بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42)﴾ [النحل: ٤١-٤٢]
﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِن بَعدِ ما ظُلِمُوا﴾ [النحل: ٤١]
جاءَت هٰذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بَعدَ ذِكرِ شُبَهِ المُشرِكِينَ وَتَكذِيبِهِم لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمَا كانَ مِن أَذاهُم لِلمُؤمِنِينَ وَصَدِّهِم عَن سَبِيلِ اللهِ. فَبَعْدَ أَن ذَكَرَ اللهُ تَعالى إِنكارَهُمُ البَعثَ، وَرَدَّ عَلَيهِم بِأَنَّ البَعثَ وَعدٌ حَقٌّ، وَأَنَّ أَمرَ اللهِ إِذا أَرادَ شَيئًا فَإِنَّما هُوَ نافِذٌ لا يَمتَنِعُ عَلَيهِ، ذَكَرَ هُنا حالَ أَهلِ الإِيمانِ الَّذِينَ أُوذُوا فِي اللهِ، فَهاجَرُوا طاعَةً للهِ وَرَسُولِهِ ﷺ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ﴾ أَي هاجَرُوا فِي حَقِّ اللهِ وَلِوَجهِهِ، لا لِدُنيا يُصِيبُونَها، وَلَا لِغَرَضٍ فاسِدٍ، بَل خَرَجُوا مِن أَوطانِهِم طاعَةً للهِ تَعالى، وَنُصرَةً لِدِينِهِ، وَاتِّباعًا لِرَسُولِهِ ﷺ. فَالهِجرَةُ فِي أَصلِها الانتِقالُ مِن مَكانٍ إِلى مَكانٍ، ثُمَّ غَلَبَ فِي لِسانِ الشَّرعِ إِطلاقُها عَلَى الهِجرَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِها، مِن أَجلِ الدِّينِ وَحِفظِ الإِيمانِ.
وَقَد كانَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقولُ: هاجِرُوا وَلَا تَهاجَرُوا؛ أَي صَحِّحُوا نِيّاتِكُم فِي الهِجرَةِ، وَاجعَلُوها للهِ، وَلَا تَجعَلُوها صُورَةً بِلا حَقِيقَةٍ. وَهٰذا مَعنى ما جاءَ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «إِنَّما الأَعمالُ بِالنِّيّاتِ، وَإِنَّما لِكُلِّ امرِئٍ ما نَوى، فَمَن كانَت هِجرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَن كانَت هِجرَتُهُ لِدُنيا يُصِيبُها أَوِ امرَأَةٍ يَنكِحُها فَهِجرَتُهُ إِلى ما هاجَرَ إِلَيهِ».
فَالمَمدُوحُونَ فِي هٰذِهِ الآيَةِ هُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ، أَي خَرَجُوا مُخلِصِينَ، مُؤثِرِينَ دِينَ اللهِ عَلَى الأَوطانِ وَالأَموالِ وَالأَهلِ. وَقَد قِيلَ: نَزَلَت فِي مَن هاجَرَ إِلى الحَبَشَةِ، وَقِيلَ: فِي مَن هاجَرَ إِلى المَدِينَةِ، وَقِيلَ: تَشمَلُ الهِجرَتَينِ، وَالمَعنى يَتَّسِعُ لِمَن هاجَرَ طاعَةً للهِ بَعدَ الظُّلمِ وَالأَذى.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعدِ ما ظُلِمُوا﴾ أَي مِن بَعدِ ما أَصابَهُم ظُلمُ الكُفّارِ وَأَذاهُم، فَقَد آذى أَهلُ مَكَّةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصحابَهُ، وَضَيَّقُوا عَلَيهِم، وَسَعَوا فِي صَدِّهِم عَن دِينِهِم، فَفَرَّ المُؤمِنُونَ بِدِينِهِم إِلى اللهِ، وَهاجَرُوا امتِثالًا لِأَمرِهِ. وَلَا يُقالُ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّهُ هَرَبَ، فَهِجرَتُهُ ﷺ لَم تَكُن جُبنًا وَلَا فِرارًا مِن مَسؤُولِيَّةٍ، بَل كانَت تَنفِيذًا لِأَمرِ اللهِ تَعالى، وَتَدبِيرًا رَبّانِيًّا لِنُصرَةِ الدِّينِ وَإِقامَةِ دَولَةِ الإِسلامِ.
