بسم الله الرحمن الرحيم
﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾ [النحل: ٢٩-٣٢]
﴿فَادخُلُوا أَبوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئسَ مَثوَى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل: ٢٩]
تَقَدَّمَ أَنَّ هٰذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةَ جاءت في سِياقِ ذِكرِ حَالِ الَّذِينَ صَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ، وَكَذَّبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَقالُوا عَنِ القُرآنِ: إِنَّهُ أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ، وَضَلُّوا وَأَضَلُّوا، فَحَمَلُوا أَوزارَهُم كامِلَةً يَومَ القِيامَةِ، وَحَمَلُوا مَعَ ذٰلِكَ مِن أَوزارِ مَن أَضَلُّوهُم بِغَيرِ عِلمٍ. ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى أَنَّهُم عِندَ المَوتِ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أَنفُسِهِم، فَيُظهِرُونَ الاستِسلامَ وَيُنكِرُونَ ما كانُوا عَلَيهِ مِن سُوءٍ، فَيُرَدُّ عَلَيهِم بِأَنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما كانُوا يَعمَلُونَ.
ثُمَّ قِيلَ لَهُم: ﴿فَادخُلُوا أَبوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾، أَي ادخُلُوا أَبوابَ النّارِ، وَامكُثُوا فِيهَا مُكثًا لا انقِطاعَ لَهُ. وَجَهَنَّمُ، أَجارَنا اللهُ مِنها، لَها أَبوابٌ سَبعَةٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَولِهِ تَعالى: ﴿لَها سَبعَةُ أَبوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهُم جُزءٌ مَقسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤]. وَقِيلَ: هِيَ أَبوابٌ، وَقِيلَ: مَراتِبُ وَطَبَقاتٌ، وَلا تَعارُضَ؛ فَلِلنّارِ أَبوابٌ وَدَرَكاتٌ عَلَى ما شاءَ اللهُ تَعالى.
وَأَمّا الجَنَّةُ فَلَها أَبوابٌ ثَمانِيَةٌ، وَقَد جاءَ فِي الحَدِيثِ ذِكرُ بابِ الرَّيّانِ، وَهُوَ بابٌ يَدخُلُ مِنهُ الصّائِمُونَ، لا يَدخُلُ مَعَهُم غَيرُهُم مِنهُ. وَمِن أَهلِ الجَنَّةِ مَن يُنادَى عَلَيهِ مِن بابِ الصَّلاةِ، وَمِنهُم مَن يُنادَى عَلَيهِ مِن بابِ الصَّدَقَةِ، وَمِنهُم مَن يُنادَى عَلَيهِ مِن بابِ الجِهادِ، وَمِنهُم مَن يُنادَى عَلَيهِ مِن أَبوابِها كُلِّها، كَالصِّدِّيقِ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
وَالفَرقُ عَظِيمٌ بَينَ مَن يُدعَى إِلى أَبوابِ الجَنَّةِ، وَمَن يُساقُ إِلى أَبوابِ جَهَنَّمَ. فَهٰؤُلاءِ الكُفّارُ الَّذِينَ ضَلُّوا وَأَضَلُّوا يَحمِلُونَ أَوزارَهُم، وَيُنادَى عَلَيهِم: ادخُلُوا أَبوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيهَا؛ لأَنَّ الكُفرَ إِذا ماتَ صاحِبُهُ عَلَيهِ كانَ سَبَبًا لِلخُلُودِ الأَبَدِيِّ فِي النّارِ.
وَعَذابُ جَهَنَّمَ لا يَنقَطِعُ عَنِ الكُفّارِ، وَلا يُخَفَّفُ عَنهُم، وَلا يَمُوتُونَ فَيَستَرِيحُونَ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لا يُقضى عَلَيهِم فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنهُم مِن عَذابِها﴾ [فاطر: ٣٦]. فَإِذا جاعُوا أُطعِمُوا الزَّقُّومَ وَالغِسلِينَ، وَإِذا عَطِشُوا سُقُوا الحَمِيمَ، فَقَطَّعَ أَمعاءَهُم، وَهُم مَعَ ذٰلِكَ لا يَجِدُونَ راحَةً وَلَا مَخرَجًا. وَقَد قالَ اللهُ تَعالى عَنهُم: ﴿يا مالِكُ لِيَقضِ عَلَينا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، أَي يَطلُبُونَ المَوتَ مَعَ أَنَّهُم كانوا يَكرَهُونَهُ فِي الدُّنيا، فَيُجابُونَ بِأَنَّهُم ماكِثُونَ فِي العَذابِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِئسَ مَثوَى المُتَكَبِّرِينَ﴾ أَي بِئسَ المَقامُ وَالمَأوى جَهَنَّمُ لِلمُتَكَبِّرِينَ الَّذِينَ رَدُّوا الحَقَّ وَاستَكبَرُوا عَن قَبُولِهِ. وَالمَثوَى هُوَ مَكانُ الإِقامَةِ، وَلا يَختَصُّ لَفظُهُ بِالنّارِ، فَلَو قِيلَ: فُلانٌ نَرجُو أَن يَكونَ مَثواهُ الجَنَّةَ، فَالمَعنى مَكانُ إِقامَتِهِ، وَلا مَحذُورَ فِي ذٰلِكَ مِن حَيثُ اللُّغَةُ، وَإِن كانَ اللَّفظُ قَد يَرِدُ كَثِيرًا فِي سِياقِ الوَعِيدِ.
