بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47)﴾ [النحل: ٤٣-٤٧]
﴿وَما أَرسَلنا مِن قَبلِكَ إِلّا رِجالًا نُوحِي إِلَيهِم فَاسأَلُوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لا تَعلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]
جاءَت هٰذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِي سِياقِ الرَّدِّ عَلَى شُبهَةٍ مِن شُبَهِ المُشرِكِينَ الَّذِينَ تَحالَفُوا عَلَى أَذى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَالصَّدِّ عَن دِينِهِ، وَتَنفِيرِ النّاسِ عَنهُ. فَقَد سَبَقَ ذِكرُ شُبَهٍ لَهُم فِي هٰذِهِ السُّورَةِ، مِن قَولِهِم عَنِ القُرآنِ إِنَّهُ أَساطِيرُ الأَوَّلِينَ، وَمِن احتِجاجِهِم بِالمَشِيئَةِ عَلَى شِركِهِم، وَمِن إِنكارِهِمُ البَعثَ بَعدَ المَوتِ، ثُمَّ جاؤُوا هُنا بِشُبهَةٍ أُخرى، فَقالُوا: كَيفَ يَكونُ مُحَمَّدٌ ﷺ رَسُولًا وَهُوَ بَشَرٌ؟ وَزَعَمُوا أَنَّ الرَّسُولَ إِلى أَهلِ الأَرضِ لا يَكونُ إِلَّا مَلَكًا.
فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيهِم بِقَولِهِ: ﴿وَما أَرسَلنا مِن قَبلِكَ إِلّا رِجالًا نُوحِي إِلَيهِم﴾، أَي ما أَرسَلنا قَبلَكَ إِلى البَشَرِ إِلَّا رِجالًا مِنَ البَشَرِ، نُوحِي إِلَيهِم بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، فَيُبَلِّغُونَ أَمرَ اللهِ إِلى عِبادِهِ. فَلَيسَ كونُ الرَّسُولِ بَشَرًا مَطعَنًا فِي رِسالَتِهِ، بَل هٰذِهِ سُنَّةُ اللهِ فِي إِرسالِ الرُّسُلِ إِلى البَشَرِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿رِجالًا﴾ فِيهِ بَيانٌ أَنَّ الأَنبِياءَ الَّذِينَ أُرسِلُوا إِلى البَشَرِ كانوا رِجالًا، فَلَا نُبُوَّةَ فِي النِّساءِ عَلَى قَولِ الجُمهُورِ. فَمَريَمُ عَلَيها السَّلامُ، وَمَعنى اسمِها العابِدَةُ، كانَت وَلِيَّةً صالِحَةً، بَل سَيِّدَةَ نِساءِ العالَمِينَ، وَلٰكِنَّها لَيسَت نَبِيَّةً. وَكَذٰلِكَ لَيسَ فِي الجِنِّ أَنبِياءُ، وَإِنَّما فِيهِم نُذُرٌ يَسمَعُونَ مِنَ الأَنبِياءِ وَيُبَلِّغُونَ قَومَهُم.
وَمِن شَواهِدِ ذٰلِكَ ما وَقَعَ فِي مَكَّةَ، حِينَ جَاءَت وُفُودٌ مِنَ الجِنِّ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَمِعُوا مِنهُ القُرآنَ وَدَعوَةَ الإِسلامِ، ثُمَّ انطَلَقُوا إِلى قَومِهِم مُنذِرِينَ. وَقَد كانَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَوضِعٍ مِن مَكَّةَ، فَخَطَّ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا، وَأَمرَهُ أَلَّا يَتَجاوَزَهُ، ثُمَّ أَقبَلَت وُفُودُ الجِنِّ تَسمَعُ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَهٰؤُلاءِ لَيسُوا أَنبِياءَ، وَلٰكِنَّهُم سَمِعُوا وَبَلَّغُوا.
