بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (108) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ (109) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (111) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117)﴾ [النحل: ١٠٧-١١٧]
﴿ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ استَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنيا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهدِي القَومَ الكافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧]
قَولُهُ تَعالى: ﴿ذٰلِكَ﴾ إِشارَةٌ إِلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعيدِ، مِن غَضَبِ اللهِ وَالعَذابِ العَظِيمِ لِمَن كَفَرَ بِاللهِ بَعدَ إِيمانِهِ، وَشَرَحَ بِالكُفرِ صَدرًا. وَالمَعنى أَنَّ ذٰلِكَ الوَعيدَ إِنَّما كانَ بِسَبَبِ أَنَّهُم ﴿استَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنيا عَلَى الآخِرَةِ﴾، أَي آثَرُوا الدُّنيا الفانِيَةَ عَلَى الآخِرَةِ الباقِيَةِ.
فَهُم قَدَّمُوا شَهَواتِ الدُّنيا وَمَصالِحَها وَمَتاعَها القَلِيلَ عَلَى طاعَةِ اللهِ، وَتَرَكُوا الاستِعدادَ لِلمَوتِ وَيَومِ القِيامَةِ، وَانغَمَسُوا فِي المَلَذّاتِ وَالغَفلاتِ، حَتّى بَلَغَ بِبَعضِهِمُ الأَمرُ إِلى الكُفرِ وَالرِّدَّةِ وَتَركِ دِينِ اللهِ. وَمَن آثَرَ ما يَفنى عَلَى ما يَبقى، فَقَد خَسِرَ خُسرانًا مُبِينًا.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهدِي القَومَ الكافِرِينَ﴾ أَي أَنَّ اللهَ لا يُوَفِّقُ لِلهِدايَةِ مَن اختارَ الكُفرَ وَأَصَرَّ عَلَيهِ، وَمَن عَلِمَ اللهُ أَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى الكُفرِ فَهُوَ مِن أَهلِ الشَّقاءِ وَالعَذابِ. فَاللهُ تَعالى عالِمٌ أَزَلًا بِأَحوالِ عِبادِهِ، وَلا يَخفَى عَلَيهِ مَن يَكونُ مِن أَهلِ الجَنَّةِ وَمَن يَكونُ مِن أَهلِ النّارِ.
وَقَد جَرى القَلَمُ بِما هُوَ كائِنٌ إِلى يَومِ القِيامَةِ، وَكُتِبَ فِي اللَّوحِ المَحفُوظِ ما عَلِمَهُ اللهُ أَزَلًا مِن أَرزاقِ العِبادِ وَآجالِهِم وَأَعمالِهِم وَمَآلاتِهِم. فَعِلمُ اللهِ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ لا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ، وَمَشِيئَتُهُ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ، فَما شاءَ اللهُ كانَ، وَما لَم يَشَأ لَم يَكُن.
وَمِن مَعانِي قَولِهِ تَعالى: ﴿فِيها يُفرَقُ كُلُّ أَمرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] أَنَّهُ فِي لَيلَةِ القَدرِ تُنسَخُ لِلمَلائِكَةِ مِنَ اللَّوحِ المَحفُوظِ أُمُورُ العِبادِ مِن تِلكَ اللَّيلَةِ إِلى مِثلِها مِنَ العامِ القابِلِ، مِن أَرزاقٍ وَآجالٍ وَحَياةٍ وَمَوتٍ، وَغَيرِ ذٰلِكَ. وَيَكونُ فِيما يُكتَبُ لَهُم ما هُوَ مُعَلَّقٌ بِالنِّسبَةِ إِلَيهِم، كَأَن يُكتَبَ: فُلانٌ إِن دَعا أُعطِيَ، وَإِن لَم يَدعُ لَم يُعطَ، أَو إِن تَصَدَّقَ دُفِعَت عَنهُ بَلِيَّةٌ. وَأَمّا فِي عِلمِ اللهِ تَعالى فَكُلُّ ذٰلِكَ مَعلُومٌ لا يَتَغَيَّرُ.