وَفِي تَكرارِ الوَعِيدِ فِي القُرآنِ تَربِيَةٌ لِلقُلُوبِ عَلَى الخَوفِ مِنَ اللهِ، كَما أَنَّ ذِكرَ الوَعدِ يُرَبِّيها عَلَى الرَّجاءِ. فَالمُؤمِنُ يَسِيرُ إِلى اللهِ بَينَ خَوفٍ وَرَجاءٍ؛ يَخافُ عَذابَ اللهِ، وَيَرجُو رَحمَتَهُ. وَمَن تَأَمَّلَ قَولَهُ تَعالى: ﴿فَلَبِئسَ مَثوَى المُتَكَبِّرِينَ﴾ عَلِمَ أَنَّ الكِبرَ مِن أَخطَرِ أَدواءِ القُلُوبِ، وَأَنَّ رَدَّ الحَقِّ وَاحتِقارَ النّاسِ مِن أَسبابِ الهَلاكِ.
وَقَد كانَ أَبُو الدَّرداءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقولُ: إِنَّكُم تَبْنُونَ شَدِيدًا، وَتَأمُلُونَ بَعِيدًا، وَسَتَمُوتُونَ قَرِيبًا. فَالعاقِلُ لا يَغتَرُّ بِبُنيانِ الدُّنيا وَزِينَتِها، وَلا يَنسى أَنَّهُ مُقبِلٌ عَلَى قَبرٍ وَحِسابٍ، وَأَنَّ هٰذِهِ الدّارَ دارُ عَمَلٍ، وَأَمّا الآخِرَةُ فَدارُ جَزاءٍ.
﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوا ماذا أَنزَلَ رَبُّكُم قالُوا خَيرًا لِلَّذِينَ أَحسَنُوا فِي هٰذِهِ الدُّنيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيرٌ وَلَنِعمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]
بَعدَ أَن ذَكَرَ اللهُ تَعالى حَالَ المُكَذِّبِينَ المُستَكبِرِينَ، وَما يُقالُ لَهُم مِنَ الوَعِيدِ، انتَقَلَ إِلى ذِكرِ الفَريقِ الآخَرِ، وَهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوا الشِّركَ وَالكُفرَ، فَآمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَصَدَّقُوا بِما أَنزَلَ اللهُ. وَقَولُهُ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوا﴾ أَي اتَّقَوا الشِّركَ، وَدَخَلُوا فِي الإِيمانِ، وَهٰذا المَعنى مِثلُ قَولِهِ تَعالى: ﴿وَرَحمَتِي وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ فَسَأَكتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، أَي يَتَّقُونَ الكُفرَ وَالشِّركَ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿ماذا أَنزَلَ رَبُّكُم﴾ هُوَ نَظِيرُ السُّؤالِ الَّذِي وُجِّهَ إِلى الكُفّارِ فِي قَولِهِ تَعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُم ماذا أَنزَلَ رَبُّكُم قالُوا أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]. فَالسُّؤالُ واحِدٌ، وَلٰكِنَّ الجَوابَ اختَلَفَ لاختِلافِ القُلُوبِ؛ فَالكُفّارُ قالُوا بُهتانًا وَعِنادًا: ﴿أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾، وَأَمّا المُؤمِنُونَ فَقالُوا: ﴿خَيرًا﴾، أَي أَنزَلَ رَبُّنا خَيرًا، وَهُوَ القُرآنُ وَالهُدى وَالنُّورُ.
