بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ (83) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ (85) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاء شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمْ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86)﴾. [النحل: ٧٧-٨٦]
﴿وَلِلهِ غَيبُ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَما أَمرُ السّاعَةِ إِلّا كَلَمحِ البَصَرِ أَو هُوَ أَقرَبُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٧]
لَمّا ضَرَبَ اللهُ تَعالى فِي الآياتِ السّابِقَةِ الأَمثالَ لِإِبطالِ شِركِ المُشرِكِينَ، وَبَيَّنَ أَنَّ العَبدَ المَملُوكَ العاجِزَ لا يَستَوِي مَعَ مَن رَزَقَهُ اللهُ رِزقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنهُ سِرًّا وَجَهرًا، وَأَنَّ الأَبكَمَ العاجِزَ الَّذِي لا يَأتي بِخَيرٍ لا يَستَوِي مَعَ مَن يَأمُرُ بِالعَدلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُستَقِيمٍ، أَتبَعَ ذٰلِكَ بِذِكرِ عِلمِهِ المُحِيطِ وَقُدرَتِهِ النّافِذَةِ، فَقالَ: ﴿وَلِلهِ غَيبُ السَّماواتِ وَالأَرضِ﴾.
وَمَعنى الآيَةِ أَنَّ اللهَ تَعالى يَختَصُّ بِعِلمِ ما غابَ فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ عَنِ العِبادِ، وَخَفِيَ عَلَيهِم عِلمُهُ. وَقِيلَ: المُرادُ بِغَيبِ السَّماواتِ وَالأَرضِ يَومُ القِيامَةِ؛ لأَنَّ عِلمَ وَقتِهِ غائِبٌ عَن أَهلِ السَّماواتِ وَالأَرضِ، لا يَعلَمُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرسَلٌ، إِلَّا ما أَعلَمَ اللهُ بِهِ مِن أَماراتِهِ وَعَلاماتِهِ.
وَفِي هٰذا رَدٌّ عَلَى مَن عَبَدَ الأَصنامَ وَجَعَلَها شُرَكاءَ لِلهِ؛ فَتِلكَ الأَصنامُ لا تَعلَمُ مَن يَقِفُ أَمامَها، وَلَا تَدرِي مَن يَتَقَرَّبُ إِلَيها، وَلَو وَقَعَ عَلَيها الذُّبابُ لَم تَستَطِع دَفعَهُ عَن نَفسِها. فَكَيفَ تُعبَدُ مِن دُونِ اللهِ، وَاللهُ وَحدَهُ هُوَ عالِمُ الغَيبِ وَالشَّهادَةِ، لا يَخفَى عَلَيهِ شَيءٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّماءِ؟
وَغَيبُ اللهِ تَعالى لا يَعلَمُهُ أَحَدٌ مِنَ الخَلقِ بِذاتِهِ، فَالأَنبِياءُ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ لا يَعلَمُونَ الغَيبَ إِلَّا ما أَطلَعَهُمُ اللهُ عَلَيهِ. فَلا يَجُوزُ أَن يُقالَ عَن نَبِيٍّ مِنَ الأَنبِياءِ إِنَّهُ يَعلَمُ جَمِيعَ الغَيبِ، وَإِنَّما يَعلَمُ ما عَلَّمَهُ اللهُ تَعالى. فَكَيفَ بِالعَرّافِينَ وَالمُنَجِّمِينَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ مَعرِفَةَ ما يَقَعُ فِي الأَعوامِ وَالأَيامِ؟ هٰؤُلاءِ كاذِبُونَ فِي دَعواهُم، وَلا يَملِكُونَ مِن عِلمِ الغَيبِ شَيئًا.
وَكَم مِن أُمُورٍ غائِبَةٍ عَن حَواسِّنا مَوجُودَةٍ فِي خَلقِ اللهِ؛ فَمَعَ كُلِّ إِنسانٍ مَلائِكَةٌ حَفَظَةٌ وَكِرامٌ كاتِبُونَ، وَمَعَ ذٰلِكَ لا نَراهُم. وَالنَّباتُ يُسَبِّحُ اللهَ تَعالى، وَلٰكِنَّ أَسماعَنا لا تُدرِكُ تَسبيحَهُ، وَلَو شاءَ اللهُ لَأَسمَعَنا. وَقَد وَقَعَ أَنَّ الطَّعامَ سَبَّحَ فِي يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ فِي يَدِ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، فَسُبحانَ مَن لا يَغِيبُ عَن عِلمِهِ شَيءٌ.
ثُمَّ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَما أَمرُ السّاعَةِ إِلّا كَلَمحِ البَصَرِ أَو هُوَ أَقرَبُ﴾ أَي ما قُربُ قِيامِ السّاعَةِ، وَسُرعَةُ إِيقاعِها إِذا أَرادَها اللهُ، إِلَّا كَلَمحِ البَصَرِ، أَو هُوَ أَقرَبُ مِن ذٰلِكَ. وَلَمحُ البَصَرِ هُوَ سُرعَةُ النَّظَرِ وَرَجعُ الطَّرفِ، وَلا يُعرَفُ فِي مُشاهَدَةِ النّاسِ زَمَنٌ أَقصَرُ مِن ذٰلِكَ يُقَرَّبُ بِهِ المَعنى.
وَلَيسَ قَولُهُ: ﴿أَو هُوَ أَقرَبُ﴾ لِلشَّكِّ، فَاللهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّكِّ، بَل هُوَ لِتَقرِيبِ المَعنى إِلى أَفهامِ المُخاطَبِينَ، أَي بَل هُوَ أَقرَبُ. وَقَد جاءَ فِي القُرآنِ ما يَدُلُّ عَلَى قُربِ السّاعَةِ، كَقَولِهِ تَعالى: ﴿اقتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُم وَهُم فِي غَفلَةٍ مُعرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، وَقَولِهِ تَعالى: ﴿اقتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١]. وَقَد قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بُعِثتُ أَنا وَالسّاعَةُ كَهاتَينِ»، وَأَشارَ إِلى السَّبّابَةِ وَالوُسطى.
وَنَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ هُوَ آخِرُ الأَنبِياءِ، وَأُمَّتُهُ آخِرُ الأُمَمِ، وَقَد كانَ يُسَمَّى نَبِيَّ آخِرِ الزَّمانِ. وَقَد قالَ ﷺ: «نَحنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ»، أَي الآخِرُونَ زَمانًا، السّابِقُونَ فَضلًا وَدُخولًا إِلى الجَنَّةِ بِإِكرامِ اللهِ وَبِشَرَفِ نَبِيِّنا ﷺ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ أَي إِنَّ اللهَ تَعالى قادِرٌ عَلَى إِقامَةِ السّاعَةِ، وَبَعثِ الخَلقِ مِن قُبُورِهِم، وَحَشرِهِم، وَمُحاسَبَتِهِم، وَلا يُعجِزُهُ شَيءٌ. وَقُدرَةُ اللهِ تَعالى تَتَعَلَّقُ بِالمُمكِناتِ العَقلِيَّةِ، أَي بِما يَقبَلُ فِي العَقلِ الوُجُودَ وَالعَدَمَ، كَخَلقِ المَخلُوقاتِ وَإِفنائِها وَإِعادَتِها.
وَأَمّا الواجِبُ العَقلِيُّ، وَهُوَ ما لا يَتَصَوَّرُ فِي العَقلِ عَدَمُهُ، كَوُجُودِ اللهِ وَصِفاتِهِ، فَلا يَتَعَلَّقُ بِهِ العَدَمُ. وَأَمّا المُستَحِيلُ العَقلِيُّ، وَهُوَ ما لا يَتَصَوَّرُ فِي العَقلِ وُجُودُهُ، كَوُجُودِ شَرِيكٍ لِلهِ، أَو شَبِيهٍ لَهُ، أَو مَكانٍ يَحُلُّ فِيهِ، فَهٰذا لَيسَ شَيئًا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُودٌ. فَقَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ أَي عَلى كُلِّ شَيءٍ مُمكِنٍ يَقبَلُ الوُجُودَ وَالعَدَمَ.
وَمِن هُنا يُعلَمُ بُطلانُ أَسئِلَةِ المَلاحِدَةِ الَّتِي يُرِيدُونَ بِها إِيقاعَ النّاسِ فِي الضَّلالِ، كَقَولِهِم: أَيَقدِرُ اللهُ عَلَى إِفنائِهِ نَفسَهُ؟ أَو أَيَقدِرُ عَلَى أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا؟ فَهٰذِهِ أَسئِلَةٌ مُتَناقِضَةٌ، فِيهَا تَجوِيزٌ لِلمُحالِ العَقلِيِّ، وَلا تُجابُ بِنَعَم وَلَا بِلا، بَل يُقالُ لِقائِلِها: سُؤالُكَ باطِلٌ مُتَناقِضٌ؛ لأَنَّ الفَناءَ عَلَى اللهِ، أَو الوَلَدَ لِلهِ، مُستَحِيلٌ عَقلًا وَشَرعًا، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَن ذٰلِكَ.
وَذِكرُ السّاعَةِ يَنبَغِي أَن يُحرِّكَ القُلوبَ، فَقَد كانَ أَبو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُكثِرُ قِيامَ اللَّيلِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ قامَ لَيلَةً بِآيَةٍ واحِدَةٍ يُرَدِّدُها إِلى الفَجرِ، وَهِيَ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوعِدُهُم وَالسّاعَةُ أَدهى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]. فَمَن عَرَفَ قَدرَ الآخِرَةِ هانَت عَلَيهِ مَصائِبُ الدُّنيا، وَجَمَعَ هُمُومَهُ فِي هَمٍّ واحِدٍ، وَهُوَ هَمُّ النَّجاةِ عِندَ اللهِ.
﴿وَاللهُ أَخرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُم لا تَعلَمُونَ شَيئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمعَ وَالأَبصارَ وَالأَفئِدَةَ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]
ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى دَلِيلًا آخَرَ عَلَى قُدرَتِهِ وَنِعمَتِهِ، فَقالَ: ﴿وَاللهُ أَخرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُم لا تَعلَمُونَ شَيئًا﴾، أَي أَخرَجَكُم مِن أَرحامِ أُمَّهاتِكُم عِنَدَ الوِلادَةِ غَيرَ عالِمِينَ شَيئًا مِمّا يَحتاجُ إِلَيهِ العَبدُ مِن أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنيا، ثُمَّ عَلَّمَكُم شَيئًا فَشَيئًا، وَفَتَحَ لَكُم أَبوابَ الإِدراكِ.
وَفِي هٰذا رَدٌّ عَلَى مَن يُبالِغُ فِي بَعضِ العِباراتِ فَيَقولُ عَن أَحَدٍ: نَزَلَ مِن بَطنِ أُمِّهِ عالِمًا، أَو وُلِدَ وَلِيًّا عارِفًا. فَاللهُ تَعالى يَقولُ: ﴿لا تَعلَمُونَ شَيئًا﴾، وَإِنَّما يَتَعَلَّمُ الإِنسانُ بَعدَ ذٰلِكَ بِما يَفتَحُ اللهُ عَلَيهِ مِن أَسبابِ العِلمِ. نَعَم، قَد يُظهِرُ اللهُ آيَةً لِنَبِيٍّ، كَما أَنطَقَ عِيسى عَلَيهِ السَّلامُ فِي المَهدِ، فَقالَ: ﴿إِنِّي عَبدُ اللهِ﴾ [مريم: ٣٠]، وَلٰكِنَّ هٰذا خَرقٌ لِلعادَةِ وَآيَةٌ مِن آياتِ اللهِ.
وَقَد قِيلَ:
تَعَلَّم فَلَيسَ المَرءُ يُولَدُ عالِمًا ~ وَلَيسَ أَخو عِلمٍ كَمَن هُوَ جاهِلُ
وَإِنَّ كَبِيرَ القَومِ لا عِلمَ عِندَهُ ~ صَغِيرٌ إِذا التَفَّت عَلَيهِ المَحافِلُ
وَكانَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقولُ: تَفَقَّهُوا قَبلَ أَن تُسَوَّدُوا، أَي تَعَلَّمُوا العِلمَ قَبلَ أَن تُجعَلُوا رُؤَساءَ وَأَصحابَ مَنازِلَ، فَإِنَّ مَن تَصَدَّرَ قَبلَ العِلمِ عَظُمَ خَطَرُهُ عَلَى نَفسِهِ وَغَيرِهِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمعَ وَالأَبصارَ وَالأَفئِدَةَ﴾ أَي خَلَقَ لَكُم هٰذِهِ الآلاتِ الَّتِي بِها تُدرِكُونَ، فَتَسمَعُونَ، وَتُبصِرُونَ، وَتَفهَمُونَ وَتَعقِلُونَ. وَذِكرُها بَعدَ الإِخراجِ مِن بُطُونِ الأُمَّهاتِ لَيسَ مَعناهُ أَنَّ أَصلَها لَم يَكُن مَخلُوقًا قَبلَ ذٰلِكَ، بَل المَعنى أَنَّ اللهَ أَعطاكُم هٰذِهِ النِّعَمَ، وَجَعَلَها أَسبابًا لِلتَّعَلُّمِ وَالفَهمِ بَعدَ أَن كُنتُم لا تَعلَمُونَ شَيئًا.
فَاللهُ تَعالى جَعَلَنا نَسمَعُ بِأَسماعِنا، وَنُبصِرُ بِأَبصارِنا، وَنُدركُ بِقُلُوبِنا، وَهٰذا كُلُّهُ مِن قُدرَتِهِ. وَمَن تَأَمَّلَ خَلقَهُ نَفسَهُ كَفاهُ ذٰلِكَ دَليلًا عَلَى رَبِّهِ، فَقَد قِيلَ: نَظَرُكَ فِيكَ يَكفِيكَ. فَفي الإِنسانِ مِن عَجائِبِ الخَلقِ ما يَدُلُّ عَلَى كَمالِ قُدرَةِ اللهِ وَحِكمَتِهِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾ أَي جَعَلَ اللهُ لَكُم هٰذِهِ النِّعَمَ لِتَعرِفُوا قَدرَها، وَتَستَعمِلُوها فِي طاعَتِهِ، فَتَسمَعُوا الحَقَّ، وَتُبصِرُوا آياتِ اللهِ، وَتَعقِلُوا ما يَنفَعُكُم فِي دِينِكُم وَآخِرَتِكُم. فَمَن استَعمَلَ سَمعَهُ وَبَصَرَهُ وَقَلبَهُ فِي مَعصِيَةِ اللهِ، فَقَد كَفَرَ هٰذِهِ النِّعمَةَ مِن جِهَةِ العَمَلِ.
﴿أَلَم يَرَوا إِلَى الطَّيرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمسِكُهُنَّ إِلَّا اللهُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآياتٍ لِقَومٍ يُؤمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩]
ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى آيَةً أُخرى مِن آياتِ قُدرَتِهِ، فَقالَ: ﴿أَلَم يَرَوا إِلَى الطَّيرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ﴾. وَالمُرادُ بِالتَّسخِيرِ أَنَّ اللهَ ذَلَّلَ الطَّيرَ لِلطَّيَرانِ بِما خَلَقَ لَها مِن أَجنِحَةٍ وَأَسبابٍ، فَتَقبِضُ وَتَبسُطُ، وَتَرتَفِعُ وَتَهبِطُ، وَتَسيرُ فِي الهَواءِ بِتَقدِيرِ اللهِ.
وَجَوُّ السَّماءِ هُوَ الفَضاءُ وَالهَواءُ المُتَباعِدُ مِنَ الأَرضِ فِي سَمتِ العُلُوِّ، فَتَرى الطَّيرَ فِيهِ مُعلَّقًا، لَهُ ثِقَلٌ وَمَعَ ذٰلِكَ لا يَسقُطُ إِلّا بِما شاءَ اللهُ. فَالأَشياءُ الثَّقِيلَةُ تَهبِطُ فِي العادَةِ إِلى الأَرضِ، وَلٰكِنَّ اللهَ جَعَلَ لِلطَّيرِ مِنَ الأَسبابِ ما يَطِيرُ بِهِ، ثُمَّ هُوَ مَعَ ذٰلِكَ لا يَستَقِلُّ بِشَيءٍ عَن قُدرَةِ اللهِ.
وَلِذٰلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ما يُمسِكُهُنَّ إِلَّا اللهُ﴾، أَي لا يَحفَظُهُنَّ فِي الهَواءِ، وَلا يُمسِكُهُنَّ فِي قَبضِهِنَّ وَبَسطِهِنَّ وَوُقُوفِهِنَّ إِلَّا اللهُ تَعالى. فَفِي الآيَةِ رَدٌّ عَلَى مَن يَنسُبُ الأَشياءَ إِلى الطَّبائِعِ وَالقُوى مِن غَيرِ نَظَرٍ إِلى خَلقِ اللهِ وَتَقدِيرِهِ؛ فَالطَّبيعَةُ لا تَخلُقُ شَيئًا، وَإِنَّما اللهُ خالِقُ الأَسبابِ وَالمُسَبَّباتِ.
وَمِن عَجائِبِ الطَّيرِ أَنَّهُ قَد يَقطَعُ المَسافاتِ الطَّوِيلَةَ، وَيَرجِعُ إِلى مَوضِعِهِ، وَقَد استَعمَلَ النّاسُ بَعضَ الطُّيُورِ فِي حَملِ الرَّسائِلِ، وَرَأَوا مِن هِدايَتِها إِلى الطَّرِيقِ ما يَدلُّ عَلَى تَسخِيرِ اللهِ لَها. وَبَعضُ الطُّيُورِ يَرى ما لا يَراهُ الإِنسانُ، وَقَد جَعَلَ اللهُ فِي الهُدهُدِ مِنَ الخَاصِّيَّةِ ما كانَ سَبَبًا فِي قِصَّةِ سُلَيمانَ عَلَيهِ السَّلامُ، فَسُبحانَ مَن أَودَعَ فِي خَلقِهِ ما شاءَ مِن آياتِهِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآياتٍ لِقَومٍ يُؤمِنُونَ﴾ أَي إِنَّ فِي تَسخِيرِ الطَّيرِ وَإِمساكِهَا فِي جَوِّ السَّماءِ دَلائِلَ واضِحَةً لِقَومٍ يُؤمِنُونَ، فَيَنتَفِعُونَ بِالنَّظَرِ وَالاعتِبارِ. فَمَن نَظَرَ إِلى الطَّيرِ وَهُوَ يَطِيرُ، ثُمَّ قَالَ بِقَلبِهِ: ما يُمسِكُهُ إِلَّا اللهُ، فَقَد انتَفَعَ بِهٰذِهِ الآيَةِ.
وَهٰذِهِ الآيَةُ مِن جُملَةِ ما يَدُلُّ عَلَى وَحدانِيَّةِ اللهِ تَعالى، فاللهُ واحِدٌ فِي ذاتِهِ، لا يُشبِهُ الذَّواتِ، وَواحِدٌ فِي صِفاتِهِ، لا تُشبِهُ صِفاتُهُ صِفاتِ الخَلقِ، وَواحِدٌ فِي أَفعالِهِ، لا خالِقَ عَلَى الحَقِيقَةِ سِواهُ. فَكُلُّ شَيءٍ مِن خَلقِ اللهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.
﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِن بُيُوتِكُم سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِن جُلُودِ الأَنعامِ بُيُوتًا تَستَخِفُّونَها يَومَ ظَعنِكُم وَيَومَ إِقامَتِكُم وَمِن أَصوافِها وَأَوبارِها وَأَشعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]
ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى نِعمَةَ السَّكَنِ وَالبُيُوتِ، فَقالَ: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِن بُيُوتِكُم سَكَنًا﴾، أَي جَعَلَ لَكُم مِن بُيُوتِكُم مَوضِعًا تَسكُنُونَ فِيهِ وَتَطمَئِنُّونَ إِلَيهِ، وَتَستُرُونَ فِيهِ أَنفُسَكُم، وَتَحفَظُونَ فِيهِ أَهلَكُم وَمَتاعَكُم. وَالسَّكَنُ هُوَ ما يُسكَنُ إِلَيهِ وَما يُسكَنُ فِيهِ.
فَالبَيتُ نِعمَةٌ عَظِيمَةٌ، يَأوِي إِلَيهِ الإِنسانُ بَعدَ تَعَبِهِ، وَيَستُرُهُ مِنَ الحَرِّ وَالبَردِ وَالأَذى، وَيَجمَعُ أَهلَهُ. وَمَن تَأَمَّلَ حالَ مَن لا مَأوى لَهُ عَرَفَ قَدرَ نِعمَةِ السَّكَنِ، وَحَمِدَ اللهَ عَلَيها.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِن جُلُودِ الأَنعامِ بُيُوتًا تَستَخِفُّونَها يَومَ ظَعنِكُم وَيَومَ إِقامَتِكُم﴾ أَي جَعَلَ لَكُم مِن جُلُودِ الإِبلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ بُيُوتًا وَخِيَامًا وَقِبابًا، تَجِدُونَها خَفِيفَةَ المَحمَلِ وَالنَّقلِ عِندَ السَّفَرِ وَالتَّرَحُّلِ، وَتَنتَفِعُونَ بِها عِندَ الإِقامَةِ. وَالظَّعنُ هُوَ الارتحالُ وَالسَّيرُ مِن مَوضِعٍ إِلى مَوضِعٍ.
فَمَن كانَ بَيتُهُ مِن حِجارَةٍ أَو بُنيانٍ لا يَستَطِيعُ نَقلَهُ إِذا ارتَحَلَ، وَأَمّا الخِيامُ وَالبُيُوتُ المُتَّخَذَةُ مِن جُلُودِ الأَنعامِ، فَيَطوِيها صاحِبُها وَيَحمِلُها، فَتَكونُ مَعَهُ فِي سَفَرِهِ وَحَضَرِهِ. فَهٰذِهِ نِعمَةٌ مِن نِعَمِ اللهِ عَلَى أَهلِ البادِيَةِ وَالتَّرَحُّلِ، وَعَلَى كُلِّ مَن يَنتَفِعُ بِها.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَمِن أَصوافِها وَأَوبارِها وَأَشعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ﴾ أَي وَجَعَلَ لَكُم مِن أَصوافِ الضَّأنِ، وَأَوبارِ الإِبلِ، وَأَشعارِ المَعزِ، أَثاثًا وَمَتاعًا تَنتَفِعُونَ بِهِ إِلى مُدَّةٍ. فَمِنهَا تُصنَعُ الفُرُشُ وَالبُسُطُ وَالأَكسِيَةُ وَالأَغطِيَةُ وَغَيرُ ذٰلِكَ مِن مَنافِعِ النّاسِ.
وَالأَنعامُ مِن أَظهَرِ آياتِ النِّعَمِ، فَمِنها اللَّبَنُ، وَمِنها اللَّحمُ، وَمِن جُلُودِها البُيُوتُ، وَمِن أَصوافِها وَأَوبارِها وَأَشعارِها الأَثاثُ وَالمَتاعُ، وَحَتّى ما يَخرُجُ مِنها يُنتَفَعُ بِهِ فِي مَصالِحِ الزَّرعِ وَالأَرضِ. فَكُلُّ ذٰلِكَ يَدعُو إِلى شُكرِ اللهِ المُنعِمِ.
﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُم مِنَ الجِبالِ أَكنانًا وَجَعَلَ لَكُم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُم بَأسَكُم كَذٰلِكَ يُتِمُّ نِعمَتَهُ عَلَيكُم لَعَلَّكُم تُسلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]
ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى نِعَمًا أُخرى مِن أَسبابِ الوِقايَةِ وَالسَّترِ، فَقالَ: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا﴾، أَي جَعَلَ لَكُم مِنَ الأَشجارِ وَالجِبالِ وَالسُّقُوفِ وَغَيرِها ظِلالًا تَستَظِلُّونَ بِها مِن حَرِّ الشَّمسِ. فَالشَّمسُ نِعمَةٌ، وَالظِّلُّ نِعمَةٌ، وَكُلٌّ مِنهُما فِي مَوضِعِهِ مِن فَضلِ اللهِ.
فَقَد يَحتاجُ الإِنسانُ إِلى الشَّمسِ بَعدَ طُولِ بَردٍ وَرُطُوبَةٍ، ثُمَّ إِذا اشتَدَّ الحَرُّ احتاجَ إِلى الظِّلِّ، فَيَعرِفُ عَجزَهُ وَحاجَتَهُ إِلى تَقلِيبِ اللهِ للأَحوالِ. وَقَد كانَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقولُ: الشَّمسُ حَمّامُ العَرَبِ، أَي أَنَّهُم يَنتَفِعُونَ بِها فِيما يَنتَفِعُ غَيرُهُم بِالحَمّاماتِ الحارَّةِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِنَ الجِبالِ أَكنانًا﴾ أَي جَعَلَ لَكُم فِي الجِبالِ مَواضِعَ تَستَتِرُونَ بِها، كَالكُهُوفِ وَالغِيرانِ وَما يُشاكِلُها. وَالأَكنانُ جَمعُ كِنٍّ، وَهُوَ ما يَستُرُ الإِنسانَ وَيُؤوِيهِ. وَمِن ذٰلِكَ الغارُ الَّذِي آوَى اللهُ فِيهِ رَسُولَهُ ﷺ وَصاحِبَهُ أَبا بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي الهِجرَةِ، فَكانَ سَبَبًا مِن أَسبابِ الحِفظِ بِإِذنِ اللهِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ أَي جَعَلَ لَكُم ثِيابًا وَقُمصانًا مِنَ الصُّوفِ وَالقُطنِ وَالكَتّانِ وَغَيرِها، تَقِيكُم شِدَّةَ الحَرِّ. وَذِكرُ الحَرِّ هُنا يَدُلُّ عَلَى البَردِ أَيضًا بِطَرِيقِ الاكتِفاءِ، فَإِنَّ الثِّيابَ تَقِي الحَرَّ وَالبَردَ، وَلٰكِنَّ الحَرَّ ذُكِرَ لِأَنَّهُ كانَ أَظهَرَ فِي أَحوالِ المُخاطَبِينَ، أَو لِأَنَّ ذِكرَ أَحَدِ الضِّدَّينِ يُفهَمُ مِنهُ الآخَرُ فِي سِياقِ الامتِنانِ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكُم بَأسَكُم﴾ أَي وَجَعَلَ لَكُم دُروعًا وَلِباسًا مِن حَدِيدٍ وَنَحوِهِ، تَقِيكُم شِدَّةَ الحَربِ وَأَذى السِّلاحِ. وَالبَأسُ هُوَ شِدَّةُ القِتالِ. فَكَمَا جَعَلَ لَكُم لِباسًا يَقِي الأَبدانَ مِنَ الحَرِّ وَالبَردِ، جَعَلَ لَكُم لِباسًا يَقِيكُم فِي مَواطِنِ الحَربِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذٰلِكَ يُتِمُّ نِعمَتَهُ عَلَيكُم لَعَلَّكُم تُسلِمُونَ﴾ أَي مِثلَ هٰذا الإِتمامِ يُتِمُّ اللهُ نِعمَتَهُ عَلَيكُم، بِما يُعَدِّدُ لَكُم مِن أَنواعِ المَنافِعِ وَالوِقاياتِ وَالأَرزاقِ، لَعَلَّكُم تَنقادُونَ لَهُ، وَتَدخُلُونَ فِي الإِسلامِ، وَتَشكُرُونَ نِعَمَهُ، وَلا تَصرِفُونَ العِبادَةَ لِغَيرِهِ.
