بسم الله الرحمن الرحيم
﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25)﴾ [النحل: ٢٣-٢٥]
﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُستَكبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣]
قَولُهُ تَعالى: ﴿لا جَرَمَ﴾ مَعناهُ حَقًّا، وَلَا بُدَّ، وَلَا شَكَّ. وَتَرِدُ هٰذِهِ الكَلِمَةُ فِي سِياقِ الجَوابِ وَالتَّحقِيقِ، كَأَن يُقالَ: فَعَلُوا كَذا، لا جَرَمَ أَنَّهُم سَيَندَمُونَ، أَي لا شَكَّ أَنَّهُم سَيَندَمُونَ. وَهٰذِهِ الآيَةُ جارِيَةٌ فِي سِياقِ وَعيدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلمُشرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَآذَوهُ، وَتَآمَرُوا عَلَى دَعوَتِهِ، وَجَعَلُوا القُرآنَ عِضِينَ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿أَنَّ اللهَ يَعلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعلِنُونَ﴾ أَي إِنَّ اللهَ تَعالى يَعلَمُ سِرَّهُم وَعَلانِيَتَهُم، وَما يُخفُونَهُ في صُدُورِهِم، وَما يُظهِرُونَهُ بِأَلسِنَتِهِم وَأَفعالِهِم، وَسَيُجازِيهِم عَلَى ذٰلِكَ. فَالمَعنى: أَيُّها المُشرِكُونَ، إِن أَسرَرتُم عَداوَتَكُم لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، أَو أَعلَنتُمُوها، فَاللهُ يَعلَمُها، وَلا يَخفَى عَلَيهِ مِن أَمركُم شَيءٌ.
وَفِي الآيَةِ وَعيدٌ شَدِيدٌ لِمَن يُدَبِّرُ في السِّرِّ مَكرًا بِدِينِ اللهِ، أَو يُظهِرُ عَداوَتَهُ لِلحَقِّ وَأَهلِهِ. فَقَد كانَ المُشرِكُونَ يَجتَمِعُونَ في دارِ النَّدوَةِ وَغَيرِها، وَيَضَعُونَ الحِيَلَ وَالخُطَطَ لِأَذى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيُحاوِلُونَ صَدَّ النّاسِ عَن دَعوَتِهِ، وَاللهُ تَعالى يَعلَمُ ذٰلِكَ كُلَّهُ، وَلا يَخفَى عَلَيهِ شَيءٌ مِن مَكرِهِم.
وَقَد كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبلَ البِعثَةِ مَعرُوفًا عِندَ قَومِهِ بِالصّادِقِ الأَمِينِ، وَكانُوا يَضَعُونَ أَماناتِهِم عِندَهُ، ثُمَّ لَمّا بَعَثَهُ اللهُ بِالحَقِّ عادَوهُ، وَآذَوهُ، وَسَعَوا في إِطفاءِ نُورِ دَعوَتِهِ. فَهٰذَا شَأنُ أَهلِ الشَّرِّ وَالفِتنَةِ في كُلِّ زَمانٍ، لا يُرِيدُونَ لِنُورِ الإِسلامِ أَن يَظهَرَ، وَلَا لِدَعوَةِ الحَقِّ أَن تَنتَشِرَ، وَلٰكِنَّ اللهَ تَعالى يَعلَمُ مَكرَهُم، وَيُبطِلُ كَيدَ مَن شاءَ مِنهُم.
وَعِلمُ اللهِ تَعالى أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، لا يَطرَأُ عَلَيهِ زِيادَةٌ وَلَا نُقصانٌ، وَلَا تَغَيُّرٌ وَلَا نِسيانٌ. فَهُوَ سُبحانَهُ يَعلَمُ السِّرَّ وَالعَلَنَ، وَالخافِيَ وَالظّاهِرَ، وَما كانَ وَما يَكونُ وَما سَيَكونُ، وَما لا يَكونُ لَو كانَ كَيفَ يَكونُ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُستَكبِرِينَ﴾ فِيهِ تَبكِيتٌ لِهٰؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ؛ لأَنَّ الَّذِي مَنَعَهم مِنَ الإِيمانِ مَعَ ظُهورِ الحَقِّ هُوَ الكِبرُ وَالاستِعلاءُ. فَالكِبرُ آفةٌ خَطِيرَةٌ، وَهُوَ الَّذِي دَفَعَ إِبلِيسَ، لَعَنَهُ اللهُ، إِلى الكُفرِ، حِينَ استَكبَرَ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيهِ السَّلامُ، وَقالَ: أَنا خَيرٌ مِنهُ.
وَالكِبرُ يُعمِي القَلبَ عَن قَبولِ الحَقِّ، فَقَد يَعلَمُ الإِنسانُ أَنَّ الحَقَّ ظاهِرٌ، وَتَقومُ عَلَيهِ الأَدِلَّةُ، ثُمَّ يَردُّهُ لأَنَّ قائِلَهُ أَصغَرُ مِنهُ، أَو أَقَلُّ مالًا أَو جاهًا، أَو لأَنَّهُ نَشَأَ عَلَى خِلافِهِ، أَو تَعَصَّبَ لِشَيخٍ أَو فِرقَةٍ أَو بِيئَةٍ. وَهٰذَا مِن أَخَطَرِ أَمراضِ القُلُوبِ.
وَقَد رُوِيَ أَنَّ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُما مَرَّ بِجَماعَةٍ مِنَ الفُقَراءِ، وَقَدِ اجتَمَعُوا عَلَى كِسَرِ الخُبزِ، فَدَعَوهُ إِلى الأَكلِ مَعَهُم، فَجَلَسَ مَعَهُم وَلَم يَتَكَبَّر عَلَيهِم، وَتَذَكَّرَ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ المُستَكبِرِينَ﴾. ثُمَّ دَعاهُم بَعدَ ذٰلِكَ إِلى دارِهِ؛ لأَنَّهُم دَعَوهُ فَأَجابَهُم، فَأَحَبَّ أَن يُجِيبُوهُ هُم أَيضًا إِذا دَعاهُم. فَهٰذَا مِن أَخلاقِ أَهلِ البَيتِ وَالصّالِحِينَ، تَواضُعٌ وَحُسنُ مُعامَلَةٍ لِلفُقَراءِ.
وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن ماتَ وَفِي قَلبِهِ وَزنُ ذَرَّةٍ مِن كِبرٍ، وَلَا يَدخُلُ النّارَ مَن ماتَ وَفِي قَلبِهِ وَزنُ ذَرَّةٍ مِن إِيمانٍ». فَقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَن يَكونَ ثَوبُهُ حَسَنًا وَنَعلُهُ حَسَنَةً، فَقالَ ﷺ: «الكِبرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمطُ النّاسِ».