وَقَد كانَ المُشرِكُونَ يَجلِسُونَ عَلَى مَداخِلِ مَكَّةَ وَطُرُقِها، لِيُنَفِّرُوا الوَافِدِينَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَقُولُوا لَهُم ما يَصدُّهُم عَن سَماعِ القُرآنِ. وَفِي المُقابِلِ كانَ أَصحابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدُلُّونَ النّاسَ عَلَى الحَقِّ، وَيُبَيِّنُونَ صِدقَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَحُثُّونَهُم عَلَى سَماعِ القُرآنِ وَالدُّخولِ فِي الإِسلامِ. فَهٰذا فِيهِ دَرسٌ لِلدُّعاةِ إِلى اللهِ: أَلَّا يَترُكُوا الطَّرِيقَ لِأَهلِ الباطِلِ، بَل يُبادِرُوا إِلى بَيانِ الحَقِّ قَبلَ أَن يَسبِقَهُم أَهلُ الإِضلالِ.
وَمِن لَطِيفِ الفَرقِ بَينَ جَوابِ الكُفّارِ وَجَوابِ المُؤمِنِينَ أَنَّ الكُفّارَ قالُوا: ﴿أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ بِالرَّفعِ، كَأَنَّهُم لَم يُجِيبُوا جَوابًا مُطابِقًا لِلسُّؤالِ، بَل أَعرَضُوا وَجاءُوا بِكَلامٍ مُنشَأٍ عَلَى وَجهِ الجُحُودِ وَالتَّلعثُمِ. وَأَمّا المُؤمِنُونَ فَقالُوا: ﴿خَيرًا﴾ بِالنَّصبِ، أَي أَنزَلَ رَبُّنا خَيرًا، فَكانَ جَوابُهُم مُطابِقًا لِلسُّؤالِ، صادِرًا عَن يَقِينٍ وَإِيمانٍ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحسَنُوا فِي هٰذِهِ الدُّنيا حَسَنَةٌ﴾ يَحتَمِلُ أَن يَكونَ مِن تَمامِ قَولِ المُؤمِنِينَ؛ أَي قالُوا: أَنزَلَ رَبُّنا خَيرًا، وَمِن ذٰلِكَ أَنَّ لِلَّذِينَ أَحسَنُوا فِي هٰذِهِ الدُّنيا حَسَنَةً. وَيَحتَمِلُ أَن يَكونَ كَلامًا مُستَأنَفًا مِنَ اللهِ تَعالى وَعدًا لِلمُحسِنِينَ. وَكِلا المَعنيَينِ صَحِيحٌ مِن حَيثُ المَعنى.
وَمَعنى ﴿لِلَّذِينَ أَحسَنُوا﴾ أَي لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، أَو لِلَّذِينَ قالُوا لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ مُؤمِنِينَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَقَولُهُ: ﴿فِي هٰذِهِ الدُّنيا﴾ يَحتَمِلُ أَن يَتَعَلَّقَ بِـ﴿أَحسَنُوا﴾، أَي أَحسَنُوا العَمَلَ فِي الدُّنيا، فَلَهُم حَسَنَةٌ، أَي ثَوابٌ وَفَضلٌ. وَيَحتَمِلُ أَن يَتَعَلَّقَ بِـ﴿حَسَنَةٌ﴾، أَي لَهُم فِي الدُّنيا حَسَنَةٌ مِن نَصرٍ وَرِزقٍ وَأَمنٍ وَطُمَأنِينَةٍ وَسائِرِ ما يُكرِمُ اللهُ بِهِ أَهلَ الإِيمانِ.
وَلَيسَتِ الحَسَنَةُ فِي الدُّنيا مَحصُورَةً فِي سَعَةِ المالِ وَالرَّخاءِ الظّاهِرِ؛ فَقَد يَكونُ المُؤمِنُ قَلِيلَ المالِ، وَلٰكِنَّ قَلبَهُ مُطمَئِنٌّ بِذِكرِ اللهِ، راضٍ بِقَضائِهِ، مُستَنِيرٌ بِالهُدى، وَهٰذِهِ مِن أَعظَمِ الحَسَناتِ. وَقَد يَكونُ الكافِرُ فِي سَعَةٍ ظاهِرَةٍ، وَقَلبُهُ فِي وَحشَةٍ وَظُلمَةٍ. فَالعِبرَةُ لَيسَت بِظاهِرِ النَّعيمِ، بَل بِما عِندَ اللهِ مِنَ الهِدايَةِ وَالرِّضا وَالثَّباتِ.
ثُمَّ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيرٌ﴾ أَي إِنَّ ما أَعَدَّهُ اللهُ لِلمُؤمِنِينَ فِي الآخِرَةِ خَيرٌ مِن كُلِّ ما يَنالُونَهُ فِي الدُّنيا مِن حَسَنَةٍ وَنَصرٍ وَرِزقٍ وَطُمَأنِينَةٍ. فَالدُّنيا مَهما طابَت فَهِيَ زائِلَةٌ، وَأَمّا الآخِرَةُ فَباقِيَةٌ، وَنَعِيمُها لا يَفنى. وَقَولُهُ: ﴿وَلَنِعمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ أَي نِعمَت دارُ الآخِرَةِ دارُ المُتَّقِينَ، فَحُذِفَ المَخصُوصُ بِالمَدحِ لِتَقَدُّمِ ذِكرِهِ.
﴿جَنّاتُ عَدنٍ يَدخُلُونَها تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهارُ لَهُم فِيها ما يَشاءُونَ كَذٰلِكَ يَجزِي اللهُ المُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣١]
قَولُهُ تَعالى: ﴿جَنّاتُ عَدنٍ﴾ أَي جَنّاتُ إِقامَةٍ وَخُلُودٍ، فَالعَدنُ هُوَ الإِقامَةُ وَالثَّباتُ. فَهِيَ جَنّاتٌ يَدخُلُها أَهلُ الإِيمانِ وَالتَّقوى، فَلا يَخرُجُونَ مِنها، وَلا يَخافُونَ زَوالَ نَعِيمِها، وَلا يُصِيبُهُم فِيهَا مَلَلٌ وَلَا تَعَبٌ وَلَا حُزنٌ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿يَدخُلُونَها تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهارُ﴾ أَي يَدخُلُ المُتَّقُونَ تِلكَ الجَنّاتِ، وَالأَنهارُ تَجرِي مِن تَحتِ قُصُورِها وَأَشجارِها. وَفِي الجَنَّةِ أَنهارٌ مِن ماءٍ غَيرِ آسِنٍ، وَأَنهارٌ مِن لَبَنٍ لَم يَتَغَيَّر طَعمُهُ، وَأَنهارٌ مِن خَمرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ، وَأَنهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى، كَما أَخبَرَ اللهُ تَعالى. وَهٰذِهِ الأَنهارُ لَيسَت كَأَنهارِ الدُّنيا، بَل هِيَ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ الَّذِي لا يُدرِكُ العَقلُ حَقيقَتَهُ الكامِلَةَ فِي الدُّنيا.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿لَهُم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ يَدُلُّ عَلَى كَمالِ نَعِيمِ أَهلِ الجَنَّةِ، فَلَهُم فِيهَا كُلُّ ما تَشتَهِيهِ أَنفُسُهُم وَتَلَذُّ أَعيُنُهُم، مِن طَعامٍ وَشَرابٍ، وَلِباسٍ وَقُصُورٍ، وَأَنهارٍ وَأَشجارٍ، وَصُحبَةِ الأَنبِياءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ. فَمَن تَمَنّى فِي الجَنَّةِ رُؤيَةَ نَبِيٍّ مِن أَنبِياءِ اللهِ، أَو صالِحٍ مِن عِبادِ اللهِ، أَكرَمَهُ اللهُ بِما شاءَ مِن ذٰلِكَ، وَالجَنَّةُ دارُ إِكرامٍ لا دارُ حِرمانٍ.
وَمِن أَعظَمِ نَعِيمِ الجَنَّةِ أَنَّ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَمَن أَكرَمَهُ اللهُ بِمُرافَقَتِهِ فَقَد فازَ فَوزًا عَظِيمًا. فَلَو قِيلَ فِي وَصفِ الجَنَّةِ: إِنَّ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، لَكَفَى ذٰلِكَ فِي التَّشوِيقِ إِلَيهَا. وَمَعَ ذٰلِكَ فَفِيها مِنَ النَّعيمِ ما لا عَينٌ رَأَت، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَت، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلبِ بَشَرٍ.