فَلَيسَ مَعنى الدُّعاءِ أَنَّهُ يُغَيِّرُ مَشِيئَةَ اللهِ، فَمَشِيئَةُ اللهِ لا تَتَغَيَّرُ، وَلٰكِنَّ اللهَ جَعَلَ الدُّعاءَ سَبَبًا لِحُصُولِ ما شاءَ حُصُولَهُ. وَقَولُ النَّبِيِّ ﷺ: «لا يَرُدُّ القَدَرَ شَيءٌ إِلَّا الدُّعاءُ» يُحمَلُ عَلَى القَضاءِ المُعَلَّقِ بِالنِّسبَةِ إِلى المَلائِكَةِ، لا عَلَى تَغَيُّرِ عِلمِ اللهِ أَو مَشِيئَتِهِ، فَاللهُ مُنَزَّهٌ عَن ذٰلِكَ.
﴿أُولٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِم وَسَمعِهِم وَأَبصارِهِم وَأُولٰئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨]
قَولُهُ تَعالى: ﴿أُولٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِم وَسَمعِهِم وَأَبصارِهِم﴾ أَي هٰؤُلاءِ الَّذِينَ آثَرُوا الحَياةَ الدُّنيا عَلَى الآخِرَةِ، وَاختارُوا الكُفرَ عَلَى الإِيمانِ، خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِم فَلا يَتَدَبَّرُونَ، وَعَلَى أَسماعِهِم فَلا يَنتَفِعُونَ بِالمَواعِظِ، وَعَلَى أَبصارِهِم فَلا يُبصِرُونَ طَرِيقَ الرَّشادِ.
وَهٰذَا الطَّبعُ عُقُوبَةٌ عَظِيمَةٌ، فَإِنَّ مَن طُبِعَ عَلَى قَلبِهِ لا يَدخُلُ إِلَيهِ نُورُ الإِيمانِ، وَلَا يَخرُجُ مِنهُ ظَلامُ الكُفرِ، وَيَصِيرُ صاحِبُهُ فِي غَفْلَةٍ وَقَسوَةٍ، لا يَتَّعِظُ بِالمَوعِظَةِ، وَلَا يَخشَعُ عِندَ سَماعِ القُرآنِ، وَلَا يَنتَفِعُ بِذِكرِ الآخِرَةِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَأُولٰئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ أَي هُمُ الكامِلُونَ فِي الغَفلَةِ، لأَنَّ الغَفلَةَ عَن تَدَبُّرِ العَواقِبِ، وَعَن يَومِ القِيامَةِ، وَعَن مَآلِ الكُفرِ وَالمَعاصِي، هِيَ غايَةُ الغَفلَةِ وَمُنتَهاها. فَمَن لَم يُفَكِّر فِي الآخِرَةِ، وَلَم يَستَعِدَّ لِلمَوتِ، فَقَد خَسِرَ نَفسَهُ وَعَرَّضَها لِلهَلاكِ.
وَعَلَى المُؤمِنِ أَن يَحذَرَ مِن قَسوَةِ القَلبِ وَالغَفلَةِ، فَإِنَّها تُبتَدَأُ بِالتَّهاوُنِ فِي الطّاعَةِ، وَالإِصرارِ عَلَى المَعصِيَةِ، وَالإِعراضِ عَن مَجالِسِ العِلمِ وَالقُرآنِ. فَإِذا سَمِعَ العَبدُ المَوعِظَةَ وَلَم يَتَّعِظ، وَحَضَرَ مَجلِسَ الذِّكرِ وَلَم يَخشَع، فَلْيَخَف عَلَى قَلبِهِ، وَلْيُبادِر إِلى التَّوبَةِ وَسُؤالِ اللهِ الرَّحمَةَ وَالهِدايَةَ.
﴿لا جَرَمَ أَنَّهُم فِي الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [النحل: ١٠٩]
قَولُهُ تَعالى: ﴿لا جَرَمَ﴾ أَي حَقًّا وَلَا شَكَّ، ﴿أَنَّهُم فِي الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾، أَي إِنَّ هٰؤُلاءِ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِم وَسَمعِهِم وَأَبصارِهِم، وَكانُوا مِن أَهلِ الغَفلَةِ وَالكُفرِ، هُمُ الخاسِرُونَ فِي الآخِرَةِ خُسرانًا لا يُجبَرُ، إِذ خَسِرُوا أَنفُسَهُم وَأَهلِيهِم وَنَعِيمَ الجَنَّةِ.
فَالعَبدُ يَنبَغِي أَن يَستَحضِرَ مَوقِفَ القِيامَةِ، وَنَصبَ الصِّراطِ عَلَى ظَهرِ جَهَنَّمَ، وَزَلَلَ الأَقدامِ، وَظُلمَةَ المَوقِفِ، وَهَولَ النّارِ، وَحَسرَةَ مَن يَقولُ يَومَئِذٍ: يا لَيتَنِي اتَّخَذتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا. فَمَن تَذَكَّرَ هٰذِهِ العاقِبَةَ لَم يُؤثِرِ الدُّنيا عَلَى الآخِرَةِ، وَلَم يَغتَرَّ بِزِينَتِها وَقِصَرِ أَيّامِها.