فَبَطَرُ الحَقِّ هُوَ رَدُّهُ وَدَفعُهُ مَعَ العِلمِ بِأَنَّهُ حَقٌّ، وَغَمطُ النّاسِ هُوَ احتِقارُهُم وَازدِراؤُهُم. فَلَيسَ الكِبرُ في لُبسِ الثَّوبِ الحَسَنِ أَو النَّعلِ الحَسَنَةِ إِذا كانَ مِن حَلالٍ وَبِغَيرِ خُيَلاءَ، وَإِنَّما الكِبرُ أَن يَردَّ العَبدُ الحَقَّ، وَيَحتَقِرَ عِبادَ اللهِ.
وَقَد كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَكمَلَ النّاسِ تَواضُعًا، وَكانَ يَدعُو فَيَقولُ: «اللَّهُمَّ أَحيِنِي مِسكِينًا، وَأَمِتنِي مِسكِينًا، وَاحشُرنِي فِي زُمرَةِ المَساكِينِ»، أَي اجعَلنِي مِنَ المُتَواضِعِينَ، لا مِنَ المُستَكبِرِينَ. وَقَد قالَ ﷺ: «إِنَّكُم لَتَغفُلُونَ عَن أَفضَلِ العِبادَةِ: التَّواضُعِ».
فَمَن عَرَضَ عَلَيهِ أَخُوهُ المُسلِمُ دَلِيلًا صَحِيحًا مِن كِتابِ اللهِ أَو سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ أَو كَلامِ أَهلِ العِلمِ المُعتَبَرِينَ، فَلَا يَنبَغِي لَهُ أَن يَردَّهُ كِبرًا أَو تَعَصُّبًا. فَلَو قِيلَ لَهُ: إِنَّ اللهَ تَعالى مَوجُودٌ بِلَا مَكانٍ، لأَنَّهُ خالِقُ المَكانِ وَالزَّمانِ، وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كانَ اللهُ وَلَم يَكُن شَيءٌ غَيرُهُ»، ثُمَّ قالَ: هٰذا حَقٌّ وَلٰكِن لا أَقبَلُهُ لأَنِّي تَرَبَّيتُ عَلَى خِلافِهِ، فَهٰذا مِن بَطَرِ الحَقِّ وَالكِبرِ المَذمُومِ.
وَقَد قالَ الإِمامُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: مَن رَفَعَ نَفسَهُ فَوقَ قَدْرِهِ، رَدَّهُ اللهُ إِلى قِيمَتِهِ. وَقالَ بَعضُ أَهلِ اللهِ: مَن لَم يَعرِف مِن نَفسِهِ النُّقصانَ، فَكُلُّ أَحوالِهِ نُقصانٌ. فَالعَبدُ إِذا رَأى نَفسَهُ فَوقَ النّاسِ، كانَ ذٰلِكَ دَليلًا عَلَى نُقصانِهِ لا عَلَى كَمالِهِ.
وَمَعنى قَولِهِ ﷺ: «لا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن ماتَ وَفِي قَلبِهِ وَزنُ ذَرَّةٍ مِن كِبرٍ» أَنَّهُ لا يَدخُلُها مَعَ الأَوَّلِينَ إِذا لَم يَعفُ اللهُ عَنهُ، لا أَنَّهُ يُحرَمُ مِنَ الجَنَّةِ أَبَدًا مَعَ وُجُودِ الإِيمانِ؛ لأَنَّ بَقِيَّةَ الحَدِيثِ دَلَّت عَلَى أَنَّ مَن ماتَ وَفِي قَلبِهِ وَزنُ ذَرَّةٍ مِن إِيمانٍ، فَمَآلُهُ إِلى النَّجاةِ مِنَ الخُلُودِ فِي النّارِ. وَلٰكِنَّ الكِبرَ كَبِيرَةٌ شَدِيدَةٌ تُؤَخِّرُ صاحِبَها عَن دَرَجاتِ السّابِقِينَ.
وَقَد وَرَدَ أَنَّ المُتَكَبِّرِينَ يُحشَرُونَ يَومَ القِيامَةِ فِي صُوَرِ الرِّجالِ، وَلٰكِن فِي حَجمِ الذَّرِّ، يَطَؤُهُمُ النّاسُ بِأَقدامِهِم إِهانَةً لَهُم، ثُمَّ يُعَظَّمُ جُثثُهُم فِي النّارِ لِيَشتَدَّ عَلَيهِمُ العَذابُ. فَمَن تَذَكَّرَ هٰذا، عَلِمَ خَطَرَ الكِبرِ، وَسَأَلَ اللهَ أَن يُطَهِّرَ قَلبَهُ مِنهُ.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُم ماذا أَنزَلَ رَبُّكُم قالُوا أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُم ماذا أَنزَلَ رَبُّكُم﴾ أَي إِذا سُئِلَ هٰؤُلاءِ الكُفّارُ: أَيَّ شَيءٍ أَنزَلَ رَبُّكُم عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ؟ قالُوا جَحْدًا وَعِنادًا: ﴿أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾، أَي أَحادِيثُ الأَوَّلِينَ وَأَباطِيلُهُم، وَواحِدُها أُسطُورَةٌ. وَهٰذَا مِن شِدَّةِ عِنادِهِم، فَقَد سَمِعُوا القُرآنَ وَعَرَفُوا أَنَّهُ لَيسَ مِن كَلامِ البَشَرِ، ثُمَّ وَصَفُوهُ بِما هُوَ مُنَزَّهٌ عَنهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ هٰذا مِن قَولِ المُقتَسِمِينَ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي آخِرِ سُورَةِ الحِجرِ، وَهُمُ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ وَطُرُقَها لِيُحَذِّرُوا القادِمِينَ مِن سَماعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُم يَجلِسُ عَلَى طَرِيقٍ، فَإِذا أَقبَلَ مَن يَطلُبُ الحَجَّ أَو يَفِدُ إِلى مَكَّةَ، حَذَّرَهُ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ وَمِنَ القُرآنِ، وَقالُوا: إِنَّما هُوَ أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ.
وَمِن أَمثِلَةِ هٰؤُلاءِ النَّضرُ بنُ الحارِثِ، وَالوَلِيدُ بنُ المُغِيرَةِ، وَأَبُو لَهَبٍ، وَعُقبَةُ بنُ أَبِي مُعَيطٍ، وَنَحوُهُم مِمَّن آذَوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَسَعَوا فِي تَنفِيرِ النّاسِ مِن دَعوَتِهِ. فَكانَ بَعضُهُم يَقُولُ: هٰذا شِعرٌ، وَبَعضُهُم يَقُولُ: هٰذا سِحرٌ، وَبَعضُهُم يَقُولُ: هٰذِهِ أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ، وَكُلُّ ذٰلِكَ بَهتانٌ وَعِنادٌ.
وَقَد كانَ الوَلِيدُ بنُ المُغِيرَةِ مِمَّن سَمِعَ القُرآنَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَرَقَّ لَهُ، وَعَرَفَ أَنَّ لَهُ حَلاوَةً وَأَنَّ عَلَيهِ طَلاوَةً، وَأَنَّ أَعلاهُ مُثمِرٌ وَأَسفَلَهُ مُغدِقٌ، وَأَنَّهُ يَعلُو وَلَا يُعلَى عَلَيهِ. وَلٰكِنَّ أَبا جَهلٍ وَنَحوَهُ مِن شَياطِينِ الإِنسِ خَوَّفُوهُ مِن أَن يَتبَعَ النّاسُ مُحَمَّدًا ﷺ، فَاستَكبَرَ وَعانَدَ، وَقالَ ما قالَ مِن بُهتانٍ. فَأَذَلَّهُ اللهُ بَعدَ ذٰلِكَ، وَأَرْداهُ بِكُفرِهِ وَكِبرِهِ.
وَكَذٰلِكَ كانَ النَّضرُ بنُ الحارِثِ قَد جَلَبَ مِن أَخبارِ الأُمَمِ وَالحِكاياتِ ما يُشغِلُ بِهِ النّاسَ، فَيُقابِلُ بِهِ دَعوَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَقولُ: هٰذِهِ مِثلُ ما يَأتِي بِهِ مُحَمَّدٌ. وَهٰذا مِنَ التَّلبِيسِ عَلَى النّاسِ، وَمِن صَدِّهِم عَنِ القُرآنِ وَالهُدى.
وَما أَشبَهَ مَن يُنَفِّرُ النّاسَ اليَومَ مِن مَجالِسِ عِلمِ أَهلِ السُّنَّةِ بِأُولٰئِكَ المُقتَسِمِينَ؛ فَقَد يَقولُ بَعضُهُم: لا تَذهَبُوا إِلى مَجالِسِهِم، أَو لا تَسمَعُوا كَلامَهُم، أَو يَرْمُونَ أَهلَ الحَقِّ بِما لَيسَ فِيهِم، كَما كانَ المُشرِكُونَ يَرمُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالسِّحرِ وَالشِّعرِ وَالأَساطِيرِ. وَالحَقُّ لا يَضُرُّهُ تَشويشُ المُشَوِّشِينَ، وَلَا يَخْفَى عَلَى مَن طَلَبَهُ بِإِخلاصٍ.
وَقَد وَقَعَ مِثلُ ذٰلِكَ مَعَ الطُّفَيلِ بنِ عَمرٍو الدَّوسِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، فَحَذَّرَهُ المُشرِكُونَ مِن سَماعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتّى جَعَلَ فِي أُذُنَيهِ قُطنًا لِئَلَّا يَسمَعَ. ثُمَّ رَجَعَ إِلى عَقلِهِ وَقالَ في نَفسِهِ: إِنِّي رَجُلٌ لَبِيبٌ أَعرِفُ الحَسَنَ مِنَ القَبِيحِ، فَلِمَ لا أَسمَعُ مِنهُ؟ فَأَزالَ القُطنَ، فَسَمِعَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ ما هَداهُ اللهُ بِهِ إِلى الإِسلامِ، فَنَطَقَ بِالشَّهادَتَينِ وَأَسلَمَ.
فَهٰؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ قَالُوا: ﴿أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾؛ لِيَصُدُّوا النّاسَ عَن سَماعِ الوَحيِ، وَيَحُولُوا بَينَهُم وَبَينَ النُّورِ الَّذِي جاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَلٰكِنَّ اللهَ يَهدي مَن يَشاءُ، وَيَجعَلُ لِنُورِ الإِسلامِ طَرِيقًا إِلى القُلُوبِ، وَلَو كَرِهَ الكافِرُونَ.
﴿لِيَحمِلُوا أَوزارَهُم كامِلَةً يَومَ القِيامَةِ وَمِن أَوزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيرِ عِلمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]
قَولُهُ تَعالى: ﴿لِيَحمِلُوا أَوزارَهُم كامِلَةً يَومَ القِيامَةِ﴾ أَي إِنَّهم يَحمِلُونَ أَثقالَ ذُنُوبِهِم وَأَوزارَ كُفرِهِم وَعِنادِهِم كامِلَةً يَومَ القِيامَةِ، لا يُنقَصُ مِنها شَيءٌ. فَالكافِرُ إِذا ماتَ عَلَى كُفرِهِ، لَم يَكُن لَهُ في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ تُخفِّفُ عَنهُ، بَل يُجازَى بِكُفرِهِ وَبِما عَمِلَ مِن مَعاصٍ، وَما فَعَلَهُ مِن بِرٍّ في الدُّنيا يُجازى بِهِ في الدُّنيا لا في الآخِرَةِ.
وَقَد قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الكافِرَ لَيُطعَمُ بِحَسَناتِهِ فِي الدُّنيا، فَإِذا أَفضى إِلى الآخِرَةِ لَم يَكُن لَهُ فِيها نَصِيبٌ». فَمَعنى قَولِهِ تَعالى: ﴿كامِلَةً﴾ أَنَّهُم لا يُخفَّفُ عَنهُم مِن أَوزارِهِم بِحَسَنَةٍ تَنفَعُهُم في الآخِرَةِ، لأَنَّ الإِيمانَ شَرطٌ لِقَبولِ العَمَلِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَمِن أَوزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيرِ عِلمٍ﴾ أَي وَيَحمِلُونَ مَعَ أَوزارِهِم أَوزارًا بِسَبَبِ إِضلالِهِم لِغَيرِهِم، فَهُم ضَلُّوا وَأَضَلُّوا، وَالمُضِلُّ وَالضّالُّ شَرِيكانِ فِي الإِثمِ مِن حَيثُ إنَّ المُضِلَّ يَأثَمُ عَلَى إِضلالِهِ، وَالضّالَّ يَأثَمُ عَلَى اتِّباعِهِ الباطِلَ وَتَركِهِ طَلَبَ الحَقِّ. وَلَيسَ مَعنى الآيَةِ أَنَّ الضّالَّ لا يَحمِلُ وِزرَهُ، بَل كُلٌّ يَحمِلُ وِزرَ ما كَسَبَ، وَيَحمِلُ المُضِلُّ زِيادَةً بِسَبَبِ إِضلالِهِ.
وَقَولُهُ: ﴿بِغَيرِ عِلمٍ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنِ اتَّبَعَ الضَّلالَ جَهلًا لا يَكونُ ذٰلِكَ عُذرًا لَهُ في أُصُولِ الإِيمانِ، فَمَن أَنكَرَ وُجُودَ اللهِ، أَو أَنكَرَ صِفَةً واجِبَةً لَهُ، أَو أَنكَرَ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، أَو وَقَعَ في ناقِضٍ مِن نَواقِضِ الإِسلامِ، فَلَا يَنجُو بِدَعوى الجَهلِ في مِثلِ هٰذِهِ الأُصُولِ. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ في ذَهابِ العِلمِ: «إِنَّ اللهَ لا يَقبِضُ العِلمَ انتِزاعًا يَنتَزِعُهُ مِنَ العِبادِ، وَلٰكِن يَقبِضُ العِلمَ بِقَبضِ العُلَماءِ، حَتّى إِذا لَم يُبقِ عالِمًا، اتَّخَذَ النّاسُ رُؤُوسًا جُهّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفتَوا بِغَيرِ عِلمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».
فَالتّابِعُ لِأَهلِ الضَّلالِ لَا يَخرُجُ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِمُجرَّدِ أَنَّهُ تَبِعَ غَيرَهُ، وَالمَتبُوعُ لا يَسلَمُ مِن وِزرِ إِضلالِهِ، بَل يَحمِلُ وِزرَ نَفسِهِ وَوِزرَ ما تَسَبَّبَ فِيهِ مِن ضَلالِ غَيرِهِ. فَلْيَحذَرِ العَبدُ أَن يَكونَ داعِيَةً إِلى ضَلالٍ، أَو أَن يَصُدَّ النّاسَ عَن مَجالِسِ العِلمِ الصَّحِيحِ، أَو أَن يُشَوِّهَ دَعوَةَ أَهلِ الحَقِّ بِالبُهتانِ.
وَمِن هٰذَا البابِ أَيضًا أَنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، أَي أَنَّهُم يُعاقَبُونَ يَومَ القِيامَةِ عَلَى تَركِ ما كانَ يَجبُ عَلَيهِم لَو أَسلَمُوا، مَعَ عِقابِهِم عَلَى الكُفرِ. فَهُم لا يُطالَبُونَ في الدُّنيا بِأَداءِ الصَّلاةِ قَبلَ الدُّخولِ في الإِسلامِ، بَل يُدعَونَ أَوَّلًا إِلى الإِسلامِ، وَلٰكِنَّهُم في الآخِرَةِ يُؤاخَذُونَ عَلَى الكُفرِ وَعَلَى ما تَرَكُوهُ مِنَ الفُرُوعِ. وَهٰذا يَزيدُ بَيانَ مَعنى قَولِهِ تَعالى: ﴿كامِلَةً﴾.
وَلِذٰلِكَ لا يَجوزُ إِعانَةُ الكافِرِ عَلَى كُفرِهِ، وَلَا إِعانَتُهُ عَلَى مَعصِيَةٍ. فَمَن طَلَبَ الإِعانَةَ عَلَى الذَّهابِ إِلى مَكانٍ يُكفَرُ فِيهِ بِاللهِ، أَو عَلَى فِعلِ شَيءٍ مِن شَعائِرِ الكُفرِ، فَلَا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أَن يُعينَهُ عَلَى ذٰلِكَ؛ لأَنَّ الإِعانَةَ عَلَى الكُفرِ كُفرٌ، وَالإِعانَةَ عَلَى المَعصِيَةِ مَعصِيَةٌ. وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الإِثمِ وَالعُدوانِ﴾ [المائدة: ٢]، وَالكُفرُ أَعظَمُ الإِثمِ وَالعُدوانِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ أَي بِئسَ ما يَحمِلُونَهُ مِنَ الأَوزارِ وَالأَثقالِ، فَهِيَ أَوزارُ كُفرٍ وَعِنادٍ وَإِضلالٍ لِغَيرِهِم. فَهٰذَا تَحذِيرٌ شَدِيدٌ لِكُلِّ مَن يَسُنُّ سُنَّةَ ضَلالٍ، أَو يَدعُو إِلى بِدعَةٍ فاسِدَةٍ، أَو يُنفِّرُ النّاسَ مِنَ الحَقِّ.
وَقَد قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن سَنَّ فِي الإِسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجرُها وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِها بَعدَهُ مِن غَيرِ أَن يَنقُصَ مِن أُجُورِهِم شَيءٌ، وَمَن سَنَّ فِي الإِسلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيهِ وِزرُها وَوِزرُ مَن عَمِلَ بِها بَعدَهُ مِن غَيرِ أَن يَنقُصَ مِن أَوزارِهِم شَيءٌ». فَمَن فَتَحَ بابَ خَيرٍ كانَ لَهُ نَصِيبٌ مِن أُجُورِ مَن عَمِلَ بِهِ، وَمَن فَتَحَ بابَ شَرٍّ كانَ عَلَيهِ نَصِيبٌ مِن أَوزارِ مَن تَبِعَهُ.
وَقَد بَيَّنَ الإِمامُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّ البِدعَةَ عَلَى ضَربَينِ: بِدعَةُ هُدى، وَبِدعَةُ ضَلالَةٍ. فَمَا أُحدِثَ مِنَ الخَيرِ بَعدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكانَ مُوافِقًا لِلكِتابِ وَالسُّنَّةِ وَالأَثَرِ وَالإِجماعِ، فَهُوَ بِدعَةُ هُدى، أَو سُنَّةٌ حَسَنَةٌ. وَما أُحدِثَ وَكانَ مُخالِفًا لِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَهُوَ بِدعَةُ ضَلالَةٍ.
وَمِن أَمثِلَةِ السُّنَّةِ الحَسَنَةِ جَمعُ النّاسِ فِي قِيامِ رَمَضانَ عَلَى إِمامٍ واحِدٍ، فَقَد رَأى عُمَرُ بنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ النّاسَ يُصَلُّونَ أَوزاعًا في المَسجِدِ، فَجَمَعَهُم عَلَى أُبَيِّ بنِ كَعبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، ثُمَّ قالَ: نِعمَتِ البِدعَةُ هٰذِهِ. وَمِن ذٰلِكَ أَيضًا الأَذانُ الثّانِي يَومَ الجُمُعَةِ، وَالجَهرُ بِالصَّلاةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعدَ الأَذانِ، وَالاحتِفالُ بِمَولِدِهِ الشَّرِيفِ ﷺ بِما يَشتَمِلُ عَلَى خَيرٍ وَتَعظيمٍ لِشَأنِهِ وَتَعلِيمٍ لِسِيرَتِهِ، مِن غَيرِ مُخالَفَةٍ لِلشَّرعِ.
وَأَمّا البِدعَةُ السَّيِّئَةُ فَمِثلُ بِدَعِ الخَوارِجِ، وَالمُعتَزِلَةِ، وَالمُشَبِّهَةِ، وَمَن يَطعَنُ في مَقامِ النَّبِيِّ ﷺ، أَو يُحَرِّمُ ما أَجمَعَ المُسلِمُونَ عَلَى مَشرُوعِيَّتِهِ، أَو يَصدُّ النّاسَ عَن زِيارَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالتَّبَرُّكِ بِآثارِهِ عَلَى وَجهٍ شَرعِيٍّ. فَمَن سَنَّ ضَلالًا كانَ عَلَيهِ وِزرُهُ وَوِزرُ مَن تَبِعَهُ.
وَمِمّا يُرغِّبُ في السُّنَّةِ الحَسَنَةِ وَالعَمَلِ الصّالِحِ ما وَرَدَ مِن أَنَّ العَبدَ المُؤمِنَ يَأتِيهِ عَمَلُهُ الصّالِحُ يَومَ القِيامَةِ في أَحسَنِ صُورَةٍ وَأَطيَبِ رِيحٍ، فَيُؤنِسُهُ في مَواقِفِ الفَزَعِ، وَيُبَشِّرُهُ، وَيَقولُ لَهُ عِندَ الشِّدَّةِ: لا تَخَف. فَإِذا سَأَلَهُ صاحِبُهُ: مَن أَنتَ؟ قالَ: أَنا عَمَلُكَ الصّالِحُ. فَكَم هُوَ عَظِيمٌ أَن يَجِدَ العَبدُ عَمَلَهُ الصّالِحَ أُنْسًا وَنُورًا وَدِفاعًا عَنهُ يَومَ القِيامَةِ.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ اللهَ تَعالى يَعلَمُ سِرَّ المُكَذِّبِينَ وَعَلانِيَتَهُم، وَأَنَّهُ لا يُحِبُّ المُستَكبِرِينَ الَّذِينَ يَردُّونَ الحَقَّ وَيَحتَقِرُونَ النّاسَ. وَأَنَّ مِن عِنادِ الكُفّارِ أَنَّهُم إِذا سُئِلُوا عَمّا أَنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ قالُوا: هُوَ أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ، صَدًّا لِلنّاسِ عَن سَماعِ القُرآنِ. وَأَنَّهُم يَحمِلُونَ أَوزارَهُم كامِلَةً يَومَ القِيامَةِ، وَيَحمِلُونَ أَوزارًا بِسَبَبِ إِضلالِهِم لِغَيرِهِم، فَبِئسَ ما يَحمِلُونَ مِن أَوزارٍ وَآثامٍ.
﴿لِيَحمِلُوا أَوزارَهُم كامِلَةً يَومَ القِيامَةِ﴾ [النحل: ٢٥]
تَقَدَّمَ أَنَّ اللهَ تَعالى بَيَّنَ في هٰذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ حَالَ الَّذِينَ يُضِلُّونَ النّاسَ وَيَصُدُّونَهُم عَنِ الحَقِّ، فَإِنَّهُم يَأتُونَ يَومَ القِيامَةِ حامِلِينَ أَوزارَهُم هُم كامِلَةً غَيرَ مَنقُوصَةٍ، وَيَحمِلُونَ مَعَ ذٰلِكَ أَوزارًا بِسَبَبِ مَن أَضَلُّوهُم وَدَلُّوهُم عَلَى الشَّرِّ. فَمَن دَلَّ غَيرَهُ عَلَى ضَلالٍ، أَو سَنَّ لَهُ سُنَّةَ شَرٍّ، كانَ عَلَيهِ وِزرُ ما دَعا إِلَيهِ، وَوِزرُ مَن عَمِلَ بِهِ بَعدَهُ، مِن غَيرِ أَن يَنقُصَ مِن أَوزارِ أُولٰئِكَ شَيءٌ.
وَقَد قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن سَنَّ فِي الإِسلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعَلَيهِ وِزرُها وَوِزرُ مَن عَمِلَ بِها بَعدَهُ، مِن غَيرِ أَن يَنقُصَ مِن أَوزارِهِم شَيءٌ». فَالمُضِلُّ يَحمِلُ وِزرَ ضَلالِهِ، وَوِزرَ إِضلالِهِ لِغَيرِهِ، وَأَمّا الَّذِي اتَّبَعَهُ فَهُوَ أَيضًا مُؤاخَذٌ بِاتِّباعِهِ الباطِلَ وَتَركِهِ طَلَبَ الحَقِّ.
وَهٰذَا لا يُعارِضُ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزرَ أُخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ لأَنَّ مَعنى الآيَةِ أَنَّ نَفسًا آثِمَةً لا تُؤخَذُ بِذَنبِ نَفسٍ أُخرى لَم تَتَسَبَّب فِيهِ. أَمّا مَن كانَ سَبَبًا فِي إِضلالِ غَيرِهِ، فَقَد كَسَبَ وِزرًا جَدِيدًا بِدَعوَتِهِ إِلى الشَّرِّ، وَكانَ عَلَيهِ إِثمُ تَسبُّبِهِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى فِي سُورَةِ العَنكَبُوتِ: ﴿وَلَيَحمِلُنَّ أَثقالَهُم وَأَثقالًا مَعَ أَثقالِهِم﴾ [العنكبوت: ١٣].
وَكَمَا أَنَّ الدَّلالَةَ عَلَى الشَّرِّ تُلحِقُ الوِزرَ بِصاحِبِها، فَالدَّلالَةُ عَلَى الخَيرِ تُلحِقُ الأَجرَ بِصاحِبِها. فَمَن عَلَّمَ إِنسانًا فَرضًا عَينِيًّا، أَو دَلَّهُ عَلَى عَقِيدَةِ أَهلِ الحَقِّ، أَو أَخَذَ بِيَدِهِ إِلى مَجلِسِ عِلمٍ، أَو أَعانَهُ عَلَى طاعَةٍ، ثُمَّ انتَفَعَ ذٰلِكَ الإِنسانُ وَنَفَعَ غَيرَهُ، فَلِمَن دَلَّهُ نَصِيبٌ مِن ذٰلِكَ الخَيرِ بِفَضلِ اللهِ تَعالى. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن دَلَّ عَلَى خَيرٍ فَلَهُ مِثلُ أَجرِ فاعِلِهِ».
وَقَد قِيلَ فِي الحَثِّ عَلَى أَن يَكونَ العَبدُ بابًا لِلخَيرِ: كُن بابًا لِلخَيرِ، فَإِن لَم تَستَطِع فَكُن نافِذَةً يَدخُلُ مِنها الضَّوءُ، فَإِن لَم تَستَطِع فَكُن جِدارًا يَستَنِدُ إِلَيهِ المُتعَبُونَ، وَلَا تَلتَفِت إِلى مَن يَلمِزُكَ وَيَطعَنُ فِيكَ؛ فَإِنَّكَ إِن أَحسَنتَ انطَوَت أَلسِنَتُهُم، وَإِن أَسَأتَ سَلَقُوكَ بِأَلسِنَتِهِم. فَليَعمَلِ العَبدُ صالِحًا، وَلْيَطلُب رِضا اللهِ، وَلَا يَجعَل هَمَّهُ ثَناءَ النّاسِ أَو ذَمَّهُم.
وَمِمّا قِيلَ فِي هٰذا المَعنى:
اعمَل لِنَفسِكَ صالِحًا لا تَحتَفِل ~ بِظُهُورِ قِيلٍ فِي الأَنامِ وَقالِ
فَالنّاسُ لا يُرجى اجتِماعُ قُلُوبِهِم ~ لا بُدَّ مِن مُثنٍ عَلَيكَ وَقالِ
وَفِي قَولِهِ تَعالى: ﴿لِيَحمِلُوا أَوزارَهُم كامِلَةً﴾ لَطِيفَةٌ مُهِمَّةٌ، وَهِيَ أَنَّ الكُفّارَ إِذا قَدِمُوا الآخِرَةَ قَدِمُوا بِأَوزارِهِم كامِلَةً لا يُنقَصُ مِنهَا شَيءٌ؛ لأَنَّهُم لا يَنتَفِعُونَ فِي الآخِرَةِ بِعَمَلٍ عَمِلُوهُ فِي الدُّنيا مَعَ فَقدِ الإِيمانِ. أَمّا المُسلِمُ، فَحَسَناتُهُ تَنفَعُهُ بِإِذنِ اللهِ، وَقَد يَغفِرُ اللهُ لَهُ بِحَسَنَةٍ واحِدَةٍ، أَو بِصَدَقَةٍ قَلِيلَةٍ، أَو بِصَلاةٍ، أَو بِصِيامٍ، أَو بِتَوبَةٍ صادِقَةٍ، فَالإِيمانُ شَرطُ قَبولِ العَمَلِ، وَمَن ماتَ عَلَى الإِيمانِ فَهُوَ تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ إِن كانَ عاصِيًا.
وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اتَّقُوا النّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمرَةٍ». فَلا يَنبَغِي لِلمُسلِمِ أَن يَحتَقِرَ شَيئًا مِنَ المَعرُوفِ، فَرُبَّ عَمَلٍ قَلِيلٍ صَدَرَ مِن قَلبٍ مُؤمِنٍ مُخلِصٍ، فَكانَ سَبَبًا فِي نَجاتِهِ. وَقَد جاءَ فِي الأَخبارِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ سَقى بَهِيمَةً فَغَفَرَ اللهُ لَهُ. فَحَسَنَةُ المُؤمِنِ لَهَا وَزنٌ، وَلا يَصحُّ أَن يُقالَ إِنَّ الصَّلاةَ أَو الصِّيامَ أَو الصَّدَقَةَ لا وَزنَ لَها بِسَبَبِ مَعصِيَةٍ وَقَعَ فِيهَا صاحِبُها، ما دامَ لَم يَأتِ بِما يُبطِلُ عَملَهُ أَو يُخرِجُهُ مِنَ الإِيمانِ.
وَمِن هُنا يَظهَرُ بُطلانُ قَولِ مَن يَزعُمُ أَنَّ الصَّلاةَ لا وَزنَ لَها، أَو أَنَّ الصِّيامَ لا وَزنَ لَهُ، إِذا كانَ صاحِبُهُ واقِعًا فِي بَعضِ المَعاصِي. فَهٰذَا كَلامٌ باطِلٌ يُخالِفُ نُصُوصَ الشَّرعِ وَمَنهَجَ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ. نَعَم، الصَّلاةُ مَعَ اجتِنابِ المَعاصِي أَكمَلُ وَأَعظَمُ أَجرًا، وَالصِّيامُ مَعَ حِفظِ اللِّسانِ وَالجَوارِحِ أَكمَلُ وَأَرفَعُ، وَلٰكِن لا يُقالُ إِنَّ صَلاةَ العاصِي لا وَزنَ لَها مُطلَقًا، أَو أَنَّ صِيامَهُ لا يَنفَعُهُ أَصلًا.
وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ الحَسَناتِ يُذهِبنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤]. فَالحَسَنَةُ تَنفَعُ صَاحِبَها بِإِذنِ اللهِ، وَقَد تَكونُ سَبَبًا لِمَحوِ سَيِّئَةٍ أَو رَفعِ دَرَجَةٍ. وَقَد جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ فِي رَجُلٍ كانَ يَقومُ اللَّيلَ، ثُمَّ يُصبِحُ فَيَسرِقُ: «إِنَّ صَلاتَهُ سَتَنهاهُ». وَفِي رِوايَةٍ أَنَّهُ لَمّا تابَ ذٰلِكَ الرَّجُلُ وَانصَلَحَ حالُهُ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ مَعناهُ: أَلَم أَقُل إِنَّ صَلاتَهُ سَتَنهاهُ؟ فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ الصَّلاةَ، مَعَ وُجُودِ مَعصِيَةٍ مِن صاحِبِها، قَد تَكونُ سَبَبًا لِنَجاتِهِ وَرُجُوعِهِ.
وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنهى عَنِ الفَحشاءِ وَالمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وَذَكَرَ أَهلُ التَّفسيرِ أَنَّ صَلاةَ بَعضِ النّاسِ تَنهاهُم عَن كُلِّ الفَحشاءِ وَالمُنكَرِ، وَصَلاةَ بَعضِهِم تَنهاهُم عَن بَعضِ ذٰلِكَ. فَهيَ عَلَى كُلِّ حالٍ خَيرٌ وَسَبَبٌ لِلرُّجُوعِ إِلى اللهِ، إِذا أُدِّيَت عَلَى الوَجهِ الشَّرعِيِّ.
وَمَذهَبُ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ أَنَّ المُسلِمَ لا يَخرُجُ مِنَ الإِسلامِ بِمُجَرَّدِ ارتِكابِ كَبِيرَةٍ ما لَم يَستَحِلَّها. وَقَد قالَ الإِمامُ أَبُو جَعفَرٍ الطَّحاوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «لا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِن أَهلِ القِبلَةِ بِذَنبٍ ما لَم يَستَحِلَّهُ». فَمَن أَكَلَ الرِّبا، أَو شَرِبَ الخَمرَ، أَو عَقَّ والِدَيهِ، أَو وَقَعَ فِي كَبِيرَةٍ، فَهُوَ عاصٍ فاسِقٌ إِن لَم يَتُب، وَلٰكِنَّهُ لا يَكفُرُ بِمُجَرَّدِ ذٰلِكَ ما دامَ مُعتَقِدًا تَحرِيمَهُ، وَلَم يَستَحِلَّ المَعصِيَةَ.
وَخالفَ الخَوارِجُ فَقالُوا: مُرتَكِبُ الكَبِيرَةِ كافِرٌ مُخَلَّدٌ فِي النّارِ، وَخالَفَتِ المُعتَزِلَةُ فَقالُوا: إِنَّهُ فِي مَنزِلَةٍ بَينَ المَنزِلَتَينِ، لا مُؤمِنٌ وَلا كافِرٌ، وَهُوَ مُخَلَّدٌ فِي النّارِ. وَكِلا القَولَينِ باطِلٌ، وَالصَّوابُ ما عَلَيهِ أَهلُ السُّنَّةِ مِن أَنَّهُ مُؤمِنٌ عاصٍ، تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ، إِن شاءَ عَفا عَنهُ، وَإِن شاءَ عَذَّبَهُ، ثُمَّ مَآلُهُ إِلى الجَنَّةِ ما دامَ ماتَ عَلَى الإِيمانِ.
وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ ما دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. فَما دُونَ الشِّركِ تَحتَ مَشِيئَةِ اللهِ تَعالى، لا يَجوزُ أَن يُحكَمَ عَلَى صاحِبِهِ بِالخُلُودِ فِي النّارِ، وَلَا أَن تُهدَمَ أَعمالُهُ الصّالِحَةُ بِمُجرَّدِ مَعصِيَةٍ. وَالحَسَناتُ لَها وَزنُها، وَالمَعاصِي لَها خَطَرُها، وَالعَبدُ بَينَ خَوفٍ وَرَجاءٍ.
وَمِن هُنا لا يُقالُ لِلمُسلِمِ العاصِي: لا تُصَلِّ، أَو لا تَصُم، أَو عَمَلُكَ لا وَزنَ لَهُ؛ بَل يُقالُ لَهُ: تُب مِن مَعصِيَتِكَ، وَحافِظ عَلَى صَلاتِكَ، وَصُم رَمَضانَ، وَأَدِّ ما أَوجَبَ اللهُ عَلَيكَ، فَلَعَلَّ هٰذِهِ الطّاعاتِ تَكونُ سَبَبًا لِهِدايَتِكَ وَنَجاتِكَ. وَالصَّلاةُ عَمُودُ الدِّينِ، وَالزَّكاةُ قَنطَرَةُ الإِسلامِ، وَالصَّومُ فَريضَةٌ عَظِيمَةٌ، وَالحَجُّ رُكنٌ لِمَنِ استَطاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا.
وَقَد قالَ اللهُ تَعالى فِي أَوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقناهُم يُنفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِما أُنزِلَ إِلَيكَ وَما أُنزِلَ مِن قَبلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُم يُوقِنُونَ (٤) أُولٰئِكَ عَلَى هُدًى مِن رَبِّهِم وَأُولٰئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٣-٥]. فَذَكَرَ الإِيمانَ، وَإِقامَةَ الصَّلاةِ، وَالإِنفاقَ، وَاليَقِينَ بِالآخِرَةِ، وَوَصَفَ أَهلَ ذٰلِكَ بِالهُدى وَالفَلاحِ. فَكَيفَ يُقالُ بَعدَ ذٰلِكَ إِنَّ الصَّلاةَ وَالصِّيامَ لا وَزنَ لَهُما؟
وَقَد ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ فَضلُ الصِّيامِ وَالحَجِّ وَالعُمرَةِ وَالصَّلاةِ، فَمِن ذٰلِكَ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن صامَ رَمَضانَ إِيمانًا وَاحتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ»، وَقَولُهُ ﷺ فِي الحَجِّ: «مَن حَجَّ فَلَم يَرفُث وَلَم يَفسُق رَجَعَ كَيَومِ وَلَدَتهُ أُمُّهُ». فَهٰذِهِ النُّصُوصُ كُلُّها تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطّاعاتِ لَها أَثرٌ عَظِيمٌ فِي مَحوِ الذُّنُوبِ وَرَفعِ الدَّرَجاتِ، إِذا أُدِّيَت عَلَى وَجهِها مَعَ الإِيمانِ.
نَعَم، مَن صامَ وَهُوَ يَكذِبُ، أَو يَغتابُ، أَو يَقَعُ فِي الحَرامِ، فَصِيامُهُ ناقِصُ الأَجرِ، وَهُوَ آثِمٌ بِمَعصِيَتِهِ، وَقَد يَحرِمُ نَفسَهُ مِن كَمالِ الثَّوابِ. وَلٰكِن لا يُقالُ إِنَّ صِيامَهُ بَطَلَ بِمُجرَّدِ الكَذِبِ أَو الغِيبَةِ، وَلَا يُقالُ إِنَّهُ يَجبُ عَلَيهِ قَضاءُ ذٰلِكَ اليَومِ لِمُجرَّدِ هٰذِهِ المَعصِيَةِ، إِلَّا إِذا أَتَى بِمُبطِلٍ مِن مُبطِلاتِ الصَّومِ المَعروفَةِ فِي الفِقهِ. وَكَذٰلِكَ الصَّلاةُ، فَلَها شُرُوطُ صِحَّةٍ وَمُبطِلاتٌ مَعرُوفَةٌ، وَلَيسَ كُلُّ ذَنبٍ خارِجَها مُبطِلًا لَها.
فَالعِباداتُ تُؤدَّى وَتُحافَظُ عَلَيها، وَالمَعاصِي تُجتَنَبُ وَيُتابُ مِنها، وَلَا يُجعَلُ وُقوعُ العَبدِ فِي ذَنبٍ سَبَبًا لِتَهوِينِ شَأنِ الصَّلاةِ أَو الصِّيامِ أَو الزَّكاةِ أَو الحَجِّ. فَمَن هَوَّنَ أَمرَ الصَّلاةِ وَقالَ إِنَّها لا وَزنَ لَها، فَقَد قالَ قَولًا مُنكَرًا، وَخالفَ كِتابَ اللهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ ﷺ وَمَنهَجَ أَهلِ العِلمِ.
﴿وَمِن أَوزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيرِ عِلمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَمِن أَوزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيرِ عِلمٍ﴾ فِيهِ تَحذِيرٌ مِن خَطَرِ الإِضلالِ وَالفَتوى بِغَيرِ عِلمٍ، وَتَرويجِ الأَقوالِ الفاسِدَةِ بَينَ النّاسِ. فَمَن تَصَدَّرَ لِلنّاسِ بِغَيرِ عِلمٍ، أَو تَكلَّمَ فِي دِينِ اللهِ بِرَأيِهِ، أَو هَوَّنَ شَأنَ الفَرائِضِ، أَو لَبَّسَ عَلَى العَوَامِّ، فَهُوَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ؛ لأَنَّهُ لا يَحمِلُ وِزرَ نَفسِهِ فَقَط، بَل يَحمِلُ أَيضًا وِزرَ مَن أَضلَّهُ بِقَولِهِ وَفِعلِهِ.
وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ لا يَقبِضُ العِلمَ انتِزاعًا يَنتَزِعُهُ مِنَ العِبادِ، وَلٰكِن يَقبِضُ العِلمَ بِقَبضِ العُلَماءِ، حَتّى إِذا لَم يَبقَ عالِمٌ، اتَّخَذَ النّاسُ رُؤُوسًا جُهّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفتَوا بِغَيرِ عِلمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا». فَهذا مَحلُّ الخَطَرِ: رُؤُوسٌ جُهّالٌ يَتَكَلَّمُونَ فِي دِينِ اللهِ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ أَي بِئسَ ما يَحمِلُونَ مِن أَوزارٍ وَأَثقالٍ. فَمِن شِدَّةِ الأَمرِ أَنَّ العَمَلَ القَبِيحَ يُمثَّلُ لِصاحِبِهِ يَومَ القِيامَةِ فِي صُورَةٍ قَبِيحَةٍ وَرائِحَةٍ مُنتِنَةٍ، فَيَكونُ وَبالًا عَلَيهِ، وَيُخَوِّفُهُ عِندَ كُلِّ فَزَعٍ، وَيَقولُ لَهُ: أَنا عَمَلُكَ الفاحِشُ، قَد كُنتَ فِي الدُّنيا قَبِيحًا مُنتِنًا، فَجِئتُكَ اليَومَ فِي هٰذِهِ الصُّورَةِ. ثُمَّ يَركَبُهُ وَيُثقِلُهُ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَيَحمِلُنَّ أَثقالَهُم وَأَثقالًا مَعَ أَثقالِهِم﴾ [العنكبوت: ١٣].
وَقَد جاءَ فِي المَعنى أَنَّ العَمَلَ يَدخُلُ مَعَ صاحِبِهِ القَبرَ، وَيُحشَرُ مَعَهُ، وَيُسأَلُ العَبدُ عَنهُ. فَإِن كانَ صالِحًا آنَسَهُ وَأَكرَمَهُ، وَإِن كانَ فاحِشًا أَوحَشَهُ وَأَسلَمَهُ. فَلَا يُؤنِسُ العَبدَ فِي قَبرِهِ عَلَى سَبِيلِ العادَةِ إِلَّا عَمَلُهُ، إِمّا عَمَلٌ صالِحٌ يَكونُ لَهُ نُورًا وَأُنسًا، وَإِمّا عَمَلٌ قَبِيحٌ يَكونُ عَلَيهِ وَحشَةً وَوَبالًا.
وَقَد رُوِيَ فِي بَعضِ الآثارِ أَنَّ التَّوبَةَ تُمثَّلُ يَومَ القِيامَةِ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ وَرائِحَةٍ طَيِّبَةٍ، فَيَراها المُؤمِنُونَ وَيَنتَفِعُونَ بِها، وَأَمّا مَن أَعرَضَ عَنها فِي الدُّنيا وَأَصَرَّ عَلَى المَعصِيَةِ، فَيَتحَسَّرُ حِينَ لا يَنفَعُهُ التَّحَسُّرُ، وَيُقالُ لَهُ: ذَهَبَت أَيّامُ المُهلَةِ، وَانقَضى زَمانُ التَّوبَةِ. فَبابُ التَّوبَةِ مَفتُوحٌ ما دامَ العَبدُ فِي الدُّنيا، فَلا يَنبَغِي لَهُ أَن يُؤخِّرَها أَو يَغتَرَّ بِالأَمَلِ.
وَمِمّا يُرغِّبُ فِي العَمَلِ الصّالِحِ أَنَّ المُؤمِنَ يَحتاجُ يَومَ القِيامَةِ إِلى كُلِّ حَسَنَةٍ، فَرُبَّ حَسَنَةٍ واحِدَةٍ تُرجِّحُ كِفَّةَ الحَسَناتِ، وَرُبَّ صَدَقَةٍ قَلِيلَةٍ أَنقَذَت صاحِبَها، وَرُبَّ كَلِمَةِ ذِكرٍ أَشرَقَ لَهُ بِها نُورٌ فِي المَوقِفِ. فَلَا يَشبَعُ العَبدُ مِنَ الحَسَناتِ، وَلَا يَحتَقِرُ مِنَ المَعرُوفِ شَيئًا.
وَمِن أَعظَمِ ما يَنفَعُ العَبدَ الصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَد جاءَ فِي الآثارِ أَنَّها تَكونُ سَبَبًا لِلنَّجاةِ وَالرَّحمَةِ وَرَجحانِ الحَسَناتِ. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بُعدًا لِمَن أَدرَكَ رَمَضانَ وَلَم يُغفَر لَهُ، وَبُعدًا لِمَن ذُكِرتُ عِندَهُ فَلَم يُصَلِّ عَلَيَّ، وَبُعدًا لِمَن أَدرَكَ أَبَوَيهِ شَيخَينِ كَبِيرَينِ فَلَم يَدخُل بِهِما الجَنَّةَ». فَلْيُكثِرِ المُؤمِنُ مِنَ الصَّلاةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلْيَغتَنِم أَيّامَ العُمرِ قَبلَ الفَواتِ.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ الَّذِينَ يُضِلُّونَ النّاسَ يَحمِلُونَ أَوزارَهُم كامِلَةً يَومَ القِيامَةِ، وَيَحمِلُونَ أَوزارًا بِسَبَبِ إِضلالِهِم لِغَيرِهِم، وَأَنَّ هٰذَا لا يُعارِضُ أَنَّ كُلَّ نَفسٍ تُحاسَبُ عَلَى ما كَسَبَت؛ لأَنَّ المُضِلَّ كَسَبَ وِزرَ الإِضلالِ. وَفِي الآيَةِ تَحذِيرٌ مِنَ الفَتوى بِغَيرِ عِلمٍ، وَمِن تَحقِيرِ الفَرائِضِ، وَمِن الدَّعوَةِ إِلى الضَّلالِ. وَفِيهَا أَيضًا تَذكِيرٌ بِأَنَّ حَسَناتِ المُسلِمِ تَنفَعُهُ بِإِذنِ اللهِ، وَأَنَّ الصَّلاةَ وَالصِّيامَ وَالصَّدَقَةَ وَسائِرَ الطّاعاتِ لَها وَزنٌ عَظِيمٌ، فَلْيُحافِظِ العَبدُ عَلَيها، وَلْيَتُب مِن ذُنُوبِهِ، وَلْيَسأَلِ اللهَ عَمَلًا صالِحًا يُؤنِسُهُ فِي قَبرِهِ وَيَومَ قِيامَتِهِ.