بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ (8) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9)﴾
﴿وَالخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]
﴿وَالخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨]
بَيَّنَ الحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ مِنْ نِعَمِهِ عَلَيْنَا الأَنْعَامَ، وَالأَنْعَامُ هِيَ الإِبِلُ وَالبَقَرُ وَالغَنَمُ. فَلَمَّا أَفْرَدَ بَعْدَ ذٰلِكَ ذِكْرَ الخَيْلِ وَالبِغَالِ وَالحَمِيرِ، عُلِمَ مِنْ هٰذَا أَنَّ الخَيْلَ لَا تَدْخُلُ فِي جُمْلَةِ الأَنْعَامِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الأَنْعَامَ قَبْلَ ذٰلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهَا الخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ، فَدَلَّ ذٰلِكَ عَلَى أَنَّ هٰذِهِ لَا تَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الأَنْعَامِ.
وَلِذٰلِكَ يَقُولُ الفُقَهَاءُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ: إِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الأَنْعَامِ، وَهِيَ الإِبِلُ وَالبَقَرُ وَالغَنَمُ؛ فَفِي خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ شَاةٌ، وَفِي ثَلَاثِينَ مِنَ البَقَرِ تَبِيعٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ مِنَ الغَنَمِ شَاةٌ. أَمَّا الخَيْلُ فَلَا زَكَاةَ فِي عَيْنِهَا، إِلَّا أَنْ يَتَّجِرَ بِهَا صَاحِبُهَا، فَتَكُونَ زَكَاتُهَا حِينَئِذٍ زَكَاةَ عُرُوضِ تِجَارَةٍ، أَمَّا أَعْيَانُهَا فَلَا زَكَاةَ فِيهَا.
فَإِفْرَادُ ذِكْرِ الخَيْلِ وَالبِغَالِ وَالحَمِيرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جُمْلَةِ الأَنْعَامِ، وَلٰكِنْ لَمَّا كَانَتْ هٰذِهِ الآيَاتُ فِي سِيَاقِ بَيَانِ نِعَمِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ، ذَكَرَ الحَقُّ سُبْحَانَهُ الأَنْعَامَ وَمَا فِيهَا مِنَ المَنَافِعِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهَا الخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ، وَمَا جَعَلَهُ فِيهَا مِنَ الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ.
وَالخَيْلُ قَدْ جَاءَ فِي فَضْلِهَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ». وَلَمَّا سُئِلَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ عَنْ مَعْنَى هٰذَا الحَدِيثِ، قَالَ: هِيَ دَائِمًا كَذٰلِكَ، فَالخَيْلُ تَأْتِي بِالخَيْرِ. وَإِنَّمَا كَانَ ذٰلِكَ لِأَنَّ الخَيْلَ كَانَتْ شِعَارًا عِنْدَ المُسْلِمِينَ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَكَانُوا يَجْلِبُونَ الخَيْلَ، وَيَعْتَنُونَ بِهَا، وَيُعِدُّونَهَا لِلْغَزْوِ وَالجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ.
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي فَضْلِ مَنْ يَعْتَنِي بِالخَيْلِ لِهٰذِهِ الغَايَةِ، لَا لِغَايَةِ التَّفَاخُرِ وَالتَّكَاثُرِ، بَلْ لِأَنْ يَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى الخُرُوجِ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ. وَقَدْ كَانَ الفَقْرُ شَدِيدًا فِي بَعْضِ أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، حَتَّى إِنَّهُمْ كَانُوا أَحْيَانًا يَتَعَاقَبُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ عَلَى فَرَسٍ وَاحِدٍ؛ فَيَمْشِي أَحَدُهُمْ وَيَرْكَبُ الآخَرُ، ثُمَّ يَنْزِلُ الرَّاكِبُ وَيَرْكَبُ غَيْرُهُ، وَهٰكَذَا.
فَكَانَتِ الخَيْلُ شِعَارًا لِلْمُسْلِمِينَ، كَمَا كَانَ السَّيْفُ شِعَارًا لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ شُرِعَ رَحْمَةً لِلنَّاسِ. فَإِنَّ المُسْلِمِينَ إِذَا خَرَجُوا لِلْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَاتَلُوا أَعْدَاءَ الدِّينِ، كَانَ فِي ذٰلِكَ رَحْمَةٌ؛ لِأَنَّ المَقْصُودَ مِنَ الجِهَادِ نَشْرُ الإِسْلَامِ، وَدَفْعُ فِتْنَةِ الكُفْرِ، وَإِظْهَارُ دِينِ اللهِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾.
وَمَعْنَى ذٰلِكَ أَنَّهُمْ إِنْ تُرِكُوا تَآمَرُوا عَلَى المُسْلِمِينَ، وَكَانَ مِنْهُمُ الكَيْدُ وَالمَكْرُ بِأَهْلِ الإِسْلَامِ. فَلِذٰلِكَ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ عِنَايَةٌ بِهٰذِهِ الدَّوَابِّ، لِيَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى الخُرُوجِ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ.
وَمَعَ ذٰلِكَ كَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ، لِشِدَّةِ الفَقْرِ، مَنْ لَا يَجِدُ ثَمَنَ الفَرَسِ، وَلَا ثَمَنَ البَغْلِ، وَلَا ثَمَنَ الجَمَلِ، وَكَانُوا يَعُدُّونَ الجَمَلَ أَنْفَسَ، وَلَا يَجِدُ حَتَّى ثَمَنَ الحِمَارِ، وَمَعَ ذٰلِكَ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَخْرُجُ لِلْجِهَادِ مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيْهِ مِنَ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ إِلَى مُؤْتَةَ فِي الأُرْدُنِّ، أَوْ إِلَى اليَرْمُوكِ فِي بِلَادِ الشَّامِ، أَوْ إِلَى العِرَاقِ، وَإِلَى مَسَافَاتٍ بَعِيدَةٍ.