وَقَد كانَت مَكَّةُ أَحَبَّ البِلادِ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَهِيَ بَلَدُهُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ، وَأُمُّ القُرى، وَمَهبِطُ الوَحيِ، وَحَرَمُ اللهِ، وَلٰكِنَّ قَومَهُ آذَوهُ، وَآذَوا أَصحابَهُ، وَسَعَوا فِي إِخراجِهِ، فَجاءَهُ أَمرُ اللهِ بِالهِجرَةِ إِلى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ. فَخَرَجَ ﷺ بِأَمرِ رَبِّهِ، وَنَصَرَهُ اللهُ، وَجَعَلَ هِجرَتَهُ فَتحًا لِبَابٍ عَظيمٍ مِن أَبوابِ نُصرَةِ الإِسلامِ.
وَمِن شِدَّةِ أَذى المُشرِكِينَ أَنَّهُم كانوا يَنتَشِرُونَ فِي طُرُقِ مَكَّةَ وَمَداخِلِها، يُحَذِّرُونَ النّاسَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَيَزعُمُونَ أَنَّ ما جاءَ بِهِ أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ، أَو يَقولُونَ: لَو كانَ صادِقًا لَكانَ مَعَهُ مَلَكٌ، أَو يَحتَجُّونَ بِالمَشِيئَةِ عَلَى شِركِهِم، أَو يُنكِرُونَ البَعثَ بَعدَ المَوتِ. فَهٰذِهِ الشُّبَهُ كُلُّها كانَت مِن أَبوابِ الصَّدِّ عَنِ الدَّعوَةِ، وَمَعَ ذٰلِكَ ثَبَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَثَبَتَ أَصحابُهُ.
وَقَد بَلَغَ الأَذى بِالصَّحابَةِ مَبلَغًا عَظيمًا، حَتّى هاجَرَ مِنهُم مَن هاجَرَ إِلى الحَبَشَةِ، فَكانَت الهِجرَةُ الأُولى إِلى الحَبَشَةِ، وَفِيها اثنا عَشَرَ رَجُلًا وَخَمسُ نِساءٍ، وَكانَ عَلَى رَأسِهِم عُثمانُ بنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَمَعَهُ زَوجُهُ رُقَيَّةُ بِنتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ. ثُمَّ كانَت الهِجرَةُ الثّانِيَةُ إِلى الحَبَشَةِ، وَفِيها جَعفَرُ بنُ أَبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَجَماعَةٌ مِنَ المُسلِمِينَ.
وَقَد أَكرَمَ اللهُ المُهاجِرِينَ إِلى الحَبَشَةِ بِأَن وَجَدُوا عِندَ النَّجاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ أَمنًا وَعَدلًا، ثُمَّ أَكرَمَ اللهُ النَّجاشِيَّ نَفسَهُ بِالإِسلامِ، فَآمَنَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَشَهِدَ أَنَّ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ هُوَ الحَقُّ، وَأَنَّهُ موافِقٌ لِما جاءَ بِهِ عِيسَى بنُ مَريَمَ عَلَيهِ السَّلامُ فِي أَصلِ التَّوحِيدِ وَالإِيمانِ.
وَمِن صُوَرِ الأَذى الشَّدِيدِ الَّذِي لَحِقَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ما رُوِيَ عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ، أَنَّ المُشرِكِينَ أَقبَلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ عِندَ الكَعبَةِ، فَأَحاطُوا بِهِ، فَهٰذا يَجذِبُهُ، وَهٰذا يُؤذِيهِ، وَهٰذا يَرفَعُ صَوتَهُ عَلَيهِ، وَهٰذا يَتَوَعَّدُهُ، حَتّى قامَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُدافِعُ عَنهُ، وَيَقولُ: أَتَقتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقولَ رَبِّيَ اللهُ؟ فَتَرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ وَأَقبَلُوا عَلَى أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَآذَوهُ أَذًى شَدِيدًا فِي سَبِيلِ اللهِ.
وَكَذٰلِكَ رُوِيَ أَنَّ فاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنها رَأَت جَماعَةً مِن صَنادِيدِ قُرَيشٍ قَد تَحالَفُوا عَلَى أَن يَنالُوا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخبَرَتهُ، فَطَمأَنَها ﷺ بِالثِّقَةِ بِاللهِ، وَخَرَجَ إِلَيهِم، فَنَكَّسُوا رُؤُوسَهُم، فَأَخذَ حَفنَةً مِن تُرابٍ وَأَلقاها عَلَيهِم، وَقالَ: «شاهَتِ الوُجُوهُ»، فَكانَ ذٰلِكَ نَذِيرًا لِهَلاكِ مَن شاءَ اللهُ هَلاكَهُ مِنهم عَلَى الكُفرِ.
وَمِن أَذاهُم أَنَّ عُقبَةَ بنَ أَبِي مُعَيطٍ، لَعَنَهُ اللهُ، أَقبَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عِندَ البَيتِ، فَوَضَعَ ثَوبًا عَلَى عُنُقِهِ، وَأَخَذَ يَخنُقُهُ. فَهٰذا شَيءٌ مِن أَذى المُشرِكِينَ لِسَيِّدِ الخَلقِ ﷺ، وَمَعَ ذٰلِكَ صَبَرَ وَثَبَتَ، وَمَضى فِي دَعوَتِهِ إِلى اللهِ تَعالى.
وَإِذا كانَ أَفضَلُ الخَلقِ ﷺ قَد أُوذِيَ هٰذا الأَذى فِي سَبِيلِ اللهِ، وَصَبَرَ وَثَبَتَ، فَيَنبَغِي لِلمُؤمِنِينَ أَن يَتَأَسَّوا بِهِ، وَأَن يَصبِرُوا عَلَى ما يُصِيبُهُم فِي نُصرَةِ الدِّينِ وَالدَّعوَةِ إِلى الحَقِّ. فَطَرِيقُ الحَقِّ فِيهِ ابتِلاءٌ، وَلٰكِنَّ العاقِبَةَ لِلمُتَّقِينَ.
وَمِن أَخبارِ أَصحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الصَّبرِ عَلَى الأَذى ما وَقَعَ لِخَبّابِ بنِ الأَرَتِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَقَد أُوذِيَ فِي اللهِ أَذًى شَدِيدًا، وَسُلِقَ بِالنّارِ، وَكانَت آثارُ ذٰلِكَ فِي ظَهرِهِ. وَكانَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُكرِمُهُ لِسابِقَتِهِ وَبَلائِهِ فِي الإِسلامِ، وَيَعرِفُ ما لَقِيَ مِنَ الأَذى فِي سَبِيلِ اللهِ.
وَكَذٰلِكَ صُهَيبٌ الرُّومِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، لَمّا أَرادَ الهِجرَةَ مَنَعَهُ المُشرِكُونَ، وَقالُوا: جِئتَنا صُعلُوكًا لا مالَ لَكَ، ثُمَّ صِرتَ ذا مالٍ، فلا تَخرُجُ بِمالِكَ. فَتَرَكَ لَهُم مالَهُ كُلَّهُ لِيَخرُجَ بِدِينِهِ مُهاجِرًا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمّا بَلَغَ خَبَرُهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «رَبِحَ البَيعُ أَبا يَحيى». فَهٰذا هُوَ البَيعُ الرَّابِحُ، أَن يُقَدِّمَ العَبدُ دُنياهُ فِي سَبِيلِ دِينِهِ.
وَمِن ذٰلِكَ ما كانَ مِن أُمِّ أَيمَنَ بَرَكَةَ رَضِيَ اللهُ عَنها، حاضِنَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَد خَرَجَت مُهاجِرَةً فِي الصَّحراءِ وَحدَها، لا زادَ مَعَها وَلَا ماءَ، وَكانَت صائِمَةً، فَلَمّا غَرَبَتِ الشَّمسُ وَلَم تَجِد ماءً تُفطِرُ عَلَيهِ، دَعَتِ اللهَ تَعالى، فَأَكرَمَها بِماءٍ شَرِبَت مِنهُ، فَكانَت تَذكُرُ أَنَّها بَعدَ ذٰلِكَ لَم تَشكُ العَطَشَ. فَهٰذِهِ كَرامَةٌ مِنَ اللهِ لِمَن هاجَرَ فِيهِ وَصَبَرَ عَلَى طاعَتِهِ.
