بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)﴾ [النحل: ٦٧-٦٩]
﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالأَعنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا وَرِزقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَةً لِقَومٍ يَعقِلُونَ﴾ [النحل: ٦٧]
جاءَت هٰذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مُتَّصِلَةً بِما قَبلَها مِن ذِكرِ نِعَمِ اللهِ تَعالى، فَقَد ذَكَرَ اللهُ إِنزالَ الماءِ مِنَ السَّماءِ، وَإِحياءَ الأَرضِ بَعدَ مَوتِها، ثُمَّ ذَكَرَ ما في الأَنعامِ مِنَ العِبرَةِ، وَأَنَّهُ يُخرِجُ مِن بُطُونِها لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ هُنا نِعمَةً أُخرى مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالأَعنابِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالأَعنابِ﴾ قِيلَ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحذُوفٍ تَقدِيرُهُ: وَنُسقِيكُم أَيضًا مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالأَعنابِ، أَي مِن عَصِيرِهِما، كَما قالَ قَبلَ ذٰلِكَ: ﴿نُسقِيكُم مِمّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦]. فَحُذِفَ الفِعلُ لِدَلالَةِ ما قَبلَهُ عَلَيهِ، وَجاءَ قَولُهُ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا وَرِزقًا حَسَنًا﴾ بَيانًا لِما يُتَّخَذُ مِن هٰذِهِ الثَّمَراتِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ قِيلَ فِي تَفسيرِهِ: إِنَّ المُرادَ بِهِ ما يُشرَبُ مِمّا يُصنَعُ مِن ثَمَرِ النَّخلِ وَالعِنَبِ عَلَى وَجهٍ حَلالٍ، كَالنَّبِيذِ الَّذِي لَم يَصِل إِلى حَدِّ الخَمرِيَّةِ، وَكَالخَلِّ. فَلَيسَ فِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى إِباحَةِ الخَمرِ؛ لأَنَّ الخَمرَ قَد دَلَّتِ النُّصُوصُ القَطعِيَّةُ عَلَى تَحرِيمِها.
وَالنَّبِيذُ الحَلالُ هُوَ أَن يُنقَعَ التَّمرُ أَوِ الزَّبِيبُ فِي الماءِ، ثُمَّ يُشرَبَ قَبلَ أَن يَغلِيَ وَيَشتَدَّ وَيَصِلَ إِلى حَدِّ الإِسكارِ. فَإِذا وَصَلَ إِلى حَدِّ الخَمرِيَّةِ صارَ حَرامًا نَجِسًا، لا يَجُوزُ شُربُهُ. وَقَد كانَ يُنتَفَعُ بِمَنقُوعِ التَّمرِ وَالزَّبِيبِ قَبلَ أَن يَصيرَ مُسكِرًا، لِما فِيهِ مِن مَنفَعَةٍ وَقُوَّةٍ لِلبَدَنِ.
وَأَمّا الخَلُّ فَهُوَ مِنَ الرِّزقِ النّافِعِ الَّذِي يُصنَعُ مِن ثَمَراتٍ مُختَلِفَةٍ، كَالتَّمرِ، وَالعِنَبِ، وَالتُّفّاحِ، وَنَحوِ ذٰلِكَ. وَالطَّرِيقُ الصَّحِيحُ فِي صُنعِ الخَلِّ أَن يُترَكَ ما يُرادُ تَخلِيلُهُ حَتّى يَتَحَوَّلَ بِنَفسِهِ، مِن غَيرِ أَن يُلقَى فِيهِ شَيءٌ يُفْسِدُهُ أَو يُنَجِّسُهُ. فَإِذا صارَ خَمرًا ثُمَّ تَخَلَّلَ بِنَفسِهِ طَهُرَ، أَمّا إِذا أُلقِيَ فِيهِ شَيءٌ أَجنَبِيٌّ ثُمَّ تَنَجَّسَ بِالخَمرِ، فَإِنَّهُ يُفسِدُ الخَلَّ عَلى ما بَيَّنَهُ أَهلُ الفِقهِ.