فَإِنْ وَجَدُوا الخَيْلَ خَرَجُوا بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدُوهَا خَرَجُوا بِغَيْرِهَا، وَفِي بَعْضِ الأَحْيَانِ لَا يَكُونُ مَعَهُمْ فِي الغَزْوِ إِلَّا عَدَدٌ مَحْدُودٌ جِدًّا مِنَ الخُيُولِ. فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ خَيْلٌ فِي ذٰلِكَ الوَقْتِ كَانَ فِي سَعَةٍ، وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَجِدُونَ ثَمَنَ الخَيْلِ. وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ يَقْعُدُوا عَنِ الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَمْ يَتَقَاعَسُوا عَنْ نَشْرِ الإِسْلَامِ، وَلَمْ يَحُلِ الفَقْرُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ.
فَإِذَا وَجَدُوا الخَيْلَ خَرَجُوا، وَإِذَا لَمْ يَجِدُوهَا خَرَجُوا، وَلٰكِنْ إِذَا وُجِدَتِ الخَيْلُ فَإِنَّ الخَيْرَ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا. وَكَانُوا إِذَا اسْتُنْفِرُوا لَا يَتَأَخَّرُونَ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾. فَكَانُوا أَصْحَابَ هِمَمٍ عَالِيَةٍ.
وَكَانَ لِصَوْتِ الخَيْلِ شَأْنٌ عِنْدَهُمْ أَيْضًا؛ حَتَّى إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَاءَ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى خَيْلٍ، وَكَانَتْ خَيْلُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تُسَمَّى حَيْزُومَ. وَكَانَ يُسْمَعُ فِي أَثْنَاءِ القِتَالِ يَوْمَ بَدْرٍ صَوْتٌ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ. فَكَانَ صَهِيلُ الخَيْلِ لَهُ أَثَرٌ فِي تَهْيِيجِ الحَمَاسَةِ بَيْنَ المُقَاتِلِينَ؛ يَسْمَعُونَ التَّكْبِيرَ، وَيَسْمَعُونَ صَهِيلَ الخَيْلِ، وَيَرَوْنَ المُقْدِمِينَ غَيْرَ المُدْبِرِينَ، فَتَشْتَعِلُ نُفُوسُهُمْ حَمَاسَةً وَإِقْبَالًا.
وَكَانَ أَحَدُهُمْ يُقْبِلُ غَيْرَ مُدْبِرٍ، وَيَقُولُ بِمَعْنَى الحَالِ: مَاذَا تُرِيدُونَ؟ إِنَّ الَّذِي تَكْرَهُونَهُ هُوَ الَّذِي نَطْلُبُهُ، إِنَّمَا نَطْلُبُ الشَّهَادَةَ. وَأَمَّا الأُمَّةُ اليَوْمَ فَقَدْ تَرَكَتِ الخَيْلَ إِلَّا فِي أَحْوَالٍ قَلِيلَةٍ، كَمَا فِي بَعْضِ مَيَادِينِ السِّبَاقِ، وَإِلَّا فَفِي الغَالِبِ لَمْ يَبْقَ لَهَا ذٰلِكَ الشَّأْنُ الَّذِي كَانَ. وَكَثِيرٌ مِنَ الأُمَّةِ اليَوْمَ قَدْ تَقَاعَسَ، وَتَسَابَقَ إِلَى مَتَاعِ الدُّنْيَا.
وَهٰذِهِ الأَشْيَاءُ الَّتِي تُذْكَرُ فِي هٰذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إِنَّمَا هِيَ تَذْكِيرٌ لَنَا بِنِعَمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا، لِنَشْكُرَ اللهَ تَعَالَى. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ مَعْنَاهُ أَنَّهُ خَلَقَ هٰذِهِ لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى قَبْلَ ذٰلِكَ الأَنْعَامَ الَّتِي يَحِلُّ لَنَا أَكْلُهَا، ثُمَّ أَفْرَدَ بَعْدَهَا ذِكْرَ الخَيْلِ وَالبِغَالِ وَالحَمِيرِ، دَلَّ ذٰلِكَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَلَى حُكْمٍ مُتَعَلِّقٍ بِالأَكْلِ. فَأَمَّا البِغَالُ وَالحُمُرُ الأَهْلِيَّةُ، فَقَدْ جَاءَ النَّصُّ الصَّرِيحُ بِتَحْرِيمِهَا يَوْمَ خَيْبَرَ. وَأَمَّا الخَيْلُ، فَهَلْ أَكْلُهَا مُبَاحٌ؟ فَفِي مَذْهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهَا إِذَا ذُبِحَتْ حَلَّ أَكْلُهَا. وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ العُلَمَاءِ أَكْلَهَا، وَحَرَّمَهُ آخَرُونَ، وَلٰكِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ قَالُوا: إِنَّهَا تُؤْكَلُ.
وَالَّذِينَ مَنَعُوا أَكْلَهَا اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَفْرَدَهَا عَنِ الأَنْعَامِ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ الأَنْعَامَ الَّتِي يَحِلُّ أَكْلُهَا، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذٰلِكَ: ﴿وَالخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ﴾، فَقَالُوا: هٰذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ. وَأَجَابَ مَنْ أَبَاحَ أَكْلَ الخَيْلِ بِأَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ كَذٰلِكَ، وَأَنَّ إِفْرَادَ ذِكْرِهَا إِنَّمَا هُوَ لِأَنَّ الغَالِبَ فِي الخَيْلِ أَنَّهَا لَا تُجْلَبُ لِلْأَكْلِ، وَإِنَّمَا تُجْلَبُ لِلرُّكُوبِ.
﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]
أَيْ إِنَّ هٰذِهِ مَنْفَعَتُهَا الغَالِبَةُ، وَهِيَ الرُّكُوبُ وَالزِّينَةُ. فَأَمَّا الغَنَمُ وَالبَقَرُ وَالإِبِلُ، فَالغَالِبُ أَنَّ النَّاسَ يَجْلِبُونَهَا لِلَّحْمِ، وَاللَّبَنِ، وَالأَصْوَافِ، وَالأَوْبَارِ، وَإِنْ كَانَتِ الإِبِلُ تُسْتَعْمَلُ أَيْضًا لِلتَّنَقُّلِ. أَمَّا الخَيْلُ وَالبِغَالُ وَالحَمِيرُ فَالغَالِبُ فِيهَا أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ.
وَلِذٰلِكَ قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: يَحِلُّ أَكْلُ الخَيْلِ. وَقَدْ سِيقَتِ الآيَةُ لِبَيَانِ النِّعْمَةِ، وَلَا يَلِيقُ بِالحَكِيمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَذْكُرَ فِي مَوَاضِعِ المِنَّةِ أَدْنَى النِّعْمَتَيْنِ وَيَتْرُكَ أَعْلَاهُمَا. فَإِذًا ذُكِرَتِ الخَيْلُ وَالبِغَالُ وَالحَمِيرُ فِي هٰذَا المَوْضِعِ لِبَيَانِ نِعْمَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهَا، وَأَظْهَرُ مَا فِيهَا مِنَ النِّعْمَةِ الرُّكُوبُ وَالزِّينَةُ.
وَانْتِصَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَزِينَةً﴾ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ قَوْلِهِ: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾. فَالمَعْنَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ لَكُمُ الخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا، وَلِتَكُونَ لَكُمْ زِينَةً.
﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]
أَيْ وَيَخْلُقُ اللهُ تَعَالَى مِنْ أَصْنَافِ خَلْقِهِ مَا لَا تَعْلَمُونَهُ. وَمَنْ كَانَ هٰذَا وَصْفُهُ، فَهُوَ المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ وَالإِنْعَامِ، يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ غَيْرُهُ. فَالَّذِي خَلَقَ لَكُمْ هٰذِهِ الأَنْعَامَ، وَخَلَقَ لَكُمْ هٰذِهِ الدَّوَابَّ، وَمَتَّعَكُمْ بِهَا؛ فَتِلْكَ لِلْأَكْلِ وَالمَنْفَعَةِ، وَلِمَا فِيهَا مِنْ لِبَاسٍ مِنْ صُوفٍ وَوَبَرٍ، وَشَرَابٍ مِنْ أَلْبَانِهَا، وَهٰذِهِ لِتَرْكَبُوهَا وَتَتَزَيَّنُوا بِهَا؛ هُوَ وَحْدَهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ وَالتَّوْحِيدِ.
وَفِي هٰذَا تَبْكِيتٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُشْرِكُونَ مَعَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَيَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الأَصْنَامَ لَا تَخْلُقُ شَيْئًا مِنْ ذٰلِكَ، وَلَا تَمْلِكُ لَهُمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا. وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الَّذِي خَلَقَ لَهُمْ هٰذِهِ النِّعَمَ كُلَّهَا هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَأَنْ يُوَحَّدَ.
فَسِيَاقُ هٰذِهِ الآيَاتِ فِي ذِكْرِ نِعَمِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لِأَنَّ الإِنْسَانَ فِي أَكْثَرِ أَحْيَانِهِ يَنْسَى نِعْمَةَ اللهِ تَعَالَى. فَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَآوَانَا، وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنَّا وَلَا قُوَّةٍ. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَنْسَى نِعْمَةَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَوْلَنَا مَا يُذَكِّرُنَا بِنِعَمِ اللهِ عَلَيْنَا؛ لِأَنَّ نِعَمَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا نِعَمٌ عَظِيمَةٌ.
فَانْظُرْ فِي كِتَابِ اللهِ، كَيْفَ ذُكِّرْنَا حَتَّى بِالحِمَارِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ الحِكْمَةَ فَقَالَ: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾. ثُمَّ بَعْدَ ذِكْرِ هٰذِهِ النِّعَمِ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، أَيْ إِنَّ هٰذِهِ النِّعَمَ الَّتِي ذُكِرَتْ لَكُمْ مَعَ كَثْرَتِهَا لَيْسَتْ كُلَّ شَيْءٍ، بَلْ هُنَاكَ نِعَمٌ وَمَخْلُوقَاتٌ وَأَسْرَارٌ لَا تَعْلَمُونَهَا. بَلْ إِنَّ مَا عَلِمْنَاهُ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِمَّا لَمْ نَعْلَمْهُ.
فَمَاذَا عَلِمْنَا عَنِ الأَرْضِ؟ وَهَلْ أَحَطْنَا بِكُلِّ مَا فِي هٰذِهِ الأَرْضِ؟ وَالنَّحْلَةُ، هَلْ وَصَلْنَا إِلَى كُلِّ مَا فِيهَا مِنَ الأَسْرَارِ؟ فَفِيهَا العَسَلُ وَاللَّسْعُ، وَقَدْ يَكُونُ فِي اللَّسْعِ عِلَاجٌ، وَفِي العَسَلِ شِفَاءٌ. وَالذُّبَابَةُ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهَا دَاءً، وَفِي الآخَرِ دَوَاءً، فَهَلْ أَحَطْنَا بِذٰلِكَ كُلِّهِ؟
وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ». وَالكَمْأَةُ نَوْعٌ مِنَ الفِطْرِ، وَقَوْلُهُ ﷺ: «مِنَ المَنِّ» فِيهِ تَشْبِيهٌ لَهَا بِالمَنِّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى﴾. فَهٰذَا تَذْكِيرٌ بِأَنَّ الكَمْأَةَ مِنَ النِّعَمِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ مَاءَهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَيُقَالُ: إِنَّ مَاءَهَا يَشْفِي مِنَ العَمَى بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَهِيَ نَوْعٌ مِنَ الفِطْرِ، تُسَمَّى الكَمْأَةَ أَوِ الكَمَأَ، وَلَهَا أَسْمَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي البِلَادِ.