وَرُوِيَ عَن أَنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ فَتًى مِنَ المُؤمِنِينَ ماتَ وَأُمُّهُ عَجُوزٌ عَمياءُ، فَلَمّا قِيلَ لَها: قَد ماتَ وَلَدُكِ، رَفَعَت يَدَيها وَدَعَتِ اللهَ، وَذَكَرَت أَنَّها ما هاجَرَت إِلَّا امتِثالًا لِأَمرِ رَسُولِهِ ﷺ، وَسَأَلَت رَبَّها أَلَّا يَحمِلَ عَلَيها في ذٰلِكَ اليَومِ، فَأَكرَمَها اللهُ بِإِحياءِ وَلَدِها، حَتّى قامَ وَأَكَلَ مَعَهُم. وَذٰلِكَ مِن فَضلِ اللهِ وَكَرامَتِهِ لِمَن شاءَ مِن عِبادِهِ.
فَهِجرَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَصحابِهِ لَم تَكُن حَدَثًا عادِيًّا، بَل كانَت نُورًا أَزالَ اللهُ بِهِ ظُلُماتٍ كَثِيرَةً، وَفَتحَ بِها بابَ نُصرَةِ الدِّينِ وَإِقامَةِ الإِسلامِ. فَالغارُ الَّذِي ضَمَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَصاحِبَهُ أَبا بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ صارَ آيَةً فِي الثِّقَةِ بِاللهِ، وَالمَدِينَةُ الَّتِي استَقبَلَت رَسُولَ اللهِ ﷺ أَشرَقَت بِنُورِهِ، وَصارَت دارَ الهِجرَةِ وَالنُّصرَةِ.
﴿لَنُبَوِّئَنَّهُم فِي الدُّنيا حَسَنَةً وَلَأَجرُ الآخِرَةِ أَكبَرُ لَو كانُوا يَعلَمُونَ﴾ [النحل: ٤١]
قَولُهُ تَعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُم فِي الدُّنيا حَسَنَةً﴾ أَي لَنُنزِلَنَّهُم مَنزِلًا حَسَنًا، وَلَنُثوِيَنَّهُم فِي الدُّنيا مَثوى كَرِيمًا. وَالتَّبَوُّؤُ هُوَ النُّزُولُ وَالإِقامَةُ فِي المَكانِ، وَمِنهُ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَما كُنتَ ثاوِيًا فِي أَهلِ مَديَنَ﴾ [القصص: ٤٥]، أَي مُقِيمًا.
وَقَد قِيلَ فِي مَعنى الحَسَنَةِ هُنا أَقوالٌ، فَقِيلَ: هِيَ الرِّزقُ الحَسَنُ، وَقِيلَ: هِيَ النَّصرُ وَالفُتُوحُ، وَقِيلَ: هِيَ أَن يَجعَلَ اللهُ لَهُم أَطرافَ الأَرضِ وَيَفتَحَ لَهُمُ البِلادَ، وَقِيلَ: هِيَ المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ، حَيثُ آواهُم أَهلُها وَنَصَرُوهُم. وَلا تَنافِيَ بَينَ هٰذِهِ المَعانِي، فَقَد جَمَعَ اللهُ لِلمُهاجِرِينَ مِنَ الخَيرِ فِي الدُّنيا ما شاءَ، ثُمَّ ادَّخَرَ لَهُم فِي الآخِرَةِ ما هُوَ أَعظَمُ.
وَقَد كانَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، إِذا جاءَتِ العَطايا، يَدعُو المُهاجِرِينَ وَيَقولُ لِأَحَدِهِم: خُذ رِزقَكَ الَّذِي وَعَدَكَ اللهُ، وَما ادَّخَرَهُ اللهُ لَكَ فِي الآخِرَةِ أَعظَمُ، ثُمَّ يَقرَأُ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُم فِي الدُّنيا حَسَنَةً﴾. فَالحَسَنَةُ الدُّنيَوِيَّةُ، مَهما عَظُمَت، فَهِيَ دونَ ما أَعَدَّهُ اللهُ لَهُم فِي الآخِرَةِ.
وَقِيلَ: إِنَّ المَقصُودَ بِالحَسَنَةِ المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ، لأَنَّها دارُ الهِجرَةِ وَالنُّصرَةِ، وَفِيها آوَى اللهُ رَسُولَهُ ﷺ وَأَصحابَهُ. وَقَد قالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: لَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ أَضاءَ مِنها كُلُّ شَيءٍ. وَكانَت قَبلَ ذٰلِكَ دارَ وَباءٍ، فَدَعا النَّبِيُّ ﷺ، فَنَقَلَ اللهُ حُمّاها إِلى مَوضِعٍ آخَرَ، وَسُمِّيَت طَيبَةَ وَطابَةَ؛ لِطِيبِها بِرَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَلَأَجرُ الآخِرَةِ أَكبَرُ﴾ أَي إِنَّ ما أَعَدَّهُ اللهُ لَهُم فِي الآخِرَةِ أَعظَمُ وَأَبقى مِن كُلِّ ما نالُوهُ فِي الدُّنيا مِن رِزقٍ وَنَصرٍ وَمَثوى حَسَنٍ. فَالدُّنيا زائِلَةٌ، وَإِن طابَت لِلمُؤمِنِ، وَأَمّا الآخِرَةُ فَهِيَ دارُ البَقاءِ، وَأَجرُها أَكبَرُ، وَنَعِيمُها أَكمَلُ، وَكَرَمُ اللهِ فِيهَا أَعظَمُ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿لَو كانُوا يَعلَمُونَ﴾ يَحتَمِلُ أَن يَعودَ الضَّمِيرُ إِلى الكُفّارِ، أَي لَو كانُوا يَعلَمُونَ ما لِلمُهاجِرِينَ مِن حَسَنَةٍ فِي الدُّنيا وَأَجرٍ عَظِيمٍ فِي الآخِرَةِ لَرَغِبُوا فِي الدِّينِ وَلَم يُعرِضُوا عَنهُ. وَيَحتَمِلُ أَن يَعودَ إِلى المُهاجِرِينَ، أَي لَو كانوا يَعلَمُونَ تَمامَ ما أَعَدَّهُ اللهُ لَهُم مِنَ الأَجرِ لَزادُوا صَبرًا وَاجتِهادًا، مَعَ ما كانوا عَلَيهِ مِنَ الصَّبرِ وَالثَّباتِ.
﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٤٢]
قَولُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ وَصفٌ لِهٰؤُلاءِ المُهاجِرِينَ المَمدُوحِينَ، أَي هُمُ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى مُفارَقَةِ الأَوطانِ، وَتَركِ الأَموالِ وَالأَهلِ، وَتَحمُّلِ الأَذى فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالمُجاهَدَةِ وَبَذلِ الأَرواحِ نُصرَةً لِدِينِ اللهِ. فَلَم يَمنَعْهُم حُبُّ مَكَّةَ وَحَرَمِها، وَلا حُبُّ المالِ وَالأَهلِ، مِنَ الهِجرَةِ طاعَةً للهِ وَرَسُولِهِ ﷺ.
وَقَد كانَت مَكَّةُ حَرَمَ اللهِ المَحبُوبَ، وَفِيهَا الكَعبَةُ المُشَرَّفَةُ، وَالصَّلاةُ فِيها بِمِئَةِ أَلفِ صَلاةٍ فِيما سِواها، وَمَقبرَتُها المَعلاةُ مَمدُوحَةٌ، وَهِيَ بَلَدُ النَّبِيِّ ﷺ وَمَولِدُهُ. فَمَن فارَقَها طاعَةً للهِ بَعدَ الظُّلمِ وَالأَذى، فَقَد صَبَرَ صَبرًا عَظِيمًا، وَآثَرَ مَرضاةَ اللهِ عَلَى أَحبِّ البِلادِ إِلَيهِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ﴾ أَي يُفَوِّضُونَ أُمُورَهُم إِلى اللهِ، وَيَعتَمِدُونَ عَلَيهِ اعتمادًا حَقِيقِيًّا، وَيَرضَونَ بِما قَسَمَ لَهُم، مَعَ الأَخذِ بِالأَسبابِ الَّتِي أَذِنَ بِها الشَّرعُ. فَالتَّوَكُّلُ لَيسَ تَركَ السَّبَبِ، وَلٰكِنَّهُ تَركُ الاعتمادِ عَلَى السَّبَبِ، وَجَعلُ الاعتمادِ الحَقِيقِيِّ عَلَى اللهِ تَعالى.
فَالمُتَوَكِّلُ يَعلَمُ أَنَّ الرِّزقَ مِنَ اللهِ، وَالنَّصرَ مِن عِندِ اللهِ، وَالهِدايَةَ بِتَوفِيقِ اللهِ، وَأَنَّهُ لا يَقَعُ فِي العالَمِ إِلَّا ما شاءَهُ اللهُ. فَلا يَتَعَلَّقُ قَلبُهُ بِالأَسبابِ تَعَلُّقَ اعتمادٍ وَاستِقلالٍ، بَل يَستَعمِلُها امتِثالًا لِما شَرَعَهُ اللهُ، وَقَلبُهُ مُعتَمِدٌ عَلَى رَبِّهِ.
وَمِن أَحوالِ أَهلِ الصَّبرِ أَنَّهُم يَصبِرُونَ عَلَى المُرِّ، وَيَثبُتُونَ عِندَ الشِّدَّةِ، وَيَرضَونَ بِقَضاءِ اللهِ، وَيُحسِنُونَ الظَّنَّ بِرَبِّهِم. وَلِذٰلِكَ جَمَعَ اللهُ لَهُم فِي الآيَةِ بَينَ الصَّبرِ وَالتَّوَكُّلِ؛ فَالصَّبرُ يَثبُتُ بِهِ العَبدُ عِندَ البَلاءِ، وَالتَّوَكُّلُ يُقَوِّي قَلبَهُ بِالثِّقَةِ بِاللهِ وَحُسنِ الاعتمادِ عَلَيهِ.
وَمِن أَعظَمِ مَن تَحَقَّقَ بِالصَّبرِ وَالتَّوَكُّلِ أَصحابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَهُم أَبطَالُ الإِسلامِ الَّذِينَ تَرَكُوا الدِّيارَ وَالأَموالَ، وَبَذَلُوا الأَنفُسَ، وَثَبَتُوا فِي وَجهِ الكُفرِ وَالأَذى، حَتّى فَتَحَ اللهُ بِهِمُ البِلادَ، وَنَشَرَ بِهِم دَعوةَ لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ.
وَقَد كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعرِفُ فَضلَ أَصحابِهِ وَيَذكُرُ مَناقِبَهُم، فَقَد قالَ فِي مَعنى ما رُوِيَ عَنهُ: «رَحِمَ اللهُ أَبا بَكرٍ، زَوَّجَنِي ابنَتَهُ، وَحَمَلَنِي إِلى دارِ الهِجرَةِ، وَأَعتَقَ بِلالًا». وَقالَ فِي عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَعنى ما يَدُلُّ عَلَى قُوَّتِهِ فِي الحَقِّ، وَفِي عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَعنى ما يَدُلُّ عَلَى بَذلِهِ، وَفِي عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجهَهُ: «اللَّهُمَّ أَدِرِ الحَقَّ مَعَهُ حَيثُ دارَ». فَهٰؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ نَصَرُوا الدِّينَ، وَصَبَرُوا، وَعَلَى رَبِّهِم تَوَكَّلُوا.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ اللهَ تَعالى مَدَحَ الَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِهِ بَعدَ ما ظُلِمُوا، فَخَرَجُوا مِن أَوطانِهِم طاعَةً للهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، فَوَعَدَهُم أَن يُبَوِّئَهُم فِي الدُّنيا حَسَنَةً، مِن رِزقٍ وَنَصرٍ وَدارِ هِجرَةٍ كَرِيمَةٍ، وَأَخبَرَ أَنَّ أَجرَ الآخِرَةِ أَكبَرُ وَأَبقى. ثُمَّ وَصَفَهُم بِأَنَّهُم صَبَرُوا عَلَى الأَذى وَفِراقِ الأَوطانِ وَمُجاهَدَةِ النَّفسِ وَالعَدُوِّ، وَأَنَّهُم عَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ، فَجَمَعُوا بَينَ الصَّبرِ وَالثِّقَةِ بِاللهِ، فَكانُوا مِن أَهلِ الكَرامَةِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ.