بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66)﴾ [النحل: ٥٧-٦٦]
﴿وَيَجعَلُونَ لِلهِ البَناتِ سُبحانَهُ وَلَهُم ما يَشتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]
يَذكُرُ اللهُ تَعالى فِي هٰذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ شَناعَةً مِن شَناعاتِ المُشرِكِينَ، وَهِيَ أَنَّهُم نَسَبُوا إِلى اللهِ تَعالى الوَلَدَ، بَل نَسَبُوا إِلَيهِ ما كانُوا يَكرَهُونَهُ لِأَنفُسِهِم، فَقالَت خُزاعَةُ وَكِنانَةُ وَغَيرُهُم مِن بَعضِ قَبائِلِ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ، تَعالى اللهُ عَن قَولِهِم عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿سُبحانَهُ﴾ تَنزِيهٌ لِلهِ تَعالى عَن نِسبَةِ الوَلَدِ إِلَيهِ، وَعَن كُلِّ صِفَةٍ مِن صِفاتِ المَخلُوقِينَ. فَمَعنى التَّسبِيحِ تَنزِيهُ اللهِ تَعالى عَنِ الكَيفِيَّةِ، وَالكَمِّيَّةِ، وَالحَيِّزِ، وَالجِسمِيَّةِ، وَالشَّكلِ، وَالصُّورَةِ، وَالزَّمانِ، وَالمَكانِ، وَعَن كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِهِ. فاللهُ تَعالى لا وَلَدَ لَهُ، وَلَا صاحِبَةَ، وَلَا شَرِيكَ، وَلَا مِثلَ لَهُ، وَلَا يَحتاجُ إِلى شَيءٍ مِن خَلقِهِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُم ما يَشتَهُونَ﴾ أَي أَنَّهُم جَعَلُوا لِأَنفُسِهِم ما يُحِبُّونَهُ وَيَشتَهُونَهُ مِنَ البَنِينَ، وَجَعَلُوا لِلهِ ما يَكرَهُونَهُ مِنَ البَناتِ، عَلَى زَعمِهِم الباطِلِ. فَكانُوا يُحِبُّونَ الذُّكورَ، وَيَستَحيُونَ مِنَ الإِناثِ، ثُمَّ يَنسبُونَ إِلى اللهِ تَعالى البَناتِ، وَيَزعُمُونَ أَنَّ المَلائِكَةَ إِناثٌ وَأَنَّهُنَّ بَناتُ اللهِ، وَهٰذا مِن أَقبَحِ الكُفرِ وَأَشدِّ الافتراءِ.
وَالمَلائِكَةُ عِبادٌ مُكرَمُونَ، جُنُودٌ لِلهِ، وَمَعنى كَونِهِم جُنُودًا أَنَّهُم عِبادٌ طائِعُونَ مُنقادُونَ لِأَمرِ اللهِ، لا أَنَّهُم أَعوانٌ لَهُ، فَاللهُ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ. وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَما يَعلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، فَعَدَدُهُم لا يُحصِيهِ إِلَّا اللهُ تَعالى، لا جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ وَلا غَيرُهُ مِنَ الخَلقِ.
وَالمَلائِكَةُ خَلَقَهُمُ اللهُ مِن نُورٍ، وَالأَصلُ الأَوَّلُ لِلمَخلُوقاتِ هُوَ الماءُ، فَما خُلِقَ مِن نُورٍ أَو نارٍ أَو تُرابٍ فَإِنَّ مَرَدَّ ذٰلِكَ كُلِّهِ إِلى خَلقِ اللهِ وَإِبداعِهِ، وَاللهُ تَعالى خالِقُ كُلِّ شَيءٍ. وَلا يَجُوزُ أَن يُقالَ عَنِ اللهِ إِنَّهُ أَصلُ العالَمِ، أَو عِلَّةُ العالَمِ، أَو سَبَبُ العالَمِ، أَو مَصدَرُ العالَمِ؛ لأَنَّ الأَصلَ وَالعِلَّةَ وَالسَّبَبَ وَالمَصدَرَ أَلفاظٌ تُوهِمُ مَعانِيَ لا تَلِيقُ بِاللهِ، وَإِنَّما يُقالُ: اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وَهٰذا مَدحٌ وَتَعظِيمٌ.
وَالمَلائِكَةُ لَيسُوا ذُكورًا وَلَا إِناثًا، لا يَأكُلُونَ، وَلَا يَشرَبُونَ، وَلَا يَنامُونَ، وَلَا يَتَناكَحُونَ، وَهُم كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لا يَعصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ ما يُؤمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. وَقَد يَتَشَكَّلُ المَلَكُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، كَما تَشَكَّلَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ لِمَريَمَ عَلَيها السَّلامُ، وَكَما كانَ يَأتي رَسُولَ اللهِ ﷺ أَحيانًا فِي صُورَةِ دِحيَةَ الكَلبِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَلٰكِنَّهُم لا يَتَشَكَّلُونَ بِصُورَةٍ قَبِيحَةٍ وَلَا بِصُورَةِ ما يُؤذِي وَيُقتَلُ.
وَمِن عَظَمَةِ المَلائِكَةِ أَنَّ اللهَ عَظَّمَ شَأنَهُم، فَمَن سَبَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ، كَجِبرِيلَ أَو مِيكائِيلَ أَو إِسرافِيلَ أَو مَلَكِ المَوتِ عِزرائِيلَ عَلَيهِمُ السَّلامُ، أَو سَبَّ مَلَكًا لا يَعرِفُ اسمَهُ، فَقَد تَعَرَّضَ لِناقِضٍ عَظيمٍ مِن نَواقِضِ الإِسلامِ. فَالمَلائِكَةُ عِبادُ اللهِ المُكرَمُونَ، وَمَن أَهانَ مَن عَظَّمَهُ اللهُ فَقَد عَظُمَت جِنايَتُهُ.
وَمَعَ عِظَمَةِ المَلائِكَةِ وَفَضلِهِم، فَهُم عِبادٌ لا يُعبَدُونَ، كَما أَنَّ الأَنبِياءَ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ عِبادٌ مُكرَمُونَ لا يُعبَدُونَ. وَقَد سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ السُّجُودِ لَهُ، فَنَهى عَن ذٰلِكَ، وَأَرشدَ إِلى إِكرامِهِ وَمَعرِفَةِ حَقِّهِ مِن غَيرِ عِبادَةٍ لَهُ. فَنَحنُ نُعَظِّمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَنَتَبَرَّكُ بِهِ، وَنَتَوَسَّلُ إِلى اللهِ بِجاهِهِ، وَنَسأَلُ اللهَ بِحُرْمَتِهِ، وَكُلُّ ذٰلِكَ عِبادَةٌ لِلهِ لا عِبادَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ.
فَلا يَجُوزُ أَن يُجعَلَ لِلهِ وَلَدٌ، لا مِنَ الأَنبِياءِ، وَلَا مِنَ المَلائِكَةِ، وَلَا مِن غَيرِهِم. فَعِيسى عَلَيهِ السَّلامُ عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَعُزَيرٌ لَيسَ وَلَدًا لِلهِ، وَالمَلائِكَةُ لَيسُوا بَناتِ اللهِ، بَل كُلُّهُم عِبادٌ مَخلُوقُونَ، وَاللهُ تَعالى وَحدَهُ هُوَ الخالِقُ المَعبُودُ بِحَقٍّ.
﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثى ظَلَّ وَجهُهُ مُسوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]
يَذكُرُ اللهُ تَعالى هُنا ما كانَ عَلَيهِ أُولٰئِكَ المُشرِكُونَ مِن شِدَّةِ كَراهِيَتِهِم لِلإِناثِ، فَقالَ: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثى﴾، أَي إِذا أُخبِرَ أَحَدُهُم أَنَّهُ رُزِقَ بِنْتًا، ﴿ظَلَّ وَجهُهُ مُسوَدًّا﴾، أَي صارَ وَجهُهُ كَئيبًا مُتَغَيِّرًا مِن شِدَّةِ الغَمِّ وَالحَزَنِ، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾، أَي مَملُوءٌ غَيظًا وَحَنَقًا، حابِسٌ لِما فِي نَفسِهِ مِن شِدَّةِ الكَربِ.
وَالبِشارَةُ فِي أَصلِ اللُّغَةِ مأخُوذَةٌ مِنَ البَشَرَةِ؛ لأَنَّ الخَبَرَ السّارَّ أَو المُحزِنَ يَظهَرُ أَثرُهُ عَلَى بَشَرَةِ الإِنسانِ، ثُمَّ غَلَبَ استِعمالُ البِشارَةِ فِيما يُدخِلُ السُّرُورَ. وَهٰؤُلاءِ كانُوا يَرَونَ وِلادَةَ الأُنثى مَجلَبَةً لِلعَارِ عِندَهُم، فَكانُوا يَستَقبِلُونَ ما يَنبَغِي أَن يُحمَدَ اللهُ عَلَيهِ بِالغَمِّ وَالخِزيِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿ظَلَّ وَجهُهُ مُسوَدًّا﴾ لا يُرادُ بِهِ ضَرورَةً أَنَّ لَونَهُ يَصيرُ أَسوَدَ حِسًّا، بَل يُرادُ بِهِ ظُهورُ أَثرِ الكَآبَةِ وَالغَمِّ عَلَيهِ، كَما يُقالُ لِمَن أَصابهُ خِزيٌ: اسوَدَّ وَجهُهُ، وَلِمَن أُكرِمَ وَسُرَّ: ابْيَضَّ وَجهُهُ.
﴿يَتَوارى مِنَ القَومِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمسِكُهُ عَلى هُونٍ أَم يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٩]
قَولُهُ تَعالى: ﴿يَتَوارى مِنَ القَومِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾ أَي يَختَفِي مِن قَومِهِ خَجَلًا وَغَمًّا مِمّا أُخبِرَ بِهِ، وَيَخافُ تَعيِيرَهُم لَهُ. فَبَدَلَ أَن يَحمَدَ اللهَ عَلَى رِزقِهِ، يَصيرُ مُستَخفيًا كَأَنَّما أَصابَهُ عارٌ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أَيُمسِكُهُ عَلى هُونٍ أَم يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ﴾ أَي يَتَرَدَّدُ فِي نَفسِهِ: أَيُبقِي هٰذِهِ البِنتَ مَعَ ما يَزعُمُهُ مِن هَوانٍ وَذُلٍّ، أَم يَدفِنُها حَيَّةً فِي التُّرابِ؟ وَهٰذَا هُوَ الوَأدُ الَّذِي كانَ يَفعَلُهُ بَعضُ أَهلِ الجاهِلِيَّةِ، فَيَدفِنُونَ البَناتِ حَيّاتٍ خَوفًا مِنَ الفَقرِ، أَو فَرارًا مِمّا يَزعُمُونَهُ عارًا.
وَقَد كانَت طُرُقُ الوَأدِ عِندَ بَعضِ قَبائِلِ العَرَبِ مُختَلِفَةً، فَمِنهُم مَن كانَ يَدفِنُ البِنتَ فِي الحُفرَةِ، وَمِنهُم مَن كانَ يُلقِيها مِن مَكانٍ مُرتَفِعٍ، وَمِنهُم مَن يُؤَخِّرُ ذٰلِكَ حَتّى تَكبَرَ شَيئًا، ثُمَّ يَستَدرِجُها إِلى مَوضِعِ هَلاكِها. وَهٰذَا مِن أَقبَحِ ما كانَت عَلَيهِ الجاهِلِيَّةُ مِن قَسوَةٍ وَظُلمٍ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿أَلا ساءَ ما يَحكُمُونَ﴾ أَي بِئسَ الحُكمُ حُكمُهُم، حِينَ جَعَلُوا لِلهِ تَعالى ما يَكرَهُونَهُ لِأَنفُسِهِم، وَحِينَ استَقبَلُوا رِزقَ اللهِ بِالسَّخَطِ وَالوَأدِ وَالقَسوَةِ. فَهٰذا حُكمٌ فاسِدٌ، وَدِينٌ باطِلٌ، وَجَهلٌ عَظيمٌ.
وَقَد جاءَ الإِسلامُ فَرَفَعَ قَدرَ المَرأَةِ، وَأَبطَلَ ظُلمَ الجاهِلِيَّةِ، وَجَعَلَ الإِحسانَ إِلى البَناتِ سَبَبًا لِلنَّجاةِ وَالقُربِ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن عالَ جارِيَتَينِ حَتّى تَبلُغا جاءَ يَومَ القِيامَةِ أَنا وَهُوَ»، وَضَمَّ ﷺ أَصابِعَهُ. فَالإِحسانُ إِلى البَناتِ وَتَربِيَتُهُنَّ عَلَى الدِّينِ وَالعِفافِ بابٌ عَظيمٌ مِن أَبوابِ الأَجرِ.
وَرَوَت أُمُّ المُؤمِنِينَ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنها أَنَّ امرَأَةً دَخَلَت عَلَيها وَمَعَها ابنتانِ لَها، تَسأَلُ الطَّعامَ، فَلَم تَجِد عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنها فِي بَيتِها إِلّا تَمرَةً، فَأَعطَتها إِيّاها، فَشَقَّتِ المَرأَةُ التَّمرَةَ بَينَ ابنتَيها وَلَم تَأكُل مِنهَا شَيئًا، فَلَمّا أَخبَرَت عائِشَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنِ ابتُلِيَ مِن هٰذِهِ البَناتِ بِشَيءٍ فَأَحسَنَ إِلَيهِنَّ كُنَّ لَهُ سِترًا مِنَ النّارِ».
وَفِي قِصَّةٍ أُخرى أَنَّ امرَأَةً دَخَلَت عَلَى عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنها وَمَعَها ابنتانِ، فَأَعطَتها ثَلاثَ تَمَراتٍ، فَأَعطَت كُلَّ ابنةٍ تَمرَةً، ثُمَّ أَرادَت أَن تَأكُلَ الثّالِثَةَ، فَنَظَرَت إِلَيها ابنتاها، فَشَقَّتِ التَّمرَةَ بَينَهُما، فَأَعجَبَ ذٰلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَأَخبَرَ أَنَّ اللهَ أَوجَبَ لَها بِذٰلِكَ الجَنَّةَ، أَو أَعتَقَها بِها مِنَ النّارِ.
فَلا يَنبَغِي لِلمُسلِمِ أَن يَحزَنَ إِذا رُزِقَ بِنْتًا، بَل يَحمَدُ اللهَ عَلَى ما رَزَقَهُ، وَيَعلَمُ أَنَّ هٰذِهِ البِنتَ قَد تَكونُ أَبرَّ بِهِ مِن بَنِينَ كَثيرِينَ، وَقَد يَجعَلُها اللهُ سَبَبًا لِرَحمَتِهِ وَنَجاتِهِ. فَالرِّزقُ رِزقُ اللهِ، وَالحِكمَةُ حِكمَتُهُ، وَالعَبدُ لا يَعلَمُ أَينَ يَجعَلُ اللهُ الخَيرَ لَهُ.
وَمِن مَعانِي هٰذِهِ الآيَةِ الحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَو بِالقَلِيلِ، فَإِنَّ التَّمرَةَ الَّتِي تَصدَّقَت بِها عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنها، وَالتَّمرَةَ الَّتِي آثَرَت بِها تِلكَ الأُمُّ ابنتَيها، كانَت سَبَبًا فِي بُشرى عَظِيمَةٍ. فَلا يَحتَقِرِ العَبدُ مِنَ المَعرُوفِ شَيئًا، وَلَو كانَ قَلِيلًا، فَرُبَّ قَلِيلٍ صَدَرَ عَن إِخلاصٍ فَعَظُمَ عِندَ اللهِ.
وَكَذٰلِكَ كانَ أَهلُ الفَضلِ يَجعَلُونَ لِمالِهِم حَقًّا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَيَنفِقُونَ فِي نُصرَةِ الدِّينِ، وَفِي إِعانَةِ الفُقَراءِ، وَفِي مَصالِحِ المُسلِمِينَ. وَمِن أَمثِلَةِ ذٰلِكَ ما كانَ مِنَ السُّلطانِ المَلِكِ العادِلِ نُورِ الدِّينِ زَنكِيٍّ رَحِمَهُ اللهُ، الَّذِي كانَ يَبذُلُ مالَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيَأبَى أَن يُثقِلَ عَلَى المُسلِمِينَ بِالمُكوسِ، مَعَ شِدَّةِ حاجَةِ الجُيوشِ إِلى المالِ، فَباعَ مِن أَملاكِهِ وَبَذَلَ، فَبارَكَ اللهُ لَهُ فِي جِهادِهِ وَنُصرَتِهِ لِلدِّينِ.
﴿لِلَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوءِ وَلِلهِ المَثَلُ الأَعلى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]
قَولُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوءِ﴾ أَي لِهٰؤُلاءِ الكافِرِينَ الَّذِينَ لا يُصَدِّقُونَ بِالبَعثِ وَالجَزاءِ صِفَةُ السَّوءِ، وَالمَثَلُ القَبِيحُ، مِن جَهلٍ، وَشِركٍ، وَقَسوَةٍ، وَكَراهِيَةٍ لِما رَزَقَهُمُ اللهُ، وَنِسبَةِ ما لا يَلِيقُ إِلى اللهِ تَعالى. وَقِيلَ: إِنَّ مِن مَثَلِ السَّوءِ لَهُم أَنَّهُم جَعَلُوا لِلهِ ما يَكرَهُونَهُ، وَجَعَلُوا لِأَنفُسِهِم ما يَشتَهُونَهُ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَلِلهِ المَثَلُ الأَعلى﴾ أَي لِلهِ الوَصفُ الأَعلى الَّذِي لا يُشبِهُ وَصفَ غَيرِهِ، فَذاتُ اللهِ لا يُشبِهُ ذَواتِ المَخلُوقِينَ، وَصِفاتُهُ لا تُشبِهُ صِفاتِ المَخلُوقِينَ. فاللهُ تَعالى أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، لا يَتَغَيَّرُ، وَلَا يَتَجَزَّأُ، وَلَا يَتَبَعَّضُ، وَلَا يَتَكَيَّفُ، وَلَا يَحُلُّ فِيهِ شَيءٌ، وَلَا يَحُلُّ هُوَ فِي شَيءٍ، وَلَا يَنحَلُّ مِنهُ شَيءٌ، لِأَنَّهُ لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ.
وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وَقَولُهُ هُنا: ﴿وَلِلهِ المَثَلُ الأَعلى﴾ يَدُلُّ عَلَى تَنزِيهِهِ عَن كُلِّ مَثلٍ وَنَقْصٍ وَمُشابَهَةٍ. وَقَد رُوِيَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قالَ: «لا فِكرَةَ فِي الرَّبِّ»، أَي لا يَجُوزُ أَن يَتَخَيَّلَ العَبدُ ذاتَ اللهِ أَو يُصَوِّرَهُ فِي وَهمِهِ، فَاللهُ تَعالى لا تُدرِكُهُ الأَبصارُ وَهُوَ يُدرِكُ الأَبصارَ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أَي هُوَ الغالِبُ الَّذِي لا يُغالَبُ، النّافِذُ مَا أَرادَهُ، الحَكِيمُ فِي خَلقِهِ وَأَمرِهِ وَإِمهالِهِ لِعِبادِهِ. فَلَو شاءَ لَعَجَّلَ العُقُوبَةَ لِلظّالِمِينَ، وَلٰكِنَّهُ يُمهِلُهُم إِلى أَجَلٍ قَدَّرَهُ بِحِكمَتِهِ.
﴿وَلَو يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلمِهِم ما تَرَكَ عَلَيها مِن دابَّةٍ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُم إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُم لا يَستَأخِرُونَ ساعَةً وَلا يَستَقدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَلَو يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِظُلمِهِم﴾ أَي لَو عَجَّلَ اللهُ مُؤاخَذَةَ النّاسِ بِكُفرِهِم وَمَعاصِيهِم وَظُلمِهِم، ﴿ما تَرَكَ عَلَيها مِن دابَّةٍ﴾، أَي ما تَرَكَ عَلَى الأَرضِ مِن دابَّةٍ تَدِبُّ عَلَيها، بَل لأَهلَكَ الخَلقَ بِسَبَبِ شُؤمِ ظُلمِ الظّالِمِينَ.
وَقَد ذُكِرَ عَن بَعضِ السَّلَفِ أَنَّ شُؤمَ الظُّلمِ قَد يَتَعَدّى، حَتّى يُصِيبَ مِنَ المَخلُوقاتِ ما لا ذَنبَ لَهُ، وَقَد رُوِيَ فِي ذٰلِكَ أَخبارٌ مَعناها أَنَّ بَعضَ الدَّوابِّ قَد تَتَأَذّى بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ وَظُلمِهِم. فَالظُّلمُ شَرٌّ عَظِيمٌ، وَالمَعاصِي سَبَبٌ لِنُزُولِ البَلاءِ إِذا لَم يُتَب مِنهَا.
وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي التَّحذِيرِ مِن تَركِ إِنكارِ المُنكَرِ: «إِنَّ النّاسَ إِذا رَأَوا المُنكَرَ فَلَم يُغَيِّرُوهُ، أَوشَكَ أَن يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقابٍ مِنهُ». فَإِذا كَثُرَ الخَبَثُ، وَتُرِكَ الأَمرُ بِالمَعروفِ وَالنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ، وَغَفَلَ النّاسُ عَن عِلمِ الدِّينِ، عَظُمَ الخَطَرُ وَقَرُبَ العِقابُ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُم إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أَي لا يُعاجِلُهُم بِالهَلاكِ، بَل يُمهِلُهُم إِلى وَقتٍ مَعلُومٍ عِندَهُ، إمّا أَجَلِ كُلِّ إِنسانٍ بِمَوتِهِ، أَو وَقتِ عُقُوبَةٍ تَقتَضِيها حِكمَتُهُ، أَو إِلى يَومِ القِيامَةِ. فَإِمهالُ اللهِ لا يَدلُّ عَلَى الإِهمالِ، بَل هُوَ إِمهالٌ إِلى أَجَلٍ مُقَدَّرٍ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُم لا يَستَأخِرُونَ ساعَةً وَلا يَستَقدِمُونَ﴾ أَي إِذا جاءَ الوَقتُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللهُ لَهُم، لَم يَتَأَخَّرُوا عَنهُ وَلَم يَتَقَدَّمُوا، فَالأَجَلُ لا يَفُوتُ، وَالمَوتُ لا يُدَافَعُ، وَقَضاءُ اللهِ نافِذٌ لا رادَّ لَهُ.
وَفِي هٰذِهِ الآيَةِ عِبرَةٌ لِلأُمَمِ، فَكَم مِن بِلادٍ كانَت حَواضِرَ لِلعِلمِ وَالعِزِّ وَالحَضارَةِ، ثُمَّ ضاعَت حِينَ تَفَرَّقَ أَهلُها، وَغَفَلُوا عَن دِينِهِم، وَانصَرَفَ حُكّامُهُم إِلى الشَّهَواتِ وَالتَّنازُعِ. وَمِن أَعظَمِ العِبَرِ ضَياعُ الأَندَلُسِ بَعدَ أَن كانَت دارَ عِلمٍ وَقُرآنٍ وَحَضارَةٍ، فَصارَت مَساجِدُها كَنائِسَ، وَتَبَدَّلَت أَحوالُ أَهلِها بَعدَ العِزِّ ذُلًّا وَأَسرًا.
وَقَد رَثى أَبو البَقاءِ الرُّندِيُّ الأَندَلُسَ رِثاءً مُؤَثِّرًا، يُذكِّرُ النّاسَ بِتَقَلُّبِ الدُّنيا وَسُرعَةِ زَوالِ المُلْكِ، فَقَالَ:
لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمَّ نُقصانُ ~ فَلا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيشِ إِنسانُ
هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتَها دُوَلٌ ~ مَن سَرَّهُ زَمَنٌ ساءَتهُ أَزمانُ
وَهٰذِهِ الدّارُ لا تُبقِي عَلى أَحَدٍ ~ وَلا يَدُومُ عَلى حالٍ لَها شانُ
ثُمَّ ذَكَرَ مَصائِبَ الأَندَلُسِ وَضَياعَ مُدُنِها، وَقالَ:
حَيثُ المَساجِدُ قَد صارَت كَنائِسَ ما ~ فِيهِنَّ إِلّا نَواقِيسٌ وَصُلبانُ
حَتّى المَحارِيبُ تَبكِي وَهيَ جامِدَةٌ ~ حَتّى المَنابِرُ تَرثِي وَهيَ عِيدانُ
فَمَن تَأَمَّلَ مَصارِعَ الأُمَمِ عَلِمَ أَنَّ الظُّلمَ وَالغَفلَةَ وَتَركَ الدِّينِ أَسبابٌ لِزَوالِ النِّعَمِ، وَأَنَّ العَودَةَ إِلى اللهِ وَالعِلمِ وَالعَمَلِ وَنُصرَةِ الحَقِّ هِيَ طَرِيقُ النَّجاةِ.
﴿وَيَجعَلُونَ لِلهِ ما يَكرَهُونَ وَتَصِفُ أَلسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الحُسنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ وَأَنَّهُم مُفرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَيَجعَلُونَ لِلهِ ما يَكرَهُونَ﴾ أَي يَنسُبُ هٰؤُلاءِ المُشرِكُونَ إِلى اللهِ ما يَكرَهُونَهُ لِأَنفُسِهِم، فَيَجعلُونَ لَهُ البَناتِ، وَهُم يَكرَهُونَ أَن يُنسَبَ إِلَيهِمُ البَناتُ، وَيَتَوَارَونَ مِنَ القَومِ عِندَ البِشارَةِ بِهِنَّ. فَهٰذا مِن شِدَّةِ جَهلِهِم وَافترائِهِم.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الحُسنى﴾ أَي تَختَلِقُ أَلسِنَتُهُمُ الكَذِبَ، فَيَزعُمُونَ مَعَ كُفرِهِم أَنَّ لَهُمُ الحُسنى، أَي العاقِبَةَ الحَسَنَةَ، أَو الجَنَّةَ، أَو الخَيرَ عِندَ اللهِ. فَهُم يَجمَعُونَ بَينَ الكُفرِ وَالافتراءِ وَالأَمنِ مِن عَذابِ اللهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ أَي حَقًّا وَلا شَكَّ أَنَّ لَهُمُ النّارَ إِن ماتُوا عَلَى كُفرِهِم، ﴿وَأَنَّهُم مُفرَطُونَ﴾، أَي مُقَدَّمُونَ إِلَيها مُعَجَّلُونَ إِلى عَذابِها، وَقِيلَ: مَترُوكُونَ مَنسِيُّونَ مِنَ الرَّحمَةِ، كَمَن يُخلَّفُ وَيُترَكُ. وَكِلا المَعنيَينِ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ وَعيدِهِم وَسُوءِ مَآلِهِم.
﴿تَاللهِ لَقَد أَرسَلنا إِلى أُمَمٍ مِن قَبلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ أَعمالَهُم فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليَومَ وَلَهُم عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣]
قَولُهُ تَعالى: ﴿تَاللهِ لَقَد أَرسَلنا إِلى أُمَمٍ مِن قَبلِكَ﴾ قَسَمٌ مِنَ اللهِ تَعالى، أَي لَقَد أَرسَلنا رُسُلًا إِلى أُمَمٍ سَبَقَتكَ يا مُحَمَّدُ، فَدَعَوهُم إِلى التَّوحِيدِ وَطاعَةِ اللهِ، وَحَذَّرُوهُم مِنَ الشِّركِ وَالعِصيانِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ أَعمالَهُم﴾ أَي زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطانُ ما كانُوا عَلَيهِ مِن كُفرٍ، وَتَكذِيبٍ بِالرُّسُلِ، وَتَعلُّقٍ بِالباطِلِ، فَرَأَوا القَبِيحَ حَسَنًا، وَالباطِلَ حَقًّا، وَاسْتَمَرُّوا عَلَى ضَلالِهِم.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليَومَ﴾ أَي الشَّيطانُ قَرِينُهُم وَمُتَوَلِّي إِضلالِهِم فِي الدُّنيا، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعودُ إِلى مُشرِكِي قُرَيشٍ، أَي الشَّيطانُ وَلِيُّ هٰؤُلاءِ اليَومَ، كَما كانَ وَلِيَّ مَن قَبلَهُم مِنَ المُكَذِّبِينَ. وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُم عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أَي لَهُم فِي الآخِرَةِ عَذابٌ مُؤلِمٌ بِسَبَبِ كُفرِهِم وَاتِّباعِهِم تَزيِينَ الشَّيطانِ.
﴿وَما أَنزَلنا عَلَيكَ الكِتابَ إِلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اختَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحمَةً لِقَومٍ يُؤمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَما أَنزَلنا عَلَيكَ الكِتابَ﴾ أَي القُرآنَ، ﴿إِلّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اختَلَفُوا فِيهِ﴾، أَي لِتُوضِّحَ لِلنّاسِ ما اختَلَفُوا فِيهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ، كَالتَّوحِيدِ، وَالبَعثِ، وَالنُّبُوَّةِ، وَالحَلالِ وَالحَرامِ، وَما كانُوا فِيهِ مِن شُبَهٍ وَضَلالاتٍ. وَقِيلَ: مِن أَعظَمِ ما اختَلَفُوا فِيهِ أَمرُ البَعثِ، فَكانَ القُرآنُ بَيانًا لِحَقِيقَتِهِ وَإِبطالًا لإِنكارِهِم.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَهُدًى وَرَحمَةً لِقَومٍ يُؤمِنُونَ﴾ أَي أَنزَلنا القُرآنَ هِدايَةً وَرَحمَةً لِلمُؤمِنِينَ، يَهتَدُونَ بِهِ إِلى الحَقِّ، وَيَستَنِيرُونَ بِآياتِهِ، وَيَعمَلُونَ بِأَحكامِهِ. وَأَمّا مَن أَعرَضَ عَنهُ، فَقَد حَرَمَ نَفسَهُ مِن هُداهُ وَرَحمَتِهِ.
وَفِي الآيَةِ دَليلٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ هُوَ المُبَيِّنُ عَنِ اللهِ تَعالى، فَبَيَّنَ لِلنّاسِ مُجمَلَ القُرآنِ، وَفَصَّلَ لَهُم أَحكامَ العِباداتِ وَالمُعامَلاتِ، وَأَزالَ بِسُنَّتِهِ ما يَقَعُ لِلنّاسِ مِنَ الالتِباسِ. فَحُجِّيَّةُ سُنَّتِهِ ﷺ داخِلَةٌ فِي بَيانِ القُرآنِ وَإِتمامِ الدِّينِ.
﴿وَاللهُ أَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحيا بِهِ الأَرضَ بَعدَ مَوتِها إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَةً لِقَومٍ يَسمَعُونَ﴾ [النحل: ٦٥]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَاللهُ أَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أَي أَنزَلَ المَطَرَ مِنَ السَّحابِ، ﴿فَأَحيا بِهِ الأَرضَ بَعدَ مَوتِها﴾، أَي أَخرَجَ بِهِ النَّباتَ بَعدَ أَن كانَتِ الأَرضُ يابِسَةً هامِدَةً لا نَباتَ فِيها. فَيَصيرُ المَواتُ خُضرَةً، وَاليَبسُ حَياةً، وَذٰلِكَ كُلُّهُ بِقُدرَةِ اللهِ وَرَحمَتِهِ.
وَفِي إِحياءِ الأَرضِ بَعدَ مَوتِها دَلِيلٌ عَلَى قُدرَةِ اللهِ عَلَى البَعثِ؛ فَكَمَا أَحيا اللهُ الأَرضَ بَعدَ يَبسِها، فَهُوَ قادِرٌ عَلَى إِحياءِ المَوتى وَإِخراجِهِم مِن قُبُورِهِم. وَقَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَةً لِقَومٍ يَسمَعُونَ﴾ أَي إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَدَليلًا واضِحًا لِمَن يَسمَعُ سَماعَ إِنصافٍ وَتَدَبُّرٍ، لا سَماعَ إِعراضٍ وَغَفلَةٍ.
فَمَن لَم يَسمَع بِقَلبِهِ فَكَأَنَّهُ لا يَسمَعُ، وَمَن نَظَرَ إِلى آياتِ اللهِ بِعَينِ العِبرَةِ رَأى فِي كُلِّ نِعمَةٍ دَليلًا عَلَى قُدرَةِ اللهِ وَوَحدانِيَّتِهِ. وَالمَطَرُ الَّذِي يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ، وَالنَّباتُ الَّذِي يَخرُجُ مِنَ الأَرضِ، وَالحَياةُ الَّتِي تَعودُ إِلى المَواتِ، كُلُّ ذٰلِكَ يَدعُو العَبدَ إِلى الإِيمانِ وَالشُّكرِ.
﴿وَإِنَّ لَكُم فِي الأَنعامِ لَعِبرَةً نُسقِيكُم مِمّا فِي بُطُونِهِ مِن بَينِ فَرثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُم فِي الأَنعامِ لَعِبرَةً﴾ أَي إِنَّ لَكُم فِي الإِبلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ لَدَليلًا وَعِظَةً، تَعبُرُونَ بِها مِن مُشاهَدَةِ الخَلقِ إِلى مَعرِفَةِ الخالِقِ، وَمِن رُؤيَةِ النِّعمَةِ إِلى شُكرِ المُنعِمِ.
ثُمَّ بَيَّنَ وَجهَ العِبرَةِ فَقالَ: ﴿نُسقِيكُم مِمّا فِي بُطُونِهِ مِن بَينِ فَرثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا﴾، أَي يُخرِجُ اللهُ لَكُم مِن بُطُونِ الأَنعامِ لَبَنًا أَبيَضَ خالِصًا، يَخرُجُ مِن بَينِ فَرثٍ وَدَمٍ، لا يَتَغَيَّرُ بِلَونِهِما، وَلَا يَحمِلُ طَعمَهُما، وَلَا رائِحَتَهُما، بَل يَخرُجُ نَقِيًّا طَيِّبًا.
وَالفَرثُ هُوَ ما يَكونُ فِي الكَرِشِ مِن بَقايا الطَّعامِ بَعدَ هَضمِهِ، وَالدَّمُ مَعرُوفٌ. وَمَعَ أَنَّ اللَّبَنَ يَخرُجُ مِن بَينِ هٰذِهِ الأَشياءِ المُستَقذَرَةِ، فَإِنَّهُ يَخرُجُ خالِصًا طَيِّبًا، وَذٰلِكَ مِن عَظيمِ صُنعِ اللهِ وَدَقِيقِ قُدرَتِهِ. فَلا يَختَلِطُ بِالفَرثِ وَلَا بِالدَّمِ، بَل يَجعَلُ اللهُ لِكُلِّ شَيءٍ مَجرًى وَمَوضِعًا.
وَقَد ذَكَرَ أَهلُ العِلمِ أَنَّ البَهِيمَةَ إِذا أَكَلَتِ العَلَفَ، استَقَرَّ فِي كَرِشِها، ثُمَّ يُجري اللهُ فِيهِ مِن صُنعِهِ ما يَشاءُ، فَيَتَمَيَّزُ مِنهُ ما يَصيرُ غِذاءً، وَما يَصيرُ دَمًا، وَما يَصيرُ لَبَنًا، وَما يَبقى فَرثًا. فَالكَبِدُ وَغَيرُها مِنَ الأَعضاءِ تَعمَلُ بِتَقدِيرِ اللهِ، حَتّى يَجري الدَّمُ فِي عُرُوقِهِ، وَيَجري اللَّبَنُ فِي الضُّرُوعِ، وَيَبقى الفَرثُ فِي مَوضِعِهِ، ثُمَّ يَخرُجُ كُلٌّ إِلى مَخرَجِهِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ أَي سَهلَ المَرورِ فِي الحَلقِ، طَيِّبًا لا يَغَصُّ بِهِ شارِبُهُ. وَقَد قِيلَ: لَم يَغُصَّ أَحَدٌ بِاللَّبَنِ قَطُّ. فَفِي هٰذِهِ النِّعمَةِ عِبرَةٌ لِمَن تَفَكَّرَ، أَنَّ اللهَ يُخرِجُ الطَّيِّبَ مِن بَينِ ما لا يُستَطابُ، وَيَجعَلُ فِي الأَنعامِ رِزقًا سائِغًا لِعِبادِهِ.
وَقَد قِيلَ لِشَقِيقٍ رَحِمَهُ اللهُ: ما الإِخلاصُ؟ فَقالَ: تَميِيزُ العَمَلِ مِنَ العُيُوبِ، كَتَميِيزِ اللَّبَنِ مِن بَينِ فَرثٍ وَدَمٍ. فَكَمَا يَخرُجُ اللَّبَنُ خالِصًا لا يُخالِطُهُ ما حَولَهُ، فَيَنبَغِي لِلعَبدِ أَن يَطلُبَ عَمَلًا خالِصًا لا يُخالِطُهُ رِياءٌ وَلَا عُجبٌ وَلَا طَلَبُ مَنزِلَةٍ عِندَ الخَلقِ.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ اللهَ تَعالى ذَمَّ المُشرِكِينَ حِينَ نَسَبُوا إِلَيهِ البَناتِ، وَنَزَّهَ نَفسَهُ عَن ذٰلِكَ، وَبَيَّنَ تَناقُضَهُم حِينَ كَرِهُوا الإِناثَ لِأَنفُسِهِم وَنَسَبُوهُنَّ إِلى اللهِ، حَتّى كانَ أَحَدُهُم يَغتَمُّ إِذا بُشِّرَ بِالأُنثى وَيُفَكِّرُ فِي إِبقائِها عَلَى هَوانٍ أَو وَأدِها. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ لِلكافِرِينَ صِفَةَ السَّوءِ، وَلِلهِ الوَصفَ الأَعلى الَّذِي لا يُشبِهُ وَصفَ غَيرِهِ، وَأَنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يُمهِلُ الظّالِمِينَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى. ثُمَّ ذَكَرَ كَذِبَهُم وَافتراءَهُم وَوَعيدَهُم بِالنّارِ، وَأَنَّ الشَّيطانَ زَيَّنَ لِمَن قَبلَهُم أَعمالَهُم، وَأَنَّ القُرآنَ أُنزِلَ لِلبَيانِ وَالهُدى وَالرَّحمَةِ لِلمُؤمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ مِن آياتِهِ إِنزالَ الماءِ وَإِحياءَ الأَرضِ، وَما فِي الأَنعامِ مِن عِبرَةٍ، حَيثُ يُخرِجُ اللهُ لِعِبادِهِ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا مِن بَينِ فَرثٍ وَدَمٍ، فَسُبحانَ الخالِقِ القادِرِ المُنعِمِ.