وَكَثِيرٌ مِنَ الأَشْيَاءِ لَمْ نَعْلَمْهَا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ المَدِينَةِ مِمَّا بَيْنَ لَابَتَيْهَا لَمْ يُصِبْهُ فِي ذٰلِكَ اليَوْمِ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ». وَذَكَرَ أَهْلُ العِلْمِ أَنَّ ذٰلِكَ فِي العَجْوَةِ الَّتِي تَكُونُ مَزْرُوعَةً بَيْنَ الحَرَّةِ الشَّرْقِيَّةِ وَالحَرَّةِ الغَرْبِيَّةِ، وَلَهَا عَلَامَاتٌ، وَفِيهَا خُيُوطٌ بِيضٌ، وَفِيهَا سِرٌّ عَجِيبٌ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «مِنْ عَجْوَةِ العَالِيَةِ»، وَالعَالِيَةُ نَاحِيَةٌ مِنَ المَدِينَةِ. فَسَبْعُ تَمَرَاتٍ مِنَ العَجْوَةِ عَلَى بُكْرَةِ الرِّيقِ، أَيْ أَوَّلَ مَا يَأْكُلُ الإِنْسَانُ، تَكُونُ شِفَاءً مِنَ السُّمِّ وَالسِّحْرِ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا لَا نَعْلَمُهُ مِنْ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى المَلَائِكَةُ. فَنَحْنُ البَشَرَ، مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى نِهَايَةِ الدُّنْيَا، وَلَوْ كَانَ مَعَ البَشَرِ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، لَا يَبْلُغُونَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَدَدِ المَلَائِكَةِ عُشْرَ عُشْرِ عُشْرِ عُشْرِ عُشْرِ عُشْرِ عُشْرِ مِعْشَارِهِمْ. وَمَنْ مِنَّا رَأَى المَلَائِكَةَ إِلَّا القَلِيلُ؟ وَمَاذَا أَحَطْنَا مِنْ أَمْرِ المَلَائِكَةِ؟
وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا عَشَرَةٌ مِنَ المَلَائِكَةِ فِي الغَالِبِ لَا يَرَاهُمْ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠-١١]. فَهٰؤُلَاءِ المَلَائِكَةُ مَعَكَ، وَلَا تَرَاهُمْ بِقُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى. وَمِنْ هٰؤُلَاءِ العَشَرَةِ سِتَّةٌ مِنَ الحَفَظَةِ، وَرَقِيبٌ وَعَتِيدٌ يُسَجِّلَانِ وَيَكْتُبَانِ، وَمَلَكٌ آخَرُ مِنْ هٰؤُلَاءِ العَشَرَةِ وَظِيفَتُهُ أَنَّهُ كُلَّمَا صَلَّيْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْصَلَ صَلَاتَنَا وَسَلَامَنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.
فَإِذَا قُلْنَا وَنَحْنُ فِي عَمَّانَ، أَوْ فِي مِصْرَ حَفِظَهَا اللهُ، أَوْ فِي العِرَاقِ حَفِظَهُ اللهُ، أَوْ فِي تُونُسَ حَفِظَهَا اللهُ، أَوْ فِي المَغْرِبِ، أَوْ فِي بِلَادِ المُسْلِمِينَ البَعِيدَةِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، حَمَلَ المَلَكُ هٰذَا السَّلَامَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي المَدِينَةِ، وَنَحْنُ لَا نَرَى مِنْ ذٰلِكَ شَيْئًا.
فَيَحْمِلُ المَلَكُ السَّلَامَ، وَيَقِفُ عِنْدَ القَبْرِ الشَّرِيفِ، وَيَقُولُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: يَا أَحْمَدُ، وَفِي بَعْضِهَا: يَا مُحَمَّدُ، فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ. فَيَصِلُ السَّلَامُ، وَيَسْمَعُهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَيَرُدُّ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَلٰكِنَّكَ لَا تَسْمَعُ فِي الغَالِبِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُسْمِعَ اللهُ تَعَالَى بَعْضَ الصَّالِحِينَ رَدَّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِمْ مَهْمَا كَانَتِ المَسَافَةُ بَعِيدَةً؛ فَقَدْ كَانَ بَعْضُ الصَّالِحِينَ مِنْ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ يُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَيَسْمَعُ رَدَّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ، وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَتُذْكَرُ فِي ذٰلِكَ قِصَّةُ فَقِيهَةٍ حَنْبَلِيَّةٍ كَانَتْ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً تَقْرِيبًا، يُقَالُ لَهَا: فَاطِمَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الدَّائِمِ. سَافَرَتْ مِنَ العِرَاقِ، فَذَهَبَتْ لِلْحَجِّ، فَحَجَّتْ وَزَارَتِ النَّبِيَّ ﷺ، ثُمَّ قَالَتْ: أُرِيدُ أَنْ أُجَاوِرَ، فَتَعَلَّقَ قَلْبُهَا بِالبَقَاءِ هُنَاكَ، وَقَالَتْ: لَا أَرْجِعُ إِلَى بَلَدِي. فَمَكَثَتْ فِي مَكَّةَ، وَكَانَتِ امْرَأَةً صَوَّامَةً قَوَّامَةً، عَابِدَةً زَاهِدَةً، تَقُومُ اللَّيْلَ، وَلَا يَقْطَعُهَا حَتَّى المَرَضُ الشَّدِيدُ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ.
ثُمَّ ذَهَبَ بَصَرُهَا، وَمَعَ ذٰلِكَ مَا قَطَعَتْ وِرْدَهَا مِنَ الصَّلَاةِ. وَمَاذَا نَجِدُ اليَوْمَ؟ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مَعَ الصِّحَّةِ وَالعَافِيَةِ لَا يَقُومُونَ اللَّيْلَ، وَمَعَ القُدْرَةِ إِذَا نَامُوا لَا يَقُومُونَ، وَقَدْ يَقُومُ أَحَدُهُمْ لِلْفَجْرِ وَقَدْ لَا يَقُومُ، وَأَمَّا التَّهَجُّدُ فَفِي الغَالِبِ لَا يَقُومُ لَهُ. وَهٰذِهِ العَابِدَةُ الزَّاهِدَةُ مَا كَانَتْ تَقْطَعُ القِيَامَ، حَتَّى مَعَ المَرَضِ، وَبَعْدَ أَنْ عَمِيَتْ وَذَهَبَ بَصَرُهَا، كَانَتْ تَتَحَامَلُ عَلَى نَفْسِهَا وَتَقُومُ فِي اللَّيْلِ لِتُصَلِّيَ.
وَكَانَ لَهَا خَادِمَةٌ، فَاسْتَأْذَنَتْهَا فِي لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي أَنْ تَذْهَبَ فِي حَاجَةٍ لَهَا وَتَتْرُكَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَأَذِنَتْ لَهَا. فَنَامَتْ هٰذِهِ المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ كَعَادَتِهَا، ثُمَّ قَامَتْ فِي اللَّيْلِ، وَلٰكِنَّهَا قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهَا، وَخَادِمَتُهَا ذَهَبَتْ، فَكَيْفَ تَتَوَضَّأُ وَحْدَهَا؟ وَمَعَ ذٰلِكَ لَمْ تَقُلْ: إِنَّ خَادِمَتِي ذَهَبَتْ فَلَا أَقُومُ اللَّيْلَةَ، بَلْ قَامَتْ لِتُصَلِّيَ عَلَى عَادَتِهَا.
فَقَامَتْ، وَأَرَادَتْ أَنْ تَتَوَضَّأَ، فَزَلِقَتْ قَدَمُهَا عَنِ الدَّرَجِ، وَكَانَ هُنَاكَ دَرَجٌ، فَوَقَعَتْ، فَتَكَسَّرَتْ أَضْلَاعُهَا، وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا الأَلَمُ وَالكَسْرُ. وَمَعَ أَنَّ أَضْلَاعَهَا تَكَسَّرَتْ، تَحَامَلَتْ عَلَى نَفْسِهَا، فَقَامَتْ وَتَوَضَّأَتْ، وَأَدَّتْ وِرْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنَ الصَّلَاةِ كَامِلًا، وَلَمْ تُنْقِصْ مِنْ عَادَتِهَا شَيْئًا، مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا رَكَعَتْ أَوْ سَجَدَتْ اشْتَدَّ الأَلَمُ عَلَيْهَا.
فَلَمَّا أَتَمَّتْ وِرْدَهَا عَلَى التَّمَامِ، انْظُرُوا إِلَى ثَمَرَةِ العِبَادَةِ، وَفَضْلِ الصَّبْرِ، وَأَنْوَارِ العِبَادَةِ وَأَسْرَارِهَا، وَكَيْفَ يَكُونُ فِيهَا الفَرَجُ؛ نَامَتْ بَعْدَ أَنْ صَلَّتْ وَأَدَّتْ عِبَادَتَهَا، وَكَانَ بَيْتُهَا مُقَابِلًا لِلْكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ. فَرَأَتْ فِي المَنَامِ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، يَتَّجِهُونَ إِلَيْهَا مِنْ نَاحِيَةِ الكَعْبَةِ. فَاقْتَرَبَ مِنْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَخَذَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ طَرَفَ رِدَائِهِ الشَّرِيفِ، فَبَصَقَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: خُذِي امْسَحِي. فَأَخَذَتْ رِدَاءَ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ رِيقُهُ المُبَارَكُ الشَّرِيفُ الَّذِي يُتَبَرَّكُ بِهِ، فَمَسَحَتْ أَضْلَاعَهَا، فَشُفِيَتْ فِي الحَالِ، ثُمَّ مَسَحَتْ عَلَى عَيْنَيْهَا، فَفَتَحَ اللهُ بَصَرَهَا.
فَقَامَتْ مِنَ النَّوْمِ وَهِيَ تُبْصِرُ بِعَيْنَيْهَا، وَلَيْسَ فِي جَسَدِهَا كَسْرٌ. فَلَمَّا جَاءَتِ الخَادِمَةُ فِي الصَّبَاحِ وَطَرَقَتِ البَابَ، قَامَتْ هِيَ فَفَتَحَتْ لَهَا، فَنَظَرَتِ الخَادِمَةُ إِلَيْهَا وَقَالَتْ: أَنْتِ تُبْصِرِينَ؟ فَقَدْ فَتَحَ اللهُ بَصَرَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ. ثُمَّ أَخْبَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي المَنَامِ عَنْ أَرْبَعَةٍ، فَقَالَ عَنْ اثْنَيْنِ: هٰذَانِ فِي زَمَانِهِمَا كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي زَمَانِهِمَا، وَقَالَ عَنْ آخَرَيْنِ: هٰذَانِ عَالِمَانِ فَاسِقَانِ. فَذَهَبَتْ فَذَكَرَتْ ذٰلِكَ لِلصَّالِحَيْنِ، فَقَالَا لَهَا: لَا تُخْبِرِي بِذٰلِكَ مَا دُمْنَا أَحْيَاءً؛ لِأَنَّ الأَوْلِيَاءَ يَكْتُمُونَ أَحْوَالَهُمْ.
فَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وَفِي خَلْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَأَسْرَارِهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ. وَقَدْ ذُكِرَ لِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ العَجَمَ يَسْتَعْمِلُونَ حَمَّامَاتٍ سَاخِنَةً يَكُونُ فِيهَا البُخَارُ، وَيَتَدَاوَوْنَ بِهَا، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ عِنْدَهُمْ حَمَّامَاتٍ سَاخِنَةً يَدْخُلُونَهَا، فَتُحْدِثُ حَرَارَةً كَبِيرَةً، وَيُعَالِجُونَ بِهَا الأَمْرَاضَ وَآلَامَ العِظَامِ وَالرُّومَاتِيزْمَ وَنَحْوَ ذٰلِكَ، وَأَنَّ هٰذَا لَيْسَ عِنْدَ العَرَبِ. فَقَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: الشَّمْسُ حَمَّامُ العَرَبِ.
فَالشَّمْسُ فِيهَا نَفْعٌ كَبِيرٌ؛ لِأَنَّ حَرَارَتَهَا تُحْدِثُ التَّعَرُّقَ، وَالتَّعَرُّقُ يُخْرِجُ كَثِيرًا مِنَ الدَّاءِ إِلَى خَارِجِ الجَسَدِ. وَقَدْ قَالَ أَهْلُ المَعْرِفَةِ: إِنَّ المَشْيَ السَّرِيعَ مَعَ التَّعَرُّقِ يُخْرِجُ أَكْثَرَ الأَمْرَاضِ مِنَ الجَسَدِ، حَتَّى لَا يَبْقَى الإِنْسَانُ بِحَاجَةٍ إِلَى كَثِيرٍ مِمَّا يُسَمَّى بِالتَّأْمِينِ الصِّحِّيِّ، وَلَا إِلَى المُسْتَشْفَيَاتِ، وَلَا إِلَى غَيْرِهَا، إِذَا أَخَذَ بِهٰذَا السَّبَبِ مَعَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى. فَهٰذَا كُلُّهُ مِنْ دَلَائِلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فَإِنَّ هُنَاكَ أَسْرَارًا كَثِيرَةً لَمْ نَعْلَمْهَا، وَاللهُ تَعَالَى يَعْلَمُهَا.
وَقَدْ يَكْشِفُ اللهُ تَعَالَى لِبَعْضِ أَوْلِيَائِهِ الصَّالِحِينَ أَشْيَاءَ لَا يَرَاهَا غَيْرُهُمْ. وَمِنْ أَشْهَرِ أَوْلِيَاءِ اللهِ فِي مِصْرَ، حَفِظَهَا اللهُ بِأَوْلِيَائِهَا وَعِبَادِهَا الصَّالِحِينَ، السَّيِّدُ الكَبِيرُ أَحْمَدُ البَدَوِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. جَاءَ أَحْمَدُ البَدَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ مِنَ المَغْرِبِ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ مِنْ مَكَّةَ ذَهَبَ بَعْدَ ذٰلِكَ إِلَى مِصْرَ. وَكَانَ يَقْرَأُ القُرْآنَ الكَرِيمَ بِالقِرَاءَاتِ السَّبْعِ، وَكَانَ عَابِدًا زَاهِدًا، وَلِيًّا كَبِيرًا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ تَعَالَى، قَوَّامًا، عَجِيبَ الأَمْرِ فِي الكَرَامَاتِ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ أُسِرَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ فِي أُورُوبَا، فَسَحَبَ الأَسْرَى بِقُوَّةٍ مَعْنَوِيَّةٍ إِلَى بِلَادِ المُسْلِمِينَ، بِقُوَّةٍ مَعْنَوِيَّةٍ أَجْرَاهَا اللهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ، وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وَذَاتَ يَوْمٍ كَانَ أَحْمَدُ البَدَوِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَمْشِي، فَكَشَفَ اللهُ تَعَالَى لَهُ فِي السَّمَاءِ شَيْئًا عَظِيمًا جِدًّا، فَكَشَفَ لَهُ عَنْ زَوْجَتِهِ مِنَ الحُورِ العِينِ، فَرَآهَا عِيَانًا.
أَلَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ زَوْجَاتٌ مِنَ الحُورِ العِينِ فِي الآخِرَةِ؟ وَهُوَ فِي الغَالِبِ لَا يَرَاهُنَّ فِي الدُّنْيَا، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وَقَدْ وَرَدَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ المُسْلِمَ إِذَا آذَتْهُ زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا، قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الحُورِ العِينِ: «قَاتَلَكِ اللهُ، أَتُؤْذِينَهُ؟ يُوشِكُ أَنْ يَرْحَلَ إِلَيْنَا». فَكَمَا هُوَ زَوْجٌ لَهَا فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ زَوْجٌ لَهُنَّ هُنَاكَ فِي الآخِرَةِ. وَقَدْ كَشَفَ اللهُ تَعَالَى لِلسَّيِّدِ أَحْمَدَ البَدَوِيِّ عَنْ زَوْجَتِهِ مِنَ الحُورِ العِينِ، فَرَآهَا عِيَانًا بِقُدْرَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَإِذَا نَظَرَ الإِنْسَانُ فِي هٰذِهِ العَجَائِبِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، عَلِمَ أَنَّ هُنَاكَ كَثِيرًا مِنَ الأَشْيَاءِ لَمْ يَعْلَمْهَا وَلَا يَعْرِفْهَا.
﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩]
﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩]
اللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَهْدِي، وَالسَّبِيلُ مِنْهَا الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، وَهُوَ السَّبِيلُ القَصْدُ، أَيْ السَّبِيلُ المُسْتَقِيمُ المُوصِلُ إِلَى الحَقِّ، وَمِنْهَا السَّبِيلُ المَائِلُ المُنْحَرِفُ. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾. وَالحَنِيفُ هُوَ المَائِلُ عَنِ السَّبِيلِ المُنْحَرِفِ، الَّذِي هُوَ البَاطِلُ، إِلَى السَّبِيلِ القَصْدِ، أَيْ إِلَى السَّبِيلِ الحَقِّ، وَإِلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ. فَالحَنِيفُ هُوَ المَائِلُ عَنِ البَاطِلِ إِلَى الحَقِّ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ المُرَادُ بِهِ الجِنْسُ، وَكَأَنَّ المَعْنَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُبَيِّنُ الوَجْهَ الَّذِي يَؤُمُّهُ السَّالِكُ فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ. وَمَعْنَاهُ أَنَّ هِدَايَةَ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إِلَى الحَقِّ عَلَى اللهِ تَعَالَى تَفَضُّلًا وَإِنْعَامًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾. وَلَيْسَ ذٰلِكَ عَلَى مَعْنَى الوُجُوبِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى اللهِ شَيْءٌ، بَلْ يَفْعَلُ ذٰلِكَ تَفَضُّلًا مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ أَيْ إِلَى اللهِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ أَنَّ عَلَى اللهِ تَبْيِينَ الطَّرِيقِ الوَاضِحِ المُسْتَقِيمِ، وَالدُّعَاءَ إِلَيْهِ بِالحُجَجِ، أَيْ تَفَضُّلًا وَإِنْعَامًا لَا وُجُوبًا.
﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩]
أَيْ وَمِنَ السُّبُلِ سَبِيلٌ جَائِرٌ، أَيْ مَائِلٌ عَنِ الحَقِّ. فَهُنَاكَ سَبِيلٌ قَصْدٌ، وَهُنَاكَ سَبِيلٌ جَائِرٌ مَائِلٌ. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، أَيْ بَيَّنَّا لَهُ طَرِيقَ الخَيْرِ وَطَرِيقَ الشَّرِّ، فَيُوجَدُ طَرِيقُ حَقٍّ، وَيُوجَدُ طَرِيقُ بَاطِلٍ. وَاللهُ تَعَالَى يَبْعَثُ الأَنْبِيَاءَ لِيُبَلِّغُوا النَّاسَ، وَيُرْشِدُوهُمْ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الحَقِّ، وَلَيْسَ ذٰلِكَ وَاجِبًا عَلَى اللهِ تَعَالَى؛ إِذْ لَا يَجِبُ عَلَى اللهِ شَيْءٌ، بَلْ هُوَ تَفَضُّلٌ وَرَحْمَةٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ.
﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩]
أَيْ لَوْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ جَمِيعَ العِبَادِ عَلَى الإِيمَانِ لَكَانُوا كَذٰلِكَ. وَفِي هٰذَا بَيَانٌ أَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ. وَمِثْلُ ذٰلِكَ مَا نَرَاهُ فِي أَحْوَالِ العِبَادَاتِ؛ فَبَعْضُ النَّاسِ يُوَفِّقُهُمُ اللهُ تَعَالَى، فَيَجِدُونَ هِمَّةً عَلَى القِيَامِ، وَالصِّيَامِ، وَالطَّاعَةِ، وَبَعْضُ النَّاسِ لَيْسَ كَذٰلِكَ.
وَقَدْ قِيلَ:
يَا عِبَادَ اللهِ جِدُّوا ~ رُبَّ دَاعٍ لَا يُرَدُّ.
لَا يَقُومُ اللَّيْلَ إِلَّا ~ مَنْ لَهُ عَزْمٌ وَجِدُّ.
فَهٰذَا كُلُّهُ بِتَوْفِيقِ اللهِ تَعَالَى. فَبَعْضُ النَّاسِ يُعْطِيهِ اللهُ القُوَّةَ عَلَى الطَّاعَةِ، فَيَقُومُ اللَّيْلَ، وَيَصُومُ، وَيَذْهَبُ، وَيُعَلِّمُ النَّاسَ، وَيَنْشُرُ دِينَ اللهِ، وَيُدَافِعُ عَنْ دِينِ اللهِ تَعَالَى، وَلَا يَنَامُ إِلَّا سَاعَاتٍ قَلِيلَةً. وَبَعْضُ النَّاسِ لَيْسَ كَذٰلِكَ. وَبَعْضُ النَّاسِ حَبَّبَ اللهُ إِلَيْهِمُ الإِيمَانَ، وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَبَعْضُ النَّاسِ لَيْسُوا كَذٰلِكَ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ يَهْتَدِي فَبِمَشِيئَةِ اللهِ، وَمَنْ يَضِلُّ فَبِمَشِيئَةِ اللهِ. وَالمُرَادُ هُنَا هِدَايَةُ اللُّطْفِ بِالتَّوْفِيقِ وَالإِنْعَامِ، بَعْدَ الهُدَى العَامِّ الَّذِي هُوَ البَيَانُ وَالدَّلَالَةُ.
وَنَخْتِمُ بِفَائِدَةٍ ذَكَرَهَا اليَافِعِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ «الإِرْشَادِ وَالتَّطْرِيزِ فِي فَضْلِ ذِكْرِ اللهِ وَتِلَاوَةِ كِتَابِهِ العَزِيزِ». وَاليَافِعِيُّ كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ القَرْنِ الثَّامِنِ، وَهُوَ شَافِعِيٌّ، وَيَذْكُرُ فِي كِتَابِهِ أَخْبَارَ المَسَاكِينِ وَالأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَيَذْكُرُ أَسْرَارًا كَثِيرَةً. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ شَيْخٍ مَالِكِيٍّ اسْمُهُ أَبُو زَيْدٍ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فَائِدَةً عَظِيمَةً، وَمَا أَعْظَمَ أَنْ نَفْعَلَهَا جَمِيعًا.
وَهٰذِهِ الفَائِدَةُ، بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، لِلْعَتَاقَةِ مِنَ النَّارِ، وَلٰكِنْ لَهَا شُرُوطٌ وَضَوَابِطُ. فَلْيَعْمَلْهَا الإِنْسَانُ وَلَوْ مَرَّةً فِي حَيَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَيِّتٌ مِنَ المُسْلِمِينَ قَرِيبٌ إِلَيْهِ جِدًّا، فَلْيَعْمَلْهَا عَنْهُ وَلَوْ مَرَّةً.