﴿فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّما عَلَيكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢]
بَعدَ هٰذَا البَيانِ الطَّوِيلِ لِدَلائِلِ الوَحدانِيَّةِ وَأَنواعِ النِّعَمِ، قالَ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿فَإِن تَوَلَّوا﴾، أَي فَإِن أَعرَضَ هٰؤُلاءِ عَنِ الإِسلامِ بَعدَ وُضُوحِ الحُجَّةِ وَظُهُورِ البُرهانِ، ﴿فَإِنَّما عَلَيكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾، أَي لَيسَ عَلَيكَ إِلّا أَن تُبَلِّغَ بَلاغًا واضِحًا، وَقَد فَعَلتَ ذٰلِكَ يا رَسُولَ اللهِ.
فَالهِدايَةُ بِمَعنى خَلقِ الإِيمانِ فِي القَلبِ لِلهِ وَحدَهُ، وَأَمّا الرَّسُولُ ﷺ فَعَلَيهِ البَلاغُ وَالبَيانُ وَالدَّعوَةُ وَالنُّصحُ. وَقَد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]. فَفِي الآيَةِ تَسلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَبَيانٌ لِوَظيفَةِ الرُّسُلِ فِي الدَّعوَةِ إِلى اللهِ.
﴿يَعرِفُونَ نِعمَةَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَها وَأَكثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣]
قَولُهُ تَعالى: ﴿يَعرِفُونَ نِعمَةَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَها﴾ أَي إِنَّ هٰؤُلاءِ يَعرِفُونَ أَنَّ النِّعَمَ مِنَ اللهِ، وَيَعرِفُونَ مَا فِي خَلقِهِ مِنَ الدَّلائِلِ، ثُمَّ يُنكِرُونَها بِأَفعالِهِم وَأَقوالِهِم، حِينَ يَعبُدُونَ غَيرَ المُنعِمِ، وَيَصرِفُونَ الشُّكرَ وَالعِبادَةَ لِغَيرِ اللهِ.
وَقِيلَ: نِعمَةُ اللهِ هُنا هِيَ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَد كانَ بَعضُهُم يَعرِفُونَ صِدقَهُ وَدَلائِلَ نُبُوَّتِهِ، ثُمَّ يُنكِرُونَ ذٰلِكَ عِنادًا وَحَسَدًا. وَدَلَّ قَولُهُ: ﴿ثُمَّ يُنكِرُونَها﴾ عَلَى أَنَّ إِنكارَهُم بَعدَ المَعرِفَةِ أَقبَحُ وَأَبعَدُ عَنِ العُذرِ؛ لأَنَّ مَن عَرَفَ النِّعمَةَ حَقُّهُ أَن يَعتَرِفَ بِها وَيَشكُرَ، لا أَن يَجحَدَ وَيُنكِرَ.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَأَكثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ أَي أَكثَرُ هٰؤُلاءِ جاحدُونَ مُصِرُّونَ عَلَى الكُفرِ، لا يَقبَلُونَ الحَقَّ مَعَ ظُهُورِهِ. وَهٰذا مَشهُودٌ فِي كُلِّ زَمانٍ؛ فَكَم مِن إِنسانٍ تَبلُغُهُ الحُجَّةُ، وَيَسمَعُ البَيانَ، وَيُعرَفُ لَهُ الحَقُّ، ثُمَّ يُعرِضُ عَنهُ اتِّباعًا لِلهَوى، أَو خَوفًا مِنَ النّاسِ، أَو تَعَصُّبًا لِما كانَ عَلَيهِ.
فَالعَبدُ يَنبَغِي أَن يَحذَرَ مِن عَدَمِ قَبُولِ الحَقِّ بَعدَ ظُهُورِهِ، وَأَن يَحفَظَ نِعمَةَ الإِيمانِ وَالعِلمِ، وَأَلَّا يَغتَرَّ بِكَثرَةِ مَن يُخالِفُ الحَقَّ؛ فَاللهُ تَعالى قالَ: ﴿وَما أَكثَرُ النّاسِ وَلَو حَرَصتَ بِمُؤمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]. فَالعِبرَةُ بِالحَقِّ، لا بِكَثرَةِ أَهلِ الباطِلِ.
﴿وَيَومَ نَبعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُم يُستَعتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَيَومَ نَبعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ أَي اذكُر يَومَ نَبعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيها، وَهُوَ نَبِيُّها الَّذِي أُرسِلَ إِلَيها، يَشهَدُ لِمَن آمَنَ بِالإِيمانِ وَالتَّصدِيقِ، وَيَشهَدُ عَلَى مَن كَفَرَ بِالتَّكذِيبِ وَالإِعراضِ. فَكُلُّ أُمَّةٍ يُبعَثُ شَهِيدُها، وَتَظهَرُ الحُجَّةُ عَلَى الخَلقِ.
وَأَمّا هٰذِهِ الأُمَّةُ، فَشَهِيدُها رَسُولُ اللهِ ﷺ، كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَكَيفَ إِذا جِئنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئنا بِكَ عَلى هٰؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]. فَمَا أَعظَمَ هٰذا المَوقِفَ، إِذ يَقِفُ العِبادُ، وَيَشهَدُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ بِما عَلِمَ اللهُ وَأَطلَعَهُ عَلَيهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يُؤذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَي لا يُؤذَنُ لَهُم فِي الاعتِذارِ الَّذِي يَنفَعُهُم، وَلا فِي إِقامَةِ حُجَّةٍ يَدفَعُونَ بِها عَن أَنفُسِهِم؛ لأَنَّهُم لا حُجَّةَ لَهُم. فَبَعدَ شَهادَةِ الأَنبِياءِ عَلَيهِمُ السَّلامُ تَنقَطِعُ المَعاذِيرُ، وَيَسقُطُ الباطِلُ، وَلا يَنفَعُ الكافِرَ ما كانَ يُجادِلُ بِهِ فِي الدُّنيا.
وَقَولُهُ تَعالى: ﴿وَلا هُم يُستَعتَبُونَ﴾ أَي لا يُطلَبُ مِنهُم أَن يَستَرضُوا رَبَّهُم، وَلا يُمهَلُونَ لِيَرجِعُوا إِلى الطّاعَةِ؛ لأَنَّ الآخِرَةَ دارُ جَزاءٍ لا دارُ عَمَلٍ. فَفي الدُّنيا يُفتَحُ بابُ التَّوبَةِ وَالاستِعتابِ، وَأَمّا بَعدَ المَوتِ فَقَد انقَطَعَ زَمانُ العَمَلِ.
وَفِي هٰذِهِ الآيَةِ تَخويفٌ عَظِيمٌ لِمَن يُكثِرُ الجِدالَ فِي الدُّنيا وَيَظُنُّ أَنَّهُ يَدفَعُ الحَقَّ بِالكَلامِ؛ فَسَيَأتي يَومٌ لا يُؤذَنُ فِيهِ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَلا يَنفَعُهُم عُذرٌ وَلَا خِطابٌ. وَكَم مِن أَعداءِ الإِسلامِ نالُوا مِنَ القُرآنِ، وَمِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمِن مَساجِدِ المُسلِمِينَ وَمُقَدَّساتِهِم، فَسَيَأتِي يَومٌ يَقفُونَ فِيهِ أَذِلَّةً لا يَملِكُونَ دَفعًا وَلَا اعتِذارًا.
﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنهُم وَلا هُم يُنظَرُونَ﴾ [النحل: ٨٥]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ﴾ أَي إِذا عايَنَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابَ اللهِ، وَرَأَوا ما كانوا يُكَذِّبُونَ بِهِ فِي الدُّنيا، ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنهُم﴾ مِن ذٰلِكَ العَذابِ، ﴿وَلا هُم يُنظَرُونَ﴾ أَي لا يُمهَلُونَ، وَلَا يُؤَخَّرُونَ، وَلَا يُعطَونَ فُرصَةً لِلرُّجُوعِ وَالتَّدارُكِ.
وَهٰذا في حَقِّ الكُفّارِ الَّذِينَ ماتُوا عَلَى كُفرِهِم، فَعَذابُهُم لا يَنقَطِعُ، وَلا يُخَفَّفُ عَنهُم، وَلا يَمُوتُونَ فَيَستَرِيحُونَ. وَقَد قالَ اللهُ تَعالى فِي مَوضِعٍ آخَرَ: ﴿لا يُقضى عَلَيهِم فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنهُم مِن عَذابِها﴾ [فاطر: ٣٦]. فَالدُّنيا هِيَ دارُ العَمَلِ، وَأَمّا الآخِرَةُ فَهِيَ دارُ الجَزاءِ، وَمَن ماتَ عَلَى الكُفرِ فَقَد خَسِرَ خُسرانًا أَبَدِيًّا.
فَلْيَحمَدِ المُؤمِنُ اللهَ عَلَى نِعمَةِ الإِيمانِ، وَلْيَتَعَلَّم عِلمَ الدِّينِ، وَلْيَثبُت عَلَى عَقِيدَةِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ، وَلَا يَغتَرَّ بِكَثرَةِ المُعرِضِينَ وَالمُخالِفِينَ. فَالسَّلامَةُ يَومَ القِيامَةِ لا تَكونُ بِكَثرَةِ المالِ وَلَا بِمَنازِلِ الدُّنيا، بَل بِالإِيمانِ الصَّحِيحِ وَالعَمَلِ الصّالِحِ وَرَحمَةِ اللهِ تَعالى.
﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشرَكُوا شُرَكاءَهُم قالُوا رَبَّنا هٰؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدعُوا مِن دُونِكَ فَأَلقَوا إِلَيهِمُ القَولَ إِنَّكُم لَكاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦]
قَولُهُ تَعالى: ﴿وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشرَكُوا شُرَكاءَهُم﴾ أَي إِذا رَأَى المُشرِكُونَ يَومَ القِيامَةِ ما كانوا يَزعُمُونَهُ شُرَكاءَ لِلهِ مِن أَصنامٍ وَأَوثانٍ وَمَعبُوداتٍ باطِلَةٍ، ﴿قالُوا رَبَّنا هٰؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدعُوا مِن دُونِكَ﴾، أَي هٰؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ كُنّا نَعبُدُهُم مِن دُونِكَ، وَنَدعُوهُم، وَنَتَقَرَّبُ إِلَيهِم.
وَهٰذا مِن شِدَّةِ الحَسرَةِ وَالفَضيحَةِ؛ فَقَد كانوا فِي الدُّنيا يَرجُونَ مِن مَعبُوداتِهِم نَفعًا وَشَفاعَةً، فَإِذا هُم يَومَ القِيامَةِ يَرَونَها لا تَملِكُ لَهُم نَفعًا وَلَا دَفعًا، بَل تَكونُ سَبَبًا فِي زِيادَةِ خِزيِهِم وَانكِشافِ بُطلانِهِم.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأَلقَوا إِلَيهِمُ القَولَ إِنَّكُم لَكاذِبُونَ﴾ أَي أَلقَت تِلكَ المَعبُوداتُ الباطِلَةُ إِلَيهِمُ القَولَ بِتَكذِيبِهِم، فَيُنطِقُها اللهُ تَعالى، مَعَ أَنَّها كانَت جَمادًا لا تَعلَمُ فِي الدُّنيا مَن عَبَدَها. وَقِيلَ: تُكَذِّبُهُم فِي تَسمِيَتِهِم إِيّاها شُرَكاءَ وَآلِهَةً؛ تَنزِيهًا لِلهِ تَعالى عَنِ الشِّركِ، وَإِظهارًا لِبُطلانِ ما كانوا يَفتَرُونَ.
فَتَظهَرُ فِي ذٰلِكَ اليَومِ حَقِيقَةُ الشِّركِ وَسُوءُ عاقِبَتِهِ، وَيَتَبَرَّأُ المَعبُودُونَ الباطِلُونَ مِمَّن عَبَدَهُم، وَيَعلَمُ المُشرِكُونَ أَنَّ ما كانوا يَدعُونَهُ مِن دُونِ اللهِ لَم يَكُن يَملِكُ لَهُم شَيئًا. فَالعاقِلُ مَن أَخلَصَ عِبادَتَهُ لِلهِ وَحدَهُ، وَثَبَتَ عَلَى التَّوحِيدِ، وَاستَعَدَّ لِيَومٍ تُكشَفُ فِيهِ الحَقائِقُ، وَيَشهَدُ فِيهِ الأَنبِياءُ عَلَى أُمَمِهِم.
وَإِذا كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهِيدًا عَلَى أُمَّتِهِ، فَلْيَستَحِ العَبدُ أَن يَلقاهُ وَقَد فَرَّطَ فِي نُصرَةِ دِينِهِ، أَو قَدَّمَ خَوفَ النّاسِ وَمَصالِحَ الدُّنيا عَلَى طاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ. فَمَقامُ العَرضِ عَظيمٌ، وَالحاجَةُ إِلى شَفاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَظيمَةٌ، وَالسَّعيدُ مَن جَعَلَ دُنياهُ زادًا لِآخِرَتِهِ، وَسَأَلَ اللهَ أَن يَجعَلَ رَسُولَهُ ﷺ شَهِيدًا لَهُ لا عَلَيهِ.
فَخُلاصَةُ المَعنى أَنَّ اللهَ تَعالى بَيَّنَ أَنَّ لَهُ غَيبَ السَّماواتِ وَالأَرضِ، وَأَنَّ أَمرَ السّاعَةِ فِي قُربِهِ وَسُرعَةِ إِيقاعِهِ كَلَمحِ البَصَرِ أَو هُوَ أَقرَبُ، وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ. ثُمَّ ذَكَرَ نِعمَتَهُ فِي إِخراجِ العِبادِ مِن بُطُونِ أُمَّهاتِهِم لا يَعلَمُونَ شَيئًا، وَجَعَلَ لَهُمُ السَّمعَ وَالأَبصارَ وَالأَفئِدَةَ لِيَشكُرُوا، وَذَكَرَ آيَةَ الطَّيرِ المُسَخَّرِ فِي جَوِّ السَّماءِ، وَما جَعَلَ لَهُم مِنَ البُيُوتِ وَالسَّكَنِ وَالخِيامِ وَالأَثاثِ وَالثِّيابِ وَالأَكنانِ وَالسَّرابِيلِ. ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَن تَوَلّى بَعدَ هٰذا البَيانِ فَإِنَّما عَلَى الرَّسُولِ ﷺ البَلاغُ المُبِينُ، وَأَنَّ الكافِرِينَ يَعرِفُونَ نِعمَةَ اللهِ ثُمَّ يُنكِرُونَها. ثُمَّ ذَكَرَ مَشهَدًا مِن مَشاهِدِ القِيامَةِ، حِينَ يُبعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدٌ، فَلا يُؤذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وَلا هُم يُستَعتَبُونَ، وَإِذا رَأَوا العَذابَ لا يُخَفَّفُ عَنهُم وَلَا يُمهَلُونَ، وَإِذا رَأَوا شُرَكاءَهُم تَبَرَّؤُوا مِنهُم وَكَذَّبُوهُم، فَظَهَرَ بُطلانُ الشِّركِ وَصِدقُ التَّوحِيدِ.