بسم الله الرحمن الرحيم
﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12)﴾
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [النحل: ١٠]
اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، وَفِي ذٰلِكَ تَذْكِيرٌ لِلْعِبَادِ بِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وَبِسَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَبِمَا جَعَلَ فِي هٰذَا المَاءِ مِنَ النَّفْعِ وَالبَرَكَةِ وَالحَيَاةِ.
﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ [النحل: ١٠]
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَكُمْ﴾ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿أَنْزَلَ﴾، فَيَكُونُ المَعْنَى: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ، أَيْ أَنْزَلَهُ لِمَنْفَعَتِكُمْ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ﴿شَرَابٌ﴾، أَيْ لَكُمْ مِنْ هٰذَا المَاءِ مَا تَشْرَبُونَهُ وَتَنْتَفِعُونَ بِهِ.
وَقَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى السَّمَاءَ قِبْلَةً لِلدُّعَاءِ، وَمَهْبِطًا لِلرَّحَمَاتِ وَالبَرَكَاتِ؛ فَالسَّمَاءُ مُشَرَّفٌ أَمْرُهَا، مُعَظَّمٌ شَأْنُهَا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَهٰذِهِ السَّمَاءُ الَّتِي نَرَاهَا هِيَ السَّمَاءُ الدُّنْيَا، تَتَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ إِلَيْهَا بِأَعْدَادٍ كَبِيرَةٍ جِدًّا كُلَّ لَيْلَةٍ، وَتَهْبِطُ المَلَائِكَةُ كُلَّ لَيْلَةٍ بِأَعْدَادٍ كَبِيرَةٍ إِلَى الأَرْضِ، وَلَيْسَ هٰذَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَطْ، بَلْ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، وَيَكُونُ فِي رَمَضَانَ مَزِيدُ فَضْلٍ وَزِيَادَةٌ.
وَفِي السُّدُسِ الأَخِيرِ مِنْ كُلِّ لَيْلَةٍ تَتَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ بِأَعْدَادٍ كَبِيرَةٍ، فَإِذَا كَانَ هٰذَا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، فَكَيْفَ بِرَمَضَانَ؟ وَهٰذَا مِنْ مَعَانِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟».
وَمَعْنَى هٰذَا الحَدِيثِ كَمَا قَالَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، شَيْخُ إِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى: «نُزُولُ رَحْمَةٍ، لَا نُزُولُ نُقْلَةٍ». أَيْ إِنَّ المَلَائِكَةَ تَتَنَزَّلُ فِي السُّدُسِ الأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ بِأَعْدَادٍ كَبِيرَةٍ إِلَى هٰذِهِ السَّمَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ، وَالمَلَائِكَةُ تَنْزِلُ بِأَمْرِ اللهِ. وَلَمَّا كَانَ نُزُولُ المَلَائِكَةِ بِأَمْرِ اللهِ، جَاءَ تَعْبِيرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا»، أَيْ يَنْزِلُ مَلَكُ رَبِّنَا بِأَمْرِ رَبِّنَا.
وَالمَلَائِكَةُ أَجْسَامٌ نُورَانِيَّةٌ، وَهِيَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ. وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ هٰذَا العَالَمَ، وَجَعَلَ مِنْهُ أَجْسَامًا وَصِفَاتٍ لِلْأَجْسَامِ؛ فَمِنَ الأَجْسَامِ أَجْسَامٌ كَثِيفَةٌ، وَمِنْهَا أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ، وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى صِفَاتٍ لِلْأَجْسَامِ، وَهٰذِهِ الصِّفَاتُ يُسَمِّيهَا العُلَمَاءُ الأَعْرَاضَ.
وَالجِسْمُ هُوَ مَا كَانَ لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَسَمْكٌ وَتَرْكِيبٌ وَصُورَةٌ وَتَأْلِيفٌ، وَيُقَالُ كَذٰلِكَ: الجِسْمُ مَا كَانَ مُؤَلَّفًا مِنْ جَوْهَرَيْنِ فَأَكْثَرَ. وَالجَوْهَرُ الفَرْدُ هُوَ الجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، وَلَا يَقْبَلُ الانْقِسَامَ، وَهُوَ أَصْغَرُ مَا خَلَقَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَعَلَى سَبِيلِ العَادَةِ لَا يُرَى بِالعَيْنِ المُجَرَّدَةِ، وَأَمَّا بِالمِجْهَرِ فَقَدْ يُحْتَمَلُ ذٰلِكَ، لٰكِنَّهُ فِي العَادَةِ لَا يُرَى بِالعَيْنِ المُجَرَّدَةِ.
فَإِذَا أَخَذْتَ جِسْمًا وَقَسَمْتَهُ، انْقَسَمَ مَعَكَ إِلَى نِصْفٍ وَنِصْفٍ، ثُمَّ إِلَى أَرْبَاعٍ، ثُمَّ إِلَى أَثْمَانٍ، ثُمَّ إِلَى أَجْزَاءٍ أَصْغَرَ فَأَصْغَرَ، وَلَا بُدَّ فِي النِّهَايَةِ أَنْ تَصِلَ إِلَى جُزْءٍ صَغِيرٍ جِدًّا لَا يَتَجَزَّأُ وَلَا يَقْبَلُ الانْقِسَامَ، وَلَيْسَ الأَمْرُ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ. فَكُلُّ مَخْلُوقٍ مُتَنَاهٍ، لَهُ نِهَايَةٌ وَحَدٌّ، وَهُوَ مَحْصُورٌ. وَدَلِيلُ ذٰلِكَ قَوْلُ الحَقِّ سُبْحَانَهُ: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾، وَقَدْ قَالَ الإِمَامُ الزَّبِيدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «بِمِقْدَارٍ» أَيْ بِمِقْيَاسٍ.
