بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)﴾ [النحل: ١٥-١٨]
﴿وَأَلقَى فِي الأَرضِ رَواسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُم وَأَنهارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُم تَهتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥]
لا يَزالُ السِّياقُ فِي تِعدادِ نِعَمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِبادِهِ، فَبَعدَ أَن ذَكَرَ اللهُ تَعالى مَا سَخَّرَهُ لَهُم مِنَ الأَنعامِ، وَمَا خَلَقَهُ لَهُم مِنَ الشَّجَرِ وَالزَّيتُونِ وَالنَّخلِ وَالأَعنابِ، وَمَا جَعَلَهُ مِنَ اللَّيلِ وَالنَّهارِ وَالشَّمسِ وَالقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَمَا ذَرَأَ لَهُم فِي الأَرضِ، ذَكَرَ هُنا نِعمَةً أُخرى مِن نِعَمِهِ، وَهِيَ تَثبِيتُ الأَرضِ بِالجِبالِ، وَجَعلُ الأَنهارِ وَالطُّرُقِ فِيهَا.
وَفِي تِعدادِ هٰذِهِ النِّعَمِ تَذكِيرٌ لِلعِبادِ بِأَنَّ كُلَّ مَا يَتَقَلَّبُونَ فِيهِ مِن خَيرٍ وَرِزقٍ وَأَمنٍ وَمَنفَعَةٍ فَهُوَ مِن عِندِ اللهِ تَعالى، فَيَجِبُ أَن يُقابَلَ بِالشُّكرِ وَالطّاعَةِ، لا بِالغَفلَةِ وَالعِصيانِ. وَالشُّكرُ سَبَبٌ لِبَقاءِ النِّعمَةِ وَزِيادَتِها؛ وَلِذٰلِكَ كانَ يُقالُ: الشُّكرُ قَيدُ المَوجُودِ، وَصَيدُ المَفقُودِ، فَمَن شَكَرَ نِعمَةً مَوجُودَةً حَفِظَها اللهُ لَهُ، وَمَن شَكَرَ رَبَّهُ فِيما آتاهُ فَتَحَ اللهُ لَهُ مِن فَضلِهِ مَا لَم يَكُن عِندَهُ.
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَأَلقَى فِي الأَرضِ رَواسِيَ﴾ أَي جَعَلَ فِي الأَرضِ جِبالًا ثَوابِتَ راسِخَةً تُثَبِّتُها بِإِذنِ اللهِ تَعالى. وَالرَّواسِي هِيَ الجِبالُ الثّابِتَةُ، سُمِّيَت بِذٰلِكَ لِرُسُوخِها وَثُبُوتِها. وَقَولُهُ تَعالى: ﴿أَن تَمِيدَ بِكُم﴾ أَي كَراهَةَ أَن تَمِيدَ بِكُم، أَو لِئَلَّا تَمِيدَ بِكُم، أَي لِئَلَّا تَضطَرِبَ الأَرضُ وَتَتَحَرَّكَ بِأَهلِها حَرَكَةً تُفسِدُ عَلَيهِم مَعاشَهُم.
فَاللهُ تَعالى جَعَلَ هٰذِهِ الجِبالَ كَالأَوتادِ فِي الأَرضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَالجِبالَ أَوتادًا﴾ [النبأ: ٧]. وَالوَتِدُ إِذا غُرِسَ فِي الأَرضِ ثَبَّتَ مَا يُرادُ تَثبِيتُهُ، كَالخَيمَةِ وَنَحوِها. فَكَذٰلِكَ جَعَلَ اللهُ الجِبالَ رَواسِيَ لِلأَرضِ، وَهٰذَا مِن عَجِيبِ صُنعِ اللهِ وَعَظِيمِ قُدرَتِهِ.
وَهٰذِهِ الأَرضُ الَّتِي نَسْكُنُها وَنَمْشِي عَلَيهَا وَنَنتَفِعُ بِخَيراتِها هِيَ أَرضٌ واحِدَةٌ مِن سَبعِ أَراضِينَ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]. فَاللهُ خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ، وَخَلَقَ مِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ فِي العَدَدِ، وَجَعَلَ لِهٰذِهِ الأَرضِ رَواسِيَ تُثَبِّتُها بِمَشِيئَتِهِ.
وَقَد وَكَّلَ اللهُ تَعالى مَلَكًا كَرِيمًا بِالجِبالِ، فَهِيَ لا تَخرُجُ عَن أَمرِ اللهِ وَتَقدِيرِهِ. فَإِذا شاءَ اللهُ تَعالى أَن تَتَحَرَّكَ الجِبالُ، أَو أَن يَقَعَ فِي الأَرضِ زِلزالٌ، كانَ ذٰلِكَ بِقُدرَتِهِ وَتَدبِيرِهِ، لا بِاستِقلالِ سَبَبٍ مِنَ الأَسبابِ. فَالأَرضُ ثابتَةٌ بِتَثبِيتِ اللهِ، وَإِذا زُلزِلَت فَبِأَمرِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ.
وَمِن حِكمَةِ اللهِ فِي الجِبالِ أَنَّ لَهَا جُذُورًا وَامتِدادًا فِي الأَرضِ، كَالوَتِدِ الَّذِي يَكُونُ أَكثَرُهُ مَغرُوسًا فِي الأَرضِ، وَيَظهَرُ مِنهُ فَوقَها جُزءٌ أَقَلُّ. فَإِزالَةُ الجِبالِ وَالعَبَثُ بِهَا وَتَهدِيمُها عَلَى وَجهٍ يُفسِدُ مِيزانَ الأَرضِ قَد يَكونُ سَبَبًا مِن أَسبابِ الخَلَلِ وَالزَّلزَلَةِ بِإِذنِ اللهِ، وَكُلُّ ذٰلِكَ داخِلٌ تَحتَ قَدرِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ.
وَإِذا تَأَمَّلَ العَبدُ هٰذِهِ النِّعمَةَ عَلِمَ أَنَّهُ فِي نِعمَةٍ عَظِيمَةٍ حِينَ يَمْشِي عَلَى أَرضٍ سَاكِنَةٍ مُستَقِرَّةٍ. فَلَو كانَتِ الأَرضُ تَمِيدُ وَتَضطَرِبُ بِالنّاسِ، لَمَا استَقَرَّ لَهُم بُنيانٌ، وَلَا زَرعٌ، وَلَا مَسيرٌ، وَلَا مَعاشٌ. فَمِن حَقِّ هٰذِهِ النِّعمَةِ أَن تُشكَرَ، لا أَن يُغفَلَ عَنها.
وَالنِّعَمُ إِذا لَم تُشكَر قَد تَنقَلِبُ عَلَى صاحِبِها نِقَمًا. فَالسَّقفُ الَّذِي يَستَظِلُّ بِهِ العَبدُ قَد يَسقُطُ عَلَيهِ، وَالأَرضُ الَّتِي يَمْشِي عَلَيهَا قَد تَتَزَلزَلُ بِهِ، وَالمَالُ الَّذِي يَنتَفِعُ بِهِ قَد يَكونُ سَبَبَ فِتنَتِهِ إِن لَم يَشكُرِ اللهَ فِيهِ. فَالشُّكرُ يَحفَظُ النِّعمَةَ، وَالمَعصِيَةُ تَجلِبُ المِحنَةَ.
وَمِن نِعَمِ اللهِ تَعالى أَيضًا مَا ذَكَرَهُ بِقَولِهِ: ﴿وَأَنهارًا﴾ أَي وَجَعَلَ فِي الأَرضِ أَنهارًا تَجري بِالماءِ، يَشرَبُ مِنهَا النّاسُ وَالدَّوابُّ، وَيُسقَى بِهَا الزَّرعُ وَالشَّجَرُ، وَتَقومُ عَلَيهَا مَصالِحُ الخَلقِ. وَقَولُهُ: ﴿وَأَنهارًا﴾ مَعطُوفٌ عَلَى ﴿رَواسِيَ﴾، وَفِي قَولِهِ ﴿أَلقَى﴾ مَعنى جَعَلَ، أَي جَعَلَ فِي الأَرضِ رَواسِيَ وَأَنهارًا.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَسُبُلًا﴾ أَي وَجَعَلَ لَكُم طُرُقًا تَسلُكُونَها وَتَنتَقِلُونَ بِهَا إِلى مَقاصِدِكُم. فَالطُّرُقُ مِن نِعَمِ اللهِ؛ إِذ بِهَا يَصِلُ الإِنسانُ إِلى مَصالِحِهِ، وَيَسيرُ لِطَلَبِ رِزقِهِ، وَيَقصِدُ بُيُوتَ اللهِ، وَيَصِلُ أَرحامَهُ، وَيَنتَفِعُ بِمَا فِي الأَرضِ مِن خَيراتٍ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكُم تَهتَدُونَ﴾ يَحتَمِلُ مَعنيَينِ: أَحَدُهُمَا أَن تَهتَدُوا بِهٰذِهِ السُّبُلِ إِلى مَقاصِدِكُم فِي أَسفارِكُم وَمَعاشِكُم، وَالثّانِي أَن تَهتَدُوا بِالنَّظَرِ فِي هٰذِهِ الآياتِ إِلى تَوحِيدِ رَبِّكُم وَمَعرِفَةِ قُدرَتِهِ وَحِكمَتِهِ. فَالهِدايَةُ فِي الآيَةِ تَشمَلُ هِدايَةَ الطَّرِيقِ الحِسِّيِّ، وَهِدايَةَ القَلبِ إِلى الاعتِبارِ وَالإِيمانِ.
وَمِن آياتِ اللهِ فِي الجِبالِ مَا جَعَلَهُ مِن أَحوالِها وَمَنافِعِها، فَقد يَجعَلُ اللهُ جَبَلًا فِي مَوضِعٍ سَبَبًا لِخَيرٍ عَظِيمٍ. وَقَد ذَكَرَ أَهلُ السِّيَرِ وَالأَخبارِ أَنَّ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ دَعا اللهَ تَعالى أَن يَجعَلَ البَرَكَةَ فِي مَكَّةَ وَالحَجازِ، وَأَن يَرزُقَ أَهلَهَا مِنَ الثَّمَرَاتِ، فَأَجابَ اللهُ دَعوَتَهُ، وَجَعَلَ بِالقُربِ مِن مَكَّةَ مَواضِعَ ذاتَ زَرعٍ وَثَمَرٍ، كَالطّائِفِ، فِيهَا مِنَ الثِّمارِ وَالبَرَكَاتِ مَا هُوَ مِن فَضلِ اللهِ تَعالى.
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لا يَطلُبُ التَّرَفَ وَلَا التَّنَعُّمَ، بَل كانَ هَمُّهُ الدَّعوَةَ إِلى اللهِ وَنُصرَةَ دِينِهِ. فَلَم يَكُن خُرُوجُهُ ﷺ إِلى الطّائِفِ طَلَبًا لِتَنَزُّهٍ أَو تَرَفُّهٍ، بَل لِلدَّعوَةِ إِلى الإِسلامِ وَتَبلِيغِ دِينِ اللهِ. وَهٰكَذا شَأنُ الأَنبِياءِ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ؛ يَعيشُونَ فِي طاعَةِ اللهِ، وَيَسعَونَ فِي هِدايَةِ الخَلقِ، وَلَا يَجعَلُونَ الدُّنيا غايَةَ هِمَّتِهِم.
وَقَد كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمرُّ عَلَيهِ الشَّهرُ وَالشَّهرانِ لا يُوقَدُ فِي بَيتِهِ نَارٌ لِطَبيخٍ، وَكانَ طَعامُهُ فِي بَعضِ الأَحيانِ التَّمرَ وَالماءَ، أَو الخُبزَ وَالخَلَّ، مَعَ أَنَّهُ أَفضَلُ خَلقِ اللهِ وَأَكرَمُهُم عَلَيهِ. وَقَد عَرَضَ اللهُ لَهُ أَن يَجعَلَ لَهُ بَطحاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَاختارَ العُبُودِيَّةَ وَالتَّواضُعَ، وَقالَ مَا مَعناهُ أَنَّهُ يُحِبُّ أَن يَجُوعَ يَومًا وَيَشبَعَ يَومًا، أَي يَأخُذَ كِفايَتَهُ، لا أَن يَستَغرِقَ فِي التَّنَعُّمِ.
وَقَد أَوصَى النَّبِيُّ ﷺ مُعاذَ بنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَمّا بَعَثَهُ إِلى اليَمَنِ، فَقالَ لَهُ: «إِيّاكَ وَالتَّنَعُّمَ، فَإِنَّ عِبادَ اللهِ لَيسُوا بِالمُتَنَعِّمِينَ». وَالمُرادُ أَنَّ الكَمَالَ فِي العُبُودِيَّةِ لَا يَجتَمِعُ مَعَ التَّوَسُّعِ فِي التَّنَعُّمِ وَالانهِماكِ فِيهِ، وَإِن كانَ أَصلُ المُباحِ لا يَحرُمُ إِذا لَم يُؤَدِّ إِلى تَركِ واجِبٍ أَو وُقُوعٍ فِي مُحَرَّمٍ. فَالتَّوَسُّعُ فِي المَآكِلِ وَالمَشارِبِ وَالأَثاثِ مَعَ سَدِّ الضَّرُوراتِ لا يَكونُ حَرامًا فِي أَصلِهِ، وَلٰكِنَّ تَركَ التَّنَعُّمِ أَعونُ عَلَى الزُّهدِ وَالبَذلِ وَالرَّحمَةِ بِالفُقَراءِ.
فَمَن اعتادَ التَّنَعُّمَ صَعُبَ عَلَيهِ البَذلُ، وَخَافَ إِذا تَصَدَّقَ أَن يَنقُصَ مَا اعتادَهُ مِن لَذَّاتِ الدُّنيا. أَمّا مَن رَبّى نَفسَهُ عَلَى القَناعَةِ وَتَركِ الفُضُولِ، سَهُلَ عَلَيهِ أَن يُنفِقَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَن يُواسِيَ الفُقَراءَ، وَأَن يَسُدَّ ضَرُورَاتِ المُسلِمِينَ. وَمِن هُنا كانَ تَركُ التَّنَعُّمِ مُعِينًا عَلَى الشُّكرِ وَالصَّدَقَةِ وَنُصرَةِ الدِّينِ.
وَقَد كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لا يَرُدُّ سائِلًا، فَإِن وَجَدَ أَعطاهُ، وَإِن لَم يَجِد أَرشَدَهُ أَو وَعَدَهُ أَو اقْتَرَضَ لَهُ. وَهٰذَا يُعَلِّمُ المُؤمِنَ أَلَّا يَقسُوَ قَلبُهُ عِندَ حَاجَةِ المُحتاجِينَ، وَأَلَّا يَتَثاقَلَ عَن بَذلِ مَا يَستَطِيعُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَخُصُوصًا عِندَ كَثرَةِ ضَرُورَاتِ المُسلِمِينَ وَحَاجَتِهِم إِلى مَن يُعِينُهُم.
وَمِن أَخبارِ أَهلِ البَذلِ مَا ذُكِرَ عَن طَلحَةَ الطَّلَحاتِ، أَنَّهُ زَوَّجَ مِئَةَ شابٍّ، وَكَفاهُم مُؤنَةَ الزَّواجِ مِن مالِهِ. فَهٰذِهِ هِمَمُ أَهلِ الكَرَمِ، يَنظُرُونَ إِلى حَاجَاتِ النّاسِ، وَيَجعَلُونَ أَموَالَهُم سَبَبًا لِسَترِ المُسلِمِينَ وَإِعانَتِهِم عَلَى الطّاعَةِ. وَكَذٰلِكَ كانَ عُثمانُ بنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُنفِقُ الإِنفاقَ العَظِيمَ فِي نُصرَةِ الدِّينِ، وَمِن ذٰلِكَ تَجهِيزُهُ جَيشَ العُسرَةِ بِمَالٍ عَظيمٍ.
وَقَد جاءَ سائِلٌ إِلى عُمَرَ بنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَخاطَبَهُ بِأَبياتٍ يَسأَلُهُ فِيهَا أَن يَكسُوَ بَناتِهِ وَأُمَّهُنَّ، وَذَكَّرَهُ بِسُؤالِ يَومِ القِيامَةِ، فَبَكى عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَتّى ابتَلَّت لِحيَتُهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِعَطاءٍ. فَهٰكَذا كانَت قُلُوبُهُم تَتَحَرَّكُ لِذِكرِ الآخِرَةِ وَالسُّؤالِ بَينَ يَدَيِ اللهِ تَعالى.
وَفِي قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسأَلُنَّ يَومَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] تَذكِيرٌ لِلعبدِ بِأَنَّهُ مَسؤولٌ عَن نِعَمِ اللهِ عَلَيهِ. وَالسُّؤالُ عَنِ النَّعيمِ المُباحِ لَيسَ سُؤالَ عُقُوبَةٍ إِذا استُعمِلَ فِي الحَلالِ، وَلٰكِنَّهُ تَذكِيرٌ لِلعبدِ بِنِعَمِ اللهِ عَلَيهِ، كَأَن يُقالَ لَهُ: أَلَم أُروِكَ مِنَ الماءِ البارِدِ؟ أَلَم أُصِحَّ جَسَدَكَ؟ فَيَتَذَكَّرُ فَضلَ اللهِ وَحاجَتَهُ إِلى شُكرِهِ.
﴿وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجمِ هُم يَهتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَعَلاماتٍ﴾ أَي وَجَعَلَ فِي الأَرضِ عَلاماتٍ يَهتَدِي بِهَا النّاسُ فِي طُرُقِهِم وَأَسفارِهِم، مِن جِبالٍ، وَأَودِيَةٍ، وَمَسالِكَ، وَمَعالِمَ يَعرِفُونَ بِهَا الوُجُوهَ وَالطُّرُقَ. فَكُلُّ مَا يَستَدِلُّ بِهِ السّابِلَةُ وَالمُسافِرُونَ عَلَى مَقاصِدِهِم فَهُوَ مِن جُملَةِ العَلاماتِ الَّتِي جَعَلَها اللهُ لِخَلقِهِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَبِالنَّجمِ هُم يَهتَدُونَ﴾ أَي وَبِالنُّجُومِ يَهتَدُونَ فِي ظُلُماتِ البَرِّ وَالبَحرِ، فَيَعرِفُونَ الجِهاتِ وَالمَسالِكَ. وَقِيلَ: المُرادُ بِالنَّجمِ الجِنسُ، أَي النُّجُومُ عُمومًا، وَقِيلَ: المُرادُ بَعضُ النُّجُومِ الَّتِي كانَتِ العَرَبُ تَهتَدِي بِهَا، كَالثُّرَيّا، وَالفَرقَدَينِ، وَبَناتِ نَعشٍ، وَالجَديِّ، وَنَحوِ ذٰلِكَ.
وَفِي تَقدِيمِ قَولِهِ: ﴿وَبِالنَّجمِ﴾ عَلَى قَولِهِ: ﴿هُم يَهتَدُونَ﴾، وَإِدخالِ الضَّمِيرِ ﴿هُم﴾، تَنبيهٌ عَلَى مَزيدِ العِنايَةِ بِهٰذِهِ النِّعمَةِ، وَقِيلَ: فِيهِ إِشارَةٌ إِلى قُرَيشٍ وَمَن كانَ لَهُم عِلمٌ خَاصٌّ بِالمَسيرِ وَالاهتِداءِ بِالنُّجُومِ فِي أَسفارِهِم، فَكانَ الشُّكرُ أَوجَبَ عَلَيهِم، وَالاعتِبارُ أَلزَمَ لَهُم.
فَاللهُ جَعَلَ لِلنّاسِ عَلاماتٍ فِي الأَرضِ، وَنُجُومًا فِي السَّماءِ، يَهتَدُونَ بِهَا إِلى مَقاصِدِهِم الحِسِّيَّةِ، وَفِي ذٰلِكَ أَيضًا دَعوَةٌ لِلقلُوبِ أَن تَهتَدِيَ إِلى خالِقِ هٰذِهِ العَلاماتِ وَالنُّجُومِ، فَلا تَعبُدَ إِلَّا اللهَ، وَلَا تَنسُبَ النِّعَمَ إِلَّا إِلَيهِ.
﴿أَفَمَن يَخلُقُ كَمَن لا يَخلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]
بَعدَ أَن عَدَّدَ اللهُ تَعالى مِن نِعَمِهِ وَآياتِ قُدرَتِهِ مَا عَدَّدَ، أَقامَ الحُجَّةَ عَلَى المُشرِكِينَ، فَقالَ: ﴿أَفَمَن يَخلُقُ كَمَن لا يَخلُقُ﴾. أَي أَفَمَن يَخلُقُ هٰذِهِ المَخلُوقاتِ، وَيُوجِدُ الأَرضَ وَالسَّماواتِ، وَيَجعَلُ الجِبالَ رَواسِيَ، وَيُجرِي الأَنهارَ، وَيَخلُقُ العَلاماتِ وَالنُّجُومَ، كَمَن لا يَخلُقُ شَيئًا؟
فَاللهُ تَعالى هُوَ الخالِقُ وَحدَهُ، وَالأَصنامُ الَّتِي يَعبُدُها المُشرِكُونَ لا تَخلُقُ شَيئًا، وَلَا تَملِكُ لِنَفسِها وَلَا لِغَيرِها نَفعًا وَلَا ضَرًّا. فَكَيْفَ يُسوَّى الخالِقُ بِالمَخلُوقِ؟ وَكَيْفَ تُترَكُ عِبادَةُ مَن خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، لِتُصرَفَ العِبادَةُ إِلى مَا لا يَخلُقُ شَيئًا؟
وَجِيءَ بِـ﴿مَن﴾ فِي قَولِهِ: ﴿كَمَن لا يَخلُقُ﴾، مَعَ أَنَّ الأَصنامَ لا عِلمَ لَها وَلَا عَقلَ، لِأَنَّ المُشرِكِينَ سَمَّوها آلِهَةً، وَعامَلُوها مُعامَلَةَ مَن يُقصَدُ وَيُعبَدُ، فَجاءَ التَّعبِيرُ عَلَى طَرِيقِ مُجاراةِ زَعمِهِم وَإِبطالِهِ. وَفِي الآيَةِ إِلزامٌ لَهُم؛ لأَنَّهُم حِينَ جَعَلُوا غَيرَ اللهِ مِثلَ اللهِ فِي الاسمِ وَالعِبادَةِ، فَقَد شَبَّهُوا الخالِقَ بِالمَخلُوقِ، فَأَبطَلَ اللهُ زَعمَهُم بِقَولِهِ: ﴿أَفَمَن يَخلُقُ كَمَن لا يَخلُقُ﴾.
وَفِي هٰذِهِ الآيَةِ أَيضًا حُجَّةٌ عَلَى كُلِّ مَن نَسَبَ الخَلقَ إِلى غَيرِ اللهِ عَلَى وَجهِ الاستِقلالِ، كَقَولِ المُعتَزِلَةِ إِنَّ العَبدَ يَخلُقُ فِعلَهُ. فَالخالِقُ عَلَى الحَقِيقَةِ هُوَ اللهُ وَحدَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُم وَما تَعمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، وَقالَ تَعالى: ﴿إِنّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. فَأَفعالُ العِبادِ مَخلُوقَةٌ لِلهِ تَعالى، وَالعِبادُ كاسِبُونَ لَهَا، مُحاسَبُونَ عَلَى مَا كَسَبُوا.
فَالحَمدُ لِلهِ الَّذِي جَعَلَنا مِن أَهلِ لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَمِن أَهلِ الإِيمانِ بِالقَدَرِ، وَمِن أَهلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ يَعلَمُونَ أَنَّ اللهَ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وَأَنَّهُ لا خالِقَ سِواهُ. وَمِن نِعمَةِ اللهِ عَلَى العَبدِ أَن يُجلِسَهُ فِي مَجالِسِ العِلمِ الصَّحِيحِ، وَأَلَّا يَصرِفَ قَلبَهُ إِلى أَهلِ الأَهواءِ وَالبِدَعِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أَي أَفَلا تَتَعِظُونَ، فَتَعرِفُونَ فَسادَ مَا أَنتُم عَلَيهِ مِن عِبادَةِ غَيرِ اللهِ، وَتَعلَمُونَ أَنَّ الخالِقَ لا يُساوِيهِ مَن لا يَخلُقُ؟ فَهِيَ دَعوَةٌ إِلى التَّذَكُّرِ وَالتَّفَكُّرِ، وَإِلى الرُّجُوعِ عَنِ الباطِلِ إِلى الحَقِّ.
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعمَةَ اللهِ لا تُحصُوها إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعمَةَ اللهِ لا تُحصُوها﴾ أَي إِن تُرِيدُوا أَن تَعدُّوا نِعَمَ اللهِ عَلَيكُم وَتَضبِطُوا عَدَدَها، فلَن تُطِيقُوا ذٰلِكَ وَلَن تَبلُغُوا غايَتَهُ. فَنِعَمُ اللهِ أَكثَرُ مِن أَن تُحصَى، وَأَعظَمُ مِن أَن يُحاطَ بِهَا، بَل النِّعمَةُ الواحِدَةُ يَتَفَرَّعُ عَنها مِنَ النِّعَمِ مَا لا يَقدِرُ العَبدُ عَلَى عَدِّهِ.
فَالماءُ نِعمَةٌ، وَفِيهِ نِعَمٌ لا تُحصَى؛ فَمِنهُ الشُّربُ، وَالطَّهارَةُ، وَالزَّرعُ، وَحَياةُ الأَبدانِ، وَمَصالِحُ لا يَعلَمُها إِلَّا اللهُ. وَالأَرضُ نِعمَةٌ، وَفِيهَا نِعَمٌ كَثِيرَةٌ؛ مِن سُكناها، وَمَشيِنا عَلَيها، وَثَباتِها، وَثِمارِها، وَمَعادِنِها، وَطُرُقِها. وَالبَصَرُ نِعمَةٌ، وَالسَّمعُ نِعمَةٌ، وَالصِّحَّةُ نِعمَةٌ، وَالأَمنُ نِعمَةٌ، وَأَعظَمُ ذٰلِكَ نِعمَةُ الإِيمانِ وَالهِدايَةِ.
وَإِنَّما جَاءَ قَولُهُ تَعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعمَةَ اللهِ لا تُحصُوها﴾ بَعدَ تِعدادِ جُملَةٍ مِنَ النِّعَمِ؛ تَنبيهًا عَلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ إِنَّما هُوَ بَعضُ نِعَمِ اللهِ، وَأَنَّ وَراءَ ذٰلِكَ نِعَمًا لا تَنحَصِرُ وَلا تُعَدُّ. فَمَا عَرَفَهُ العَبدُ مِن نِعَمِ اللهِ قَلِيلٌ، وَمَا غابَ عَنهُ كَثِيرٌ.
وَفِي الآيَةِ حَثٌّ عَلَى الشُّكرِ؛ فَمَن عَلِمَ أَنَّهُ غارِقٌ فِي نِعَمِ اللهِ، وَأَنَّهُ عاجِزٌ عَن إِحصائِها، عَلِمَ أَنَّهُ أَحْوَجُ مَا يَكونُ إِلى شُكرِ رَبِّهِ وَطاعَتِهِ. وَالشُّكرُ يَكونُ بِالقَلبِ اعتِرافًا، وَبِاللِّسانِ ثَناءً، وَبِالجَوارِحِ عَمَلًا بِطاعَةِ اللهِ وَتَركًا لِمَعاصِيهِ.
