَانَ مِنَ النَّاجِينَ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.