فَلَيْسَ صَحِيحًا مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ الأَجْسَامَ تَبْقَى تَنْقَسِمُ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ؛ فَإِنَّ هٰذَا غَيْرُ صَحِيحٍ. وَلَوْ كَانَ كُلُّ جِسْمٍ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ، لَلَزِمَ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنْ تَكُونَ الحَصَاةُ الصَّغِيرَةُ مُسَاوِيَةً لِلْجَبَلِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى قَوْلِهِمْ لَا نِهَايَةَ لانْقِسَامِهِ. وَهٰذَا يُؤَدِّي إِلَى القَوْلِ بِتَسَاوِي مَا لَا يَتَسَاوَى، وَهٰذَا مُحَالٌ، وَمَا أَدَّى إِلَى المُحَالِ فَهُوَ مُحَالٌ.
فَالأَجْسَامُ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْهَا أَجْسَامٌ كَثِيفَةٌ، وَمِنْهَا أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ. وَالجِسْمُ الكَثِيفُ يُضْبَطُ بِاليَدِ، وَنَحْنُ أَجْسَامٌ كَثِيفَةٌ، وَحَتَّى السَّمَاءُ الَّتِي نَذْكُرُهَا تُعَدُّ جِسْمًا كَثِيفًا. وَلِلسَّمَاءِ أَبْوَابٌ، وَبَيْنَنَا فِي الأَرْضِ وَبَيْنَ السَّمَاءِ خَلْقٌ لَا يُحْصَى مِنَ المَلَائِكَةِ لَا نَرَاهُمْ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا بَحْرٌ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ مَحْجُوبٌ عَنَّا لَا نَرَاهُ، وَالسَّمَاءُ وَاسِعَةٌ جِدًّا.
وَيُوجَدُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ مَسِيرَةُ عَرْضِهِ سَبْعُونَ عَامًا، يُسَمَّى بَابَ التَّوْبَةِ، وَهٰذَا البَابُ لَمْ يُغْلَقْ بَعْدُ، فَلْيَتُبِ العَاصِي مِنَّا إِلَى اللهِ. نَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، نَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ. فَإِذَا أُغْلِقَ هٰذَا البَابُ لَمْ تُقْبَلِ التَّوْبَةُ بَعْدَ ذٰلِكَ، وَهٰكَذَا تَكُونُ الدُّنْيَا إِلَى نِهَايَتِهَا.
وَالمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَتَنَزَّلُونَ بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ عَدَدُهُمْ لَا يُحْصِيهِ وَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ. وَالمَلَائِكَةُ أَجْسَامٌ نُورَانِيَّةٌ لَطِيفَةٌ، وَالجِسْمُ اللَّطِيفُ لَا يُضْبَطُ بِاليَدِ، فَالمَلَائِكَةُ، وَالرُّوحُ، وَالرِّيحُ، وَالنُّورُ، وَالظَّلَامُ، كُلُّهَا أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ لَا تُضْبَطُ بِاليَدِ.
وَالجِسْمُ الكَثِيفُ وَالجِسْمُ اللَّطِيفُ لَهُمَا صِفَاتٌ، وَهٰذِهِ الصِّفَاتُ يُعَبِّرُ عَنْهَا عُلَمَاءُ الأُصُولِ بِالأَعْرَاضِ، فَيُقَالُ: العَرَضُ صِفَةُ الجِسْمِ. فَتَقُولُ مَثَلًا: هٰذَا الجِسْمُ فِيهِ حَرَارَةٌ، وَهٰذَا الجِسْمُ فِيهِ بُرُودَةٌ، وَهٰذَا الجِسْمُ فِيهِ رُطُوبَةٌ، وَهٰذَا الجِسْمُ فِيهِ يُبُوسَةٌ. وَالجِسْمُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِلُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، لَا العَرَضُ؛ لِأَنَّ العَرَضَ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ، بَلْ يَقُومُ بِغَيْرِهِ.
فَإِذَا قُلْتَ: هٰذَا الجِسْمُ حَارٌّ، فَالجِسْمُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِلُ، وَإِذَا أَدْنَيْتَ جِسْمًا حَارًّا مِنْ جِسْمٍ آخَرَ، فَقَدْ يَخْلُقُ اللهُ تَعَالَى فِي الجِسْمِ الآخَرِ حَرَارَةً بِسَبَبِ هٰذَا الاقْتِرَابِ، وَلَيْسَ مَعْنَى ذٰلِكَ أَنَّ عَيْنَ الصِّفَةِ انْتَقَلَتْ، بَلْ تَنْعَدِمُ تِلْكَ الصِّفَةُ وَيَخْلُقُ اللهُ تَعَالَى صِفَةً أُخْرَى.
فَالأَجْسَامُ هِيَ الَّتِي تَنْتَقِلُ، وَكَلِمَةُ التَّحَيُّزِ وَصْفٌ لِلْمَخْلُوقِ. فَالمَلَائِكَةُ تَتَحَيَّزُ فِي مَكَانٍ، وَالبَشَرُ يَتَحَيَّزُونَ فِي مَكَانٍ، وَالجِنُّ يَتَحَيَّزُونَ فِي مَكَانٍ، وَمَا كَانَ جِسْمًا كَثِيفًا فَهُوَ مُتَحَيِّزٌ فِي مَكَانٍ، وَمَا كَانَ جِسْمًا لَطِيفًا فَهُوَ مُتَحَيِّزٌ فِي مَكَانٍ. أَمَّا خَالِقُ المَكَانِ وَخَالِقُ الزَّمَانِ، وَهُوَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَلَا يَحْوِيهِ مَكَانٌ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَانٌ.
