بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (26) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوْا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29)﴾ [النحل: ٢٦-٢٩]
﴿قَد مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم فَأَتَى اللهُ بُنيانَهُم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقفُ مِن فَوقِهِم وَأَتاهُمُ العَذابُ مِن حَيثُ لا يَشعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦]
يُبَيِّنُ اللهُ تَعالى في هٰذِهِ الآيَةِ أَنَّ مَكرَ الكُفّارِ بِالأَنبِياءِ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ لَيسَ أَمرًا جَدِيدًا، بَل قَد سَبَقَهُم إِلَيهِ كُفّارُ الأُمَمِ الماضِيَةِ، فَمَكَرُوا بِأَنبِيائِهِم، وَكادُوا لَهُم، وَأَرادُوا إِيصالَ الضَّرَرِ إِلَيهِم بِطُرُقٍ خَفِيَّةٍ خَبِيثَةٍ. فَالمَكرُ إِذا أُضِيفَ إِلى المَخلُوقِينَ فَهُوَ الخِداعُ وَالتَّدبِيرُ الخَفِيُّ لِإِيصالِ السُّوءِ إِلى الغَيرِ، وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «المَكرُ وَالخَدِيعَةُ فِي النّارِ».
أَمّا إِذا أُضِيفَ المَكرُ إِلى اللهِ تَعالى، كَقَولِهِ سُبحانَهُ: ﴿وَيَمكُرُونَ وَيَمكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، فَلَيسَ المَعنى أَنَّ المَكرَ صِفَةٌ لِلهِ عَلَى مَعنى الخِداعِ وَالخُبثِ، فَاللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَن صِفاتِ النَّقصِ، وَإِنَّما المَعنى أَنَّهُ يُجازِي الماكِرِينَ عَلَى مَكرِهِم، وَيُبطِلُ كَيدَهُم، وَيَرُدُّ عَلَيهِم شَرَّهُم، وَيُوقِعُ بِهِم عُقُوبَتَهُ مِن حَيثُ لا يَشعُرُونَ.
وَمِن أَمثِلَةِ ذٰلِكَ ما كانَ مِن قَومِ صالِحٍ عَلَيهِ السَّلامُ، فَقَد مَكَرُوا بِنَبِيِّ اللهِ صالِحٍ، وَأَرادُوا قَتلَهُ، وَتَعَرَّضُوا لِناقَةِ اللهِ، فَجازاهُمُ اللهُ عَلَى مَكرِهِم، وَسَلَّطَ عَلَيهِم مِن أَنواعِ العَذابِ ما أَهلَكَهُم. وَكَذٰلِكَ قَومُ لُوطٍ عَلَيهِ السَّلامُ مَكَرُوا بِنَبِيِّهِم وَأَرادُوا السُّوءَ بِضُيُوفِهِ، فَعاقَبَهُمُ اللهُ بِعَذابٍ شَدِيدٍ، فَرَفَعَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ قُراهُم بِأَمرِ اللهِ، ثُمَّ جَعَلَ اللهُ عالِيَها سافِلَها، وَأَمطَرَ عَلَيهِم حِجارَةً مُسَوَّمَةً.
وَكَذٰلِكَ كادَ المُشرِكُونَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمَكَرُوا لَهُ فِي مَكَّةَ، وَتَآمَرُوا عَلَى قَتلِهِ، وَسَعَوا فِي إِطفاءِ نُورِ دَعوَتِهِ. وَمَعَ ذٰلِكَ حَفِظَهُ اللهُ، وَنَصَرَهُ، وَأَعزَّ دِينَهُ، وَأَظهَرَ نُورَ الإِسلامِ. فَهٰذِهِ الآيَةُ فِيهَا تَسلِيَةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَتَثبِيتٌ لِلمُؤمِنِينَ، أَنَّ مَكرَ أَهلِ الباطِلِ لَيسَ جَدِيدًا، وَأَنَّ اللهَ أَقدَرُ عَلَى رَدِّ كَيدِهِم وَإِبطالِ مَكرِهِم.