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]
قَولُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ﴾ فِيهِ انتقالٌ مِن ذِكرِ أَهلِ الكُفرِ وَالغَفلَةِ إِلى ذِكرِ أَهلِ الإِيمانِ وَالهِجرَةِ وَالصَّبرِ. وَفِي ﴿ثُمَّ﴾ إِشارَةٌ إِلى تَبايُنِ حالِ هٰؤُلاءِ مِن حالِ أُولٰئِكَ؛ فَشتّانَ بَينَ مَن آثَرَ الدُّنيا وَكفَرَ، وَبَينَ مَن هاجَرَ وَجاهَدَ وَصَبَرَ فِي سَبِيلِ اللهِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ أَي إِنَّ رَبَّكَ لَهُم، أَي وَلِيُّهُم وَناصِرُهُم وَحافِظُهُم، لا عَلَيهِم. فَمَن كانَ اللهُ مَعَهُ مَعِيَّةَ نُصرَةٍ وَحِفظٍ وَتَأيِيدٍ، فَلَا يَضُرُّهُ تَكالُبُ الأَعداءِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي الغارِ: ﴿لا تَحزَن إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠].
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعدِ ما فُتِنُوا﴾ أَي مِن بَعدِ ما عُذِّبُوا وَأُوذُوا وَامْتُحِنُوا فِي دِينِهِم، حَتّى أُكرِهَ بَعضُهُم عَلَى كَلِمَةِ الكُفرِ مَعَ طُمَأنِينَةِ قَلبِهِ بِالإِيمانِ. وَقُرِئَت أَيضًا بِمَعنى: مِن بَعدِ ما فَتَنُوا غَيرَهُم، أَي عَذَّبُوا المُؤمِنِينَ ثُمَّ تابُوا وَأَسلَمُوا وَهاجَرُوا، وَاللهُ أَعلَمُ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ أَي جاهَدُوا المُشرِكِينَ بَعدَ الهِجرَةِ، وَصَبَرُوا عَلَى مَشاقِّ الجِهادِ وَالدَّعوَةِ وَالثَّباتِ عَلَى دِينِ اللهِ. وَبَعدَ الفَتحِ لا هِجرَةَ مِن مَكَّةَ، وَلٰكِن بَقِيَ الجِهادُ وَالنِّيَّةُ، وَبَقِيَ جِهادُ النَّفسِ، وَجِهادُ البَيانِ، وَالصَّبرُ عَلَى الطّاعَةِ، وَالصَّبرُ عَنِ المَعصِيَةِ، وَالصَّبرُ عَلَى الأَذى فِي سَبِيلِ اللهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَي إِنَّ اللهَ بَعدَ تِلكَ الفِتنَةِ وَالهِجرَةِ وَالجِهادِ وَالصَّبرِ غَفُورٌ لِمَن صَدَقَ وَتابَ وَثَبَتَ، رَحِيمٌ بِعِبادِهِ المُؤمِنِينَ. وَمِمَّن دَخَلَ فِي هٰذَا المَعنى عَمّارُ بنُ ياسِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، الَّذِي أُكرِهَ عَلَى كَلِمَةِ الكُفرِ وَقَلبُهُ مُطمَئِنٌّ بِالإِيمانِ، فَجاءَ فِيهِ الاستِثناءُ السّابِقُ، وَثَبَتَ فَضلُهُ وَإِيمانُهُ.
وَقَد كانَ عَمّارٌ وَأَبَواهُ ياسِرٌ وَسُمَيَّةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم مِن أَهلِ البَلاءِ العَظِيمِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَمَرَّ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُم يُعَذَّبُونَ، فَقالَ: «صَبرًا آلَ ياسِرٍ، فَإِنَّ مَوعِدَكُمُ الجَنَّةُ». وَقُتِلَ ياسِرٌ وَسُمَيَّةُ شَهِيدَينِ، وَبَقِيَ عَمّارٌ حَتّى عاشَ طَوِيلًا، وَقالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: «عَمّارٌ مُلِئَ إِيمانًا إِلى مُشاشِهِ»، وَقالَ لَهُ: «مَرحَبًا بِالطَّيِّبِ المُطَيَّبِ».
وَقَد قُتِلَ عَمّارٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بَعدَ ذٰلِكَ فِي صِفِّينَ، وَكانَ فِي جَيشِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ، وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ قَبلَ ذٰلِكَ: «وَيحَ عَمّارٍ، تَقتُلُهُ الفِئَةُ الباغِيَةُ». فَكانَ عَمّارٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِثالًا لِلإِيمانِ وَالصَّبرِ وَالثَّباتِ وَنُصرَةِ الحَقِّ.
وَمِنَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَثَبَتُوا نُعَيمُ بنُ عَبدِ اللهِ النَّحّامُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَكانَ مِنَ السّابِقِينَ إِلى الإِسلامِ، وَتَأَخَّرَت هِجرَتُهُ لِما كانَ يَقومُ بِهِ مِن رِعايَةِ الأَرامِلِ وَالأَيتامِ فِي مَكَّةَ، حَتّى كانَ قَومُهُ لا يُرِيدُونَ خُرُوجَهُ لِما يَعرِفُونَ مِن نَفعِهِ. فَلَمّا هاجَرَ، قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَبَّلَهُ، وَقَد قالَ ﷺ فِي فَضلِهِ: «دَخَلتُ الجَنَّةَ فَسَمِعتُ نَحمَةً لِنُعَيمٍ فِيها»، فَسُمِّيَ النَّحّامَ.
﴿يَومَ تَأتِي كُلُّ نَفسٍ تُجادِلُ عَن نَفسِها وَتُوَفّى كُلُّ نَفسٍ ما عَمِلَت وَهُم لا يُظلَمُونَ﴾ [النحل: ١١١]
قَولُهُ تَعالى: ﴿يَومَ تَأتِي كُلُّ نَفسٍ تُجادِلُ عَن نَفسِها﴾ أَي اذكُر ذٰلِكَ اليَومَ العَظِيمَ الَّذِي تَأتي فِيهِ كُلُّ نَفسٍ تُدافِعُ عَن ذاتِها، وَتَعتَذِرُ عَن نَفسِها، وَلا يَهمُّها شَأنُ غَيرِها. فَكُلٌّ يَقولُ: نَفسِي نَفسِي، وَلا يَلتَفِتُ إِلى قَرِيبٍ وَلَا صَدِيقٍ، إِلَّا مَن رَحِمَ اللهُ.
وَإِضافَةُ النَّفسِ إِلى النَّفسِ هُنا لِلتَّأكِيدِ عَلَى أَنَّ كُلَّ إِنسانٍ يُجادِلُ عَن ذاتِهِ وَعَينِهِ، لا عَن غَيرِهِ. وَمِن جِدالِ أَهلِ الكُفرِ فِي ذٰلِكَ اليَومِ أَن يَقولُوا: ﴿رَبَّنا إِنّا أَطَعنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا﴾ [الأحزاب: ٦٧]، وَأَن يَقولُوا: ﴿وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وَلٰكِن لا يَنفَعُهُم ذٰلِكَ الجِدالُ وَلَا الاعتِذارُ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفسٍ ما عَمِلَت﴾ أَي تُعطى كُلُّ نَفسٍ جَزاءَ عَمَلِها وافيًا غَيرَ مَنقُوصٍ، فَمَن عَمِلَ خَيرًا وَجَدَ خَيرًا، وَمَن عَمِلَ شَرًّا وَجَدَ جَزاءَهُ، إِلَّا أَن يَعفُوَ اللهُ عَمَّن شاءَ مِن أَهلِ الإِيمانِ. ﴿وَهُم لا يُظلَمُونَ﴾ أَي لا يُنقَصُونَ مِن حَسَناتِهِم، وَلَا يُزادُ فِي سَيِّئاتِهِم، فَاللهُ تَعالى لا يَظلِمُ أَحَدًا.
فَالعاقِلُ مَن تَأَهَّبَ لِذٰلِكَ اليَومِ، وَتَفَكَّرَ فِي حالِهِ إِذا نُودِيَ بِاسمِهِ، وَجِيءَ بِهِ لِلحِسابِ، وَكُشِفَت لَهُ الحَقائِقُ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لَقَد كُنتَ فِي غَفلَةٍ مِن هٰذا فَكَشَفنا عَنكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَومَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]. فَلا يَنبَغِي أَن يَغفَلَ عَن يَومٍ تُوَفّى فِيهِ كُلُّ نَفسٍ ما عَمِلَت.
﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَريَةً كانَت آمِنَةً مُطمَئِنَّةً يَأتِيها رِزقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَت بِأَنعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الجُوعِ وَالخَوفِ بِما كانُوا يَصنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَريَةً﴾ أَي جَعَلَ اللهُ قَريَةً بِهٰذِهِ الصِّفَةِ مَثَلًا لِكُلِّ قَومٍ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم، فَبَطِرُوا النِّعمَةَ وَكَفَرُوا بِها، فَأَنزَلَ اللهُ بِهِم نِقمَتَهُ. وَقِيلَ: المُرادُ بِالقَريَةِ مَكَّةُ؛ لأَنَّ اللهَ أَمَّنَها وَرَزَقَ أَهلَها، ثُمَّ كَفَرَ كُفّارُها بِرَسُولِ اللهِ ﷺ. وَقِيلَ: هِيَ مَثَلٌ مَضرُوبٌ لِأَهلِ مَكَّةَ، أَو لِكُلِّ قَريَةٍ كانَت هٰذِهِ حالَها.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿كانَت آمِنَةً مُطمَئِنَّةً﴾ أَي كانَ أَهلُها فِي أَمنٍ مِنَ القَتلِ وَالسَّبيِ وَالخَوفِ، لا يُزعِجُهُم عَدُوٌّ وَلَا يُقلِقُهُم فَزَعٌ. وَهٰذِهِ نِعمَةٌ عَظِيمَةٌ؛ فَإِنَّ الطُّمَأنِينَةَ مَعَ الأَمنِ، وَالقَلَقَ وَالانزِعاجَ مَعَ الخَوفِ. وَقَد مَنَّ اللهُ عَلَى قُرَيشٍ فَقالَ: ﴿الَّذِي أَطعَمَهُم مِن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِن خَوفٍ﴾ [قريش: ٤].
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿يَأتِيها رِزقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أَي يَأتِيها رِزقُها واسِعًا هَنِيئًا مِن جِهاتٍ كَثِيرَةٍ، مِن أَطْعِمَةٍ وَثِمارٍ وَأَلبِسَةٍ وَمَنافِعَ. وَهٰذَا مِمّا يُشاهَدُ فِي المُدُنِ الَّتِي تَجتَمِعُ فِيها نِعَمٌ كَثِيرَةٌ مِن بِلادٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَإِذا لَم تُقابَل بِالشُّكرِ كانَت حُجَّةً عَلَى أَهلِها.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَكَفَرَت بِأَنعُمِ اللهِ﴾ أَي كَفَرَ أَهلُها بِنِعَمِ اللهِ، فَلَم يَشكُرُوها، وَلَم يَعبُدُوا المُنعِمَ وَحدَهُ، بَل قابَلُوا النِّعمَةَ بِالكُفرِ وَالعِصيانِ. وَالنِّعمَةُ إِذا قُوبِلَت بِالكُفرانِ صَارَت سَبَبًا لِلزَّوالِ وَالعُقُوبَةِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الجُوعِ وَالخَوفِ﴾ تَعبِيرٌ بَلِيغٌ يُصَوِّرُ شِدَّةَ ما نَزَلَ بِهِم؛ فَالإِذاقَةُ فِي الأَصلِ لِما يُطعَمُ، ثُمَّ تُستَعمَلُ فِي البَلاءِ وَالعَذابِ، فَيُقالُ: ذاقَ البُؤسَ وَذاقَ العَذابَ. وَاللِّباسُ يُحيطُ بِصاحِبِهِ، فَشُبِّهَ ما أَحاطَ بِهِم مِنَ الجُوعِ وَالخَوفِ بِاللِّباسِ الَّذِي يَغشاهُم مِن كُلِّ جانِبٍ.
فَالمَعنى أَنَّ اللهَ أَحاطَ بِهِم الجُوعَ وَالخَوفَ بَعدَ الرَّغَدِ وَالأَمنِ، ﴿بِما كانُوا يَصنَعُونَ﴾، أَي بِسَبَبِ ما كانُوا يَفعَلُونَهُ مِنَ الكُفرِ وَالمَعاصِي وَتَكذِيبِ الرُّسُلِ. وَقَد حَصَلَ لِأَهلِ مَكَّةَ شِدَّةٌ وَقَحطٌ، حَتّى رُوِيَ أَنَّهُم أَكَلُوا ما لا يُستَطابُ مِن شِدَّةِ الجُوعِ، بَعدَ أَن دَعا عَلَيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ لَمّا اشتَدَّ أَذاهُم لَهُ وَلِأَصحابِهِ.