وَقَد حُكِيَ فِي قِصَّةِ إِسلامِ الجَعدِ بنِ قَيسٍ المُرادِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ كانَ فِي رَكبٍ بِناحِيَةِ اليَمَنِ، فَسَمِعَ فِي اللَّيلِ هاتِفًا مِنَ الجِنِّ المُؤمِنِينَ، يَأمُرُهُم أَن يُبَلِّغُوا مُحَمَّدًا ﷺ تَحِيَّةً، وَيُخبِرُوهُ أَنَّهُم أَنصارٌ لِدِينِهِ، وَأَنَّ ذٰلِكَ مِمّا أَوصاهُم بِهِ عِيسى بنُ مَريَمَ عَلَيهِ السَّلامُ. فَكانَ ذٰلِكَ سَبَبًا فِي جِدِّ هٰذَا الرَّجُلِ فِي السَّيرِ إِلى مَكَّةَ، حَتّى اجتَمَعَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَسلَمَ.
وَلِمَا كانَ اللهُ تَعالى قَد أَخبَرَ أَنَّ الرُّسُلَ إِلى البَشَرِ رِجالٌ، وَأَنَّ مِن جُملَةِ الأَنبِياءِ رِجالًا عَرَبًا كَهُودٍ، وَصالِحٍ، وَشُعَيبٍ، وَخاتَمِهِم مُحَمَّدٍ ﷺ، وَجَبَ الحَذَرُ مِن إِطلاقِ أَلفاظٍ تَتَضَمَّنُ ذَمَّ الرِّجالِ أَو ذَمَّ العَرَبِ عَلَى العُمُومِ. فَلَا يَجوزُ أَن يُقالَ: الرِّجالُ لا أَمانَ لَهُم، أَو الرِّجالُ أَهلُ خِيانَةٍ، عَلَى وَجهِ الإِطلاقِ؛ لأَنَّ هٰذَا اللَّفظَ يَشمَلُ الأَنبِياءَ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ. وَإِنَّما يُقالُ: قَد يَخُونُ بَعضُ الرِّجالِ، أَو قَد يَظلمُ بَعضُهُم، مِن غَيرِ تَعمِيمٍ فاسِدٍ.
وَكَذٰلِكَ لا يَجوزُ أَن يُقالَ: لا يُشَرِّفُنِي أَن أَكونَ عَرَبِيًّا، أَو يُذَمَّ جِنسُ العَرَبِ عَلَى الإِطلاقِ؛ فَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَرَبِيٌّ، وَمِنَ الأَنبِياءِ مَن كانَ عَرَبِيًّا. فَمَن رَأى ذُلَّ المُسلِمِينَ أَو ضَعفَهُم، فَلْيَقُلْ: يُحزِنُنِي ما أَرى مِن ظُلمِ أَعداءِ الدِّينِ وَضَعفِ أَهلِ الإِسلامِ، وَلَا يَتَكَلَّم بِما فِيهِ ذَمٌّ لِجِنسٍ شَرَّفَهُ اللهُ بِأَنبِياءَ كِرامٍ.
وَكَذٰلِكَ يَجِبُ الحَذَرُ مِنَ الأَلفاظِ الَّتِي تُحَسِّنُ القَبِيحَ أَو تُقَبِّحُ الحَسَنَ، كَقَولِ بَعضِ النّاسِ: الكَذِبُ مِلحُ الرِّجالِ، أَو عَيبٌ عَلَى مَن يَصدُقُ. فَهٰذَا كَلامٌ فاسِدٌ مُخالِفٌ لِلدِّينِ؛ لأَنَّ الصِّدقَ مَمدُوحٌ شَرعًا، وَالكَذِبَ مَذمُومٌ مُحَرَّمٌ. وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ما يَلفِظُ مِن قَولٍ إِلّا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لا يَرى بِها بَأسًا يَهوِي بِها فِي النّارِ سَبعِينَ خَرِيفًا».
وَكَمَا لا يَجوزُ ذَمُّ الرِّجالِ أَوِ العَرَبِ عَلَى الإِطلاقِ، لا يَجوزُ أَيضًا لَعنُ النِّساءِ عَلَى العُمُومِ، كَقَولِ بَعضِهِم: لَعَنَ اللهُ جِنسَ بَناتِ حَوّاءَ، فَإِنَّ هٰذَا يَشمَلُ مَريَمَ، وَفاطِمَةَ، وَخَدِيجَةَ، وَسائِرَ النِّساءِ الصّالِحاتِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَمِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ. فَلْيَحفَظِ العَبدُ لِسانَهُ، وَلْيَعرِف خَطَرَ الكَلامِ قَبلَ أَن يَتَكَلَّمَ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَاسأَلُوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لا تَعلَمُونَ﴾ أَي سَلُوا أَهلَ الكُتُبِ السّابِقَةِ، مِمَّن عِندَهُم عِلمٌ بِخَبَرِ الأَنبِياءِ، هَل كانَ اللهُ يَبعَثُ إِلى الأُمَمِ إِلَّا بَشَرًا مِنَ الرِّجالِ؟ فَهٰؤُلاءِ يَعرِفُونَ أَنَّ مُوسى وَعِيسى وَغَيرَهُما مِنَ الأَنبِياءِ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ كانوا بَشَرًا، فَلِمَ يَستَنكِرُونَ بَشَرِيَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ وَقِيلَ: أَهلُ الذِّكرِ هُم أَهلُ العِلمِ، وَهٰذَا مَعنى عامٌّ تَدُلُّ عَلَيهِ الآيَةُ.
فَفِي الآيَةِ إِرشادٌ لِمَن لا يَعلَمُ أَن يَسأَلَ أَهلَ العِلمِ، لا أَهلَ الجَهلِ وَالأَهواءِ، فَالعِبرَةُ بِعُمُومِ اللَّفظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. فَمَن جَهِلَ حُكمًا مِن أَحكامِ الدِّينِ، أَو أَشكَلَ عَلَيهِ أَمرٌ مِن أُمُورِ العَقِيدَةِ أَو العِبادَةِ أَو المُعامَلَةِ، فَلْيَرجِع إِلى أَهلِ العِلمِ الثِّقاتِ، فَإِنَّ اللهَ أَمَرَ بِسُؤالِ أَهلِ الذِّكرِ عِندَ عَدَمِ العِلمِ.
﴿بِالبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلنا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيهِم وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]
قَولُهُ تَعالى: ﴿بِالبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ﴾ أَي أَرسَلنا الرُّسُلَ بِالمُعجِزاتِ الواضِحَةِ، وَالكُتُبِ المُنزَلَةِ. فَالبَيِّناتُ هِيَ الدَّلائِلُ وَالمُعجِزاتُ الَّتِي تُبَيِّنُ صِدقَ الرُّسُلِ، وَالزُّبُرُ هِيَ الكُتُبُ. وَذَكَرَ أَهلُ التَّفسيرِ أَنَّ فِي هٰذَا المَوضِعِ تَقدِيمًا وَتَأخِيرًا، أَي وَما أَرسَلنا مِن قَبلِكَ بِالبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيهِم.
فَكُلُّ رَسُولٍ أَيَّدَهُ اللهُ بِما شاءَ مِنَ الآياتِ، وَأَقامَ بِهِ الحُجَّةَ عَلَى قَومِهِ. وَرَسُولُنا مُحَمَّدٌ ﷺ أَعظَمُ الرُّسُلِ آيَةً، وَأَبقَى مُعجِزاتِهِ هٰذا القُرآنُ العَظِيمُ، الَّذِي سَمّاهُ اللهُ هُنا ذِكرًا، فَقالَ: ﴿وَأَنزَلنا إِلَيكَ الذِّكرَ﴾، أَي أَنزَلنا إِلَيكَ القُرآنَ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيهِم﴾ أَي أَنزَلنا إِلَيكَ القُرآنَ لِتُوَضِّحَ لِلنّاسِ ما فِيهِ مِن أَوامِرَ وَنَواهٍ، وَوَعدٍ وَوَعيدٍ، وَأَحكامٍ وَآدابٍ، وَما يَحتاجُ إِلى بَيانٍ مِن مُجمَلِهِ. فَفِي القُرآنِ ما هُوَ مُجمَلٌ، وَبَيانُهُ جاءَ عَلَى لِسانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكانَت سُنَّتُهُ الشَّرِيفَةُ حُجَّةً واجِبَةَ الاتِّباعِ.
وَهٰذِهِ الآيَةُ مِن أَدِلَّةِ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ، فَإِنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ بَيانَ القُرآنِ عَلَى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ، وَأَمَرَ النّاسَ بِاتِّباعِهِ وَالأَخذِ عَنهُ. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أُوتِيتُ القُرآنَ وَمِثلَهُ مَعَهُ». فَمَن طَعَنَ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، أَو زَعَمَ أَنَّهُ لا يَأخُذُ إِلَّا بِالقُرآنِ، فَقَد خالَفَ القُرآنَ نَفسَهُ، لأَنَّ القُرآنَ أَمَرَ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ، وَجَعَلَهُ مُبَيِّنًا لِما أَنزَلَ اللهُ.
فَتَفاصِيلُ الصَّلاةِ، وَالصِّيامِ، وَالزَّكاةِ، وَالحَجِّ، وَكَثيرٌ مِن أَحكامِ المُعامَلاتِ وَالحُدُودِ وَالآدابِ، إِنَّما عُرِفَت بِبَيانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَمِن ذٰلِكَ قَولُهُ ﷺ فِي الصَّومِ: «مَن لَم يُبَيِّتِ الصِّيامَ مِنَ اللَّيلِ فَلا صِيامَ لَهُ»، وَمِن ذٰلِكَ بَيانُهُ ﷺ لِمُبطِلاتِ العِباداتِ وَشُرُوطِها وَأَركانِها. فَمَن أَبطَلَ حُجِّيَّةَ الحَدِيثِ، أَبطَلَ كَثيرًا مِن تَفاصِيلِ الدِّينِ.
وَلَيسَ فِي وُرُودِ بَعضِ التَّفاصِيلِ فِي السُّنَّةِ نَقصٌ فِي القُرآنِ، بَل هٰذا مِن كَمالِ الدِّينِ؛ لأَنَّ اللهَ أَنزَلَ القُرآنَ، وَأَمرَ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ، وَجَعَلَ بَيانَهُ مِن جُملَةِ الوَحيِ الَّذِي يُحتَجُّ بِهِ. وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فَكَمَالُ الدِّينِ يَشمَلُ القُرآنَ وَما بَيَّنَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسُنَّتِهِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ﴾ أَي لِيَتَفَكَّرُوا فِيما أَنزَلَ اللهُ، وَفِي بَيانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَيَعرِفُوا الحَقَّ، وَيَترُكُوا العِنادَ وَالشُّبَهَ. فَالتَّفَكُّرُ الصَّحِيحُ يَقُودُ إِلى الإِيمانِ، وَيُخرِجُ العَبدَ مِن ظُلمَةِ التَّقليدِ الباطِلِ إِلى نُورِ الهِدايَةِ.
﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَن يَخسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرضَ أَو يَأتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيثُ لا يَشعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥]
بَعدَ أَن أَبطَلَ اللهُ تَعالى شُبهَةَ المُشرِكِينَ فِي استِبعادِ بَشَرِيَّةِ الرُّسُلِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ أَرسَلَ قَبلَ مُحَمَّدٍ ﷺ رِجالًا يُوحَى إِلَيهِم، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مُبَيِّنٌ لِما أَنزَلَ اللهُ، جاءَ الوَعيدُ لِمَن مَكَرَ بِدِينِ اللهِ وَكَذَّبَ رُسُلَهُ، فَقالَ: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ﴾.
وَالمُرادُ بِالَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَهلُ الكُفرِ وَالعِنادِ الَّذِينَ دَبَّرُوا المَكايدَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَآذَوهُ، وَصَدُّوا النّاسَ عَن دَعوَتِهِ، وَحاوَلُوا إِطفاءَ نُورِ الإِسلامِ. وَالسَّيِّئاتُ هُنا المَكَراتُ السَّيِّئَةُ، أَي التَّدابِيرُ الخَبِيثَةُ الَّتِي أَرادُوا بِها السُّوءَ بِأَهلِ الحَقِّ.
فَقالَ اللهُ تَعالى مُهَدِّدًا لَهُم: ﴿أَن يَخسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرضَ﴾، أَي أَأَمِنُوا أَن يَشقَّ اللهُ الأَرضَ فَتَبتَلِعَهُم، كَما فَعَلَ بِمَن شاءَ مِنَ الأُمَمِ وَالأَشخاصِ قَبلَهُم؟ وَالخَسفُ أَن تَنشَقَّ الأَرضُ وَتَبلَعَ مَن عَلَيهَا، وَلَيسَ مُجَرَّدَ زَلزَلَةٍ. وَمِن أَشهَرِ أَمثِلَةِ الخَسفِ ما وَقَعَ لِقارُونَ، حِينَ خَسَفَ اللهُ بِهِ وَبِدارِهِ الأَرضَ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿أَو يَأتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيثُ لا يَشعُرُونَ﴾ أَي أَو يَأتِيَهُم عَذابُ اللهِ مِن جِهَةٍ لا يَتَوَقَّعُونَها، وَفِي وَقتٍ لا يَشعُرُونَ بِهِ. فَقَد يَأتي العَذابُ مِن فَوقِهِم صاعِقَةً، أَو مِن تَحتِهِم خَسفًا، أَو مِن جِهَةٍ يَظُنُّونَ أَنَّها مَوضِعُ أَمنِهِم، فَيَصِيرُ أَمنُهُم خَوفًا، وَقُوَّتُهُم هَلاكًا.
وَفِي الآيَةِ عِبرَةٌ لِكُلِّ عاصٍ، فَلَا يَنبَغِي لِلعَبدِ أَن يَأمَنَ مَكرَ اللهِ، أَو أَن يَغتَرَّ بِإِمهالِهِ. فَمَن يَشرَبُ الخَمرَ، أَو يَترُكُ الصَّلاةَ، أَو يَعُقُّ والِدَيهِ، أَو يَأكُلُ الرِّبا، أَو يَظلِمُ النّاسَ، فَلْيَخَف أَن يَأتِيَهُ المَوتُ أَو العَذابُ وَهُوَ عَلَى مَعصِيَتِهِ. فَكَم مِن إِنسانٍ كانَ فِي أَمنٍ ظاهِرٍ، فَجاءَهُ الهَلاكُ مِن حَيثُ لا يَشعُرُ.
وَقِيلَ فِي قَولِهِ تَعالى: ﴿مِن حَيثُ لا يَشعُرُونَ﴾ إِنَّهُ كَما جاءَ أَهلَ بَدرٍ مِنَ المُشرِكِينَ عَذابٌ مِن حَيثُ لا يَشعُرُونَ. فَقَد خَرَجُوا بِخُيَلائِهِم وَفَخرِهِم، وَظَنُّوا أَنَّهُم يَستَأصِلُونَ دَعوَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَجاؤُوا بِالعَدَدِ وَالعُدَّةِ وَالمَعازِفِ وَالخُمورِ، ثُمَّ جاءَهُم نَصرُ اللهِ لِلمُؤمِنِينَ، فَصارَ ذٰلِكَ اليَومُ فُرقانًا بَينَ الحَقِّ وَالباطِلِ.
