بسم الله الرحمن الرحيم
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40)﴾ [النحل: 39-40]
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَختَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُم كانُوا كاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩]
قَولُهُ تَعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَختَلِفُونَ فِيهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما دَلَّ عَلَيهِ قَولُهُ: ﴿بَلى﴾، أَي بَلى يَبعَثُهُمُ اللهُ، لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الحَقَّ الَّذِي كانوا يَختَلِفُونَ فِيهِ. فَالبَعثُ يَقَعُ لِإِظهارِ الحَقائِقِ، وَكَشفِ ما كانَ النّاسُ يَختَلِفُونَ فِيهِ مِن أُصُولِ الإِيمانِ وَوَعدِ اللهِ وَوَعيدِهِ.
وَالضَّمِيرُ فِي قَولِهِ: ﴿لَهُم﴾ يَرجِعُ إِلى مَن يَمُوتُ، فَيَشمَلُ المُؤمِنِينَ وَالكافِرِينَ، فَكُلُّهُم يُبعَثُونَ وَيَخرُجُونَ مِن قُبُورِهِم، وَلٰكِن شَتّانَ بَينَ حالِ المُؤمِنِ وَحالِ الكافِرِ، وَبَينَ حالِ التَّقِيِّ وَحالِ الفاجِرِ. فَالمُؤمِنُ يُبعَثُ عَلَى رَجاءٍ وَبِشارَةٍ وَنُورٍ، وَالكافِرُ يُبعَثُ عَلَى خَوفٍ وَخِزيٍ وَنَدامَةٍ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَعلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُم كانُوا كاذِبِينَ﴾ أَي لِيَظهَرَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا عِندَ البَعثِ وَالمُعايَنَةِ أَنَّهُم كانُوا كاذِبِينَ فِي قَولِهِم: لا يَبعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ. فَهُم في الدُّنيا كَذَّبُوا الرُّسُلَ وَأَنكَرُوا البَعثَ، فَإِذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِم عَلِمُوا عِلمَ مُشاهَدَةٍ أَنَّ ما جاءَت بِهِ الرُّسُلُ حَقٌّ، وَلٰكِنَّ ذٰلِكَ العِلمَ لا يَنفَعُهُم إِذا ماتُوا عَلَى الكُفرِ.
وَإِذا جاءَ وَقتُ البَعثِ بَعدَ الحَياةِ البَرزَخِيَّةِ، فَإِنَّ اللهَ تَعالى يَأمُرُ بِما شاءَ مِن أَسبابِ إِعادَةِ الأَجسادِ، فَيُنزِلُ مَطَرًا مِن تَحتِ العَرشِ أَربعِينَ يَومًا، فَتَنبُتُ مِنهُ أَجسادُ العِبادِ كَما يَنبُتُ النَّباتُ، وَتُرَكَّبُ عَلَى عَجبِ الذَّنَبِ، ثُمَّ تُرَدُّ الأَرواحُ إِلى الأَجسادِ عِندَ النَّفخَةِ الثّانِيَةِ.
وَقَبلَ ذٰلِكَ تَقَعُ النَّفخَةُ الأُولى، وَهِيَ نَفخَةُ الصَّعقِ، يَنفُخُ فِيهَا إِسرافِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ فِي الصُّورِ بِأَمرِ اللهِ تَعالى. وَالصُّورُ قَرنٌ عَظِيمٌ أَعَدَّهُ اللهُ لِهٰذَا الأَمرِ، وَإِسرافِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ مُستَعِدٌّ لِلنَّفخِ فِيهِ مَتى أَمرَهُ اللهُ. وَفِي الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «كَيفَ أَنعَمُ وَصاحِبُ الصُّورِ قَدِ التَقَمَ القَرنَ، وَحَنى جَبهَتَهُ، وَأَرخى سَمعَهُ، يَنتَظِرُ مَتى يُؤمَرُ فَيَنفُخُ».
وَقَبلَ قِيامِ السّاعَةِ تَقبِضُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ أَرواحَ المُؤمِنِينَ، فَلا يَبقى عَلَى وَجهِ الأَرضِ مَن يَقولُ: اللهُ، ثُمَّ تَقومُ السّاعَةُ عَلَى شِرارِ النّاسِ. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا تَقُومُ السّاعَةُ إِلّا عَلَى شِرارِ النّاسِ». فَيَبقى أَهلُ الفَسادِ وَالكُفرِ، مُنشَغِلِينَ بِالدُّنيا، ثُمَّ تَأتِيهِمُ النَّفخَةُ بَغتَةً.
وَقَد بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ السّاعَةَ تَقومُ عَلَى النّاسِ وَهُم فِي أَشغالِهِم، فَمِنهُم مَن نَشَرَ ثَوبَهُ لِلبَيعِ فَلا يَطوِيهِ، وَمِنهُم مَن يُصلِحُ حَوضَهُ فَلا يُتِمُّهُ، وَمِنهُم مَن رَفَعَ لُقمَتَهُ إِلى فِيهِ فَلا يَطعَمُها. فَتَأتِي النَّفخَةُ بَغتَةً، وَيَمُوتُ مَن عَلَى وَجهِ الأَرضِ، وَيُصعَقُ مَن شاءَ اللهُ أَن يُصعَقَ مِمَّن ماتَ قَبلَ ذٰلِكَ.
وَيُستَثنَى مِنَ الصَّعقِ مَن شاءَ اللهُ، وَقَد ذَكَرَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ أَنَّ مِن جُملَةِ مَن يُستَثنَى شُهَداءَ المَعرَكَةِ، وَقِيلَ غَيرُهُم مِمَّن شاءَ اللهُ كَخَزَنَةِ الجَنَّةِ وَالنّارِ، وَحَمَلَةِ العَرشِ، وَالحُورِ العِينِ وَالوِلدانِ المُخَلَّدِينَ. وَالأَمرُ فِي ذٰلِكَ إِلى اللهِ تَعالى، يَفعَلُ ما يَشاءُ وَيَحكُمُ ما يُريدُ.
ثُمَّ بَعدَ النَّفخَةِ الأُولى يَمُوتُ مَن شاءَ اللهُ مِنَ المَلائِكَةِ، ثُمَّ يُحيِي اللهُ مَن شاءَ مِنهُم عِندَ البَعثِ، وَيَأمُرُ إِسرافِيلَ عَلَيهِ السَّلامُ بِالنَّفخَةِ الثّانِيَةِ، وَهِيَ نَفخَةُ البَعثِ. وَبَينَ النَّفخَتَينِ أَربعُونَ عامًا، عَلَى ما وَرَدَ فِي ذٰلِكَ.
ثُمَّ تُجمَعُ الأَرواحُ كُلُّها فِي الصُّورِ بِقُدرَةِ اللهِ تَعالى، فَأَرواحُ المُؤمِنِينَ يَكونُ لَهَا نُورٌ، وَأَرواحُ الكُفّارِ مُظلِمَةٌ. ثُمَّ يَنفُخُ إِسرافِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ النَّفخَةَ الثّانِيَةَ، فَتَرجِعُ كُلُّ رُوحٍ إِلى جَسَدِها بِأَمرِ اللهِ، وَتَدخُلُ الأَرواحُ مِنَ الخَياشِيمِ، وَتَسرِي فِي الأَجسادِ سَرَيانَ السُّمِّ فِي اللَّدِيغِ، ثُمَّ يَخرُجُ النّاسُ مِن قُبُورِهِم لِرَبِّ العالَمِينَ.
وَفِي ذٰلِكَ اليَومِ تَختَلِفُ أَحوالُ النّاسِ، فَمِنَ المُؤمِنِينَ مَن يُكرَمُ بِالأَمنِ وَالبِشارَةِ، وَمِنهُم مَن تُنادِيهِ المَلائِكَةُ بِما يُسِرُّهُ، وَقَد وَرَدَ فِي فَضلِ مَن يُكثِرُ قِراءَةَ سُورَةِ الإِخلاصِ أَنَّهُ يُنادَى عَلَيهِ: قُم يا مادِحَ اللهِ وَادخُلِ الجَنَّةَ. وَأَمّا الكافِرُونَ فَيَخرُجُونَ فِي فَزَعٍ وَذُلٍّ وَنَدامَةٍ، وَيَعلَمُونَ أَنَّهُم كانُوا كاذِبِينَ فِي إِنكارِ البَعثِ.
﴿إِنَّما قَولُنا لِشَيءٍ إِذا أَرَدناهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]
جاءَت هٰذِهِ الآيَةُ بَعدَ ذِكرِ إِنكارِ المُشرِكِينَ لِلبَعثِ، لِتُقَرِّرَ كَمالَ قُدرَةِ اللهِ تَعالى، وَأَنَّ إِحياءَ المَوتى وَبَعثَ الأَجسادِ لا يَمتَنِعُ عَلَيهِ، بَل كُلُّ ما أَرادَ اللهُ وُجُودَهُ وُجِدَ بِلا عَجزٍ وَلَا تَأَخُّرٍ وَلَا مُمانَعَةٍ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّما قَولُنا لِشَيءٍ إِذا أَرَدناهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ لَيسَ مَعناهُ أَنَّ اللهَ تَعالى يَتَكَلَّمُ بِحَرفٍ وَصَوتٍ كَكَلامِ المَخلُوقِينَ، فَكلامُ اللهِ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، لَيسَ حَرفًا وَلَا صَوتًا وَلَا لُغَةً، وَلا يَشبَهُ كَلامَ الخَلقِ. وَإِنَّما المَعنى بَيانُ سُرعَةِ الإِيجادِ، وَأَنَّ مُرادَ اللهِ لا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلاجٍ وَلَا آلَةٍ وَلَا مُعاوِنٍ، فَإِذا أَرادَ وُجُودَ شَيءٍ وُجِدَ كَما أَرادَ.
فَقَولُهُ: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ عِبارَةٌ عَن نُفُوذِ قُدرَةِ اللهِ وَسُرعَةِ الإِيجادِ، لا عَن نُطقٍ بِكافٍ وَنونٍ عَلَى وَجهِ الحُدُوثِ؛ لأَنَّ اللهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الحَوادِثِ وَالتَّغَيُّرِ، وَكلامُهُ لَيسَ كَكَلامِنا. وَالمُرادُ أَنَّ إِيجادَ كُلِّ مَقدُورٍ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ، فَكَيْفَ يَمتَنِعُ عَلَيهِ البَعثُ، وَهُوَ بَعضُ مَقدُورَاتِهِ؟
فَالَّذِي خَلَقَ الخَلقَ أَوَّلَ مَرَّةٍ قادِرٌ عَلَى إِعادَتِهِم، وَالَّذِي خَلَقَ الماءَ وَالعَرشَ وَالقَلَمَ وَاللَّوحَ وَالسَّماواتِ وَالأَرضَ قادِرٌ عَلَى أَن يُعيدَ الأَجسادَ بَعدَ البَلاءِ، وَيَرُدَّ الأَرواحَ إِلَيها، وَيَبعَثَ النّاسَ مِن قُبُورِهِم. فَلَا يَعجِزُ اللهَ شَيءٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّماءِ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ.
وَمِن هُنا كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُذَكِّرُ بِالبَعثِ وَيَستَعِيذُ مِن عَذابِ ذٰلِكَ اليَومِ، وَكانَ مِن دُعائِهِ عِندَ النَّومِ أَن يَقولَ: «اللَّهُمَّ قِنا عَذابَكَ يَومَ تَبعَثُ عِبادَكَ». فَالمُؤمِنُ يَتَذَكَّرُ البَعثَ، وَيَستَعِدُّ لَهُ، وَيَسأَلُ اللهَ أَن يَبعَثَهُ آمِنًا، وَأَن يَجعَلَهُ مِن أَهلِ النَّجاةِ وَالنَّعيمِ.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ المُشرِكِينَ أَنكَرُوا البَعثَ، وَبالَغُوا فِي الحَلِفِ عَلَى أَنَّ اللهَ لا يَبعَثُ مَن يَمُوتُ، فَرَدَّ اللهُ عَلَيهِم بِقَولِهِ: ﴿بَلى﴾، أَي بَل يَبعَثُهُم وَعدًا عَلَيهِ حَقًّا. وَالبَعثُ لِإِظهارِ الحَقِّ الَّذِي اختَلَفَ فِيهِ النّاسُ، وَلِيَعلَمَ الكافِرُونَ أَنَّهُم كانُوا كاذِبِينَ. وَبَيَّنَ اللهُ تَعالى أَنَّ إِيجادَ ما شاءَهُ لا يَتَوَقَّفُ وَلَا يَمتَنِعُ، فَإِنَّ مُرادَهُ نافِذٌ، وَقُدرَتَهُ شامِلَةٌ، وَإِعادَةُ الخَلقِ بَعدَ المَوتِ عَلَيهِ يَسِيرَةٌ، فَلْيَستَعِدَّ العَبدُ لِذٰلِكَ اليَومِ بِالإِيمانِ وَالعَمَلِ الصّالِحِ.