وَفِي الآيَةِ عِبرَةٌ لِكُلِّ قَريَةٍ وَمَدِينَةٍ وَأُمَّةٍ تُنعِمُ فِي الأَمنِ وَالرِّزقِ، ثُمَّ تَكفُرُ بِنِعَمِ اللهِ، وَتَغفَلُ عَن شُكرِهِ وَطاعَتِهِ. فَالأَمنُ وَالرِّزقُ لا يَدُومانِ بِالكُفرِ وَالمَعصِيَةِ، وَإِنَّما تُحفَظُ النِّعَمُ بِالشُّكرِ وَالاستِقامَةِ.
﴿وَلَقَد جاءَهُم رَسُولٌ مِنهُم فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العَذابُ وَهُم ظالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٣]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَد جاءَهُم رَسُولٌ مِنهُم﴾ أَي جاءَ أَهلَ هٰذِهِ القَريَةِ رَسُولٌ مِن أَنفُسِهِم، يَعرِفُونَ صِدقَهُ وَأَمانَتَهُ وَنَسَبَهُ، وَيَعلَمُونَ حالَهُ. وَقِيلَ: المُرادُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَد جاءَ قُرَيشًا وَهُوَ مِنهُم، فَكَذَّبَهُ كُفّارُهُم وَآذَوهُ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العَذابُ وَهُم ظالِمُونَ﴾ أَي كَذَّبُوا رَسُولَ اللهِ وَهُم مُتَلَبِّسُونَ بِالظُّلمِ، فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِالعَذابِ. وَمِن ذٰلِكَ ما أَصابَ كُفّارَ قُرَيشٍ مِنَ القَحطِ وَالجُوعِ، وَما أَصابَهُم يَومَ بَدرٍ مِنَ القَتلِ وَالأَسرِ وَالهَوانِ.
وَمَعَ أَذاهُم وَتَكذِيبِهِم، كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَحمَةً لِلعالَمِينَ، فَقَد رُوِيَ أَنَّهُ أَرسَلَ إِلى أَهلِ مَكَّةَ فِي سِنِي القَحطِ ما يَنتَفِعُونَ بِهِ مِن طَعامٍ، فَفُرِّقَ فِيهِم، فَكانَ الرِّزقُ يَأتِيهِم عَلَى يَدِ مَن عادَوهُ وَآذَوهُ، وَذٰلِكَ مِن كَمالِ رَحمَتِهِ ﷺ وَعِظَمِ خُلُقِهِ.
﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشكُرُوا نِعمَتَ اللهِ إِن كُنتُم إِيّاهُ تَعبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤]
بَعدَ أَن ذَكَرَ اللهُ مَثَلَ القَريَةِ الَّتِي كَفَرَت بِأَنعُمِهِ، أَمَرَ بِالأَكلِ مِنَ الرِّزقِ الحَلالِ الطَّيِّبِ، فَقالَ: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾، أَي كُلُوا مِمّا أَعطاكُمُ اللهُ وَأَباحَهُ لَكُم، مُجتَنِبِينَ الحَرامَ وَالخَبِيثَ، مِنَ الأَموالِ المَغصُوبَةِ، وَالمَكاسِبِ المُحَرَّمَةِ، وَما حَرَّمَهُ اللهُ مِنَ المَآكِلِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَاشكُرُوا نِعمَتَ اللهِ﴾ أَي قابِلُوا نِعمَ اللهِ بِالشُّكرِ، وَالشُّكرُ يَكونُ بِمَعرِفَةِ المُنعِمِ، وَالاعتِرافِ بِفَضلِهِ، وَاستِعمالِ النِّعمَةِ فِي طاعَتِهِ. فَلا يَكونُ شُكرُ الرِّزقِ بِمُجَرَّدِ اللِّسانِ، بَل بِالأَكلِ مِنَ الحَلالِ، وَتَركِ الحَرامِ، وَالإِنفاقِ فِي وُجُوهِ الخَيرِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿إِن كُنتُم إِيّاهُ تَعبُدُونَ﴾ أَي إِن كُنتُم تَعبُدُونَ اللهَ حَقًّا، فَاشكُرُوا نِعمَتَهُ وَلا تَصرِفُوا العِبادَةَ لِغَيرِهِ. وَفِي هٰذَا رَدٌّ عَلَى مَن يَزعُمُ أَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إِلى اللهِ بِعِبادَةِ الأَصنامِ، فَإِنَّ العِبادَةَ لا تَكونُ إِلَّا لِلهِ وَحدَهُ.
﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيكُمُ المَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحمَ الخِنزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضطُرَّ غَيرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥]
قَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيكُمُ المَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحمَ الخِنزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيرِ اللهِ بِهِ﴾ بَيانٌ لِما حَرَّمَهُ اللهُ مِنَ المَآكِلِ فِي هٰذا السِّياقِ، وَرَدٌّ عَلَى ما كانَ أَهلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَهُ مِنَ البَحِيرَةِ وَالسّائِبَةِ وَالوَصِيلَةِ وَالحامِ بِغَيرِ دَلِيلٍ مِن شَرعِ اللهِ.
فَالمَيتَةُ هِيَ ما ماتَ مِن غَيرِ ذَكاةٍ شَرعِيَّةٍ، وَالدَّمُ المُرادُ بِهِ الدَّمُ المَسفُوحُ، وَلَحمُ الخِنزِيرِ مُحَرَّمٌ، وَكَذٰلِكَ ما أُهِلَّ لِغَيرِ اللهِ بِهِ، أَي ما ذُكِرَ عَلَيهِ اسمُ غَيرِ اللهِ عِندَ ذَبحِهِ تَقَرُّبًا لِغَيرِ اللهِ. وَهٰذِهِ المَذكُوراتُ قَد تَقَدَّمَ بَيانُها فِي مَواضِعَ أُخرى مِنَ القُرآنِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضطُرَّ غَيرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَي مَن أَلجَأَتهُ الضَّرورَةُ إِلى أَكلِ شَيءٍ مِن هٰذِهِ المُحَرَّماتِ، وَكانَ غَيرَ باغٍ، أَي غَيرَ طالِبٍ لِلْمُحَرَّمِ مُستَحِلٍّ لَهُ أَو مُتَلَذِّذٍ بِهِ زِيادَةً عَلَى قَدرِ الحاجَةِ، وَلا عادٍ، أَي غَيرَ مُتَجاوِزٍ حَدَّ الضَّرورَةِ، فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
فَالشَّرعُ جاءَ بِالرَّحمَةِ وَرَفعِ الحَرَجِ، فَأَباحَ لِلمُضطَرِّ ما يَدفَعُ بِهِ الهَلاكَ، مَعَ بَقاءِ أَصلِ التَّحرِيمِ فِي غَيرِ حالِ الضَّرورَةِ. وَمِن هُنا يُعلَمُ أَنَّ التَّحليلَ وَالتَّحرِيمَ حَقٌّ لِلهِ وَحدَهُ، لا يَجُوزُ لأَحَدٍ أَن يَتَقَدَّمَ بَينَ يَدَي شَرعِهِ.
﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هٰذا حَلالٌ وَهٰذا حَرامٌ لِتَفتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لا يُفلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هٰذا حَلالٌ وَهٰذا حَرامٌ﴾ نَهيٌ عَنِ التَّحليلِ وَالتَّحرِيمِ بِغَيرِ دَلِيلٍ مِن شَرعِ اللهِ. فَلا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَن يَقولَ فِي شَيءٍ: هٰذا حَلالٌ أَو هٰذا حَرامٌ، بِمُجَرَّدِ هَواهُ أَو عادَتِهِ أَو ظَنِّهِ، مِن غَيرِ نَصٍّ أَو دَلِيلٍ شَرعِيٍّ مُعتَبَرٍ.
وَهٰذا رَدٌّ عَلَى أَهلِ الجاهِلِيَّةِ الَّذِينَ كانُوا يَصِفُونَ بَعضَ الأَنعامِ بِالحِلِّ أَو الحُرمَةِ مِن عِندِ أَنفُسِهِم، وَيَقولُونَ فِيما فِي بُطُونِ بَعضِها: هُوَ خالِصٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزواجِنا، وَنَحوَ ذٰلِكَ مِنَ الافتراءِ عَلَى اللهِ. فَاللهُ نَهاهُم عَن أَن يَجعَلُوا أَلسِنَتَهُم آلَةً لِوَصفِ الكَذِبِ وَنِسبَتِهِ إِلى شَرعِ اللهِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿لِتَفتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ﴾ أَي إِنَّ قَولَكُم فِي الحَلالِ وَالحَرامِ بِغَيرِ عِلمٍ يُؤَدِّي إِلى الافتراءِ عَلَى اللهِ. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن أَفتى بِغَيرِ عِلمٍ لَعَنَتهُ مَلائِكَةُ السَّماءِ وَالأَرضِ». فَهٰذَا بَابٌ خَطِيرٌ، وَيَنبَغِي لِلقُضاةِ وَالدُّعاةِ وَالمُفتِينَ أَن يَتَّقُوا اللهَ فِيهِ، وَأَلَّا يُطلِقُوا أَلسِنَتَهُم بِالحُكمِ إِلَّا عَن عِلمٍ وَدَلِيلٍ.