وَقَد مَدَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الخَلَّ، فَقالَ: «نِعمَ الإِدامُ الخَلُّ». وَفِي الخَلِّ مَنافِعُ كَثِيرَةٌ بِإِذنِ اللهِ تَعالى، لا سِيَّما الخَلُّ الطَّبِيعِيُّ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنَ الثَّمَراتِ، فَقَد يَنفَعُ فِي تَنظِيفِ البَدَنِ، وَتَخفِيفِ بَعضِ الأَخلاطِ الضّارَّةِ، وَمُقاوَمَةِ بَعضِ آثارِ البَردِ وَالالتِهابِ، بِحَسَبِ مَزاجِ الشَّخصِ وَحالِهِ. وَإِذا جُمِعَ الخَلُّ مَعَ العَسَلِ عَلَى وَجهٍ مُناسِبٍ، كانَ ذٰلِكَ مِمّا يُسمّيهِ بَعضُ أَهلِ الطِّبِّ السَّكَنْجَبِينَ، وَقَد يُنتَفَعُ بِهِ فِي تَنقِيَةِ الجَسَدِ وَتَقوِيَتِهِ بِإِذنِ اللهِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَرِزقًا حَسَنًا﴾ أَي وَتَتَّخِذُونَ مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالأَعنابِ رِزقًا طَيِّبًا نافِعًا، كَالتَّمرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالخَلِّ، وَالرُّبِّ، وَغَيرِ ذٰلِكَ مِمّا أَباحَهُ اللهُ تَعالى. فَالتَّمرُ قُوتٌ وَغِذاءٌ، وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا يَجُوعُ أَهلُ بَيتٍ عِندَهُمُ التَّمرُ». وَفي التَّمرِ قُوَّةٌ وَنَفعٌ، وَهُوَ مِمّا يَصلُحُ لِلغِذاءِ وَالدَّواءِ، وَقَد يُقَوِّي البَدَنَ وَيَنفَعُ في الجُهدِ وَالعبادَةِ.
وَكَذٰلِكَ الزَّبِيبُ مِنَ الرِّزقِ الحَسَنِ، وَقَد يُنتَفَعُ بِهِ وَبِمَنقُوعِهِ فِي تَقوِيَةِ البَدَنِ، ما دامَ ذٰلِكَ عَلَى وَجهٍ مُباحٍ لَم يَصِل إِلى الإِسكارِ. فَهٰذِهِ الثَّمَراتُ مِن نِعَمِ اللهِ الَّتِي سَخَّرَها لِعِبادِهِ، فَيَنبَغِي أَن تُستَعمَلَ فِيما أَباحَ اللهُ، لا في المَعصِيَةِ وَالإِسكارِ.
وَالخَمرُ حَرامٌ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالأَنصابُ وَالأَزلامُ رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطانِ فَاجتَنِبُوهُ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ، وَكُلُّ خَمرٍ حَرامٌ»، وَقالَ ﷺ: «ما أَسكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ». فَلَا يَجُوزُ أَن يُحتَجَّ بِهٰذِهِ الآيَةِ عَلَى إِباحَةِ الخَمرِ، بَل الآيَةُ فِي بَيانِ نِعَمِ اللهِ وَما يُتَّخَذُ مِنَ الثَّمَراتِ عَلَى وَجهٍ حَلالٍ.
وَمِن آدابِ العِبادَةِ، لا سِيَّما فِي اللَّيالي المُبارَكَةِ، أَن يُخَفِّفَ العَبدُ طَعامَهُ لِيَقوى عَلَى القِيامِ وَالذِّكرِ وَتِلاوَةِ القُرآنِ، فَكَثرَةُ الطَّعامِ تُورِثُ الفُتورَ وَالنَّومَ، وَالقِلَّةُ المُعتَدِلَةُ تُعينُ عَلَى النَّشاطِ. وَقَد كانَ بَعضُ أَهلِ الخَيرِ يَقتَصِرُونَ فِي بَعضِ اللَّيالي عَلَى التَّمرِ وَشَيءٍ مِنَ اللَّبَنِ، لِيَتَفَرَّغُوا لِلطّاعَةِ وَيَحفظُوا قُوَّتَهُم لِلعبادَةِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَةً لِقَومٍ يَعقِلُونَ﴾ أَي إِنَّ فِي هٰذِهِ النِّعَمِ، مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالأَعنابِ، وَما يُستَخرَجُ مِنهَا مِنَ المَنافِعِ، لَدَلِيلًا واضِحًا عَلَى قُدرَةِ اللهِ وَرَحمَتِهِ، لِقَومٍ يَستَعمِلُونَ عُقُولَهُم فِي التَّفَكُّرِ وَالاعتِبارِ، فَيَعرِفُونَ المُنعِمَ مِن خِلالِ نِعَمِهِ، وَيَشكُرُونَهُ عَلَى فَضلِهِ.
﴿وَأَوحى رَبُّكَ إِلى النَّحلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَأَوحى رَبُّكَ إِلى النَّحلِ﴾ أَي أَلهَمَها وَأَرشَدَها إِلى ما تَحتاجُ إِلَيهِ مِن صَنعَةِ بُيُوتِها، وَجَمعِ ما تَنتَفِعُ بِهِ، وَالسَّيرِ فِي طُرُقِها، وَالرُّجوعِ إِلى مَساكِنِها. فَالوَحيُ هُنا لَيسَ وَحيَ نُبُوَّةٍ، بَل هُوَ إِلهامٌ وَتَسخِيرٌ. وَقَد يَأتي الوَحيُ فِي القُرآنِ عَلَى مَعانٍ، مِنهَا الوَحيُ إِلى الأَنبِياءِ، وَمِنهَا الإِلهامُ، كَما فِي هٰذِهِ الآيَةِ.
وَالنَّحلُ خَلقٌ عَجيبٌ مِن خَلقِ اللهِ، فِيهِ مِن دَقائِقِ الصُّنعِ وَحُسنِ التَّدبِيرِ ما يَدُلُّ عَلَى كَمالِ قُدرَةِ اللهِ تَعالى. وَقَد نَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن قَتلِ النَّحلَةِ، لِما جَعَلَ اللهُ فِيها مِنَ المَنافِعِ وَالبَرَكَةِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعرِشُونَ﴾ أَي أَلهمَها اللهُ أَن تَتَّخِذَ بُيُوتَها فِي بَعضِ الجِبالِ، وَبَعضِ الشَّجَرِ، وَمِمّا يَرفَعُهُ النّاسُ وَيَبنونَهُ لَها مِن عَرائِشَ وَخَلايا. وَقَولُهُ: ﴿مِنَ الجِبالِ﴾ وَ﴿مِنَ الشَّجَرِ﴾ يَدُلُّ عَلَى التَّبعيضِ؛ لأَنَّ النَّحلَ لا يَبنِي بُيُوتَهُ فِي كُلِّ جَبَلٍ وَلا كُلِّ شَجَرَةٍ، بَل فِي مَواضِعَ مَخصوصَةٍ يُلهِمُهُ اللهُ إِيّاها.
وَقَد جَعَلَ اللهُ فِي النَّحلِ نِظامًا عَجيبًا، فَلَهُ رَئيسٌ يَرجِعُ إِلَيهِ، وَلَهُ طُرُقٌ يَسلُكُها، وَلَهُ بُيُوتٌ مَبنِيَّةٌ بِصُورَةٍ مُتقَنَةٍ. وَبُيُوتُ النَّحلِ مَشهورَةٌ بِالشَّكلِ السُّداسِيِّ المُحكَمِ، الَّذِي تَنتَظِمُ بِهِ الخَلايا وَتَتَلاصَقُ مِن غَيرِ فُرَجٍ تُفسِدُ البِناءَ. وَهٰذا مِمّا يَدهَشُ أَهلَ النَّظَرِ، فَإِنَّ إِحكامَ هٰذا الشَّكلِ يَحتاجُ عِندَ البَشَرِ إِلى حِسابٍ وَآلَةٍ، وَقَد أَلهَمَ اللهُ هٰذَا الخَلقَ الصَّغيرَ صُنعَهُ مِن غَيرِ تَعلُّمٍ وَلا تَدريبٍ.
وَفِي هٰذَا دَليلٌ عَلَى أَنَّ العِبرَةَ لَيسَت بِحَجمِ المَخلُوقِ، فَرُبَّ مَخلُوقٍ صَغيرٍ أَظهَرَ اللهُ فِيهِ مِن آياتِ حِكمَتِهِ ما يَعجِزُ عَنهُ كِبارُ النّاسِ. فَالنَّحلَةُ الَّتِي لا تَملِكُ عَقلًا كَعَقلِ الإِنسانِ، تَبنِي بِإِلهامِ اللهِ بَيتًا مُحكَمًا، وَتَجمَعُ مِنَ الثَّمَراتِ، وَتُخرِجُ بِقُدرَةِ اللهِ شَرابًا فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ.
﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُختَلِفٌ أَلوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَةً لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٩]
قَولُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أَي أَلهمَ اللهُ النَّحلَ أَن تَأكُلَ مِمّا شاءَ اللهُ لَها مِن أَنواعِ الثَّمَراتِ وَالأَزهارِ وَالنَّباتاتِ، فَتَنتَقِلُ مِن مَوضِعٍ إِلى مَوضِعٍ، وَتَأخُذُ مِمّا جَعَلَ اللهُ فِيهِ مَادَّةَ العَسَلِ. وَقَولُهُ: ﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أَي مِن أَنواعٍ كَثِيرَةٍ مِمّا يُناسِبُها وَيَصلُحُ لَها، لا أَنَّها تَأكُلُ كُلَّ ثَمَرَةٍ عَلَى الإِطلاقِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَاسلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ أَي ادخُلِي الطُّرُقَ الَّتِي أَلهمَكِ اللهُ سُلُوكَها، فِي الذَّهابِ وَالرُّجُوعِ، مُيَسَّرَةً لَكِ لا تَضلِّينَ فِيها. فَالنَّحلُ يَذهَبُ إِلى الأَزهارِ وَالثَّمَراتِ، ثُمَّ يَرجِعُ إِلى بُيُوتِهِ بِإِلهامِ اللهِ، وَلا يَضِلُّ عَن طَرِيقِهِ، مَعَ بُعدِ المَسافَةِ وَكَثرَةِ الجِهاتِ.
وَقَولُهُ: ﴿ذُلُلًا﴾ جَمعُ ذَلُولٍ، وَالمَعنى أَنَّ اللهَ ذَلَّلَ لِلنَّحلِ هٰذِهِ السُّبُلَ، وَسَهَّلَها لَهُ، كَما ذَلَّلَ الأَرضَ لِلنّاسِ فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرضَ ذَلُولًا فَامشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِن رِزقِهِ وَإِلَيهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]. فَكُلُّ مَخلُوقٍ يَسيرُ فِيما يَسَّرَهُ اللهُ لَهُ، وَلا خُروجَ لِأَحَدٍ عَن تَقدِيرِهِ.
ثُمَّ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿يَخرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُختَلِفٌ أَلوانُهُ﴾، وَالمُرادُ بِهٰذَا الشَّرابِ العَسَلُ، يَخرُجُ مِن بُطُونِ النَّحلِ، وَيَظهَرُ مِن أَفواهِها، بِقُدرَةِ اللهِ تَعالى. وَقَولُهُ: ﴿مُختَلِفٌ أَلوانُهُ﴾ أَي مِنَ العَسَلِ ما هُوَ أَبيَضُ، وَمِنهُ ما هُوَ أَصفَرُ، وَمِنهُ ما يَضرِبُ إِلى الحُمرَةِ، وَمِنهُ ما يَغمُقُ لَونُهُ، وَذٰلِكَ بِحَسَبِ ما تَأكُلُهُ النَّحلُ مِنَ الثَّمَراتِ وَالأَزهارِ وَالأَشجارِ، وَبِحَسَبِ الأَزْمِنَةِ وَالبِلادِ.
فَقَد يَكونُ العَسَلُ مِنَ السِّدرِ، أَو مِن أَزهارِ الحَمضِيّاتِ، أَو مِن غَيرِ ذٰلِكَ مِنَ النَّباتاتِ، وَيَختَلِفُ طَعمُهُ وَلَونُهُ وَأَثرُهُ بِاختِلافِ ذٰلِكَ. وَمِن بَدِيعِ صُنعِ اللهِ أَنَّ النَّحلَ يَأكُلُ مِن أَزهارٍ وَثَمَراتٍ مُختَلِفَةٍ، ثُمَّ يُخرِجُ اللهُ مِن بُطُونِهِ هٰذَا العَسَلَ الطَّيِّبَ الَّذِي جَعَلَ فِيهِ مَنافِعَ لِلعِبادِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ أَي فِي العَسَلِ شِفاءٌ لِلنّاسِ مِن أَمراضٍ كَثِيرَةٍ بِإِذنِ اللهِ تَعالى. وَلَيسَ المَعنى أَنَّهُ دَواءٌ لِكُلِّ مَرَضٍ وَلِكُلِّ شَخصٍ عَلَى وَجهٍ واحِدٍ، فَالأَدوِيَةُ تَختَلِفُ آثارُها بِاختِلافِ الأَبدانِ، وَالأَمزِجَةِ، وَالأَوقاتِ، وَالبِلادِ، وَلٰكِنَّ العَسَلَ مِن أَعظَمِ الأَدوِيَةِ النّافِعَةِ الَّتِي جَعَلَ اللهُ فِيها شِفاءً كَثِيرًا.
وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما أَنزَلَ اللهُ داءً إِلّا أَنزَلَ لَهُ شِفاءً»، وَفِي مَعناهُ أَنَّ اللهَ ما خَلَقَ داءً إِلّا جَعَلَ لَهُ دَواءً، عَلِمَهُ مَن عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ. فَلَا يَنبَغِي أَن يُقالَ عَن مَرَضٍ مِن حَيثُ الأَصلُ إِنَّهُ لا دَواءَ لَهُ عَلَى الإِطلاقِ، بَل قَد يَخفَى الدَّواءُ عَلَى بَعضِ النّاسِ، وَيَعلَمُهُ غَيرُهُم، وَالعِلمُ عِندَ اللهِ.
وَقَد جاءَ رَجُلٌ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَشكُو استِطلاقَ بَطنِ أَخِيهِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «اسقِهِ عَسَلًا»، فَسَقاهُ، ثُمَّ عادَ فَقالَ: زادَهُ ذٰلِكَ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «صَدَقَ اللهُ، وَكَذَبَ بَطنُ أَخِيكَ، اسقِهِ عَسَلًا»، فَسَقاهُ فَبَرِئَ بِإِذنِ اللهِ. وَفِي هٰذَا دَليلٌ عَلَى ما جَعَلَ اللهُ فِي العَسَلِ مِن خَيرٍ، وَأَنَّ الدَّواءَ قَد يَحتاجُ إِلى تَكرارٍ وَمُوافَقَةِ مَوضِعِهِ.
وَقَد رُوِيَ عَن ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قالَ: العَسَلُ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ، وَالقُرآنُ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ، فَعَلَيكُم بِالشِّفاءَينِ: القُرآنِ وَالعَسَلِ. فَالعَسَلُ شِفاءٌ لِلأَبدانِ بِإِذنِ اللهِ، وَالقُرآنُ شِفاءٌ لِلقُلُوبِ مِنَ الشُّبُهاتِ وَالشَّهَواتِ، وَفِيهِ نُورٌ وَهُدًى وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنِينَ.
وَقَد وَقَعَ بَعضُ أَهلِ البِدَعِ فِي تَحرِيفِ مَعنى هٰذِهِ الآيَةِ، فَزَعَمُوا أَنَّ النَّحلَ لَيسَ هُوَ هٰذَا المَخلُوقَ المَعرُوفَ، وَحَمَلُوا قَولَهُ تَعالى: ﴿يَخرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ﴾ عَلَى مَعانٍ لا تَدُلُّ عَلَيها الآيَةُ، فَخالَفُوا ظاهِرَ القُرآنِ وَما فَهِمَهُ أَهلُ العِلمِ. وَالصَّوابُ أَنَّ الآيَةَ فِي النَّحلِ المَعرُوفِ، وَفِي العَسَلِ الَّذِي يُخرِجُهُ اللهُ مِن بُطُونِهِ، وَفِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيَةً لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أَي إِنَّ فِي أَمرِ النَّحلِ وَبُيُوتِهِ، وَسُبُلِهِ، وَما يُخرِجُهُ اللهُ مِن بُطُونِهِ مِن عَسَلٍ مُختَلِفِ الأَلوانِ وَالمَنافِعِ، لَدَلِيلًا عَظيمًا لِمَن يَتَفَكَّرُ. فَمَن تَأَمَّلَ هٰذا الخَلقَ الصَّغيرَ وَما أَودَعَ اللهُ فِيهِ مِنَ الإِلهامِ وَالنِّظامِ وَالنَّفعِ، عَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا حَكِيمًا قادِرًا، وَأَنَّ نِعَمَ اللهِ عَلَى عِبادِهِ لا تُحصَى.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ اللهَ تَعالى ذَكَرَ مِن نِعَمِهِ ما جَعَلَهُ فِي ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالأَعنابِ، مِمّا يُتَّخَذُ مِنهُ شَرابٌ حَلالٌ وَرِزقٌ حَسَنٌ، كَالنَّبِيذِ غَيرِ المُسكِرِ، وَالخَلِّ، وَالتَّمرِ، وَالزَّبِيبِ، وَغَيرِ ذٰلِكَ، مَعَ تَحريمِ الخَمرِ قَلِيلِها وَكَثيرِها. ثُمَّ ذَكَرَ آيَةَ النَّحلِ، وَأَنَّهُ أَلهَمَهُ اتِّخاذَ البُيُوتِ فِي الجِبالِ وَالشَّجَرِ وَما يَعرِشُهُ النّاسُ، وَسَخَّرَ لَهُ السُّبُلَ، وَأَخرَجَ مِن بُطُونِهِ عَسَلًا مُختَلِفَ الأَلوانِ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ. فَفِي هٰذِهِ الآياتِ دَعوةٌ إِلى العَقلِ وَالتَّفَكُّرِ، وَشُكرِ اللهِ عَلَى نِعَمِهِ، وَاستِعمالِها فِي طاعَتِهِ.