وَمِن أَحوالِ الصّالِحِينَ فِي شُكرِ نِعَمِ اللهِ مَا ذُكِرَ عَنِ السَّيِّدَةِ نَفِيسَةَ رَضِيَ اللهُ عَنها، وَهِيَ نَفِيسَةُ بِنتُ الحَسَنِ الأَنوَرِ بنِ زَيدٍ الأَبلَجِ بنِ الحَسَنِ بنِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم. فَقَد كانَت مِنَ العابِداتِ الصّالِحاتِ، وَكانَ لَها شَأنٌ عَظِيمٌ فِي مِصرَ، وَكانَ أَهلُها يَتَبَرَّكُونَ بِدُعائِها، أَي يَطلُبُونَ مِنَ اللهِ الخَيرَ وَالبَرَكَةَ بِدُعائِها وَصَلاحِها، لا أَنَّهُم يَعبُدُونَها.
وَقَد ذُكِرَ أَنَّهَا حَفَرَت فِي دارِها قَبرًا، وَكانَت تَنزِلُ فِيهِ وَتَتلُو القُرآنَ، حَتّى خَتَمَت فِيهِ خَتماتٍ كَثِيرَةً. فَهٰذَا مِن عِظَمِ استِعدادِهَا لِلآخِرَةِ، وَمِن شُكرِها لِنِعمَةِ الإِيمانِ وَالقُرآنِ. فَبَينَما يَتنافَسُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فِي بُنيانِ الدُّنيا وَزِينَتِها، كانَت هِيَ تُعَمِّرُ مَوضِعَ قَبرِها بِتِلاوَةِ كِتابِ اللهِ.
وَقَد كانَ الإِمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَعرِفُ قَدرَهَا، وَيَطلُبُ دُعاءَها إِذا مَرِضَ، وَقَد طَلَبَ أَن تَكونَ مِمَّن يُصَلِّي عَلَيهِ عِندَ وَفاتِهِ، فَكانَ ذٰلِكَ. وَفِي هٰذَا دَليلٌ عَلَى مَعرِفَةِ أَهلِ العِلمِ بِفَضلِ أَهلِ الصَّلاحِ، وَأَنَّ البَرَكَةَ تُطلَبُ بِدُعاءِ الصّالِحِينَ وَصُحبَتِهِم وَمَحَبَّتِهِم.
وَمِن فَضلِ اللهِ عَلَى بَعضِ عِبادِهِ أَن يَرزُقَهُم الشُّكرَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ، فَمِنَ النّاسِ مَن يَشكُرُ اللهَ عَلَى العَطاءِ، وَهٰذَا شاكِرٌ، وَمِنهُم مَن يَشكُرُ اللهَ عَلَى البَلاءِ، وَهٰذَا أَعلَى مَقامًا. وَمِنهم مَن يَشكُرُ عَلَى النَّفعِ، وَمِنهُم مَن يَشكُرُ عَلَى المَنعِ؛ لأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ اللهَ حَكِيمٌ رَحِيمٌ، وَأَنَّ اختِيارَ اللهِ لِعَبدِهِ خَيرٌ مِن اختِيارِ العَبدِ لِنَفسِهِ.
وَمِمّا يُعِينُ عَلَى الشُّكرِ تَذَكُّرُ نِعَمِ اللهِ تَعالى؛ فَإِذا تَذَكَّرَ العَبدُ أَنَّ اللهَ أَعطاهُ الإِيمانَ، وَالعَقلَ، وَالسَّمعَ، وَالبَصَرَ، وَالصِّحَّةَ، وَالرِّزقَ، وَالأَمنَ، وَالهِدايَةَ إِلى مَجالِسِ العِلمِ، انكَسَرَ قَلبُهُ لِرَبِّهِ، وَازدادَ حُبًّا وَشُكرًا وَطاعَةً.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ خِتامٌ مُناسِبٌ لِعَجزِ العِبادِ عَن إِحصاءِ النِّعَمِ وَالقِيامِ بِحَقِّ شُكرِها. فَاللهُ غَفُورٌ يَغفِرُ لِعِبادِهِ تَقصِيرَهُم إِذا تابُوا وَرَجَعُوا إِلَيهِ، رَحِيمٌ بِهِم إِذ يَتَفَضَّلُ عَلَيهِم بِالنِّعَمِ مَعَ تَقصِيرِهِم فِي شُكرِها. فَلَولا مَغفِرَةُ اللهِ وَرَحمَتُهُ لَهَلَكَ العِبادُ بِتَقصِيرِهِم، وَلٰكِنَّهُ سُبحانَهُ وَاسِعُ الفَضلِ، كَثِيرُ الرَّحمَةِ.
نِعَمُ اللهِ سُبحانَهُ وَتَعالى عَلَى عِبادِهِ لا تُعَدُّ وَلَا تُحصَى، فَقَد أَنعَمَ عَلَيهِم بِأَنواعِ النِّعَمِ، وَدَفَعَ عَنهُم ما شاءَ مِنَ النِّقَمِ، وَكُلُّ ذٰلِكَ فَضلٌ مِنهُ سُبحانَهُ لا وُجوبَ عَلَيهِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيهِ شَيءٌ، وَإِنَّما هُوَ الَّذِي يَفرِضُ عَلَى عِبادِهِ ما شاءَ، وَيَحكُمُ في مُلكِهِ بِما يُريدُ.
وَقَد قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَو عَذَّبَ أَهلَ سَماواتِهِ وَأَهلَ أَرضِهِ لَعَذَّبَهُم وَهُوَ غَيرُ ظالِمٍ لَهُم، وَلَو رَحِمَهُم كانَت رَحمَتُهُ خَيرًا لَهُم مِن أَعمالِهِم». فَكُلُّ نِعمَةٍ مِنَ اللهِ فَضلٌ، وَكُلُّ نِقمَةٍ مِنهُ عَدلٌ، لا يُسأَلُ عَمّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ.