وَالتَّحليلُ وَالتَّحرِيمُ مِن أَحكامِ اللهِ، فَمَن قالَ فِي دِينِ اللهِ بِغَيرِ عِلمٍ فَقَد تَعَرَّضَ لِوَعيدٍ شَدِيدٍ، وَمَن نَسَبَ إِلى اللهِ ما لَم يَشرَعهُ فَقَد افتَرَى عَلَيهِ الكَذِبَ. وَقَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لا يُفلِحُونَ﴾ أَي لا يَفوزُونَ وَلَا يَنجُونَ إِن أَصَرُّوا عَلَى هٰذا الافتراءِ، بَل خَسِرُوا فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ.
﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُم عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٧]
قَولُهُ تَعالى: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أَي ما يَنتَفِعُ بِهِ هٰؤُلاءِ المُفتَرُونَ مِن أَعراضِ الدُّنيا وَرِئاسَتِها وَشَهَواتِها مَتاعٌ قَلِيلٌ زائِلٌ، لا يَبقى وَلَا يَنفَعُهُم عِندَ اللهِ. وَالدُّنيا كُلُّها قَلِيلَةٌ، فَكَيفَ بِما يُنالُ فِيها مِن طَرِيقِ الكَذِبِ وَالافتراءِ عَلَى اللهِ؟
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَلَهُم عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أَي لَهُم فِي الآخِرَةِ عَذابٌ مُؤلِمٌ بِسَبَبِ افترائِهِم عَلَى اللهِ وَتَقَدُّمِهِم بَينَ يَدَي شَرعِهِ. فَمَتاعُ الدُّنيا قَلِيلٌ زائِلٌ، وَالعَذابُ لِمَن كَفَرَ وَافتَرى باقٍ أَلِيمٌ، وَالآخِرَةُ خَيرٌ لِمَنِ اتَّقى.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ اللهَ تَعالى بَيَّنَ أَنَّ سَبَبَ الوَعيدِ لِمَن كَفَرَ بَعدَ إِيمانِهِ أَنَّهُم آثَرُوا الحَياةَ الدُّنيا عَلَى الآخِرَةِ، وَأَنَّ اللهَ لا يُوَفِّقُ القَومَ الكافِرِينَ لِلهِدايَةِ، وَأَنَّهُ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِم وَسَمعِهِم وَأَبصارِهِم، فَكانُوا مِن أَهلِ الغَفلَةِ وَالخُسرانِ. ثُمَّ ذَكَرَ فَضلَ الَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعدِ ما فُتِنُوا، ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا، وَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَهُم. ثُمَّ ذَكَّرَ بِيَومِ القِيامَةِ، حِينَ تَأتي كُلُّ نَفسٍ تُجادِلُ عَن نَفسِها، وَتُوَفّى كُلُّ نَفسٍ ما عَمِلَت وَهُم لا يُظلَمُونَ. ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلَ القَريَةِ الَّتِي كانَت آمِنَةً مُطمَئِنَّةً يَأتِيها رِزقُها رَغَدًا، فَكَفَرَت بِأَنعُمِ اللهِ، فَأَذاقَها اللهُ الجُوعَ وَالخَوفَ. ثُمَّ أَمَرَ بِالأَكلِ مِنَ الحَلالِ الطَّيِّبِ وَشُكرِ نِعمَةِ اللهِ، وَبَيَّنَ ما حَرَّمَهُ مِنَ المَآكِلِ، وَنَهى عَنِ الافتراءِ عَلَى اللهِ فِي الحَلالِ وَالحَرامِ، وَبَيَّنَ أَنَّ مَتاعَ المُفتَرِينَ قَلِيلٌ، وَلَهُم عَذابٌ أَلِيمٌ.