فَالمَلَائِكَةُ هِيَ الَّتِي تَنْتَقِلُ بِأَمْرِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ المُرَادُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا» أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَنْزِلُ بِذَاتِهِ نُزُولًا حِسِّيًّا؛ فَإِنَّ حَقِيقَةَ النُّزُولِ الحِسِّيِّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مُنْتَقِلٌ، وَمُنْتَقَلٌ عَنْهُ، وَمُنْتَقَلٌ إِلَيْهِ. فَإِذَا نَزَلَ الإِنْسَانُ عَنْ كُرْسِيِّهِ، فَهُوَ مُنْتَقِلٌ، وَالكُرْسِيُّ مُنْتَقَلٌ عَنْهُ، وَالأَرْضُ الَّتِي نَزَلَ إِلَيْهَا مُنْتَقَلٌ إِلَيْهَا. وَهٰذَا إِنَّمَا يَصِحُّ فِي حَقِّ المَخْلُوقِ، أَمَّا فِي حَقِّ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَيَسْتَحِيلُ ذٰلِكَ؛ فَيَسْتَحِيلُ عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ التَّحَيُّزُ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الانْتِقَالُ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ.
وَالمَاءُ الَّذِي يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَهُوَ مَاءُ المَطَرِ، مَاءٌ مُبَارَكٌ فِي أَوَّلِ نُزُولِهِ. وَلِذٰلِكَ يُوصَى مَنْ يَشْتَكِي مِنَ الأَوْجَاعِ وَالأَسْقَامِ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى مَاءِ المَطَرِ، كَالفَاتِحَةِ مَثَلًا، ثُمَّ يَشْرَبَ مِنْهُ. وَقَدْ يَحْصُلُ النَّفْعُ بِإِذْنِ اللهِ إِذَا قُرِئَ عَلَى أَيِّ مَاءٍ، وَلٰكِنَّ مَاءَ المَطَرِ لَهُ خَاصِّيَّةٌ وَبَرَكَةٌ عِنْدَ نُزُولِهِ.
وَيَذْكُرُ أَهْلُ العِلْمِ وَالعَمَلِ أَنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ بَلَادَةٌ فِي الذِّهْنِ، يُؤْتَى لَهُ بِمَاءِ المَطَرِ، وَتُقْرَأُ عَلَيْهِ آيَاتٌ مَخْصُوصَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، ثُمَّ يَشْرَبُ مِنْهُ، فَيَكُونُ ذٰلِكَ سَبَبًا لِلذَّكَاءِ وَالفَهْمِ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى. وَالسَّبَبُ فِي ذٰلِكَ أَنَّ أَصْلَ هٰذَا المَاءِ مِنْ تَحْتِ العَرْشِ.
فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا مَاءً مَغْزُورًا مِنْ تَحْتِ عَرْشِكَ». فَهٰذَا المَاءُ أَوَّلُ أَمْرِهِ مِنْ تَحْتِ العَرْشِ، ثُمَّ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ، وَيَصِيرُ فِي السَّحَابِ، ثُمَّ يُكَالُ وَيَنْزِلُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، بِتَصَرُّفِ المَلَائِكَةِ بِأَمْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَنْزِلُ عَلَيْنَا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ.
وَاللهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْزِلَ المَطَرَ لَيْسَ فِي الرَّبِيعِ فَقَطْ، بَلْ فِي الصَّيْفِ، وَفِي أَكْثَرِ الأَمَاكِنِ حَرًّا، وَقَدْ يُرَى المَطَرُ يَنْزِلُ بِكَمِّيَّةٍ كَبِيرَةٍ جِدًّا. وَقَدْ يَكُونُ المَطَرُ سُقْيَا رَحْمَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ سُقْيَا عَذَابٍ، وَلِذٰلِكَ نَقُولُ فِي دُعَائِنَا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سُقْيَا رَحْمَةٍ، لَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا سُقْيَا هَدْمٍ، وَلَا سُقْيَا غَرَقٍ، وَلَا سُقْيَا بَلَاءٍ.
وَبَاطِنُ الأَرْضِ فِيهِ مِنَ المَاءِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَالمَطَرُ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْنَا يَنْزِلُ بِحِسَابٍ مَعْلُومٍ، وَبِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، وَبِوَزْنٍ مَعْلُومٍ. وَهٰذَا المَطَرُ العَامُّ لَيْسَ حَاصِلَ التَّبَخُّرِ مِنَ المَاءِ الَّذِي فِي الأَرْضِ، وَلَا نُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ شَيْءٌ يَتَبَخَّرُ، وَلٰكِنَّ المَطَرَ الَّذِي يَنْزِلُ عُمُومًا أَصْلُهُ مِنَ المَاءِ الَّذِي هُوَ فَوْقُ، مِنْ تَحْتِ العَرْشِ، ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَهٰذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ أَيْ تَتَّخِذُونَ مِنْ هٰذَا المَاءِ شَرَابًا. بَلْ إِنَّ أَصْلَ بَعْضِ المِيَاهِ الَّتِي نَعْرِفُهَا مِنَ الجَنَّةِ، وَالجَنَّةُ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ أَنْهَارٍ أَصْلُهَا مِنَ الجَنَّةِ، وَهِيَ سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالنِّيلُ وَالفُرَاتُ. وَسَيْحَانُ وَجَيْحَانُ فِي بِلَادِ فَارِسَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَاءَ هٰذِهِ الأَنْهَارِ نَزَلَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَصَارَ فِي بَاطِنِ الأَرْضِ، ثُمَّ شَقَّ طَرِيقَهُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى إِلَى حَيْثُ أَرَادَ اللهُ.