وَقَد كانَ مَكرُ الكُفّارِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مُتَنَوِّعًا، فَمِنهم مَن حاوَلَ قَتلَهُ، وَمِنهم مَن آذاهُ، وَمِنهم مَن كادَ لَهُ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ. وَمِن ذٰلِكَ ما وَقَعَ مِن بَعضِ اليَهُودِ في خَيبَرَ، حِينَ وُضِعَ السُّمُّ لَهُ فِي الشّاةِ، وَقَد أَعلَمَهُ اللهُ بِذٰلِكَ، وَحَفِظَهُ حَتّى بَلَّغَ الرِّسالَةَ وَأَدّى الأَمانَةَ، ثُمَّ كانَ أَثَرُ ذٰلِكَ مِن جُملَةِ ما أَكرَمَهُ اللهُ بِهِ مِن رَفعِ الدَّرَجاتِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَأَتَى اللهُ بُنيانَهُم مِنَ القَواعِدِ﴾ مَعناهُ أَتى أَمرُ اللهِ بُنيانَهُم مِن جِهَةِ قَواعِدِهِ، فَأَهلَكَهُمُ اللهُ مِن حَيثُ كانُوا يَظُنُّونَ القُوَّةَ وَالثَّباتَ. فَلَيسَ المُرادُ إِتيانَ انتقالٍ وَحَرَكَةٍ؛ لأَنَّ اللهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالانتِقالِ وَسائِرِ صِفاتِ المَخلُوقِينَ، بَل المُرادُ أَتى أَمرُهُ وَعَذابُهُ وَآثارُ قُدرَتِهِ.
وَمِن هٰذا البابِ ما رُوِيَ عَنِ الإِمامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] أَنَّهُ أَوَّلَهُ بِمَعنى: جاءَ أَمرُهُ، أَو جاءَت آثارُ قُدرَتِهِ. فَكَذٰلِكَ قَولُهُ تَعالى: ﴿فَأَتَى اللهُ بُنيانَهُم﴾ مَعناهُ أَتى أَمرُ اللهِ وَعَذابُهُ، لا أَنَّ اللهَ يَنتَقِلُ مِن مَكانٍ إِلى مَكانٍ، فَهُوَ خالِقُ المَكانِ وَالزَّمانِ، وَكانَ مَوجُودًا قَبلَ خَلقِهِما بِلَا مَكانٍ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿مِنَ القَواعِدِ﴾ أَي مِن أُصُولِ البُنيانِ وَأَساسِهِ، وَالقَواعِدُ هِيَ الأُسُسُ وَالأَساطِينُ الَّتِي يَقومُ عَلَيهَا البِناءُ. فَجاءَهُمُ الهَلاكُ مِن جِهَةِ ما كانوا يَظُنُّونَهُ مَوضعَ القُوَّةِ وَالمَنعَةِ، فَتَزَلزَلَت قَواعِدُهُم، وَسَقَطَ عَلَيهِم سَقفُهُم، وَصارَ ما بَنَوهُ لِلحِفظِ وَالمَنعَةِ سَبَبًا لِهَلاكِهِم.
وَقَد قِيلَ فِي تَفسيرِ هٰذِهِ الآيَةِ: إِنَّهَا تَمثِيلٌ لِمَن دَبَّرَ مَكرًا، فَجَعَلَ اللهُ تَدمِيرَهُ مِن جِهَةِ تَدبِيرِهِ، كَقَومٍ بَنَوا بُنيانًا عَظيمًا، وَدَعَّمُوهُ بِالأَساطِينِ، فَأُتِيَ ذٰلِكَ البُنيانُ مِن أَساطِينِهِ، فَخَرَّ السَّقفُ عَلَيهِم. وَقِيلَ: المُرادُ بِذٰلِكَ نَمرُودُ بنُ كَنعانَ، حِينَ بَنى صَرحًا عَظيمًا فِي بابِلَ، وَتَجَبَّرَ وَادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ، فَأَهلَكَهُ اللهُ وَقَومَهُ، وَجَعَلَ عُقُوبَتَهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ.
وَنَمرُودُ هٰذا مِمَّن تَجَبَّرُوا فِي الأَرضِ، وَادَّعَى الأُلُوهِيَّةَ، وَعانَدَ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ، مَعَ ما أَقامَهُ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلامُ مِنَ الحُجَجِ عَلَى بُطلانِ عِبادَةِ الشَّمسِ وَالقَمَرِ وَالكَواكِبِ وَالأَصنامِ. وَقَد أَرادَ قَومُهُ أَن يُحرِقُوا إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلامُ، فَجَعَلَ اللهُ النّارَ عَلَيهِ بَردًا وَسَلامًا، وَأَظهَرَ لَهُم آيَةً عَظِيمَةً، ثُمَّ مَعَ ذٰلِكَ بَقِيَ مَن بَقِيَ عَلَى العِنادِ وَالكُفرِ.
وَقَد ذُكِرَ فِي أَخبارِ نَمرُودَ أَنَّ اللهَ سَلَّطَ عَلَيهِ ذُبابَةً دَخَلَت فِي مَنخِرِهِ، فَبَقِيَ يَتَأَلَّمُ مِنها مُدَّةً طَوِيلَةً، حَتّى كانَ يَطلُبُ مِمَّن حَولَهُ أَن يَضرِبُوا رَأسَهُ لِيَخِفَّ أَلَمُهُ. فَانظُر إِلى مَن ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ كَيفَ أَذَلَّهُ اللهُ بِأَضعَفِ جُندِهِ. فَمَن تَجَبَّرَ عَلَى اللهِ وَعادَى أَنبِياءَهُ، فَاللهُ قادِرٌ عَلَى أَن يُهلِكَهُ بِأَحقَرِ سَبَبٍ عِندَ النّاسِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقفُ مِن فَوقِهِم﴾ أَي سَقَطَ عَلَيهِم مَا كانوا يَستَظِلُّونَ بِهِ وَيَطمَئِنُّونَ إِلَيهِ. وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَأَتاهُمُ العَذابُ مِن حَيثُ لا يَشعُرُونَ﴾ أَي جاءَهُمُ العَذابُ مِن جِهَةٍ لا يَحتَسِبُونَها، وَفِي وَقتٍ لا يَتَوَقَّعُونَهُ، وَبِسَبَبٍ لَم يَكُن يَخطُرُ لَهُم. فَمَن مَكَرَ بِدِينِ اللهِ فَلْيَعلَم أَنَّ اللهَ يَراهُ، وَأَنَّ كَيدَهُ لا يَخرُجُ عَن مَشِيئَةِ اللهِ وَقُدرَتِهِ.
وَفِي الآيَةِ تَذكِيرٌ لِلعِبادِ بِأَحوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وَأَنَّ مَن طَغَى وَتَجَبَّرَ وَكفَرَ، فَإِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلَى أَخذِهِ. فَكَم مِن أُمَمٍ كانَت تَملِكُ القُوَّةَ وَالبُنيانَ وَالعَدَدَ، ثُمَّ صارَت تُرابًا يُمشَى عَلَيهِ. وَمَن تَأَمَّلَ الأَرضَ عَلِمَ أَنَّ ما عَلَيها زائِلٌ، وَأَنَّ مَن فَوقَ التُّرابِ سَيَصِيرُ تَحتَ التُّرابِ، وَأَنَّ العاقِبَةَ لِمَن اتَّقَى اللهَ وَثَبَتَ عَلَى الحَقِّ.
﴿ثُمَّ يَومَ القِيامَةِ يُخزِيهِم وَيَقُولُ أَينَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنتُم تُشاقُّونَ فِيهِم قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ إِنَّ الخِزيَ اليَومَ وَالسُّوءَ عَلَى الكافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧]
بَعدَ أَن ذَكَرَ اللهُ تَعالى ما يُعَجِّلُهُ لِبَعضِ الكافِرِينَ مِنَ العُقُوبَةِ فِي الدُّنيا، ذَكَرَ ما يَكونُ لَهُم فِي الآخِرَةِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ يَومَ القِيامَةِ يُخزِيهِم﴾، أَي يُذِلُّهُم وَيُهِينُهُم وَيُظهِرُ فَضِيحَتَهُم عَلَى رُؤُوسِ الخَلائِقِ. فَعَذابُ الدُّنيا، مَهما عَظُمَ، لا يُساوِي شَيئًا إِذا قِيسَ بِعَذابِ الآخِرَةِ وَخِزيِها.
فَالكافِرُ فِي يَومِ القِيامَةِ لا يَجِدُ راحَةً، بَل يَنتَقِلُ مِن ذُلٍّ إِلى ذُلٍّ، وَمِن فَزَعٍ إِلى فَزَعٍ، وَمِن فَضِيحَةٍ إِلى فَضِيحَةٍ، ثُمَّ مَآلُهُ إِلى جَهَنَّمَ خالِدًا فِيهَا أَبَدًا إِن ماتَ عَلَى الكُفرِ. وَغَمسَةٌ واحِدَةٌ فِي نارِ جَهَنَّمَ تُنسِي أَكثَرَ أَهلِ الدُّنيا تَنَعُّمًا كُلَّ نَعِيمٍ تَنَعَّمَهُ فِي الدُّنيا.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ أَينَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنتُم تُشاقُّونَ فِيهِم﴾ هُوَ مِن بابِ التَّوبِيخِ وَالتَّهَكُّمِ بِهِم، أَي أَينَ الَّذِينَ زَعَمتُم أَنَّهُم شُرَكاءُ لِي؟ أَينَ الأَصنامُ وَالمَعبُوداتُ الَّتِي كُنتُم تُخاصِمُونَ المُؤمِنِينَ مِن أَجلِها، وَتُعادُونَهُم بِسَبَبِها؟ فَالإِضافَةُ فِي قَولِهِ: ﴿شُرَكائِيَ﴾ لِحِكايَةِ زَعمِهِم، لا لِأَنَّ لِلهِ شَريكًا حَقيقِيًّا، فَاللهُ تَعالى واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.
وَمَعنى ﴿تُشاقُّونَ فِيهِم﴾ أَي تُعادُونَ وَتُخاصِمُونَ أَهلَ الإِيمانِ فِي شَأنِهِم. وَقُرِئَ أَيضًا: ﴿تُشاقُّونِ﴾، أَي تُشاقُّونَنِي فِيهِم، وَذٰلِكَ لِأَنَّ مُشاقَّةَ المُؤمِنِينَ فِي دِينِ اللهِ مُشاقَّةٌ لِما أَمرَ اللهُ بِهِ، وَفِيهِ تَعظِيمٌ لِشَأنِ أَهلِ الإِيمانِ وَنُصرَةِ دِينِ اللهِ.
ثُمَّ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ إِنَّ الخِزيَ اليَومَ وَالسُّوءَ عَلَى الكافِرِينَ﴾. وَقِيلَ: الَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ هُمُ الأَنبِياءُ وَالعُلَماءُ مِن أُمَمِهِم، الَّذِينَ كانُوا يَدعُونَ النّاسَ إِلى الإِيمانِ وَيَعِظُونَهُم، فَكانَ الكُفّارُ يُعرضُونَ وَيَستَكبِرُونَ. وَقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ. وَالمَعنى أَنَّ أَهلَ العِلمِ يَقولُونَ يَومَ القِيامَةِ: إِنَّ الفَضِيحَةَ وَالعَذابَ فِي هٰذا اليَومِ عَلَى الكافِرِينَ.
وَقَولُهُم: ﴿إِنَّ الخِزيَ اليَومَ وَالسُّوءَ عَلَى الكافِرِينَ﴾ فِيهِ بَيانٌ أَنَّ الخِزيَ الكامِلَ وَالعَذابَ الدّائِمَ إِنَّما هُوَ عَلَى مَن ماتَ عَلَى الكُفرِ. أَمّا أَهلُ الإِيمانِ وَالتَّقوى، فَلَا خِزيَ عَلَيهِم فِي ذٰلِكَ اليَومِ، بَل يُكرِمُهُمُ اللهُ وَيَستُرُهُم وَيُدخِلُهُم جَنَّتَهُ. وَالعَبدُ العاقِلُ يَخافُ فَضِيحَةَ الآخِرَةِ أَكثَرَ مِن خَوفِهِ فَضِيحَةَ الدُّنيا، لأَنَّ فَضِيحَةَ الدُّنيا تَزُولُ، وَأَمّا فَضِيحَةُ الآخِرَةِ فَهِيَ عَلَى رُؤُوسِ الأَشهادِ إِن لَم يَستُرِ اللهُ العَبدَ.
فَمَن عَلِمَ أَنَّهُ مَوقُوفٌ بَينَ يَدَيِ اللهِ، وَأَنَّهُ مَسؤولٌ عَن عَملِهِ، وَأَنَّ السِّرَّ قَد يَصِيرُ عَلَانِيَةً يَومَ القِيامَةِ، فَلْيُبادِر إِلى التَّوبَةِ، وَلْيُصلِح ما بَينَهُ وَبَينَ اللهِ، وَلْيَردَّ المَظالِمَ إِلى أَهلِها، وَلْيَنصُرِ الحَقَّ ما استَطاعَ، قَبلَ أَن يَفوتَ الأَوانُ.
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أَنفُسِهِم فَأَلقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنتُم تَعمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨]
قَولُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أَنفُسِهِم﴾ أَي هٰؤُلاءِ الكافِرُونَ الَّذِينَ تَقبِضُ المَلائِكَةُ أَرواحَهُم، وَهُم ظالِمُونَ أَنفُسَهُم بِالكُفرِ وَالعِنادِ. وَأَكبَرُ الظُّلمِ هُوَ الكُفرُ بِاللهِ، فَلا ظُلمَ أَعظَمُ مِن أَن يَعبُدَ العَبدُ غَيرَ اللهِ، أَو يُكَذِّبَ رَسُولًا مِن رُسُلِهِ، أَو يَجحَدَ حَقًّا ثَبَتَ مِن دِينِهِ.
وَمَلَكُ المَوتِ عِزرائِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ هُوَ المُوَكَّلُ بِقَبضِ الأَرواحِ، وَلَهُ أَعوانٌ مِنَ المَلائِكَةِ بِأَمرِ اللهِ. وَإِذا قُبِضَت رُوحُ الكافِرِ، لَم تَلبَث فِي يَدِ مَلَكِ المَوتِ، بَل تَتَناوَلُها مَلائِكَةُ العَذابِ، فَتَكونُ عَلَى أَسوَإِ حالٍ، وَالعِياذُ بِاللهِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَأَلقَوُا السَّلَمَ﴾ أَي أَظهَرُوا الاستِسلامَ وَالانقِيادَ حِينَ رَأَوا العَذابَ وَأُسقِطَ فِي أَيدِيهِم، وَصارُوا يُرِيدُونَ التَّنَصُّلَ مِمّا كانوا عَلَيهِ. فَقالُوا: ﴿ما كُنّا نَعمَلُ مِن سُوءٍ﴾، أَي جَحَدُوا ما كانُوا عَلَيهِ مِنَ الكُفرِ وَالعَداوَةِ وَالمَكرِ، وَزَعَمُوا أَنَّهُم ما عَمِلُوا سُوءًا.
وَلٰكِن لا يَنفَعُهُم ذٰلِكَ الجُحُودُ؛ فَاللهُ تَعالى يَعلَمُ ما كانوا يَعمَلُونَ، وَتَشهَدُ عَلَيهِم جَوارِحُهُم يَومَ القِيامَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿اليَومَ نَختِمُ عَلى أَفواهِهِم وَتُكَلِّمُنا أَيدِيهِم وَتَشهَدُ أَرجُلُهُم بِما كانُوا يَكسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]. فَإِذا أَنكَرَ العَبدُ ما عَمِلَ، أَنطَقَ اللهُ جَوارِحَهُ، فَشَهِدَت عَلَيهِ بِما كانَ يَفعَلُ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿بَلى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كُنتُم تَعمَلُونَ﴾ رَدٌّ عَلَيهِم، أَي بَلى، قَد عَمِلتُمُ السُّوءَ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِما كُنتُم تَعمَلُونَ، لا يَخفَى عَلَيهِ مِن أَقوالِكُم وَأَفعالِكُم وَنِيّاتِكُم شَيءٌ، وَسَيُجازِيكُم عَلَيهِ. فَلا يَنفَعُ الكافِرَ إِنكارُهُ، وَلَا يَنفَعُ الظّالِمَ تَظاهُرُهُ بِالبَراءَةِ بَعدَ أَن جاءَهُ المَوتُ وَرَأى الحَقيقَةَ.
﴿فَادخُلُوا أَبوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئسَ مَثوَى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: ٢٩]
قَولُهُ تَعالى: ﴿فَادخُلُوا أَبوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ أَي يُقالُ لِهٰؤُلاءِ الكافِرِينَ عِندَ سَوقِهِم إِلى النّارِ: ادخُلُوا أَبوابَ جَهَنَّمَ، وَأَنتُم ماكِثُونَ فِيهَا أَبَدًا، لا تَخرُجُونَ مِنهَا وَلَا يُخَفَّفُ عَنكُم مِن عَذابِها. وَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ لِجَهَنَّمَ أَبوابًا سَبعَةً، يَدخُلُ كُلُّ فَريقٍ مِن أَبوابِها بِما يَستَحِقُّهُ مِنَ العَذابِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِئسَ مَثوَى المُتَكَبِّرِينَ﴾ أَي بِئسَ المَقامُ وَالمَأوى جَهَنَّمُ لِلمُتَكَبِّرِينَ الَّذِينَ استَكبَرُوا عَن عِبادَةِ اللهِ، وَرَدُّوا الحَقَّ، وَعادَوا الرُّسُلَ، وَمَكَرُوا بِأَهلِ الإِيمانِ. فَالكِبرُ مَبدَأُ شَرٍّ عَظِيمٍ، وَهُوَ الَّذِي حَمَلَ إِبلِيسَ عَلَى الكُفرِ، وَحَمَلَ كَثيرًا مِنَ الكافِرِينَ عَلَى رَدِّ دَعوَةِ الأَنبِياءِ.
وَفِي هٰذِهِ الآيَةِ تَذكِيرٌ بِقُربِ المَوتِ، فَإِنَّ المَوتَ لا يَقرَعُ بابًا، وَلَا يَهابُ حُجّابًا، وَلَا يَقبَلُ بَدِيلًا، وَلَا يَطلُبُ إِذنًا، وَلَا يَترُكُ صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَعمارُ أُمَّتِي ما بَينَ السِّتِّينَ إِلى السَّبعِينَ، وَأَقَلُّهُم مَن يَجُوزُ ذٰلِكَ». فَالعاقِلُ مَن عَمِلَ لِما بَعدَ المَوتِ، وَتَزَوَّدَ لِقَبرِهِ وَقِيامَتِهِ.
وَقَد جاءَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قالَ فِيما كانَ فِي صُحُفِ مُوسى عَلَيهِ السَّلامُ مِنَ العِبَرِ: «عَجِبتُ لِمَن أَيقَنَ بِالمَوتِ كَيفَ يَفرَحُ؟ وَعَجِبتُ لِمَن أَيقَنَ بِالنّارِ كَيفَ يَضحَكُ؟ وَعَجِبتُ لِمَن أَيقَنَ بِالقَدَرِ كَيفَ يَنصَبُ؟ وَعَجِبتُ لِمَن رَأَى الدُّنيا وَتَقَلُّبَها بِأَهلِها ثُمَّ اطمَأَنَّ إِلَيها، وَعَجِبتُ لِمَن أَيقَنَ الحِسابَ غَدًا ثُمَّ لا يَعمَلُ».
وَمِنَ العِبَرِ أَنَّ الإِنسانَ مَخلُوقٌ مِن تُرابٍ، ثُمَّ يَعودُ إِلى التُّرابِ، وَكَم مِن مَلِكٍ وَجَبّارٍ وَغَنِيٍّ وَصاحِبِ بُنيانٍ وَسُلطانٍ صارَ بَعدَ مَوتِهِ تُرابًا يُمشَى عَلَيهِ. وَقَد حُكِيَ أَنَّ رَجُلَينِ كانَا يَتَخاصَمانِ عَلَى أَرضٍ، فَأَنطَقَ اللهُ لَبِنَةً مِن جِدارٍ، فَقالَت لَهُما: فيمَ تَتَخاصَمانِ؟ إِنِّي كُنتُ مَلِكًا مِنَ المُلوكِ، ثُمَّ مِتُّ فَصِرتُ تُرابًا، ثُمَّ صُنِعتُ مِن ذٰلِكَ التُّرابِ آنِيَةً، ثُمَّ تَكَسَّرَت، فَعُدتُ تُرابًا، ثُمَّ صِرتُ لَبِنَةً فِي هٰذا الجِدارِ. فَهٰذِهِ الدُّنيا لا تَستَحِقُّ أَن يَغفُلَ العَبدُ مِن أَجلِها عَن رَبِّهِ وَآخِرَتِهِ.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ الكافِرِينَ مَكَرُوا بِأَنبِيائِهِم وَأَهلِ الحَقِّ، فَجازاهُمُ اللهُ عَلَى مَكرِهِم، وَأَتاهُم عَذابُهُ مِن حَيثُ لا يَشعُرُونَ. ثُمَّ إِنَّهُم فِي الآخِرَةِ يُخزَونَ وَيُذَلُّونَ، وَيُوَبَّخُونَ عَلَى ما كانُوا يَزعُمُونَهُ مِنَ الشُّرَكاءِ، وَيَشهَدُ أَهلُ العِلمِ أَنَّ الخِزيَ وَالعَذابَ عَلَى الكافِرِينَ. وَإِذا قَبَضَتِ المَلائِكَةُ أَرواحَهُم وَهُم ظالِمُونَ أَنفُسَهُم بِالكُفرِ، أَظهَرُوا الاستِسلامَ وَجَحَدُوا السُّوءَ، فَيُرَدُّ عَلَيهِم بِأَنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِأَعمالِهِم. ثُمَّ يُقالُ لَهُم: ادخُلُوا أَبوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيهَا، فَبِئسَ مَقامُ المُتَكَبِّرِينَ.