وَلِأَجلِ نَيلِ هٰذَا النَّعيمِ يَصبِرُ المُؤمِنُ فِي الدُّنيا عَلَى تَركِ المُحَرَّماتِ، وَأَداءِ الواجباتِ، وَمُجاهَدَةِ النَّفسِ. فَمَن أَرادَ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿لَهُم فِيها ما يَشاءُونَ﴾، فَلْيَعلَم أَنَّ طَرِيقَ الجَنَّةِ فِيهِ تَكليفٌ وَصَبرٌ وَعَمَلٌ، وَأَنَّ مَن أَخَذَ مِنَ الدُّنيا كُلَّ ما تَشتَهِيهِ نَفسُهُ مِنَ الحَرامِ، عَرَّضَ نَفسَهُ لِلحِرمانِ وَالعَذابِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿كَذٰلِكَ يَجزِي اللهُ المُتَّقِينَ﴾ أَي مِثلَ هٰذَا الجَزاءِ العَظِيمِ يَجزِي اللهُ أَهلَ التَّقوى، الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وَصَدَّقُوا رُسُلَهُ، وَاجتَنَبُوا الشِّركَ وَالكُفرَ، وَأَدَّوا ما أَوجَبَ اللهُ عَلَيهِم، وَاجتَنَبُوا ما حَرَّمَ عَلَيهِم. فَالجَنَّةُ جَزاءُ المُتَّقِينَ، وَرَحمَةُ اللهِ فِي الآخِرَةِ خاصَّةٌ بِأَهلِ الإِيمانِ.
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيكُمُ ادخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنتُم تَعمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]
لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى قَبلَ ذٰلِكَ حَالَ الكُفّارِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أَنفُسِهِم﴾ [النحل: ٢٨]، ذَكَرَ هُنا حَالَ المُؤمِنِينَ المُتَّقِينَ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾. فَهُناكَ ظالِمُونَ أَنفُسَهُم بِالكُفرِ، وَهُنا طَيِّبُونَ طاهِرُونَ مِن ذٰلِكَ الظُّلمِ، خَرَجُوا مِنَ الدُّنيا عَلَى الإِيمانِ وَالتَّقوى.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿طَيِّبِينَ﴾ قِيلَ: أَي طاهِرِينَ مِنَ الكُفرِ وَالشِّركِ، وَقِيلَ: أَي تَكونُ مِيتَتُهُم طَيِّبَةً سَهلَةً، فَتُقبَضُ أَرواحُهُم بِرِفقٍ، وَتَأتيهِم بَشائِرُ الرَّحمَةِ. وَهٰذا مُقابِلٌ لِحَالِ الكُفّارِ الَّذِينَ تُنزَعُ أَرواحُهُم نَزعًا شَدِيدًا، وَتَستَقبِلُهُم مَلائِكَةُ العَذابِ.
وَمَلَكُ المَوتِ عِزرائِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ هُوَ المُوَكَّلُ بِقَبضِ الأَرواحِ، وَلَهُ أَعوانٌ مِنَ المَلائِكَةِ بِأَمرِ اللهِ. وَمَلائِكَةُ الرَّحمَةِ تَأتي المُؤمِنَ عِندَ المَوتِ، فَتُبَشِّرُهُ وَتُؤنِسُهُ، وَتَقولُ لَهُ: السَّلامُ عَلَيكَ يا وَلِيَّ اللهِ، أَبشِر بِرَحمَةِ اللهِ وَرِضوانِهِ. فَعِندَ ذٰلِكَ يُحِبُّ لِقاءَ اللهِ، وَيُحِبُّ اللهُ لِقاءَهُ.
وَأَمّا الكافِرُ، وَالعِياذُ بِاللهِ، فَتَأتيهِ مَلائِكَةُ العَذابِ، وَيَرى ما يُخِيفُهُ، وَيُقالُ لَهُ: أَبشِر يا عَدُوَّ اللهِ بِسَخَطِ اللهِ وَعَذابِهِ، فَيَعلَمُ أَنَّهُ مُقبِلٌ عَلَى الهَلاكِ. ثُمَّ تُقبَضُ رُوحُهُ، وَتَتَلَقّاها مَلائِكَةُ العَذابِ، وَتُكتَبُ فِي سِجِّينٍ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿كَلّا إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧]. وَأَمّا رُوحُ المُؤمِنِ، فَتُكرَمُ وَتُرفَعُ، وَتُكتَبُ فِي عِلِّيِّينَ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿كَلّا إِنَّ كِتابَ الأَبرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨].
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيكُمُ﴾ أَي تُسَلِّمُ عَلَيهِمُ المَلائِكَةُ وَتُؤَمِّنُهُم وَتُبَشِّرُهُم. وَهٰذِهِ البِشارَةُ قَد تَكونُ عِندَ المَوتِ، وَقَد تَتَجَدَّدُ فِي الآخِرَةِ عِندَ دُخولِ الجَنَّةِ. فَالسَّلامُ مِنَ المَلائِكَةِ بُشرى بِالأَمنِ وَالرَّحمَةِ وَالرِّضا.
وَقَد يَرى العَبدُ الصّالِحُ عِندَ المَوتِ ما لا يَراهُ مَن حَولَهُ، فَتَنكَشِفُ لَهُ أُمورٌ مِن بَشائِرِ الآخِرَةِ. وَقَد حُكِيَ عَن عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ لَمّا حَضَرَتهُ الوَفاةُ تَبَسَّمَ، وَأَخَذَ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ، وَيَقولُ: مَرحَبًا بِهٰذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي تَتراءى لِي، لَيسَت وُجُوهَ إِنسٍ وَلَا وُجُوهَ جانٍّ. ثُمَّ ذَكَرَ تَقصِيرَهُ وَرَجاءَهُ فِي رَحمَةِ اللهِ، وَنَطَقَ بِالشَّهادَتَينِ، ثُمَّ فاضَت رُوحُهُ.
وَحُكِيَ أَيضًا عَن أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ، لَمّا طُعِنَ وَكانَ فِي مَرَضِ وَفاتِهِ، أَنَّهُ رَأى بَشائِرَ كَرِيمَةً، وَذَكَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَجَعفَرًا، وَحَمزَةَ، وَفاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم، وَأَنَّهُ رَأى أَبوابَ السَّماءِ وَمَنازِلَ الكَرامَةِ، ثُمَّ قالَ مَعنى ما يُفيدُ الرَّغبَةَ فِي ما عِندَ اللهِ. فَهٰذِهِ الأَخبارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ يُكرِمُ بَعضَ أَوليائِهِ بِبَشائِرَ عِندَ المَوتِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿ادخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنتُم تَعمَلُونَ﴾ أَي يُقالُ لَهُم: ادخُلُوا الجَنَّةَ بِسَبَبِ ما كُنتُم تَعمَلُونَ مِنَ الإِيمانِ وَالطّاعَةِ. وَلَيسَ مَعنى ذٰلِكَ أَنَّ العَمَلَ يُوجِبُ عَلَى اللهِ دُخولَ الجَنَّةِ، فَاللهُ لا يَجِبُ عَلَيهِ شَيءٌ، وَإِنَّما العَمَلُ سَبَبٌ جَعَلَهُ اللهُ لِنَيلِ رَحمَتِهِ، وَتَوفِيقُ العَبدِ لِلعَمَلِ هُوَ مِن فَضلِ اللهِ أَصلًا.
وَلِهٰذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَدخُلُ الجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، فَقالُوا: وَلَا أَنتَ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: «وَلَا أَنا، إِلَّا أَن يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِفَضلٍ مِنهُ وَرَحمَةٍ». فَلا تَعارُضَ بَينَ الحَدِيثِ وَبَينَ الآيَةِ؛ فَالآيَةُ تَدلُّ عَلَى أَنَّ العَمَلَ سَبَبٌ، وَالحَدِيثُ يُبَيِّنُ أَنَّ دُخولَ الجَنَّةِ لَيسَ وَاجِبًا عَلَى اللهِ بِعَمَلِ العَبدِ، بَل هُوَ بِفَضلِ اللهِ وَرَحمَتِهِ.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ اللهَ تَعالى بَيَّنَ فِي هٰذِهِ الآياتِ فَرقًا عَظِيمًا بَينَ أَهلِ الكُفرِ وَأَهلِ الإِيمانِ؛ فَأَهلُ الكُفرِ يُقالُ لَهُم: ادخُلُوا أَبوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيهَا، فَبِئسَ مَثوَى المُتَكَبِّرِينَ. وَأَمّا أَهلُ التَّقوى فَيَقولُونَ عَن وَحيِ اللهِ: أَنزَلَ رَبُّنا خَيرًا، فَلَهُم فِي الدُّنيا حَسَنَةٌ، وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيرٌ، وَلَهُم جَنّاتُ عَدنٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهارُ، لَهُم فِيهَا ما يَشاءُونَ. وَتَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ، يُبَشِّرُونَهُم بِالسَّلامِ وَدُخولِ الجَنَّةِ، بِفَضلِ اللهِ وَرَحمَتِهِ، وَبِما وَفَّقَهُم لَهُ مِنَ الإِيمانِ وَالعَمَلِ الصّالِحِ.