فَلَا يَجِبُ عَلَى اللهِ تَعالى أَن يُثِيبَ الطّائِعِينَ وُجوبًا يُلزِمُهُ بِهِ أَحَدٌ، فَإِن أَثابَهُم فَبِفَضلِهِ وَكَرَمِهِ وَجُودِهِ وَإِحسانِهِ. وَقَد خَلَقَ اللهُ الخَلقَ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنهُم، لا يَحتاجُ إِلى بَشَرٍ، وَلَا جِنٍّ، وَلَا مَلَكٍ، وَلَا مُعِينٍ يُعِينُهُ، وَلَا سَماءٍ يَسكُنُها، وَلَا عَرشٍ يَحمِلُهُ، وَلَا مَكانٍ يَحِلُّ فِيهِ. فاللهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ، وَالمُحتاجُ إِلى غَيرِهِ لا يَصلُحُ أَن يَكونَ إِلٰهًا خالِقًا.
وَطاعَةُ الطّائِعِينَ لا تَنفَعُ اللهَ تَعالى، وَمَعصِيَةُ العاصِينَ لا تَضُرُّهُ، فَهُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ. وَإِنَّما يَرجِعُ نَفعُ الطّاعَةِ إِلى العَبدِ، وَيَرجِعُ ضَرَرُ المَعصِيَةِ عَلَيهِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِن أَحسَنتُم أَحسَنتُم لِأَنفُسِكُم وَإِن أَسَأتُم فَلَها﴾ [الإسراء: ٧]. فَمَن صَلّى أَو صامَ أَو تَصَدَّقَ فَلَا يَمُنُّ بِذٰلِكَ عَلَى رَبِّهِ، بَل يَحمَدُ اللهَ الَّذِي وَفَّقَهُ لِلطّاعَةِ وَهَداهُ لِلإِيمانِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعمَةَ اللهِ لا تُحصُوها﴾ أَي إِن تُرِيدُوا عَدَّ نِعَمِ اللهِ عَلَيكُم فلَن تَبلُغُوا حَصرَها وَلَن تُطِيقُوا إِحصاءَها. فَنِعَمُهُ سُبحانَهُ ظاهِرَةٌ وَباطِنَةٌ، كَبِيرَةٌ وَدَقِيقَةٌ، فِي الأَبدانِ وَالأَديانِ، وَفِي الأَرزاقِ وَالأَمنِ وَالسَّترِ وَالعافِيَةِ، وَأَعظَمُها نِعمَةُ الإِيمانِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أَي إِنَّ اللهَ تَعالى يَتَجاوَزُ عَن تَقصِيرِ العِبادِ فِي أَداءِ شُكرِ النِّعَمِ، وَلا يَقطَعُها عَنهُم لِمُجرَّدِ تَفرِيطِهِم، بَل يَستُرُ وَيَرزُقُ وَيُمهِلُ وَيَرحَمُ. فَكَم قَصَّرَ العَبدُ وَهُوَ لا يَزالُ يَتَقَلَّبُ فِي نِعمَةِ اللهِ، وَكَم مِن قَبِيحٍ وَقَعَ مِنهُ فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيهِ، وَكَم مِن حاجَةٍ وَفاقةٍ وَضَعفٍ جَبَرَهُ اللهُ فِيهَا وَكَفاهُ وَآواهُ وَرَزَقَهُ.
وَإِذا كانَ أَكابِرُ الصّالِحِينَ يَتَّهِمُونَ أَنفُسَهُم بِالتَّقصِيرِ مَعَ عِبادَتِهِم وَعِلمِهِم، فَغَيرُهُم أَولى بِالخَوفِ وَالمُحاسَبَةِ. فَهٰذا الإِمامُ مُحَمَّدُ بنُ إِدرِيسَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، مَعَ ما كانَ عَلَيهِ مِنَ العِلمِ وَالعِبادَةِ وَالشُّكرِ، دَخَلَ عَلَيهِ تِلمِيذُهُ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي مَرَضِ وَفاتِهِ، فَقالَ لَهُ: كَيفَ أَصبَحتَ يا أَبا عَبدِ اللهِ؟ فَقالَ: أَصبَحتُ عَنِ الدُّنيا راحِلًا، وَلِإِخوانِي مُفارِقًا، وَلِكَأسِ المَنِيَّةِ شارِبًا، وَعَلَى رَبِّي وارِدًا، وَلَا أَدري نَفسِي إِلى جَنَّةٍ فَأُهَنِّيها، أَم إِلى نارٍ فَأُعَزِّيها.
ثُمَّ أَنشَدَ رَحِمَهُ اللهُ:
وَلَمّا قَسا قَلبِي وَضاقَت مَذاهِبِي ~ جَعَلتُ رَجائِي نَحوَ عَفوِكَ سُلَّمًا
تَعاظَمَنِي ذَنبِي فَلَمّا قَرَنتُهُ ~ بِعَفوِكَ رَبِّي كانَ عَفوُكَ أَعظَمَا
فَإِذا كانَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَتَّهِمُ نَفسَهُ وَيَبكِي وَيَخافُ، مَعَ ما عُرِفَ بِهِ مِنَ العِلمِ وَالعَمَلِ، فَكَيْفَ بِمَن قَصَّرَ فِي الشُّكرِ، وَغَفَلَ عَنِ المُحاسَبَةِ، وَقَضَى لَيلَهُ وَنَهارَهُ فِي النَّومِ وَاللَّهوِ وَالغَفلَةِ عَن شُكرِ المُنعِمِ تَبارَكَ وَتَعالى؟
فَحَقُّ العَبدِ أَن يَجِدَّ فِي طاعَةِ اللهِ، وَأَن يُحاسِبَ نَفسَهُ، وَأَن يَتَفَكَّرَ فِي نِعَمِ اللهِ عَلَيهِ، فَإِنَّ تَفَكُّرَهُ فِي النِّعَمِ يَحمِلُهُ عَلَى شُكرِ اللهِ. وَلَو كانَ لَيلُ العَبدِ وَنَهارُهُ فِي الشُّكرِ، لَم يُؤَدِّ حَقَّ نِعمَةٍ واحِدَةٍ مِن نِعَمِ اللهِ، لأَنَّ تَوفِيقَهُ لِلشُّكرِ نِعمَةٌ أُخرى تَحتاجُ إِلى شُكرٍ.
وَقَد قِيلَ فِي ذٰلِكَ:
لَئِن كانَ شُكرِي نِعمَةَ اللهِ نِعمَةً ~ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثلِها يَجِبُ الشُّكرُ
فَما لِيَ عُذرٌ غَيرَ أَنِّيَ مُقصِّرٌ ~ وَعُذرِيَ إِقرارِي بِأَن لَيسَ لِي عُذرُ
وَمِن شُكرِ اللهِ تَعالى أَلَّا يَترُكَ العَبدُ ما افتَرَضَهُ اللهُ عَلَيهِ. فَمَن تَرَكَ صَلاةً مَفرُوضَةً أَو صِيامًا مَفرُوضًا بِغَيرِ عُذرٍ، وَجَبَ عَلَيهِ أَن يَتُوبَ إِلى اللهِ تَعالى، وَتَوبَتُهُ بِالنَّدَمِ وَالإِقلاعِ وَالعَزمِ عَلَى أَلَّا يَعودَ، مَعَ المُبادَرَةِ إِلى القَضاءِ. فَمَن تَرَكَ الصَّلاةَ عَمدًا بِغَيرِ عُذرٍ، فَقَد وَقَعَ فِي كَبِيرَةٍ عَظِيمَةٍ، وَيَجِبُ عَلَيهِ أَن يَشتَغِلَ بِقَضائِها عَلَى الفَورِ، وَلَا يَتَشاغَلَ عَنهَا بِالنَّوافِلِ.
فَمَن كانَت عَلَيهِ صَلَواتٌ مَكتُوبَةٌ فَاتَت بِغَيرِ عُذرٍ، فَلَا يُقَدِّمُ عَلَى قَضائِها صَلاةَ الضُّحى، وَلَا التَّراوِيحَ، وَلَا القِيامَ، وَلَا غَيرَ ذٰلِكَ مِنَ النَّوافِلِ؛ لأَنَّ الفَرضَ أَولَى مِنَ النَّفلِ. وَقَد قِيلَ: مَن شَغَلَهُ الفَرضُ عَنِ النَّفلِ فَهُوَ مَعذُورٌ، وَمَن شَغَلَهُ النَّفلُ عَنِ الفَرضِ فَهُوَ مَغرُورٌ.
أَمّا مَن فاتَتهُ الصَّلاةُ أَو الصِّيامُ بِعُذرٍ، كَنَومٍ أَو نِسيانٍ فِي الصَّلاةِ، أَو مَرَضٍ وَنَحوِهِ فِي الصِّيامِ، فَلَا إِثمَ عَلَيهِ فِي فَواتِها، وَلٰكِن يَجِبُ عَلَيهِ القَضاءُ. فَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن نامَ عَن صَلاةٍ أَو نَسِيَها فَليُصَلِّها إِذا ذَكَرَها، لا كَفّارَةَ لَها إِلَّا ذٰلِكَ». فَالقَضاءُ لازِمٌ، وَالمُبادَرَةُ إِلَيهِ أَحزَمُ وَأَسلَمُ؛ لأَنَّ العَبدَ لا يَدرِي مَتى يَمُوتُ.
فَمَن أَخَّرَ قَضاءَ ما فَاتَهُ بِعُذرٍ، وَكانَ قادِرًا عَلَى القَضاءِ، ثُمَّ ماتَ قَبلَ أَن يَقضِيَ، فَقَد يَصِيرُ بِمَوتِهِ مُؤاخَذًا عَلَى التَّأخِيرِ، لأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كانَ قادِرًا فَفَرَّطَ. فَلْيُبادِرِ العَبدُ إِلى بَراءَةِ ذِمَّتِهِ مِنَ الفَرائِضِ، وَلَا يَغتَرَّ بِطُولِ الأَمَلِ.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ اللهَ تَعالى ثَبَّتَ الأَرضَ بِالجِبالِ الرَّواسِي لِئَلَّا تَمِيدَ بِالنّاسِ، وَجَعَلَ فِيهَا الأَنهارَ وَالسُّبُلَ وَالعَلاماتِ، وَجَعَلَ النُّجُومَ سَبَبًا لِلاهتِداءِ فِي الطُّرُقِ، ثُمَّ أَقامَ الحُجَّةَ عَلَى عِبادِ الأَصنامِ بِأَنَّ الخالِقَ لا يُساوِي مَن لا يَخلُقُ، وَذَكَّرَ عِبادَهُ بِأَنَّ نِعَمَهُ لا تُحصَى. فَحَقُّ العَبدِ أَن يَتَفَكَّرَ، وَيَتَّعِظَ، وَيُوَحِّدَ رَبَّهُ، وَيَشكُرَ نِعَمَهُ، وَيَستَعمِلَها فِي طاعَتِهِ، فَإِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.