﴿يَا صَاحِبَيِ ٱلسِّجنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسقِي رَبَّهُ خَمرا وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصلَبُ فَتَأكُلُ ٱلطَّيرُ مِن رَّأسِهِ قُضِيَ ٱلأَمرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَستَفتِيَانِ﴿٤١﴾﴾
يوسف الصدّيق عليه الصلاة والسلام بعد أن تحدث مع صاحبيه في السجن عن الأهم والأولى عندما قصّ عليه رئيس الخبّازين ورئيس السقاة قصّ كل منهما رؤياه وكلاهما رأى الرؤيا في الليلة نفسها وكان يوسف عليه الصلاة والسلام قد أشاع بين أهل السجن أن الله تعالى قد أعطاه علم تعبير الرؤيا ويوسف عليه الصلاة والسلام كان له قصد من ذلك وهو أن تُقبل قلوب أهل السجن عليه ليسمعوا منه الإسلام، هكذا قصد يوسف عليه الصلاة والسلام فعندما قصا عليه الرؤيا، قبل أن يعبر لهما الرؤيا علم ما هو أولى وأهم علّم توحيد الله علّم الإسلام هذا الذي هو أعظم ما جاء به أنبياء الله، أفضل الأعمال الإيمان بالله عز وجل، فعلّم يوسف ذلك ودعا إلى ترك عبادة الأصنام وإلى ترك الإشراك بالله عزّ وجل وإلى عبادة الله وإلى توحيد الله وإلى تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين وبعد ذلك عبّر يوسف عليه الصلاة والسلام وكان أعبر الناس عبّر لكل منهما رؤياه:
أما الشرّابي الساقي رئيس السقاة ﴿يَا صَاحِبَيِ ٱلسِّجنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسقِي رَبَّهُ خَمرا﴾ فيسقي ربّه خمرًا أي سيِّده
يقال: ربّه إذا كان مالكًا له إذا كان سيِّدًا له كما يقال: من ربّ هذا البيت؟ من ربّ هذا البعير؟ كما قال الزبيدي رحمه الله: (ربّ كل شيء مستحقه) من كان مالكًا لمتاعه مالكًا لعبده بمعنى مالكه، أما الربّ هكذا بالإطلاق فهذا اسم خاص بالله عز وجل والأسماء الخاصة بالله تبارك وتعالى لا يجوز إطلاقها على غير الله، إذا قيل: الربّ هكذا بالإطلاق فهذا اسم خاص بالله سبحانه وتعالى ومن كان مالكًا لشيء يقال: ربّه على معنى السيّد أو على معنى المالك المتصرف فيه وهذا معنى ﴿أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسقِي رَبَّهُ خَمرا﴾ كان هو عبدًا لذلك الملك، هذا الذي هو الساقي رئيس السقاة كان عبدا للملك فهو قال: فيسقي ربّه مع الإضافة معناه يسقي سيّده، هذا كما تقدم سائغ في اللغة جائز
وما هو تأويله هذا؟ يسقي ربّه أي سيّده يقول سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام في تعبير هذه الرؤيا لهذا الساقي:
(ما رأيت من الكرمة شجرة العنب وحسنها هو الملك وحُسن حالك عنده)، هذا تأويل شجرة العنب التي رآها رئيس السقاة هكذا عبرها سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام قال:
(ما رأيت من الكرمة وحُسنها هو الملك وحسن حالك عنده وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه)
يعني تظهر براءتك عند الملك وترجع ساقيًا للملك كما كنت بعد ثلاثة أيام هذا تعبير رؤيا رئيس السقاة
وأما الآخر رئيس الخبّازين:
﴿فَيُصلَبُ فَتَأكُلُ ٱلطَّيرُ مِن رَّأسِهِ﴾ السلال الثلاث التي رآها قال: هي ثلاثة أيام يعني إذا ثلاثة أيام على الساقي وثلاثة أيام على رئيس الخبّازين لكن الساقي بعد ثلاثة أيام ينجو ويظهر للملك أنه بريء ويرجع ساقيًا للملك أما الثاني الخبّاز فبعد ثلاثة أيام يقول يوسف عليه الصلاة والسلام له: يبعث إليك الملك عند انقضائهم فيقتلك ويصلبك ويأكل الطير من رأسك وعندها عندما سمع الخبّاز تأويل يوسف عليه الصلاة والسلام للرؤيا التي فيها قتله، ثلاث سلال فوق رأسه يقتل يصلب تأكل الطير من رأسه فقال: هذا فيه هلاكه فعندها قال ليوسف: ما رأيت شيئا، أراد أن ينسحب لكنه كان قد نطق بالرؤيا
وتنبهوا لشيء، ولنا فائدة نستطرد فيها قليلا إن شاء الله في أمر الرؤيا، (الرؤيا لأول عابر)، شخص رأى رؤيا هذه الرؤيا من حيث التأويل تحتمل أكثر من وجه فأنت جئت بوجهك على أول شخص قلت له: أنا رأيت كذا وكذا الرؤيا من حيث التعبير تحتمل أكثر من وجه فأنت جئت لشخص فقلت له: أنا رأيت كذا وكذا فهو قال لك: تأويلها كذا أنزلها على وجه من الوجوه وقعت هذه بمشيئة الله هذا معنى قولهم: (الرؤيا لأول عابر) إذا كن محتاطا عند من تقص الرؤيا التي أنت تراها وأنت تحدث بها فانتبه قال: ما رأيت شيئا فماذا كان الجواب؟
﴿قُضِيَ ٱلأَمرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَستَفتِيَانِ﴾ أي قطع وتم ما تستفتيان فيه من أمركما وشأنكما أي ما يجر إليه من العاقبة وهي هلاك أحدهما ونجاة الآخر قضي الأمر وقعت العبارة ووقع التأويل
روى أحمد في مسنده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الرؤيا معلقة برِجل طائر ما لم يحدث بها صاحبها فإذا حدث بها وقعت ولا تحدثوا بها إلا عالمًا أو ناصحًا أو لبيبًا والرؤيا الصالحة جزء من أربعين جزء من النبوة”. هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
﴿قُضِيَ ٱلأَمرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَستَفتِيَانِ﴾ هذا الموضع من هذه الآية الكريمة يدل على أن الرؤيا إذا قصّت وقعت بإذن الله وأن من كذب في منامه فعبّره ذهب، هو كاذب لم ير فذهب فكذب في منامه أني رأيت كذا وكذا وذهب إلى من عبره فعّبر له وقع ذلك الشيء بإذن الله.