﴿قَالَ مَا خَطبُكُنَّ إِذ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفسِهِۦۚ قُلنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمنَا عَلَيهِ مِن سُوٓء قَالَتِ ٱمرَأَتُ ٱلعَزِيزِ ٱلـَٰٔنَ حَصحَصَ ٱلحَقُّ أَنَا رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ﴿٥١﴾﴾
كربٌ شديد لحق نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام وقد لبث بسبب افتراء امرأة العزيز ثم من واطأها من نساء حواشي الملك، بسبب ذلك مكث يوسف عليه الصلاة والسلام في السجن بضع سنين، سبع سنين، وقدّر الله سبحانه وتعالى كما تقدّم في الآيات التي تقدّمت أن يرى ملك مصر الريّان بن الوليد رؤيا مهولة عجيبة جمع أعيان دولته جمع الحاشية أراد أن يعرف ما هو تعبير هذه الرؤيا عجزوا عنها قالوا: وما نحن بأضغاث الأحلام بعالمين لا علم لنا بأضغاث الأحلام وعندها ساقي الملك رئيس السقاة الذي تقدّم أنه كان قد دخل هو ورئيس الخبّازين مع يوسف عليه الصلاة والسلام إلى السجن في نفس اليوم، وقدّر الله سبحانه وتعالى أن يرى هذا رؤيا وأن يرى هذا رؤيا وأن يعبر لكل منهما يوسف عليه الصلاة والسلام رئيس الخبازين ثلاثة أيام يطلبك الملك تقتل تصلب تأكل الطير من رأسك رئيس السقاة ثلاثة أيام يطلبك الملك يعفو عنك وترجع إلى حالك السابق عنده، ثلاثة أيام ذاك قُتِل وذاك خرج، لكن يوسف عليه الصلاة والسلام كان طلب منه طلبًا قال:
﴿ٱذكُرنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ يعني عند سيّدك عندما تخرج قل له: يوجد إنسان مظلوم في السجن إذا خرجت وصرت عند الملك، رجعت إلى حالك السابق فاذكرني عند ذلك الملك لكن قدّر الله تعالى أن ينسى هذا الشرابيّ الساقي أن ينسى ذِكر يوسف حتى كانت رؤيا هذا الملك رأى هذه الرؤيا فعندما عجز الناس أعيان الدولة مَن يُقال لهم حكماؤها عن تأويل هذه الرؤيا، من يعبر الرؤيا الساقي تذكر من؟ يوسف عليه الصلاة والسلام، فذهب إلى السجن وقصّ عليه البقرات السمان والعجاف والسنبلات الخضر والسنبلات اليابسة وعبّر الرؤيا يوسف الصِدّيق عليه الصلاة والسلام رجع هذا الساقي ذكر للملك، الملك وقع في قلبه صِدق يوسف عليه الصلاة والسلام فطلب أن يؤتى بيوسف رجع رسول الملك، يقول: الملك يريدك اخرج من السجن يوسف لم يخرج، قال له: ترجع إلى هذا الملك وتسأله عن حال النسوة، نسوة وقت أنْ جمعتهنّ امرأة العزيز وأعتدت لكل واحدة منهن متكأ ووضعت في يدها سكّينا وقطّعت الفاكهة من التفاح أو من غيره وأدخلت يوسف على ذلك المجلس فصارت كل واحدة تقطع يدها من حيث لا تشعر بذلك ،وهنّ على انشغال بسيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام، ثم هؤلاء النِسوة صارت كل واحدة منهنّ ترسل إلى يوسف خفية فتنة كبيرة نجّى الله تعالى يوسف الصّديق عليه الصلاة والسلام من مكر هؤلاء النسوة فيوسف ما أحلمه عليه الصلاة والسلام لو أنه خرج فورًا وسبع سنوات في السجن ثقيلة جدًا وكان يوجد كفّار في السجن ولكن يوسف يدعوهم إلى الإسلام، يدعوهم إلى التوحيد، قدّر يوسف، إن خرج فورًا فبعد ذلك قد يتسلل البعض إلى الملك ويقول له: هذا الذي أنت ائتمنته عندك أليس هذا الذي قيل عنه: كذا وكذا في امرأة العزيز؟ أليس هذا الذي كان شأنه مع نساء المدينة أشراف المدينة كذا وكذا؟ فعندها أرسل يوسف عليه الصلاة والسلام بهذه الرسالة إلى الملك أن يرى حال النسوة، إذا الآن هذه الآية التي نحن فيها،هؤلاء النسوة في مجلس الريّان بن الوليد ملك مصر خاطبهن الملك
﴿مَا خَطبُكُنَّ﴾ ما شأنكنّ ما قصتكنّ
﴿إِذ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفسِهِۦۚ﴾ هل وجدتنّ منه ميلًا إليكنّ هذا تقدير الكلام ﴿مَا خَطبُكُنَّ إِذ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفسِهِۦۚ﴾، التقدير هل وجدتنّ منه ميلا إليكن؟ برّأنه
﴿قُلنَ حَٰشَ لِلَّهِ﴾ تعجبًا من قدرة الله سبحانه وتعالى على خَلق عفيفٍ مثل يوسف الصدّيق عليه الصلاة والسلام العفّة الصيانة الأمانة الصِدق الفطانة الفصاحة صفات الأنبياء جميعًا، حفظهم الله تعالى من الرّذالة من الخيانة حفظهم الله تعالى من السفاهة
بل قال العلماء: حتى إنَّ خاطر الزنا لم يرد على قلب يوسف عليه الصلاة والسلام هؤلاء أنبياء الله كيف تجد بعضا من الناس يتكلمون على أنبياء الله بالسفاهات ينسبون إليهم الرذالات؟! ملئت الكتب بكثير من الطامات والمهلكات عن أنبياء الله.
يوسف بعيد من ذلك حتى النسوة وأصحاب الكيد والمكر برّأن يوسف ﴿قُلنَ حَٰشَ لِلَّهِ﴾ عفيف و نبي صابر، كريم ابن كريم ابن كريم ابن كريم ابنِ كريم يوسف بنِ يعقوب بنِ إسحاق بن إبراهيم، سلسلة عطرة من العطرة من الأنبياء من الرسل العظام
﴿قُلنَ حَٰشَ لِلَّهِ﴾ ما رأوا عفة كعفة يوسف
﴿قُلنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمنَا عَلَيهِ مِن سُوٓء﴾ يعني ما علمنا عليه من ذنب وأعلمت النسوة الملك، يوسف إلى هنا كان لا يزال في السجن فأعلمت النسوة الملك براءة يوسف عليه الصلاة والسلام من السوء الذي نسب إليه كذبًا وبهتانًا.
الآن امرأة العزيز كما يقال: أسقط في يدها، قبل ذلك شاهد رضيع في قصر العزيز أنطقه الله وهو رضيع فبرأ يوسف، والآن نساء المدينة من الأشراف برأنَ يوسف ولكن هي هذه زليخة التي كانت سببًا في وضع يوسف في السجن، زوجها العزيز قطفير قد علم براءة يوسف لكنه كان ذلولًا لامرأته هذه ومع أن هذا وزير مصر كان الوزير في ذلك الوقت يقال له: العزيز، عزيز مصر الوزير في ذلك الوقت كان ذلولًا لامرأته هذه، قالت له:
ضعه في الحبس فهي تعرف ما الذي كان منها مع نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام الآن رأت أن الملك ملك مصر الريّان بن الوليد الذي قلنا أسلم فيما بعد ما رأى من يوسف عليه الصلاة والسلام أسلم فيما بعد، رأت أن الملك بنفسه يهتم بيوسف ويطلب يوسف ويرسل المراسل إلى يوسف، وعبر يوسف ما عجز عنه كل أعيان دولته وأعطاه تعبيرا للرؤيا فيه إنقاذ للبلاد والعباد في ذلك الوقت سبع سنوات يكون فيها رخاء ويكون فيها خصب وبعدها سبع سنوات مجدبة فيها قحط وجدب وكان التأويل في السبع سنوات الأولى ازرعوا وادّخروا الطعام واجعلوه في سنبله ما كان منه في السنابل، إذا كان حفظ في السنبل لا يتسرب السوس إليه سبع سنوات وأكثر من ذلك يبقى محفوظًا بإذن الله أما الآن لو أنك خزنت مثلا الدقيق أو غير ذلك يتسرب إليه السوس بسرعة ولكن هناك يوجد تخزين سبع سنوات فقال لهم: في سنبله وبعد ذلك سبع سنوات قحط وفعلًا صار القحط ليس فقط في مصر وفي فلسطين الأرض التي كان فيها أيضًا سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام، القحط عمّ أكثر من بلد، فما جُعل من الطعام ما خزن في ذلك الوقت سيأتي أوان إخراجه ليطعم الناس ويكون فرجًا لهم في سنوات القحط والجدب، إذا أربع عشرة سنة، هذه السنوات، هذه سيكون فيها أحداث كبيرة ثم يأتي عام فيه يغاث الناس فيه يعصرون تلك الأخيرة، بعد الأربع عشرة، كانت بوحي فهذا تعبير عظيم جدًا الملك هاله من يعبر مثل هذا فامرأة العزيز ترى كل هذا الاهتمام من الملك الذي كان له كلمة وكان له شأن كبير، الآن بعد أن رأت كل ذلك ورأت من ظَلمته قد أكرمه الله لعصمته وطهارته وعفته وصبره، حتى إن ملك مصر أراد أن يستخلصه لنفسه عندها الآن اعترفت بما اقترفته
﴿قَالَتِ ٱمرَأَتُ ٱلعَزِيزِ ٱلـَٰٔنَ حَصحَصَ ٱلحَقُّ أَنَا رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ﴿٥١﴾﴾
حصحص ظهر واستقرّ وصار واضحا جليًا اعترفت أنها هي التي راودت يوسف عليه الصلاة والسلام وطلبت منه فعل الفاحشة
﴿وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ إن يوسف عليه الصلاة والسلام في قوله ﴿هِيَ رَٰوَدَتنِي عَن نَّفسِي﴾ من الصادقين ولا مزيد على شهادتهن له بالبراءة والنزاهة واعترافهنّ على أنفسهنَّ بأنه لم يتعلق بشيء مما قُذف به هذا المشهد جَمع النساء في مجلس الملك وما كان منهم ينقله بعد ذلك رسول الملك إلى يوسف عليه الصلاة والسلام الذي لا يزال ينتظر في السجن فرجع فأخبر يوسف عليه الصلاة والسلام بكلام النسوة وبإقرار امرأة العزيز وبشهادتها على نفسها
﴿ذَٰلِكَ لِيَعلَمَ أَنِّي لَم أَخُنهُ بالغَيبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهدِي كَيدَ ٱلخَآئِنِينَ﴿٥٢﴾﴾
ذلك إذا كان الكلام عن يوسف عليه الصلاة والسلام ذلك ليعلم أي ليعلم الملك أن امتناعي من الخروج والتثبّت لظهور البراءة، ﴿لِيَعلَمَ﴾ أي الملك هذا وجه في التفسير ﴿لِيَعلَمَ﴾ أي العزيز الوزير يحتمل هذا ويحتمل هذا
﴿ذَٰلِكَ لِيَعلَمَ﴾ من القائل هنا؟ يوسف عليه الصلاة والسلام ﴿ذَٰلِكَ لِيَعلَمَ﴾،
الضمير لمن يرجع؟ ﴿لِيَعلَمَ﴾ إما أن يرجع إلى الملك
أو أن يرجع إلى العزيز ﴿أَنِّي لَم أَخُنهُ بالغَيبِ﴾ إذا رُدّ إلى العزيز يعني لم أخنه بالغيب، أي بظهر الغيب في حرمة وأنا غائب عنه وكان في قصره أو وهو غائب عني وإذا رُد إلى الملك ليعلم الملك أني لم أخن العزيز،
﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهدِي كَيدَ ٱلخَآئِنِينَ﴾ وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين لا يسدده
وكأن يوسف عليه الصلاة والسلام يُعرّض بامرأة العزيز في خيانتها أمانة زوجها ثم إن يوسف عليه الصلاة والسلام أراد أن يتواضع وأن يخدم نفسه مع أنه بريء وحفظه الله تعالى وعصمه وما تسلل خاطر السوء حتى إلى قلبه لكن مع ذلك أخبر الله تعالى عنه وهذا إن مضينا على أنّ معنى ﴿ذَٰلِكَ لِيَعلَمَ﴾ إلى يوسف لكن إمّا أن ﴿لِيَعلَمَ﴾ أي الملك أو ﴿لِيَعلَمَ﴾ أي العزيز فإذا مضينا على أن الكلام كان ليوسف