وَذَكَرَ أَنَّهُ مِمَّا وَرَدَ فِي الأَثَرِ، وَلَيْسَ المَقْصُودُ أَنَّهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ بِنَصِّهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا عُرِفَ بَيْنَ العُلَمَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ مِمَّا كَشَفَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُمْ، أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ بِنِيَّةِ العَتَاقَةِ مِنَ النَّارِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَذَّبُ بِإِذْنِ اللهِ فِي النَّارِ.
فَيَقُولُ: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ، بِنِيَّةِ العَتَاقَةِ مِنَ النَّارِ. وَلٰكِنْ مَاذَا يُشْتَرَطُ لِحُصُولِ السِّرِّ؟ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَهَا أَوَّلًا بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ، وَأَنْ يَقُولَهَا مَعَ اسْتِحْضَارِ الخَوْفِ مِنَ اللهِ تَعَالَى، لَا مُجَرَّدَ إِمْرَارٍ لَهَا عَلَى اللِّسَانِ. أَمَّا أَصْلُ الثَّوَابِ فَمَنْ قَالَ: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ، فَلَهُ ثَوَابُ الذِّكْرِ وَلَوْ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِهِ هٰذَا الاسْتِحْضَارُ، وَلٰكِنَّ الكَلَامَ هُنَا عَنْ حُصُولِ السِّرِّ الخَاصِّ لِلْعَتَاقَةِ مِنَ النَّارِ بِإِذْنِ اللهِ.
فَيَقُولُهَا مُخْلِصًا بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ، وَيَقَعُ فِي قَلْبِهِ الخَوْفُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَخْشَعُ، وَيَخَافُ اللهَ خَوْفَ الإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ، وَيَقُولُهَا عَلَى نِيَّةِ أَنْ يُعْتِقَهُ اللهُ مِنَ النَّارِ: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ. فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَعْتِقُهُ مِنَ النَّارِ بِسِرِّهَا بِإِذْنِهِ تَعَالَى.
وَلَيْسَ شَرْطًا أَنْ يَقُولَهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ؛ فَيَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ فِي لَيْلَةٍ ثَلَاثَةَ آلَافِ مَرَّةٍ، وَفِي اليَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، فَلَا يَنْقَضِي الشَّهْرُ إِلَّا وَقَدْ أَتَمَّهَا. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَدْ فَعَلْتَهَا، فَافْعَلْهَا، وَإِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهَا وَلَمْ تَسْتَحْضِرْ هٰذَا الخُشُوعَ، فَقُلْهَا مَعَ اسْتِحْضَارِ هٰذَا الخُشُوعِ. جَزِّئْهَا، وَلَا يَنْقَضِي شَهْرٌ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا وَقَدْ أَتْمَمْتَهَا.
وَمِنْ عَظِيمِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى أَنَّ الإِنْسَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَهَا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ بِإِذْنِ اللهِ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ مَيِّتٌ، أَوْ أُمٌّ مَيِّتَةٌ، أَوْ أَخٌ تَوَفَّاهُ اللهُ تَعَالَى، فَيَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، مَعَ اسْتِحْضَارِ الخُشُوعِ وَالنِّيَّةِ الحَسَنَةِ، بِنِيَّةِ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ وَالِدَهُ أَوْ وَالِدَتَهُ أَوْ ذٰلِكَ المُسْلِمَ مِنَ النَّارِ، سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ، فَيَحْصُلُ ذٰلِكَ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.
ثُمَّ بَعْدَ أَنْ يُتِمَّهَا، إِذَا عَمِلَهَا عَلَى نِيَّةِ عَتَاقَةِ أَبِيهِ، أَوْ أَخِيهِ، أَوْ أُمِّهِ مِنَ النَّارِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَهَا إِلَى وَالِدِي، أَوْ إِلَى فُلَانٍ الَّذِي عَمِلْتُهَا عَنْهُ. فَإِنَّهَا تَصِلُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ أَحَدِ الصَّالِحِينَ، وَلَمْ يَمْضِ عَلَى ذٰلِكَ زَمَانٌ بَعِيدٌ، أَنَّهُ كَانَ فِي زِيَارَةٍ لِرَجُلٍ، فَرَآهُ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: أُمِّي مَاتَتْ، وَقَدْ رَأَيْتُهَا فِي المَنَامِ تُعَذَّبُ. فَمَاذَا فَعَلَ هٰذَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ؟ قَالَ سَبْعِينَ أَلْفَ تَهْلِيلَةٍ عَلَى نِيَّةِ عَتَاقَةِ أُمِّ ذٰلِكَ الشَّخْصِ مِنَ النَّارِ، وَهِيَ مُسْلِمَةٌ، وَلٰكِنَّ المُسْلِمَ قَدْ يَكُونُ عَاصِيًا، وَقَدْ يُعَذَّبُ فَتْرَةً فِي قَبْرِهِ. فَعَمِلَ سَبْعِينَ أَلْفَ تَهْلِيلَةٍ عَلَى نِيَّةِ عَتَاقَةِ أُمِّ فُلَانٍ مِنَ النَّارِ، ثُمَّ وَهَبَ لَهَا ثَوَابَ السَّبْعِينَ أَلْفَ تَهْلِيلَةٍ. فَجَاءَهُ بَعْدَ ذٰلِكَ ذٰلِكَ الشَّخْصُ، وَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، رَأَيْتُ أُمِّي الآنَ فِي حَالٍ حَسَنَةٍ. فَهٰذَا مِنْ عَظِيمِ فَضْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَيَسْتَطِيعُ النَّاسُ أَيْضًا أَنْ يَشْتَرِكُوا فِيهَا، فَلَوِ اجْتَمَعَ سَبْعُونَ شَخْصًا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَلْفَ مَرَّةٍ: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، عَلَى نِيَّةِ عَتَاقَةِ فُلَانٍ مِنَ النَّارِ، صَارَ المَجْمُوعُ سَبْعِينَ أَلْفًا. ثُمَّ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ هٰذَا التَّهْلِيلِ إِلَى فُلَانٍ. فَيَصِلُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى. نَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَعْتِقَ رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ.