بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (74) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76)﴾ [النحل: ٧٠-٧٦]
﴿وَاللهُ خَلَقَكُم ثُمَّ يَتَوَفّاكُم وَمِنكُم مَن يُرَدُّ إِلى أَرذَلِ العُمُرِ لِكَي لا يَعلَمَ بَعدَ عِلمٍ شَيئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٠]
تَأتي هٰذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بَعدَ ما تَقَدَّمَ فِي هٰذِهِ السُّورَةِ مِن تَعدادِ نِعَمِ اللهِ تَعالى عَلَى عِبادِهِ؛ فَقَد ذُكِرَ إِنزالُ الماءِ مِنَ السَّماءِ، وَإِحياءُ الأَرضِ بَعدَ مَوتِها، وَما فِي الأَنعامِ مِن عِبرَةٍ، وَإِخراجُ اللَّبَنِ الخالِصِ مِن بَينِ فَرثٍ وَدَمٍ، وَما يُتَّخَذُ مِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالأَعنابِ مِن رِزقٍ حَسَنٍ، وَما أَودَعَهُ اللهُ فِي النَّحلِ مِن عَجِيبِ الصُّنعِ وَإِخراجِ العَسَلِ الَّذِي فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ. ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ هُنا خَلقَ الإِنسانِ، وَتَصَرُّفَ الأَحوالِ بِهِ مِنَ الوُجُودِ إِلى المَوتِ، وَمِنَ القُوَّةِ إِلى الضَّعفِ.
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُم﴾ أَي أَبرَزَكُم مِنَ العَدَمِ إِلى الوُجُودِ، فَكُنتُم غَيرَ مَوجُودِينَ، ثُمَّ أَوجَدَكُم بِقُدرَتِهِ. وَالخَلقُ بِمَعنى الإِيجادِ مِنَ العَدَمِ خاصٌّ بِاللهِ تَعالى، فَلا خالِقَ عَلَى الحَقِيقَةِ إِلّا اللهُ. وَمِن أَحسَنِ ما قِيلَ فِي تَفسيرِ كَلِمَةِ التَّوحِيدِ: لا إِلٰهَ إِلّا اللهُ، أَي لا خالِقَ إِلّا اللهُ، كَما قَرَّرَ ذٰلِكَ إِمامُ أَهلِ السُّنَّةِ أَبُو الحَسَنِ الأَشعَرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ.
فاللهُ تَعالى خَلَقَ الذَّواتِ وَالصِّفاتِ وَالأَفعالَ، فَكُلُّ ما دَخَلَ فِي الوُجُودِ فَهُوَ بِخَلقِهِ وَتَقدِيرِهِ، وَلا خالِقَ سِواهُ. وَلِذٰلِكَ كانَ اسما الخالِقِ وَالخَلّاقِ مِنَ الأَسماءِ الخاصَّةِ بِاللهِ تَعالى، فَلا يُطلَقانِ عَلَى غَيرِهِ عَلَى وَجهِ الحَقِيقَةِ وَالتَّعظيمِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَفّاكُم﴾ أَي يَقبِضُ أَرواحَكُم مِن أَبدانِكُم عِندَ المَوتِ. فَالإِنسانُ يَنتَقِلُ مِن حالٍ إِلى حالٍ؛ كانَ عَدَمًا، ثُمَّ صارَ مَوجُودًا حَيًّا، ثُمَّ لا بُدَّ أَن تُقبَضَ رُوحُهُ وَيُفارِقَ الدُّنيا. وَالرُّوحُ جِسمٌ لَطِيفٌ لا نَعلَمُ حَقِيقَتَهُ عَلَى وَجهِ التَّفصِيلِ، وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَيَسأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُم مِنَ العِلمِ إِلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
وَفِي قَولِهِ تَعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُم ثُمَّ يَتَوَفّاكُم﴾ تَذكِيرٌ بِأَنَّ الإِنسانَ مُتَغَيِّرٌ، وَالتَّغَيُّرُ مِن أَوضَحِ دَلائِلِ الحُدُوثِ وَالخَلقِ. فَمَن كانَ بَعدَ أَن لَم يَكُن، فَلَا بُدَّ لَهُ مِن مُكوِّنٍ أَوجَدَهُ، وَمَن يَنتَقِلُ مِن حالٍ إِلى حالٍ فَهُوَ مُفتَقِرٌ إِلى مَن يُغَيِّرُهُ. وَاللهُ تَعالى هُوَ الَّذِي يُغَيِّرُ خَلقَهُ، وَهُوَ سُبحانَهُ لا يَتَغَيَّرُ؛ فَسُبحانَ مَن يُغَيِّرُ وَلا يَتَغَيَّرُ.
وَمِن هٰذا يُعلَمُ أَنَّ اللهَ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الزَّمانِ وَالمَكانِ، وَعَنِ الأَعضاءِ وَالجَوارِحِ، وَعَنِ الحُدُوثِ وَالتَّغَيُّرِ، وَعَن أَن يَكونَ كَلامُهُ كَكَلامِ الخَلقِ بِحَرفٍ أَو صَوتٍ. فَاللهُ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، وَصِفاتُهُ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لا تَحدُثُ بَعدَ أَن لَم تَكُن. وَقَد قالَ الإِمامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَعنى ذٰلِكَ، وَقَرَّرَ أَنَّ مَن نَسَبَ الحُدُوثَ إِلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ اللهِ فَقَد خالَفَ التَّوحِيدَ، وَقالَ أَيضًا: أَنّى يُشبِهُ الخالِقُ مَخلُوقَهُ؟
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَمِنكُم مَن يُرَدُّ إِلى أَرذَلِ العُمُرِ﴾ أَي مِنَ النّاسِ مَن يَبلُغُ سِنًّا عالِيَةً يَرجِعُ فِيها إِلى الضَّعفِ بَعدَ القُوَّةِ، وَإِلى نُقصانِ الفَهمِ وَالحَواسِّ بَعدَ تَمامِها. وَأَرذَلُ العُمُرِ هُوَ أَخَسُّهُ مِن جِهَةِ ما يَلحَقُ الإِنسانَ فِيهِ مِنَ الضَّعفِ وَالعَجزِ وَالحاجَةِ إِلى غَيرِهِ، وَقَد قِيلَ: هُوَ ما بَعدَ خَمسٍ وَسَبعِينَ، أَو ثَمانِينَ، أَو تِسعِينَ، وَالمُرادُ السِّنُّ الَّتِي يَظهَرُ فِيها الانحِطاطُ الشَّديدُ فِي القُوَّةِ وَالصِّحَّةِ.
فَالإِنسانُ يَمرُّ بِأَطوارٍ؛ نُطفَةٍ، فَعَلَقَةٍ، فَمُضغَةٍ، ثُمَّ يُولَدُ طِفلًا ضَعِيفًا، ثُمَّ يَنمُو وَيَشتَدُّ، ثُمَّ يَبلُغُ سِنَّ الشَّبابِ وَهُوَ سِنُّ القُوَّةِ وَالنَّشاطِ، ثُمَّ تَأتي الكُهُولَةُ، ثُمَّ الشَّيخُوخَةُ، ثُمَّ الضَّعفُ وَالهَرَمُ. فَمَن عَلِمَ ذٰلِكَ اغتَنَمَ شَبابَهُ وَقُوَّتَهُ قَبلَ أَن يَذهَبا.
وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اغتَنِم خَمسًا قَبلَ خَمسٍ: شَبابَكَ قَبلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبلَ سَقَمِكَ، وَغِناكَ قَبلَ فَقرِكَ، وَفَراغَكَ قَبلَ شُغلِكَ، وَحَياتَكَ قَبلَ مَوتِكَ». فَمَن كانَ فِي عافِيَةٍ فَلْيَحمَدِ اللهَ وَلْيَعمَل، وَمَن كانَ قادِرًا عَلَى القِيامِ وَالسُّجُودِ فَلَا يَغفَل عَنِ الصَّلاةِ، فَقَد يَأتي عَلَيهِ زَمانٌ يَشتَهِي فِيهِ رَكعَةً قائِمًا فَلا يَستَطِيعُ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿لِكَي لا يَعلَمَ بَعدَ عِلمٍ شَيئًا﴾ أَي حَتّى يَضعُفَ حِفظُهُ وَفَهمُهُ، وَيَنسى بَعدَ أَن كانَ عالِمًا، أَو لا يَزيدُ عِلمُهُ بَعدَ ذٰلِكَ زِيادَةً يُعتَدُّ بِها، لِما يَلحَقُهُ مِنَ الضَّعفِ وَتَغيُّرِ القُوى. فَمَن كانَ ذا عِلمٍ وَحِفظٍ قَد يَرجِعُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ إِلى النِّسيانِ، وَمَن كانَ قَوِيَّ الفَهمِ قَد يَصِيرُ يَجِدُ صُعوبَةً فِي ما كانَ سَهلًا عَلَيهِ.
وَفِي ذِكرِ أَرذَلِ العُمُرِ تَنبِيهٌ إِلى أَنَّ الأَيامَ لا تَنتَظِرُ أَحَدًا، وَأَنَّ مَن أَخَّرَ العَمَلَ الصّالِحَ اتِّكالًا عَلَى القُوَّةِ وَالعافِيَةِ فَقَد غَرَّتهُ الدُّنيا. وَقَد كانَ بَعضُ الصّالِحِينَ يَقولُونَ: يا أَهلَ العافِيَةِ، لِمَ لا تُكثِرُونَ مِنَ النَّوافِلِ؟ فَإِنَّ مَن عَجَزَ بَعدَ القُدرَةِ تَحَسَّرَ عَلَى ما فَرَّطَ فِيهِ أَيّامَ العافِيَةِ.
وَقَد جاءَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أَعمارُ أُمَّتِي ما بَينَ السِّتِّينَ إِلى السَّبعِينَ، وَأَقَلُّهُم مَن يَجُوزُ ذٰلِكَ». فَالعاقِلُ لا يَغتَرُّ بِالأَملِ الطَّويلِ، بَل يَنظُرُ فِيما مَضى مِن عُمُرِهِ، وَكَم ذَهَبَ مِنهُ فِي النَّومِ، وَالمَطاعِمِ، وَالمَشارِبِ، وَالأَعمالِ الدُّنيَوِيَّةِ، ثُمَّ يَسأَلُ نَفسَهُ: كَم بَقِيَ لِلصَّلاةِ وَالعِلمِ وَتِلاوَةِ القُرآنِ وَخِدمَةِ الدِّينِ؟
وَقَد يُعوِّضُ اللهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَن قِصَرِ أَعمارِها بِمَواسِمَ عَظِيمَةٍ، كَلَيلَةِ القَدرِ الَّتِي هِيَ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ، فَمَن وُفِّقَ لِقِيامِها إِيمانًا وَاحتِسابًا فَقَد نالَ فَضلًا عَظِيمًا. فَمِنَ الحِكمَةِ أَن يَغتَنِمَ العَبدُ مَواسِمَ الطّاعَةِ، وَلا يَتَكاسَلَ عَنها، فَرُبَّ لَيلَةٍ واحِدَةٍ تَكونُ خَيرًا لَهُ مِن سَنَواتٍ طَوِيلَةٍ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ أَي اللهُ تَعالى عَلِيمٌ بِأَحوالِ عِبادِهِ، وَآجالِهِم، وَأَرزاقِهِم، وَما يَكُونُ مِنهُم، لا يَخفَى عَلَيهِ شَيءٌ. وَهُوَ قَدِيرٌ عَلَى خَلقِهِم، وَإِماتَتِهِم، وَتَقلِيبِ أَحوالِهِم مِنَ الضَّعفِ إِلى القُوَّةِ، وَمِنَ القُوَّةِ إِلى الضَّعفِ، وَعَلَى بَعثِهِم بَعدَ المَوتِ وَمُحاسَبَتِهِم.
﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعضَكُم عَلى بَعضٍ فِي الرِّزقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزقِهِم عَلى ما مَلَكَت أَيمانُهُم فَهُم فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعمَةِ اللهِ يَجحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعضَكُم عَلى بَعضٍ فِي الرِّزقِ﴾ أَي جَعَلَكُم مُتَفاوِتِينَ فِي الأَرزاقِ؛ فَمِنهُمُ الغَنِيُّ، وَمِنهُمُ الفَقِيرُ، وَمِنهُم مَن بُسِطَ لَهُ فِي المالِ، وَمِنهُم مَن قُدِرَ عَلَيهِ رِزقُهُ. وَكُلُّ ذٰلِكَ بِتَقدِيرِ اللهِ وَحِكمَتِهِ، فَهُوَ الَّذِي يُعطِي وَيَمنَعُ، وَيَبسُطُ وَيَقبِضُ، لا مُعقِّبَ لِحُكمِهِ.
وَلَيسَ كَثرَةُ المالِ دَلِيلًا عَلَى كَرامَةِ صاحِبِهِ عِندَ اللهِ، وَلا قِلَّتُهُ دَلِيلًا عَلَى هَوانِهِ. فَأَكثَرُ الأَنبِياءِ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ كانوا فُقَراءَ، وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «دَخَلتُ الجَنَّةَ فَرَأَيتُ أَكثَرَ أَهلِها الفُقَراءَ». وَقَد يُغنِي اللهُ بَعضَ عِبادِهِ ابتِلاءً، وَيُفقِرُ بَعضَهُم ابتِلاءً، وَالعِبرَةُ بِالشُّكرِ وَالصَّبرِ وَحُسنِ العَمَلِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزقِهِم عَلى ما مَلَكَت أَيمانُهُم فَهُم فِيهِ سَواءٌ﴾ أَي أَنَّ الَّذِينَ فَضَّلَهُمُ اللهُ فِي الرِّزقِ مِنَ السّادَةِ وَالأَحرارِ لا يَجعَلُونَ عَبِيدَهُم وَمَمالِيكَهُم شُرَكاءَ لَهُم فِي أَموالِهِم عَلَى وَجهِ المُساواةِ التّامَّةِ، حَتّى يَكونُوا فِيهَا سَواءً. فَهُم لا يَرضَونَ لِأَنفُسِهِم أَن يُساوُوا مَن يَملِكُونَهُم فِي المالِ وَالسُّلطَةِ.
وَهٰذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ تَعالى لِلمُشرِكِينَ؛ فَأَنتُم لا تَرضَونَ أَن تُساوُوا بَينَكُم وَبَينَ مَمالِيكِكُم فِيما رَزَقَكُمُ اللهُ، فَكَيفَ تَرضَونَ أَن تَجعَلُوا عِبادَ اللهِ شُرَكاءَ لِلهِ فِي العِبادَةِ، وَاللهُ هُوَ الخالِقُ الرازِقُ المالِكُ لِكُلِّ شَيءٍ؟ فَإِذا كانَتِ المُساواةُ بَينَ السَّيِّدِ وَمَملُوكِهِ لا تَرضَونَها لِأَنفُسِكُم، فَكَيفَ تَجعَلُونَ المَخلُوقَ شَريكًا لِلخالِقِ؟
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿أَفَبِنِعمَةِ اللهِ يَجحَدُونَ﴾ أَي أَيَجحَدُونَ نِعَمَ اللهِ عَلَيهِم بِالشِّركِ وَصَرفِ العِبادَةِ لِغَيرِهِ؟ فَمِن أَعظَمِ كُفرانِ النِّعمَةِ أَن يَرزُقَ اللهُ العَبدَ، ثُمَّ يَصرِفَ شُكرَهُ وَعِبادَتَهُ إِلى غَيرِ اللهِ. فَالشُّكرُ الحَقِيقِيُّ أَن يُعرَفَ المُنعِمُ، وَتُستَعمَلَ النِّعمَةُ فِي طاعَتِهِ.
﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِن أَنفُسِكُم أَزواجًا وَجَعَلَ لَكُم مِن أَزواجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالباطِلِ يُؤمِنُونَ وَبِنِعمَةِ اللهِ هُم يَكفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِن أَنفُسِكُم أَزواجًا﴾ أَي جَعَلَ لَكُم أَزواجًا مِن جِنسِكُم، مِنَ البَشَرِ، لِتَسكنُوا إِلَيهِنَّ، وَتَقومَ بَينَكُم مَودَّةٌ وَرَحمَةٌ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أَن خَلَقَ لَكُم مِن أَنفُسِكُم أَزواجًا لِتَسكُنُوا إِلَيها وَجَعَلَ بَينَكُم مَوَدَّةً وَرَحمَةً إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآياتٍ لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]. فَالزَّواجُ مِن نِعَمِ اللهِ الَّتِي بِها تَسكُنُ النُّفُوسُ، وَتَقومُ الأُسَرُ، وَيَستَمِرُّ النَّسلُ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِن أَزواجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ أَي جَعَلَ لَكُم مِن أَزواجِكُم أَولادًا وَذُرِّيَّةً، وَجَعَلَ لَكُم حَفَدَةً. وَالحَفَدَةُ جَمعُ حافِدٍ، وَأَصلُ الحَفدِ السُّرعَةُ فِي الخِدمَةِ وَالطّاعَةِ، وَمِنهُ ما يُقالُ فِي دُعاءِ القُنُوتِ: وَإِلَيكَ نَسعى وَنَحفِدُ، أَي نَجِدُّ وَنُسرِعُ فِي طاعَتِكَ.
وَقَد قِيلَ فِي الحَفَدَةِ أَقوالٌ؛ فَقِيلَ: هُم أَولادُ الأَولادِ، وَقِيلَ: هُم الأَصهارُ، وَقِيلَ: هُمُ الأَختانُ عَلَى البَناتِ، وَقِيلَ: هُمُ الخَدَمُ وَالأَعوانُ الَّذِينَ يَحفِدُونَ فِي مَصالِحِ الإِنسانِ. وَلا تَنافِيَ بَينَ هٰذِهِ المَعانِي مِن حَيثُ الجُملَةِ؛ فَكُلُّ مَن جَعَلَهُ اللهُ عَونًا لِلعَبدِ فِي شُؤُونِهِ فَهُوَ مِن نِعَمِ اللهِ عَلَيهِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَرَزَقَكُم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أَي رَزَقَكُم مِنَ الأَرزاقِ الطَّيِّبَةِ المُباحَةِ، وَمِنَ المَآكِلِ وَالمَشارِبِ وَالمَنافِعِ المُستَلَذَّةِ. وَقَولُهُ: ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ما فِي الدُّنيا بَعضُ الطَّيِّباتِ، أَمّا كَمالُ الطَّيِّباتِ فَهُوَ فِي الجَنَّةِ؛ فَفِي الدُّنيا تَمَرٌ وَرُمّانٌ وَفَواكِهُ، وَفِي الجَنَّةِ أَشياءُ تُشابِهُها فِي الأَسماءِ لا فِي الحَقائِقِ وَالكَمالِ.
فَطَيِّباتُ الدُّنيا أُنموذَجٌ يُذَكِّرُ العَبدَ بِما أَعَدَّهُ اللهُ لِأَهلِ الإِيمانِ فِي دارِ الكَرامَةِ، وَلا يَنبَغِي أَن تَشغَلَهُ عَن شُكرِ رَبِّهِ. فَمَن رَزَقَهُ اللهُ زَوجًا، وَوَلَدًا، وَأَهلًا، وَرِزقًا طَيِّبًا، فَلْيَعلَم أَنَّهُ مُطالَبٌ بِالشُّكرِ، لا بِالغَفلَةِ وَالكُفرانِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿أَفَبِالباطِلِ يُؤمِنُونَ وَبِنِعمَةِ اللهِ هُم يَكفُرُونَ﴾ أَي أَيُصَدِّقُونَ بِالباطِلِ مِنَ الأَصنامِ وَالشَّياطِينِ وَالأَوهامِ، وَيَكفُرُونَ بِنِعمَةِ اللهِ الَّتِي أَنعَمَ بِها عَلَيهِم؟ وَقِيلَ: الباطِلُ هُنا ما كانُوا يَعتَقِدُونَهُ مِن نَفعِ الأَصنامِ وَشَفاعَتِها، وَقِيلَ: هُوَ الشَّيطانُ وَما يُسَوِّلُهُ لَهُم. وَنِعمَةُ اللهِ قِيلَ: هِيَ الإِسلامُ، وَقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، وَقِيلَ: ما أَحَلَّهُ اللهُ لَهُم مِنَ الطَّيِّباتِ.
وَالمَعنى الجَامِعُ أَنَّ اللهَ أَنعَمَ عَلَيهِم بِالنِّعَمِ الظّاهِرَةِ وَالباطِنَةِ، فَكانَ الواجِبُ أَن يُؤمِنُوا بِهِ وَيَشكُرُوهُ، لا أَن يُصَدِّقُوا بِالباطِلِ وَيَكفُرُوا بِنِعمَتِهِ.
﴿وَيَعبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَملِكُ لَهُم رِزقًا مِنَ السَّماواتِ وَالأَرضِ شَيئًا وَلا يَستَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَيَعبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ أَي يَصرِفُ المُشرِكُونَ العِبادَةَ لِغَيرِ اللهِ، مِن أَصنامٍ وَأَوثانٍ لا تَملِكُ لِنَفسِها نَفعًا وَلَا ضَرًّا، فَضْلًا عَن أَن تَملِكَ لِغَيرِها رِزقًا أَو نَصرًا.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿ما لا يَملِكُ لَهُم رِزقًا مِنَ السَّماواتِ وَالأَرضِ شَيئًا﴾ أَي يَعبُدُونَ ما لا يَقدِرُ عَلَى إِنزالِ مَطَرٍ مِنَ السَّماءِ، وَلَا عَلَى إِخراجِ نَباتٍ مِنَ الأَرضِ، وَلَا عَلَى جَلبِ رِزقٍ قَلِيلٍ أَو كَثِيرٍ. فَالرِّزقُ كُلُّهُ مِنَ اللهِ، وَالأَصنامُ لا تَخلُقُ وَلا تَرزُقُ وَلا تُدَبِّرُ شَيئًا.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَستَطِيعُونَ﴾ أَي لا يَملِكُونَ الرِّزقَ، وَلا يَقدِرُونَ عَلَى تَحصِيلِهِ، وَلا يُمكِنُهُم ذٰلِكَ أَصلًا. فَذِكرُ عَجزِهِم بَعدَ نَفيِ مِلكِهِم لِلرِّزقِ أَبلَغُ فِي إِبطالِ عِبادَتِهِم؛ لأَنَّهُم لا يَملِكُونَ، وَلا يَستَطِيعُونَ أَن يَملِكُوا.
فَكَيفَ يُترَكُ عِبادَةُ اللهِ العَلِيمِ القَدِيرِ الخالِقِ الرازِقِ، وَيُعبَدُ جَمادٌ لا يَرزُقُ، وَلا يَسمَعُ، وَلا يُجيبُ، وَلا يَملِكُ شَيئًا؟ هٰذا مِن أَبطَلِ الباطِلِ وَأَظهَرِ الضَّلالِ.
﴿فَلا تَضرِبُوا لِلهِ الأَمثالَ إِنَّ اللهَ يَعلَمُ وَأَنتُم لا تَعلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤]
قَولُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَضرِبُوا لِلهِ الأَمثالَ﴾ أَي لا تَجعَلُوا لِلهِ مِثلًا، وَلا تُشبِّهُوهُ بِخَلقِهِ، وَلا تَجعَلُوا لَهُ شَرِيكًا فِي العِبادَةِ. فَاللهُ تَعالى لا مِثلَ لَهُ، وَلَا شَبِيهَ، وَلَا نِدَّ، وَلَا ضِدَّ، وَلَا صُورَةَ، وَلَا شَكلَ، وَلَا وَلَدَ، وَلَا زَوجَةَ، وَلَا أَعضاءَ، وَلَا جَوارِحَ.
وَهٰذِهِ الآيَةُ مِن أَدلَّةِ التَّنزِيهِ العَظِيمَةِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى فِي مَوضِعٍ آخَرَ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وَقالَ: ﴿وَلِلهِ المَثَلُ الأَعلى﴾ [النحل: ٦٠]. فَمَن شَبَّهَ اللهَ بِخَلقِهِ، أَو جَعَلَ لَهُ جِهَةً أَو مَكانًا، أَو صُورَةً أَو حَدًّا، فَقَد خالَفَ حَقِيقَةَ التَّوحِيدِ وَالتَّنزِيهِ.
وَإِذا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ ما فِيهِ تَشبِيهٌ لِرُؤيَةِ المُؤمِنِينَ لِرَبِّهِم يَومَ القِيامَةِ بِرُؤيَةِ القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ، فَلَيسَ المُرادُ أَنَّ اللهَ يُشبِهُ القَمَرَ، حاشا وَكَلّا، بَل المُرادُ تَشبِيهُ الرُّؤيَةِ بِالرُّؤيَةِ مِن حَيثُ الوُضُوحُ وَعَدَمُ الشَّكِّ وَالازدِحامِ، لا تَشبِيهُ المَرئِيِّ بِالمَرئِيِّ. فَاللهُ تَعالى يُرَى فِي الآخِرَةِ بِلا كَيفٍ وَلَا مَكانٍ وَلَا مُشابَهَةٍ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَعلَمُ وَأَنتُم لا تَعلَمُونَ﴾ أَي اللهُ يَعلَمُ أَنَّهُ لا مِثلَ لَهُ وَلا شَرِيكَ، وَيَعلَمُ حَقِيقَةَ ما يَليقُ بِجَلالِهِ، وَأَنتُم لا تَعلَمُونَ إِذا تَكَلَّمتُم بِالجَهلِ وَضَرَبتُم لَهُ الأَمثالَ. وَقِيلَ: المَعنى أَنَّ اللهَ يَعلَمُ كَيفَ تُضرَبُ الأَمثالُ لِتَقرِيبِ الحَقِّ، وَأَنتُم لا تَعلَمُونَ، فَلَا تَتَكَلَّمُوا فِي حَقِّ اللهِ بِالهَوى وَالجَهلِ.
وَالمَعنى الأَوَّلُ أَظهَرُ فِي سِياقِ التَّوحِيدِ، أَي لا تَجعَلُوا لِلهِ أَمثالًا، فَإِنَّ اللهَ يَعلَمُ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ المِثلِ وَالشَّبِيهِ، وَأَنتُم لا تَعلَمُونَ حَقِيقَةَ ما تَقولُونَ إِذا أَشرَكتُم وَشَبَّهتُم.
﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبدًا مَملُوكًا لا يَقدِرُ عَلى شَيءٍ وَمَن رَزَقناهُ مِنّا رِزقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنهُ سِرًّا وَجَهرًا هَل يَستَوُونَ الحَمدُ لِلهِ بَل أَكثَرُهُم لا يَعلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥]
لَمّا نَهى اللهُ تَعالى عَن ضَربِ الأَمثالِ لَهُ عَلَى وَجهِ التَّشبِيهِ وَالشِّركِ، ضَرَبَ هُوَ سُبحانَهُ مَثَلًا يُبطِلُ بِهِ شُبهَةَ المُشرِكِينَ، وَيُقَرِّبُ لَهُم بُطلانَ تَسوِيَةِ المَخلُوقِ بِالخالِقِ. فَقالَ: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبدًا مَملُوكًا لا يَقدِرُ عَلى شَيءٍ﴾.
فَهٰذا العَبدُ مَملُوكٌ لِغَيرِهِ، لا يَقدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي مالٍ، وَلَا يَملِكُ نَفعًا لِنَفسِهِ وَلَا لِغَيرِهِ عَلَى وَجهِ الاستِقلالِ. وَقَولُهُ: ﴿مَملُوكًا﴾ لِلتَّميِيزِ بَينَهُ وَبَينَ عِبادِ اللهِ مِن حَيثُ العُمُومُ، فَكُلُّ الخَلقِ عِبادُ اللهِ، لَكِنَّ المُرادَ هُنا العَبدُ المَملُوكُ لِسَيِّدٍ مِنَ النّاسِ. وَقَولُهُ: ﴿لا يَقدِرُ عَلى شَيءٍ﴾ لِبَيانِ تَمامِ عَجزِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَمَن رَزَقناهُ مِنّا رِزقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنهُ سِرًّا وَجَهرًا﴾ أَي وَرَجُلًا حُرًّا مالِكًا، رَزَقَهُ اللهُ رِزقًا طَيِّبًا حَسَنًا، فَهُوَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ وَيُنفِقُ مِنهُ فِي السِّرِّ وَالجَهرِ. فَهٰذا قادِرٌ عَلَى الإِنفاقِ وَالتَّصَرُّفِ بِما مَلَّكَهُ اللهُ، وَذاكَ عَبدٌ مَملُوكٌ عاجِزٌ لا يَقدِرُ عَلَى شَيءٍ.
ثُمَّ قالَ: ﴿هَل يَستَوُونَ﴾ أَي هَل يَستَوِي هٰذانِ الصِّنفانِ؟ وَالجَوابُ: لا يَستَوُونَ. فَإِذا كانَ العَبدُ العاجِزُ لا يَستَوِي مَعَ الحُرِّ المالِكِ المُنفِقِ، فَكَيفَ يُسَوِّي المُشرِكُونَ بَينَ الخالِقِ الرازِقِ القادِرِ، وَبَينَ الأَصنامِ العاجِزَةِ الَّتِي لا تَملِكُ شَيئًا؟
وَفِي هٰذا المَثَلِ تَنبيهٌ أَيضًا إِلى أَنَّ العَبدَ وَما يَملِكُ مِلكٌ لِسَيِّدِهِ مِن حَيثُ أَحكامُ الرِّقِّ، فَكَيفَ بِنا وَنَحنُ عِبادُ اللهِ، وَكُلُّ ما نَملِكُهُ فَهُوَ مِلكٌ لِلهِ تَعالى خَلقًا وَتَقدِيرًا؟ فَالعَبدُ وَما يَملِكُ مِلكٌ لِلهِ عَلَى الحَقِيقَةِ، وَلا يَخرُجُ شَيءٌ عَن مُلكِهِ وَسُلطانِهِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿الحَمدُ لِلهِ﴾ أَي الحَمدُ لِلهِ الَّذِي بَيَّنَ الحُجَّةَ، وَأَظهَرَ البُرهانَ، وَأَقامَ الأَدِلَّةَ عَلَى وَحدانِيَّتِهِ. وَقَولُهُ: ﴿بَل أَكثَرُهُم لا يَعلَمُونَ﴾ أَي أَكثَرُ المُشرِكِينَ لا يَعلَمُونَ حَقِيقَةَ ما هُم عَلَيهِ مِنَ الباطِلِ، وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي هٰذِهِ الأَمثالِ الَّتِي تُظهِرُ بُطلانَ شِركِهِم.
﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَينِ أَحَدُهُما أَبكَمُ لا يَقدِرُ عَلى شَيءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَولاهُ أَينَما يُوَجِّههُ لا يَأتِ بِخَيرٍ هَل يَستَوِي هُوَ وَمَن يَأمُرُ بِالعَدلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُستَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]
ثُمَّ ضَرَبَ اللهُ تَعالى مَثَلًا آخَرَ، فَقالَ: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَينِ أَحَدُهُما أَبكَمُ﴾. وَالأَبكَمُ هُوَ الَّذِي لا يَنطِقُ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي وُلِدَ أَخرَسَ، لا يُفهِمُ غَيرَهُ وَلَا يَفهَمُ عَنهُ النّاسُ كَما يَنبَغِي. وَقَولُهُ: ﴿لا يَقدِرُ عَلى شَيءٍ﴾ أَي هُوَ عاجِزٌ عَن تَحصِيلِ ما يُرادُ مِنهُ، لا يُحسِنُ التَّدبِيرَ وَلَا الإِتيانَ بِالخَيرِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَولاهُ﴾ أَي هُوَ ثِقلٌ وَعِيالٌ عَلَى مَن يَتَوَلّى أَمرَهُ وَيَعُولُهُ، لا يَنفَعُهُ فِي مَصالِحِهِ، بَل يَحتاجُ إِلى مَن يَحمِلُ عَنهُ وَيَقُومُ بِشَأنِهِ. وَقَولُهُ: ﴿أَينَما يُوَجِّههُ لا يَأتِ بِخَيرٍ﴾ أَي حَيثُما أَرسَلَهُ مَولاهُ فِي حاجَةٍ، أَو وَجَّهَهُ لِمَصلَحَةٍ، لَم يَرجِع بِنَفعٍ وَلَم يُحَصِّل خَيرًا.
ثُمَّ قابَلَ اللهُ هٰذا بِقَولِهِ: ﴿هَل يَستَوِي هُوَ وَمَن يَأمُرُ بِالعَدلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُستَقِيمٍ﴾ أَي هَل يَستَوِي هٰذا الأَبكَمُ العاجِزُ الَّذِي لا يَأتي بِخَيرٍ، مَعَ رَجُلٍ سَلِيمِ الحَواسِّ، نافِعٍ لِغَيرِهِ، يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالخَيرِ، وَهُوَ فِي نَفسِهِ عَلَى طَرِيقٍ قَوِيمٍ وَدِينٍ مُستَقِيمٍ؟ وَالجَوابُ: لا يَستَوِيَانِ.
وَهٰذا المَثَلُ يُبَيِّنُ فَرقًا ظاهِرًا بَينَ مَن لا يَملِكُ لِنَفسِهِ نَفعًا، وَلا يَقدِرُ عَلَى جَلبِ خَيرٍ، وَبَينَ مَن هُوَ نافِعٌ آمِرٌ بِالعَدلِ، مُستَقِيمٌ فِي نَفسِهِ. فَإِذا كانَ هٰذا الفَرقُ واضِحًا بَينَ مَخلُوقَينِ، فَكَيفَ يُسَوِّي المُشرِكُونَ بَينَ اللهِ الخالِقِ الرازِقِ المُنعِمِ، وَبَينَ مَعبُوداتٍ باطِلَةٍ لا تَسمَعُ وَلَا تَنطِقُ وَلَا تَملِكُ شَيئًا؟
وَفِي هٰذِهِ الأَمثالِ تَقرِيرٌ لِلتَّوحِيدِ وَإِبطالٌ لِلشِّركِ، وَتَنبِيهٌ إِلى أَنَّ كُلَّ ما نَراهُ مِن خَلقِ اللهِ فِيهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى وَحدانِيَّتِهِ. فَالخَلقُ وَالمَوتُ، وَالشَّبابُ وَالهَرَمُ، وَتَفاوُتُ الأَرزاقِ، وَنِعمَةُ الأَزواجِ وَالأَولادِ، وَالعَجزُ الظّاهِرُ فِي الأَصنامِ وَالمَخلُوقاتِ، كُلُّ ذٰلِكَ يَدعُو العَبدَ إِلى أَن يَقولَ: لا إِلٰهَ إِلّا اللهُ، وَأَن يَثبُتَ عَلَى التَّوحِيدِ حَتّى يَلقَى اللهَ.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ العِبادَ مِنَ العَدَمِ، ثُمَّ يَتَوَفّاهُم عِندَ انقِضاءِ آجالِهِم، وَمِنهُم مَن يُرَدُّ إِلى أَرذَلِ العُمُرِ فَيَضعُفُ بَعدَ قُوَّةٍ وَيَنسى بَعدَ عِلمٍ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِأَحوالِهِم قَدِيرٌ عَلَى تَقلِيبِهِم. ثُمَّ ذَكَرَ تَفاوُتَ الأَرزاقِ، وَضَرَبَ بِذٰلِكَ مَثَلًا لِبُطلانِ الشِّركِ، فَإِنَّ النّاسَ لا يَرضَونَ أَن يُساوُوا مَمالِيكَهُم بِأَنفُسِهِم، فَكَيفَ يَجعَلُونَ لِلهِ شُرَكاءَ مِن عِبادِهِ؟ ثُمَّ ذَكَرَ نِعمَةَ الأَزواجِ وَالبَنِينَ وَالحَفَدَةِ وَالطَّيِّباتِ، وَأَنكَرَ عَلَى مَن يُؤمِنُ بِالباطِلِ وَيَكفُرُ بِنِعمَةِ اللهِ، وَيَعبُدُ ما لا يَملِكُ رِزقًا وَلَا يَستَطِيعُ. ثُمَّ نَهى عَن تَشبِيهِ اللهِ بِخَلقِهِ، وَضَرَبَ الأَمثالَ الَّتِي تُظهِرُ فَرقَ ما بَينَ العاجِزِ وَالقادِرِ، وَبَينَ الباطِلِ وَالحَقِّ، لِيَعلَمَ العِبادُ أَنَّ اللهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.