فِي يَومِ بَدرٍ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أَصحابِهِ، وَكانُوا ثَلاثَ مِئَةٍ وَثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَنُصِبَ لَهُ عَرِيشٌ يُشرِفُ مِنهُ عَلَى أَرضِ المَعرَكَةِ. فَقَامَ ﷺ يَدعُو رَبَّهُ وَيَقولُ: «اللَّهُمَّ هٰذِهِ قُرَيشٌ قَد أَقبَلَت بِخُيَلائِها وَفَخرِها تُحادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ وَعدَكَ الَّذِي وَعَدتَنِي، اللَّهُمَّ نَصرَكَ الَّذِي أَنجَزتَنِي». وَكانَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَريبًا مِنهُ، يُطَمئِنُهُ بِوَعدِ اللهِ.
ثُمَّ جاءَ المَدَدُ مِنَ اللهِ تَعالى، فَنَزَلَتِ المَلائِكَةُ، وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَبشِر يا أَبا بَكرٍ، أَتى نَصرُ اللهِ، هٰذا جِبرِيلُ آخِذٌ بِعِنانِ فَرَسِهِ يَقُودُهُ». وَقَد أَمَدَّ اللهُ المُؤمِنِينَ بِالمَلائِكَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَد نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدرٍ وَأَنتُم أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ( ١٢٣) إِذ تَقُولُ لِلمُؤمِنِينَ أَلَن يَكفِيَكُم أَن يُمِدَّكُم رَبُّكُم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِن تَصبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأتُوكُم مِن فَورِهِم هٰذا يُمدِدكُم رَبُّكُم بِخَمسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلّا بُشرى لَكُم وَلِتَطمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَما النَّصرُ إِلّا مِن عِندِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ( ١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٣-١٢٦].
وَقَد كانَ مِن أَمرِ أَبِي جَهلٍ، لَعَنَهُ اللهُ، أَنَّهُ خَرَجَ يَومَ بَدرٍ مُستَكبِرًا مُحَرِّضًا عَلَى قِتالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَجاءَهُ الهَلاكُ عَلَى أَيدِي فِتيَةٍ مِنَ الأَنصارِ، سَمِعُوا أَنَّهُ كانَ يَسُبُّ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالُوا: لا نَترُكُهُ إِن رَأَيناهُ حَتّى يَكونَ المَوتُ أَعجَلَ إِلَيهِ أَو إِلَينا. فَضَرَبَهُ مُعاذُ بنُ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُ، ثُمَّ ضَرَبَهُ مُعاذُ بنُ عَفراءَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، ثُمَّ أَجهَزَ عَلَيهِ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. فَهٰكذا أَذَلَّ اللهُ مَن كانَ مُستَكبِرًا مُؤذِيًا لِرَسُولِهِ ﷺ.
﴿أَو يَأخُذَهُم فِي تَقَلُّبِهِم فَما هُم بِمُعجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦]
قَولُهُ تَعالى: ﴿أَو يَأخُذَهُم فِي تَقَلُّبِهِم﴾ أَي أَو يُنزِلَ بِهِم عَذابَهُ وَهُم مُتَقَلِّبُونَ فِي أَحوالِهِم، وَمُتَرَدِّدُونَ فِي مَعايِشِهِم وَأَسفارِهِم وَتِجارَاتِهِم. وَقِيلَ: فِي تَقَلُّبِهِم أَي فِي اللَّيلِ وَالنَّهارِ، وَقِيلَ: فِي فُرُشِهِم، وَقِيلَ: فِي أَسفارِهِم. وَالمَعنى أَنَّ اللهَ قادِرٌ عَلَى أَخذِهِم فِي كُلِّ حالٍ، لا يَمنَعُهُم مَكانٌ، وَلَا حَرَكَةٌ، وَلَا تَدبِيرٌ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَما هُم بِمُعجِزِينَ﴾ أَي لا يُعجِزُونَ اللهَ، وَلَا يَفُوتُونَهُ، وَلَا يَخرُجُونَ عَن قُدرَتِهِ. فَمَن فَرَّ مِن عَذابِ اللهِ، فَإِنَّهُ لا يَجِدُ مَلجَأً إِلَّا إِلى اللهِ، وَمَن تَحَصَّنَ بِقُوَّةٍ أَو مالٍ أَو عَدَدٍ، فَإِنَّ ذٰلِكَ لا يَدفَعُ عَنهُ قَضاءَ اللهِ إِذا جاءَ.
﴿أَو يَأخُذَهُم عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧]
قَولُهُ تَعالى: ﴿أَو يَأخُذَهُم عَلى تَخَوُّفٍ﴾ أَي أَو يَأخُذَهُم وَهُم مُتَخَوِّفُونَ مُتَوَقِّعُونَ العَذابَ، بَعدَ أَن يَرَوا هَلاكَ مَن قَبلَهُم، أَو يَسمَعُوا بِما نَزَلَ بِغَيرِهِم. فَهٰذا خِلافُ قَولِهِ: ﴿مِن حَيثُ لا يَشعُرُونَ﴾؛ فَهُناكَ عَذابٌ يَأتي بَغتَةً مِن غَيرِ تَوَقُّعٍ، وَهُنا عَذابٌ يَأتي مَعَ الخَوفِ وَالتَّرَقُّبِ.
وَقِيلَ: مَعنى ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾ أَي عَلَى تَنَقُّصٍ، أَي يُنقِصُهُم اللهُ شَيئًا فَشَيئًا، فِي أَبدانِهِم، أَو أَطرافِهِم، أَو أَموالِهِم، أَو قُوَّتِهِم، حَتّى يَأخُذَهُم بِالعَذابِ. وَالمَعنيانِ مُحتَمَلانِ، وَكِلاهُما يَدُلُّ عَلَى قُدرَةِ اللهِ عَلَى أَخذِ العِبادِ فِي كُلِّ حالٍ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أَي إِنَّ اللهَ تَعالى مَعَ قُدرَتِهِ عَلَى أَخذِهِم وَإِهلاكِهِم، يَحلُمُ عَنهُم وَيُمهِلُهُم، وَلَا يُعاجِلُهُم بِالعُقُوبَةِ مَعَ استِحقاقِهِم، فَرَأفَتُهُ وَرَحمَتُهُ هِيَ الَّتِي تَمنَعُ عَنِ العِبادِ كَثيرًا مِنَ العَذابِ، وَتَفتَحُ لَهُم بابَ التَّوبَةِ قَبلَ فَواتِ الأَوانِ.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ اللهَ تَعالى رَدَّ عَلَى شُبهَةِ المُشرِكِينَ الَّذِينَ استَنكَرُوا أَن يَكونَ الرَّسُولُ بَشَرًا، فَبَيَّنَ أَنَّهُ ما أَرسَلَ قَبلَ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَّا رِجالًا يُوحِي إِلَيهِم، وَأَمَرَ مَن لا يَعلَمُ بِسُؤالِ أَهلِ الذِّكرِ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ الرُّسُلَ جاؤُوا بِالبَيِّناتِ وَالكُتُبِ، وَأَنَّهُ أَنزَلَ القُرآنَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ لِيُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيهِم، فَفِي ذٰلِكَ دَليلٌ عَلَى حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ. ثُمَّ وَعَدَ أَهلَ المَكرِ وَالعِنادِ بِأَنَّهُم لَيسُوا فِي أَمنٍ مِن عَذابِ اللهِ، فَقَد يَخسِفُ بِهِمُ الأَرضَ، أَو يَأتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيثُ لا يَشعُرُونَ، أَو يَأخُذَهُم فِي تَقَلُّبِهِم، أَو عَلَى تَخَوُّفٍ، وَهُم لا يُعجِزُونَ اللهَ، وَمَعَ ذٰلِكَ فَإِنَّ اللهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ يُمهِلُ وَلا يُهمِلُ.