وَالنِّيلُ نِيلُ مِصْرَ، وَالفُرَاتُ يَنْزِلُ إِلَى أَرْضِ تُرْكِيَا، ثُمَّ مِنْ هُنَاكَ إِلَى العِرَاقِ وَإِلَى مَا شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَهٰذِهِ الأَنْهَارُ الأَرْبَعَةُ أَصْلُهَا مِنَ الجَنَّةِ، نَزَلَتْ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، وَنَحْنُ لَا نَرَى ذٰلِكَ، وَلَا عَجَبَ فِي ذٰلِكَ؛ فَكَمَا أَنَّ المَطَرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى فَنَحْنُ نَرَاهُ، فَإِنَّ أَنْهَارًا تَنْزِلُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى مِنَ السَّمَاءِ، وَبَعْضُهَا يَنْزِلُ مِنَ الجَنَّةِ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَنَحْنُ لَا نَرَى ذٰلِكَ. وَهٰذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]
أَيْ وَمِنْ هٰذَا المَاءِ يَكُونُ الشَّجَرُ الَّذِي تَرْعَاهُ المَوَاشِي. فَبِسَبَبِ هٰذَا المَاءِ الَّذِي نَزَلَ صَارَ العُشْبُ وَالمَرْعَى، وَبِسَبَبِ هٰذَا المَاءِ صَارَتْ هٰذِهِ المَوَاشِي تَأْكُلُ وَتَتَغَذَّى وَتَسْمَنُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ مِنَ السَّوْمِ، وَالسَّوْمَةُ هِيَ العَلَامَةُ. وَيُقَالُ: سَامَتِ المَاشِيَةُ إِذَا رَعَتْ، فَهِيَ سَائِمَةٌ، وَأَسَامَهَا صَاحِبُهَا. وَإِنَّمَا قِيلَ ذٰلِكَ؛ لِأَنَّ المَاشِيَةَ إِذَا رَعَتْ أَثَّرَتْ بِرَعْيِهَا عَلَامَاتٍ فِي الأَرْضِ، فَتُسَمَّى هٰذِهِ العَلَامَاتُ سَوْمَةً. وَلِذٰلِكَ يُقَالُ: أَسَمْتُ الأَنْعَامَ، وَأَسَمْتُ الغَنَمَ، أَيْ أَرْسَلْتُهَا لِلرَّعْيِ.
﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١]
﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١١]
أَيْ إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُنْبِتُ لَكُمْ بِهٰذَا المَاءِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى الأَرْضِ أَنْوَاعَ النَّبَاتِ وَالثِّمَارِ، وَهٰذَا مِنْ عَظِيمِ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ.
﴿الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النحل: ١١]
ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى الزَّرْعَ، وَالزَّيْتُونَ، وَالنَّخِيلَ، وَالأَعْنَابَ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾، وَلَمْ يَقُلْ: كُلَّ الثَّمَرَاتِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَاتِ كُلَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الجَنَّةِ، وَإِنَّمَا أُنْبِتَ فِي الأَرْضِ بَعْضٌ مِنْ كُلِّهَا لِلتَّذْكِرَةِ وَالعِبْرَةِ.
﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١]
أَيْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ دَلَالَةً وَاضِحَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، فَيَسْتَدِلُّونَ بِهٰذِهِ الآيَاتِ عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَى قُدْرَتِهِ، وَحِكْمَتِهِ، وَرَحْمَتِهِ. فَالآيَةُ هِيَ الدِّلَالَةُ الوَاضِحَةُ.
وَفِي هٰذِهِ الدُّنْيَا ثَمَرَاتٌ كَثِيرَةٌ، لٰكِنْ هَلْ رَأَيْنَا فِيهَا كُلَّ الثَّمَرَاتِ؟ لَا، فَأَيْنَ تُرَى كُلُّ الثَّمَرَاتِ؟ تُرَى فِي الجَنَّةِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَلِذٰلِكَ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾، وَلَمْ يَقُلْ: كُلَّ الثَّمَرَاتِ.
وَالثَّمَرَاتُ الَّتِي تُذْكَرُ فِي الدُّنْيَا، كَالتُّفَّاحِ، وَالمَوْزِ، وَالنَّخِيلِ، وَالأَعْنَابِ، قَدْ يَكُونُ فِي الجَنَّةِ مَا يُسَمَّى بِأَسْمَائِهَا، وَلٰكِنَّ ثَمَرَ الجَنَّةِ لَيْسَ كَثَمَرِ الدُّنْيَا. فَالفَرْقُ كَبِيرٌ، وَإِنْ تَشَابَهَ الاسْمُ. فَثَمَرُ الجَنَّةِ لَا يَتَغَيَّرُ، وَلَا يَنْقَطِعُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾. وَثَمَرُ الجَنَّةِ مَتَى مَا أَرَادَهُ المُؤْمِنُ أَتَاهُ، وَتَتَدَلَّى لَهُ أَغْصَانُهَا مِنْ غَيْرِ عَنَاءٍ، فَفِي أَيِّ وَقْتٍ يَتَمَنَّى الثَّمَرَ يَجِدُهُ فِي الجَنَّةِ. أَمَّا فِي الدُّنْيَا، فَفِي الغَالِبِ فَاكِهَةُ الصَّيْفِ فِي الصَّيْفِ، وَفَاكِهَةُ الشِّتَاءِ فِي الشِّتَاءِ، وَفَاكِهَةُ الرَّبِيعِ فِي الرَّبِيعِ، وَفَاكِهَةُ الخَرِيفِ فِي الخَرِيفِ.
وَيُرْوَى عَنْ أَحَدِ العَابِدِينَ الزَّاهِدِينَ الصَّوَّامِينَ، وَكَانَ كَثِيرَ العِبَادَةِ، أَنَّهُ جَاءَ لَيْلَةً إِلَى مَسْجِدٍ، وَفِي هٰذَا دَلَالَةٌ عَلَى فَضِيلَةِ المَسْجِدِ وَالاعْتِكَافِ فِيهِ، فَاعْتَكَفَ فِي المَسْجِدِ، وَقَامَ يُصَلِّي وَيَتَعَبَّدُ، ثُمَّ أَخَذَتْهُ غَفْوَةٌ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَنَامَ، فَرَأَى فِي المَنَامِ خَلْقًا مِنْ خَلْقِ اللهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا آدَمِيِّينَ، أَيْ لَيْسُوا مِنْ بَنِي آدَمَ، فَأَشْكَالُهُمْ وَأَوْصَافُهُمْ غَيْرُ مَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ.
قَالَ: وَكَانُوا يُمْسِكُونَ صِحَافًا عَلَيْهَا أَرْغِفَةٌ، أَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ، لَمْ أَرَ مِثْلَهَا، وَفَوْقَ هٰذِهِ الأَرْغِفَةِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الرُّمَّانَ كَالدُّرِّ. فَقَدَّمُوا لَهُ، وَقَالُوا: كُلْ. فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، وَهٰذَا كَانَ فِي المَنَامِ. فَقَالُوا: كُلْ. فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ. فَقَالُوا: مَالِكُ البَيْتِ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْكُلَ. فَمَدَّ يَدَهُ، وَصَارَ يَلْتَقِطُ ذٰلِكَ الدُّرَّ وَيَحْتَمِلُهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا هٰذَا فَاتْرُكْهُ، سَنَغْرِسُهُ لَكَ غَرْسًا يَبْقَى. قَالَ: أَيْنَ سَتَغْرِسُونَهُ؟ قَالُوا: فِي دَارٍ لَا تَخْرَبُ، وَمُلْكٍ لَا يَنْقَطِعُ، وَثَمَرٍ لَا يَتَغَيَّرُ، وَثِيَابٍ لَا تَبْلَى؛ أَيْ فِي الجَنَّةِ.
فَهِيَ دَارٌ لَا تَخْرَبُ، وَمُلْكٌ لَا يَنْقَطِعُ، وَثَمَرٌ لَا يَتَغَيَّرُ، وَثِيَابٌ لَا تَبْلَى. ثُمَّ قَالُوا لَهُ: انْكَمِشِ الآنَ فِيهَا، وَخُذْ غَفْوَةً، تُوشِكُ أَنْ تَرْتَحِلَ إِلَيْنَا. فَقَامَ هٰذَا الرَّجُلُ العَابِدُ، ثُمَّ بَعْدَ جُمُعَتَيْنِ تَوَفَّاهُ اللهُ. وَرَآهُ بَعْضُ مَنْ كَانَ قَدْ قَصَّ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا فِي المَنَامِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الغَرْسِ، فَقَالَ لَهُ: هٰذَا الغَرْسُ الَّذِي غُرِسَ لِي قَبْلَ أُسْبُوعَيْنِ، أَيْ قَبْلَ وَفَاتِي، هُوَ الآنَ شَجَرٌ يَحْمِلُ. فَقَالَ لَهُ: صِفْ لِي ثَمَرَهُ. فَقَالَ: سَأَلْتَنِي أَنْ أَصِفَ لَكَ شَيْئًا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى وَصْفِهِ.
نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا مِنْ ثَمَرَاتِ الجَنَّةِ. فَهٰذِهِ ثَمَرَاتُ الجَنَّةِ، فَأَيْنَ ثَمَرَاتُ الدُّنْيَا مِنْهَا؟ وَأَيْنَ فَاكِهَةُ الدُّنْيَا مِنْ فَاكِهَةِ الآخِرَةِ؟ هَلْ عَرَفْتُمْ فَاكِهَةً فِي الدُّنْيَا لَا تَبْلَى وَلَا تَفْسُدُ؟ هَلْ عَرَفْتُمْ ثَمَرًا فِي الدُّنْيَا لَا يَتَغَيَّرُ؟ هَلْ عَرَفْتُمْ طَعَامًا فِي الدُّنْيَا كَذٰلِكَ؟ بَلْ إِنَّ مِنَ الثَّمَرَاتِ فِي الدُّنْيَا مَا قَدْ يَأْكُلُهُ الإِنْسَانُ فَلَا يُنَاسِبُ جِسْمَهُ، فَيُصِيبُهُ المَرَضُ.
وَالنَّاسُ يَتَنَافَسُونَ كَثِيرًا عَلَى طَعَامِ الدُّنْيَا، وَعَلَى ثَمَرَاتِ الدُّنْيَا، وَعَلَى ثِيَابِ الدُّنْيَا. فَهَلْ مُلْكُكُمْ هٰذَا سَيَبْقَى؟ وَهَلْ ثِيَابُكُمْ هٰذِهِ سَتَبْقَى؟ وَهَلْ دُورُكُمْ، يَا أَهْلَ العُمْرَانِ المَزْعُومِ، سَتَبْقَى؟ وَهَلْ أَبْنَاؤُكُمْ سَيَبْقَوْنَ؟ وَهَلْ أَشْغَالُكُمْ وَمُسَمَّيَاتُكُمْ وَمَنَاصِبُكُمْ سَتَبْقَى؟ فَمَا الَّذِي شَغَلَكُمْ عَنْ ثَمَرَاتِ الجَنَّةِ وَثَمَرَاتِ الآخِرَةِ؟ وَمَا الَّذِي شَغَلَكُمْ عَنْ أَسِرَّةٍ فِي الجَنَّةِ تَطِيرُ؟
إِنَّ مِمَّا يَشْغَلُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا النَّوْمَ، وَالرَّاحَةَ، وَطُولَ الأَمَلِ. وَلَا يَزَالُ الشَّيْطَانُ يُزَيِّنُ لِلإِنْسَانِ أَنَّهُ يَعِيشُ وَيَعِيشُ وَيُعَمَّرُ طَوِيلًا، فَمَاذَا يَكُونُ مِنَّا؟ نَنْشَغِلُ عَنْ مَجَالِسِ العِلْمِ، وَعَنْ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ، وَعَنْ الأَوْقَاتِ المُبَارَكَةِ، وَحَتَّى فِي أَيَّامِ الجُمَعِ، وَحَتَّى فِي رَمَضَانَ. وَبَعْضُ النَّاسِ فِي رَمَضَانَ نَهَارُهُ نَوْمٌ، وَلَيْلُهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ، فَهٰذَا لَيْلُهُ وَهٰذَا نَهَارُهُ.
وَيُرْوَى عَنْ رَجُلٍ جَلِيلٍ مِنَ الأَكَابِرِ، وَهُوَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَمِنْ كِبَارِ الأَوْلِيَاءِ، أَنَّهُ خَرَجَ فِي جِنَازَةٍ، فَنَظَرَ إِلَى شَخْصٍ بَعْدَ أَنْ جُعِلَ المَيِّتُ فِي القَبْرِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَخِي، لَوْ كُنْتَ أَنْتَ مَكَانَ هٰذَا، وَقِيلَ لَكَ: تَمَنَّ، فَمَاذَا كُنْتَ تَتَمَنَّى؟ فَقَالَ: كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ أَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا لِأَعْمَلَ صَالِحًا. فَقَالَ لَهُ: يَا أَخِي، إِنَّكَ فِيهَا، فَمَاذَا تَفْعَلُ؟
فَلَوْ أَنَّ أَحَدَنَا جُعِلَ فِي الأَرْضِ، وَوُضِعَ فِي التُّرَابِ، وَهِيلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: تَمَنَّ، فَمَاذَا يَقُولُ؟ يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي أَرْجِعُ فَأَزِيدُ وَلَوْ لَيْلَةً، وَلَوْ سَاعَةً مِنْ طَاعَةٍ، لِأَنَّهُ قَدْ رَأَى القَبْرَ، وَرَأَى مَا يَنْتَظِرُهُ. وَنَحْنُ الآنَ فِي الدُّنْيَا، وَلٰكِنَّنَا نَنْشَغِلُ.
فَهٰذِهِ الأَشْيَاءُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الآيَةِ، مِنَ الزَّرْعِ، وَالزَّيْتُونِ، وَالنَّخِيلِ، وَالأَعْنَابِ، وَمَا شَاءَ اللهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ، هَلْ رَزَقَنَا اللهُ تَعَالَى إِيَّاهَا لِنَنْشَغِلَ بِهَا عَنْ طَاعَتِهِ؟ إِنَّ هٰذِهِ النِّعَمَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، سُورَةِ النِّعَمِ، عُدِّدَتْ عَلَيْنَا لِنَتَذَكَّرَ وَنَشْكُرَ، لَا لِنَغْفُلَ وَنَنْشَغِلَ عَنْ المُنْعِمِ.
فَهٰذِهِ النِّعَمُ الَّتِي أَنْعَمَ اللهُ تَعَالَى بِهَا عَلَيْنَا، إِنْ لَمْ نَتَّقِ اللهَ تَعَالَى فِيهَا، قَدْ يَنْقَلِبُ بَعْضُهَا نِقْمَةً. فَقَدْ يَتَمَنَّى الإِنْسَانُ وَلَدًا، فَيَكُونُ نِقْمَةً عَلَيْهِ طَوَالَ حَيَاتِهِ، وَقَدْ يَتَمَنَّى عَمَلًا، فَيَكُونُ نِقْمَةً عَلَيْهِ. وَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ: كَيْفَ أَعْرِفُ أَنَّ مَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ عَمَلٍ، أَوْ وَلَدٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ غَيْرِ ذٰلِكَ، نِعْمَةٌ أَوْ نِقْمَةٌ؟ فَيُقَالُ لَهُ: إِذَا كَانَ هٰذَا الشَّيْءُ قَدْ شَغَلَكَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى فَهُوَ نِقْمَةٌ، وَإِذَا أَعَانَكَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَهُوَ خَيْرٌ وَنِعْمَةٌ.
وَحَتَّى اللِّسَانُ، وَاليَدُ، وَالجَوَارِحُ، وَالأَبْدَانُ، إِذَا شَغَلَتْكَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى صَارَتْ نِقْمَةً، وَإِذَا أَعَانَتْكَ عَلَى طَاعَتِهِ كَانَتْ نِعْمَةً. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَنْشَغِلَ عَنِ المُنْعِمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَلِذٰلِكَ جَاءَ بَعْدَ تَعْدَادِ هٰذِهِ النِّعَمِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أَيْ لِلَّذِينَ يَسْتَدِلُّونَ بِهٰذِهِ الأَشْيَاءِ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَعَلَى حِكْمَتِهِ، وَعَظِيمِ نِعَمِهِ.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢]
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [النحل: ١٢]
قِرَاءَةُ حَفْصٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالنُّجُومُ﴾ بِالرَّفْعِ، وَقَرَأَ بَعْضُ القُرَّاءِ: ﴿وَالنُّجُومَ﴾ بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. وَمَعْنَى ﴿سَخَّرَ﴾: جَعَلَ وَذَلَّلَ. فَعَلَى قِرَاءَةِ النَّصْبِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ. وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ حَفْصٍ: ﴿وَالنُّجُومُ﴾، فَتَكُونُ مُبْتَدَأً، أَيْ كَأَنَّهُ ابْتَدَأَ ذِكْرَهَا.
وَقَدْ جَمَعَ اللهُ تَعَالَى هُنَا الآيَاتِ، فَقَالَ: ﴿لَآيَاتٍ﴾، وَذَكَرَ العَقْلَ، فَقَالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؛ لِأَنَّ الآثَارَ العُلْوِيَّةَ أَظْهَرُ دَلَالَةً عَلَى القُدْرَةِ البَاهِرَةِ، وَأَبْيَنُ شَهَادَةً لِلْكِبْرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ.
جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَاللَّيْلُ نِعْمَةٌ، وَالنَّهَارُ نِعْمَةٌ؛ فَالنَّهَارُ لِلْمَعِيشَةِ، وَاللَّيْلُ لِلرَّاحَةِ، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لَنَا وَقْتًا لِلرَّاحَةِ. وَلٰكِنْ يَنْبَغِي أَنْ نَفْهَمَ مَعْنَى الرَّاحَةِ؛ فَقِيَامُ اللَّيْلِ رَاحَةٌ لِأَهْلِ الإِيمَانِ. وَكَانَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ يَقُولُ: لَوْلَا اللَّيْلُ، أَيْ لَوْلَا قِيَامُ اللَّيْلِ وَمَا يَكُونُ فِيهِ مِنَ العِبَادَةِ، مَا أَحْبَبْتُ المَكْثَ فِي هٰذِهِ الدُّنْيَا. وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: لَوْ يَعْلَمُ أَعْدَاؤُنَا الكُفَّارُ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ اللَّذَّةِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ، لَقَاتَلُونَا عَلَى ذٰلِكَ بِالسُّيُوفِ.
فَلِمَ نُفَوِّتُ هٰذِهِ النِّعْمَةَ؟ فَحَتَّى اللَّيْلُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَسَّمَ أَقْسَامًا؛ قِسْمٌ لِرَاحَةِ البَدَنِ، وَقِسْمٌ لِلْعِبَادَةِ وَالقِيَامِ. وَقَدْ قَالَ الغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللهُ مَا مَعْنَاهُ: إِنَّ نَوْمَ سَاعَةٍ فِي النِّصْفِ الأَوَّلِ مِنَ اللَّيْلِ يَعْدِلُ نَوْمَ سَاعَتَيْنِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي. أَيْ إِنَّ البَدَنَ يَأْخُذُ حَاجَتَهُ مِنَ النَّوْمِ إِذَا نَامَ الإِنْسَانُ مُبَكِّرًا.
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنَامُ بَعْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ، إِلَّا إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَصْلَحَةٌ، ثُمَّ يَقُومُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، فَيُصَلِّي وَيَقُومُ وَيَتَهَجَّدُ. وَلِذٰلِكَ كَانَ التَّبْكِيرُ فِي النَّوْمِ أَفْضَلَ. فَقَدْ يَنَامُ الإِنْسَانُ ثَمَانِيَ سَاعَاتٍ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ وَقَدْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الفَجْرِ، وَيَسْتَيْقِظُ فِي تَعَبٍ وَكَسَلٍ وَخُمُولٍ. وَقَدْ يَنَامُ آخَرُ أَرْبَعَ سَاعَاتٍ قَبْلَ ذٰلِكَ، ثُمَّ يَقُومُ لِلَّيْلِ فَيُصَلِّي، وَقَدْ يَأْخُذُ إِغْفَاءَةً قَبْلَ الفَجْرِ، ثُمَّ يَقُومُ نَشِيطًا إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَيَبْقَى مُسْتَيْقِظًا يَعْمَلُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «بُورِكَ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا».
وَلِذٰلِكَ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ الأَرْضَ لَتَعِجُّ مِنَ العَالِمِ الَّذِي يَنَامُ بَعْدَ الفَجْرِ؛ لِأَنَّ هٰذَا وَقْتٌ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ مُسْتَيْقِظًا، وَيُقَالُ: إِنَّهُ وَقْتُ تَوْزِيعِ الأَرْزَاقِ. فَلَوْ جَلَسَ العَبْدُ يُسَبِّحُ فِي هٰذَا الوَقْتِ لَكَانَ فِي خَيْرٍ عَظِيمٍ.
وَقَدْ ذُكِرَ مَا يُقَالُ فِي هٰذَا الوَقْتِ: «سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ» مِائَةَ مَرَّةٍ، مَا بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَى أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، فَتَأْتِيهِ الدُّنْيَا صَاغِرَةً رَاغِمَةً. فَهٰذَا مِنْ صَلَاةِ المَلَائِكَةِ وَتَسْبِيحِ الخَلَائِقِ. فَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِيهِ وَظَائِفُ وَمَوَاضِعُ عِبَادَةٍ وَنِعَمٌ لَا تُحْصَى.
﴿وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ﴾ [النحل: ١٢]
الشَّمْسُ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهَا فَوَائِدَ عَظِيمَةً، وَمِنْ ذٰلِكَ أَنَّ ضَوْءَهَا إِذَا وَقَعَ عَلَى المَاءِ مَنَعَ تَعَفُّنَهُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى. وَالشَّمْسُ هِيَ الَّتِي تَتَحَرَّكُ، وَنُلَاحِظُ هُنَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى ذَكَرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾، فَذَكَرَ هٰذِهِ الأَجْرَامَ العُلْوِيَّةَ الَّتِي جَعَلَهَا مُسَخَّرَةً بِأَمْرِهِ.
وَالشَّمْسُ تَتَحَرَّكُ، وَتَذْهَبُ كُلَّ لَيْلَةٍ فَتَسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ. فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: «أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَبِيتُ هٰذِهِ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَقَالَ ﷺ: «فَإِنَّهَا تَسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ». وَعِنْدَمَا سُئِلَ بَعْضُ العَارِفِينَ: كَيْفَ تَسْجُدُ الشَّمْسُ؟ قِيلَ: سُجُودًا يَلِيقُ بِهَا، يَدُلُّ عَلَى انْقِيَادِهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَتَتَحَرَّكُ الشَّمْسُ، فَتَأْتِي مِنَ المَشْرِقِ إِلَى المَغْرِبِ، وَتَبْقَى هٰكَذَا كُلَّ يَوْمٍ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمٌ اللهُ أَعْلَمُ مَنْ يُدْرِكُهُ، فَيَقُومُ النَّاسُ يَنْظُرُونَ: أَيْنَ الشَّمْسُ مِنَ المَشْرِقِ؟ فَإِذَا بِهَا لَمْ تَأْتِ مِنَ المَشْرِقِ، بَلْ تَطْلُعُ مِنَ المَغْرِبِ. فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ قَدْ طَلَعَتْ مِنَ المَغْرِبِ، فَلْيَعْلَمُوا أَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ سَيُغْلَقُ، وَأَنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ قُرْبِ نِهَايَةِ الدُّنْيَا، وَهُوَ مِنَ العَلَامَاتِ الكُبْرَى.
وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى الشَّمْسَ سِرَاجًا وَهَّاجًا، وَجَعَلَ القَمَرَ نُورًا. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. فَالقَمَرُ لَيْسَ مُظْلِمًا، وَنُورُهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ انْعِكَاسٍ مِنَ الشَّمْسِ، بَلْ هُوَ نُورٌ جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى فِيهِ، وَلَيْسَ مُظْلِمًا كَمَا يَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ.
﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ [النحل: ١٢]
النُّجُومُ دَائِمًا تَتَحَرَّكُ، وَهِيَ مُسَخَّرَةٌ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى. وَنُلَاحِظُ هُنَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى ذَكَرَ الشَّمْسَ بِاسْمِهَا، وَذَكَرَ القَمَرَ بِاسْمِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ النُّجُومَ. فَلَوْ كَانَتِ الشَّمْسُ وَالقَمَرُ يُعَدَّانِ مِنَ النُّجُومِ أَوِ الكَوَاكِبِ، لَمَا خُصَّا بِالذِّكْرِ ثُمَّ قِيلَ بَعْدَ ذٰلِكَ: ﴿وَالنُّجُومُ﴾. فَالشَّمْسُ لَا تُسَمَّى كَوْكَبًا، وَالقَمَرُ لَا يُسَمَّى كَوْكَبًا، وَأَمَّا النُّجُومُ فَيُقَالُ لَهَا نُجُومٌ، وَيُقَالُ لَهَا كَوَاكِبُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ أَيْ جَعَلَهَا اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُذَلَّلَةً جَارِيَةً عَلَى مَا أَرَادَ، وَفِيمَا فِيهِ نَفْعٌ وَدَلَالَةٌ لِعِبَادِهِ.
﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢]
هُنَا جَمَعَ اللهُ تَعَالَى، فَقَالَ: ﴿لَآيَاتٍ﴾، وَفِي الآيَةِ قَبْلَهَا قَالَ: ﴿لَآيَةً﴾، وَهُنَاكَ قَالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وَهُنَا قَالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. فَبَعْضُ النَّاسِ أَعْطَاهُ اللهُ تَعَالَى عَقْلًا صَحِيحًا سَلِيمًا، وَأَعْطَاهُ فَهْمًا، فَإِذَا وَقَفَ عِنْدَ هٰذِهِ الآيَاتِ تَفَكَّرَ فِي عَظِيمِ خَلْقِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَاسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَيُقْبِلُ شَاكِرًا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ.