﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (5) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَسْأَلُونَكَ﴾
في السؤال معنى القول فلذا وقع بعده
﴿مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾
كأنه قيل يقولون لك: ماذا أُحلََ لهم؟ وإنما لم يقل ماذا أُحلَّ لنا حكاية لما قالوا لأن ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ بلفظ الغيبة كقولك: أقسم زيد ليفعلن ولو قيل: لأفعلن ، وأحل لنا لكان صوابًا و ﴿مَاذَا﴾ مبتدأ و ﴿أُحِلَّ لَهُمْ﴾ خبره كقولك أي شيء أحل لهم؟ ومعناه ماذا أحل لهم من المطاعم؟ كأنهم حين تُليَ عليهم ما حُرِّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم منها.
وهكذا الذين يبتغون مرضاة الله تعالى يسألون، فإنما شفاء العي السؤال. يسألون عن الذي يجهلون و يسألون عن ما يفيدهم، قال عليه الصلاة والسلام: “رحم الله نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء من أن يتفقهن في الدين“ اليوم أكثر الناس يسألوان عن الذي لا فائدة فيه ولا نفع فيه ، يضيعون أوقات الناس على التلفاز في الإذاعة وفي المجالس بما لا خير فيه، يسأل عن شيء ما فيه منفعة ولا فيه خير لكن الأصل أن نسأل عن الذي فيه نفع لنا، وهؤلاء صاروا يسألون ما الذي أُحِلَّ لنا فالله تعالى علمهم ذلك، فقال:
﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾
أي ما ليس بخبيث منها، أو هو كل ما لم يأتي تحريمه في كتاب الله أو سنة أو إجماع أو قياس، هذا ضابط جميل هنا لمعنى كلمة الطيبات، فإما أن يقال الطيبات ما ليس بخبيث من تلك المطعومات، أو كل ما لم يأتِ تحريمه في كتاب الله أو السنة أو الإجماع أو القياس، كل ما لم يأتِ تحريمه وما جاء النص على أن هذا حرام فيحل لك أن تأكله هذا من جملة الطيبات إلا ما جاء النص فيه أن هذا حرام عليك أكله
﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾
يعني و صيد ما عَلَّمْتُم
﴿مِنْ الْجَوَارِحِ﴾
يعني أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح فليس المراد هنا الجوارح التي ستذكر من الكلب والفهد والبازي والشاهين ونحو ذلك أنها أحلت لكم لا إنما يحل لكم من الصيد بطريق الجوارح يعني الحيوان إن كان مقدورًا ذكاته تذبحه على حسب الذي ورد في الشرع، ثم إن كان غير مقدور فلك إما بأن تطلق عليه سهمًا مثلًا فيقتل بحده فيموت، أو لك أن ترسل عليه شيئًا من الجوارح المُعلمة مثل كلب الصيد مثلًا.
تفصيل: هو الكلب حرام اقتناؤه إلا إذا كان للصيد أو كان للزراعة أو كان للحراسة، حتى ورد الذي يقتني هذا الكلب هو آثم وكل يوم ينقص من أجره بقدر جبل، إنما إذا كان أراد هذا الكلب مثلًا لأجل الصيد يسمي الله ويطلق كلبه لكن يشترط أن تكون هذه الجارحة التي سيصطاد بها معلمة ، لذلك قال ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ﴾ يعني لو كلب غير معلم أرسل فأتاك بهذا الصيد وقد مات هذا الصيد لا يحل لك أن تأكله، إنما يحل لك بطريق الصيد بالجوارح إذا كانت تلك الجوارح مُعلَّمة الجراحة فيشترط للحل الجرح
وما معنى مُعلَّمة؟ لها ضوابط ، فهنا ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ﴾ يعني وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ عطف على ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ أي أَحَلَّ لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضافة أو تُجعل ما شرطية وجوابها فكلوا من الجوارح أي الكواسب للصيد من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والعقاب والصقر والبازي والشاهين، يعني هذه الأشياء ليس هي التي تحل إنما يحل ما اصطيد بهذه إن كانت معلمة، وقيل: هي من الجراحة فيشترط للحل الجرح .
﴿مُكَلِّبِينَ﴾
حال من ﴿عَلَّمْتُمْ﴾ وفائدة هذه الحال مع أنه استغني عنها بِعَلَّمتُم أن يكون من يعلم الجوارح موصوفًا بالتكليب والمُكَلِّب مؤدب الجوارح ومعلمها ، مشتق من الكلب لأن التأديب في الكلاب أكثر، فاشتق من لفظه لكثرته في جنسه أو لأن السبع يسمى كلبًا ولو كان أسدا، ومنه الحديث “اللهم سلِّط عليه كلبا من كلابك” فأكله الأسد وهذا الحديث أخرجه الحاكم،
قصة: واحد خبيث من المشركين كان آذى النبي عليه الصلاة والسلام أذًا شديدًا ، بصق في ناحية النبي صلى الله عليه وسلم فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم و قال: “اللهم سلِّط عليه كلبا من كلابك” ثم بعد وقت هذا المشرك الفاجر الذي آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في ناحية اليمام فأتاه أسد تسلَّط عليه قتله شر قتلة ،هذا الذي آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له: عتيبة بن أبي لهب، عتيبة تصغير، لعنهما الله، آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكون ابن عم النبي وآذى النبي عليه الصلاة والسلام.
تذكرون مرة ذكرت لكم أن الأسد عندما يكون منه هذا الزئير فالنبي عليه الصلاة والسلام سأل الصحابة تدرون ماذا يقول الأسد؟ يعني حال زئيره قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فإنه يقول عندما يكون في حال الزئير : (اللهم لا تسلِّطني على أحدٍ من أهل طاعتك) يعني لا تسلِّطني على ولي من أوليائك.
يروى أن إبراهيم بن الأدهم وهذا كان من أكابر السلف و الأولياء كان يمشي رضي الله عنه في سفر ومعه رفقة ثم وقفت الرفقة التي كانت معه فقال لهم: ما لكم؟ قالوا: أما ترى الأسد؟ أسدٌ يقف على مقربةٍ منه يعترض الطريق فنادى إبراهيم بن الأدهم هذا الأسد قال له: إن كنتَ أُمرت في أمرٍ فينا أنفذ أمرك وإلا فانصرِف عنّا فصار الأسد كأنه يتقعقع ثم انصرف يحرِّك ذيله ثم انصرف وما اعترضهم، كثير من الأشياء التي حولنا ما علِمنَاهَا فيها أسرار ونحن لا نعرفها حتى الدويبة الصغيرة فيها سر، والأسد فيه سر، وكل جعل الله تعالى فيه ما جعل.
﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾
حالٌ
﴿مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ﴾
من التكليب
﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾
الإمساك على صاحبه: أن لا يأكل منه فإن أكل منه ، لم يؤكل إذا كان صيد كلب ونحوه، فأما صيد البازي ونحوه فأكله لا يحرِّمه وقد عرف في موضعه، هنا يذكر أيضا إشارة أخرى يقول ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ إذا أرسلت أنت هذا أو هذه الجارحة المعلمة إذا أرسلتها فجاءتك بهذا الصيد حلَّ لك أن تأكل لكن ماذا يقول؟ ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ما معنى أمسكن عليكم؟ جاءت هذه الجارحة لك بالصيد ولم تأكل منه شيئا كما هو، مثلا قالوا: إن كان بطريق الكلب فجاء الكلب وقد أكل شيئا فلا تأكل أنت من هذا الصيد إذا كان أكل منه، إن لم يأكل جاءك به هذا الصيد المعلَّم تأكله، لكن هنا يقول: هذا بالنسبة للكلب أما بالنسبة للبازي جوارح الطيور يقول: أما صيد البازي قال: فأكله لا يحرِّمه يعني لو أكل منه شيئا قال: لا يحرِّم، أما بالنسبة لهذا الكلب إذا كان أكل منه شيئا فإنك لا تأكل،
﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾
والضمير في ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يرجع إلى ما أمسكن على معنى وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته، يعني على هذا الوجه معنى كلامه إذا جاءتك هذه الجارحة المعلَّمة بصيد وقد أكلت منه لكن بعد في الصيد حياة مستقرة ف فيقول: أنت في هذه الحال تسمي الله وتذكِّي حلَّ لك، لأنه أدركت وفيه حياة مستقرة أما جاءتك هذه الجارحة بهذا الصيد وليس فيه حياة مستقرة أو ماذا؟ وقد لم تمسك عليه بل أكلت منه في هذه الحالة لا يحل لك أن تأكل إن جاءتك به وقد صار في حال الموت أو ليس فيه حياة مستقرة، أما فيه حياة مستقرة وأدركته بالذكاة فتذكِّي ولك أن تأكل هذا وجه، أو إلى ﴿مَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ﴾ أي سموا عليه عند إمساكه على هذا الوجه يقول: عندما أنت ترسل الجارحة تقول بسم الله وترسل هذه الجارحة لأجل الصيد
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾
واحذروا مخالفة أمره في هذا كله
﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4)﴾
إنه محاسبكم على أفعالكم ولا يلحقه فيه لطف، يعني الله سبحانه وتعالى يذكرنا بالتقوى: أن نتق الله وأن نحذر مخالفة أمر الله تعالى فلا نأكل إلا ما أحلَّ الله تعالى لنا والله تعالى سريع الحساب.
فائدة: نذكر فائدة هنا تتعلق بمسألة أكل اللحم
روى البخاري ومسلم من حديث عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه فإن أمسك عليك فأدركته حيًا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، وإن وجدت مع كلبك كلبًا غيره وقد قتله” يعني الكلب اللي أنت أرسلته المعلم ومعه كلب ليس كلبك ماذا يقول النبي؟ “فلا تأكل“.
الآن هذا سيعطينا حكم مهم وهو عند الشك في أمر اللحم فإنه لا يجوز لك أن تطعم قال: “فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله” إذا أخذنا من ذلك حكمًا مهمًا وهذا الحكم مجمع عليه كما نقل ذلك السيوطي ونص على حرمة ذلك القرافي المالكي إذا كان هناك شك هل اللحم هذا مذكى أم لا؟ عندك شك بالإجماع حرم عليك أكله، بالإجماع.
عندك شك لست متأكدا سألت صاحب المطعم أو صاحب اللحم هذا اللحم من أين؟ قال: لا أدري، هل هو مذبوح؟ قال: لا أدري لعلهم ذبحوا هنا لعلهم ذبحوا في بلاد عند الكفار لا أدري، صار عندك شك فيه، عند الشك حرم عليك أن تأكل وهذا الحكم مجمع عليه ، هذا ليس موضع خلاف، و الذي استدل به العلماء على ما ذكرت هو هذا الحديث قال: “فإنك لا تدري أيهما قتله” نكمل قوله عليه الصلاة والسلام “وإن رميت بسهمك” رميت السهم “فاذكر اسم الله تعالى فإن غاب عنك يومًا فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت” على اعتبار أن السهم قتل بماذا؟ ليس بثقل بحده وما وجدت إلا أثر السهم “وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكله” يعني سهمك أصابه وهو غرق في الماء أنت في الواقع لا تدري هو مات بسبب السهم أم بسبب الغرق في هذه الحال ماذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام؟ “فلا تأكل” فمن أجل الشك في سبب الحل حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أكله و هذه المسألة مجمع عليها.
نرجع إلى القول : الحيوان الذي هو غير مقدور على ذبحه تحصل تذكيته بأن يرمى بشيء له حد فيقتله بحده، الذي لم تقدر على ذبحه تطلق عليه السهم فيقتل بالحد، أيضا بماذا؟ وبصيده تكون ذكاة بالنسبة لك ، لكن الصيد بماذا؟ بكل جارحة معلمة من السباع كالفهد والكلب ومن جوارح الطير الصقر والباز لكن ما هي شرائط التعليم؟ يعني حتى نقول هذه جارحة معلمة يحل لنا أن نأكل ما اصطيد بواسطتها، أربعة شروط:
أن تكون الجارحة معلمة بحيث إذا أرسلت أي أرسلها صاحبها استرسلت، والثاني أنها إذا زجرت أي زجرها صاحبها انزجرت، والثالث أنها إذا قتلت صيدا لم تأكل منه شيئا، والرابع أن تكرر الشرائط من الجارحة بحيث يظن تأدبها لذلك ماذا قلنا هناك؟ ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ ولا يرجع في التكرار لعدد، يعني تقول كم مرة حتى أعتبر أن هذه الجارحة صارت مؤدبة يعني معلمة كم مرة؟ قالوا: لا يرجع في التكرار لعدد بل المرجع فيه لأهل الخبرة بماذا؟ بطباع الجوارح، أصحاب الخبرة بطباع الجوارح، فإن عُدمت منها إحدى الشرائط لم تحل ما أخذته الجارحة إلا الذي ورد استثنائه أن يُدرك حيًّا فيُذكى فيحلُّ له عندئذ
﴿الْيَوْمَ﴾
الآن
﴿أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾
كرَّره تأكيدًا للمنة
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾
أي ذبائحهم لأن سائر الأطعمة لا يختص حلُّها بالملة
﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾
فلا جناح عليكم أن تُطعِموهم لأنه لو كان حرامًا عليهم طعام المؤمنين لما ساغ لهم إطعامهم ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾الذين ينتسبون إلى الكتاب وليس معناه أنهم على الكتاب الذي جاء به سيدنا عيسى وسيدنا موسى عليهما الصلاة والسلام إنما ينتسبون انتسابًا إلى الكتاب لأن بعض الناس يقولون: الله قال عنهم ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ ليس معنى ذلك أنهم على حق إنما ينتسبون انتسابًا إلى الكتاب.
أحلَّ الله تعالى لنا ذبائِحهم ما دام إن ما ذكروا عليها شيئًا من الكفر عند الذبح، وأحلَّ الله تعالى للمسلم أن ينكِح كذلك امرأة كتابية ، وكم بسبب ذلك من نساء الكتابيات من دخلت في دين الإسلام لكن الأولى أن ينكِح المسلمة أكيد، لكن هنا يتكلم عن الحِل، كان سيدنا عمر وجد واحدًا كان نكح كتابية فعمر كلَّمه في هذا قال: هل حرام هو؟ قال: لا هو مكروه ما قال حرام، وحتى بين النساء الأفضل لك أن تنكِح امرأة صالحة، الدنيا متاع وخير متاعها الزوجة الصالحة، أكثر الرجال الصالحين يبتلون بنساء غير صالحات، وأكثر النساء الصالحات الله يبتليهن بأزواج ليسوا صالحين، هذا من جملة البلاء فالذي يريد أن يمضي في أمر نكاح ليبحث عن أهل الصلاح ثم إن كان ما كان ونكح من هي ليست على الخير والصلاح فها هو يعلمها ويؤدِّبها ويَسُوسها ليأخذ بيدها مع الصبر عليها لعلها إن شاء الله تعالى تصير من أهل الصلاح، لكن لا يعني ذلك أن يطيعها في معصية الله.
بعض الرجال عندما نكحوا نساء غير صالحات بدل أن يأخذوا زوجاتهم إلى الصلاح أخذتهم نساؤهم إلى غير طريق الصلاح، إن كانت المرأة تُثبط زوجها عن الحضور في مجالس علم الدين و تُثبط زوجها عن الصدقة دائما تخوفه وتنذره بالفقر دائما تأخذه إلى الدنيا، همها المطعم والمشرب ثم تدخل الفساد على أولاده وتقضي الساعات الطويلة على الإنترنت وعلى التلفاز فيصير في نفسها ما يصير من قسوة القلب فعندما يرجع الزوج إلى البيت فتريد أن تنفذ أجندة شاهدتها على الإنترنت أو في التلفاز من حظوظ الدنيا ومن عمل أهل الدنيا فهذه الزوجة إما أن تمضي مع زوجها في طاعة الله تعالى وإما أن يكون من زوجها التأديب لها وعدم الانسياق وراءها، “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق” .
بعض الناس كفر بالله لأجل امرأة وما هو وهي إلا شخصان باليان مآلهما التراب فيما بعد، هذه المرأة التي اليوم زوجها يتبعها لأجل منظرها أو لأجل جاهها بعد مدة هي مع كبر السن قد تصل إلى مرحلة لا تريد أن تنظر في المرآة، بعد أن كانت في شبابها تقضي ساعات طويلة أمام المرآة، هذه الأجساد بالية فالإنسان لا ينخدع بجمال منظر، ليست العبرة بجمال المنظر ، ينبغي أن تكون البيوت على تقوى الله سبحانه وتعالى.
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾
هنا الحرائر أو العفائف وليس هذا بشرط لصحة النكاح بل هو للاستحباب لأنه يصح نكاح الإماء من المسلمات لكن هذا له شروطه، ونكاح غير العفائف وتخصيصهن بعث على تخير المؤمنين بلطفهم وهو معطوف على ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ يعني حتى يختاروا ذوات العفة غير العفائف يعني الزانيات وهو معطوف على ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ أو مبتدأ والخبر محذوف أي ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ حل لكم
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾
هنا الحرائر الكتابيات أو العفائف الكتابيات
﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾
أعطيتموهن مهورهن هذا المراد هنا أجورهن أي مهورهن ليس المراد به نكاح المتعة، لا يوجد ولا آية في كتاب الله تعالى فيها اشاره إلى تحليل نكاح المتعة، الذين قالوا بتحليل نكاح المتعة استدلوا بهذه الآية الكريمة من سورة المائدة قالوا: الله قال ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ المتعة فسادها يدخل فيها التأقيت يعني تقول له: زوجتك نفسي لمدة ساعة أو لمدة ساعتين تدخل التأقيت على العقد يفسده، من شروط صحة العقد أن لا يكون هناك تأقيت، وجعفر الصادق قال عن نكاح المتعة: هو الزنا بعينه وهو حرام إلى يوم القيامة، كان أحل مدة من الوقت ثم حرم إلى يوم القيامة فهنا معنى الآية ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ليس المعنى هنا نكاح المتعة ليس معناه دفع لها مال في مقابل المتعة ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ هنا ما معناه؟ مهورهن
﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾
متزوجين غير زانين، الزاني هو المسافح
﴿وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾
صدائق والخِدن يقع على الذكر والأنثى، بعضهم بدل أن يمضي بما أحل الله تعالى يمضي بطريق اتخاذ الأخدان إن كان من الرجال وإن كان من النساء، كما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء والمعراج هؤلاء الزنا الذين يتركون اللحم طيبًا نضيج ويذهبون إلى المنتن الفاسد، وبعضهم يترك ما أحل الله تعالى من العقود نرجع إلى أول ما جاء في هذه السورة الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ بدل أن يأخذوا بهذه العقود يذهبون إلى الزنا
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ﴾
بشرائع الإسلام وما أحل الله وحرم
﴿فَقَدْ حَبِطَ﴾
بطل
﴿عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (5)﴾
الله سبحانه وتعالى يثبتنا على الإيمان لأن الردة أفحش أنواع الكفر، معنى أفحش أنواع الكفر المراد شدة قبحها ليس معناه الردة أشد من كل أنواع الكفر الأصلي، لأن أشد أنواع الكفر على الإطلاق هو كفر التعطيل، لكن الردة أفحش أنواع الكفر، المراد شدة قبحها لماذا؟ لأنه بالردة كل الحسنات ذهبت، لو كان خمسين أو ستين سنة، صام قبل ذلك وصلّى وحجّ وزكّى وأنفق جبالًا من الذهب صدقة ثمّ كفر بالله تعالى مرة غَضِب فسبّ الله تعالى ولو مرة واحدة كل حسناته ذهبت.
لذلك أرجع فأقول كم وكم نحتاج أن نجعل هذا اللسان في حبس “إن العبد لا يتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها في النار سبعين خريفا” نحن يا أحبابنا في مثل هذه الأيام بعضنا يقول: انظر النهار طويل ونحن في الصيام فإن خرجنا وقت الظهيرة إلى العمل يشتد علينا العطش تشتد بنا الحاجة إلى الماء إلى أن نشرب كيف بالذي يكون في نار جهنّم في تلك الحرارة التي أشدّ ما خلق الله عز وجل؟ كيف يكون؟ فلذلك احفظ دينك تعلم علم الدين تحصّن بعلم الدين احفظ نفسك إذا أنت إما بسبب بعدك عن المجالس جهلت فقلت جهلًا فأهلكت نفسك أو بسبب الغضب أو بسبب المزاح أيًّا كان إن نقضت لا إله إلا الله بكفر قولي أو فعلي أو اعتقادي خرجت عن الإسلام الله ماذا يقول؟ ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾: كل أعماله الصالحة ثوابها ذهب ما بقي له شيء من أعماله الصالحة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾
أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة كقوله: فإذا قرأت القرآن أي إذا أردت أن تقرأ القرآن فعبر عن إرادة الفعل بالفعل لأن الفعل مسبب عن الإرادة فأقيم المسبب مُقام السبب لملابسة بينهما طلبا للإيجاز وتقديره وأنتم محدثون ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ﴾ إذا أردتم القيام ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية هنا فيها بيان أمر الوضوء يعني تقديره وأنتم وتقديره وأنتم محدثون يعني إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون فماذا عليكم؟ عليكم الوضوء يعني لا يصح أن تصلوا وأنتم على الحدث
﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾
إلى: تفيد معنى الغاية مطلقا فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل فما فيه دليل على الخروج ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ لأن الإعسار علة الإنظار وبوجود الميسرة تزول العلة ولو دخلت الميسرة فيه لكان منظرًا في الحالتين معسرا وموسرا وكذلك ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ لو دخل الليل لوجب الوصال ومما فيه دليل على الدخول، قولك حفظت القرآن من أوله إلى آخره لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله ومنه قوله تعالى ﴿مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ لوقوع العلم بأنه عليه السلام لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله وقوله ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين فأخذ الجمهور بالاختيار فحكموا بدخولها في الغسل، وأخذ زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه “كان يدير الماء على مرفقيه” هنا في قوله تبارك وتعالى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ المرفق هو مجتمع الساعد والعضد ، يقول عنه العوام اليوم الكوع، الكوع الذي هو يلي الإبهام من العظم، أما المرفق مجتمع عظمي الساعد والعضد.
في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ هنا في هذه الآية الكريمة ذكر أربعة من فرائض الوضوء، عند الشافعي نرجع للتذكير: المفسر رحمه الله أبو البركات النسفي هو حنفي ما يسوقه مثل ما نبهت في أول مجلس هو يسوقه كما هو عند الحنفية ، يوجد أشياء في اتفاق مع الشافعية و أشياء في اختلاف عن الشافعية وأنا أذكر لو كان ذكر رحمه الله قول الحنفية أذكر وأشير إلى قول الشافعية، هو بالنتيجة الحنفية يغسلون المرافق مع اليدين.
المالكية يوجد قولان عندهم: منهم من يرى بغسل المرفق مع اليدين في الوضوء ومنهم من يقول لا ليس فرضا، الشافعية يقولون: فرض غسل المرفق مع اليدين يعني ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ وأيديكم يعني اليد يشمل الكف وتشمل إلى المرفق كل هذا يقال له: يد ليس أنه يترك الكف لأن بعض الناس يقول: أنا غسلت يدي في الأول لا ، إنما يغسل يده كاملة، هل يغسل المرفق؟ الشافعي يقول: نعم، الذي يذكر هنا هذه النقول أنه ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ بقوله ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ما بعد إلى هل هو داخل في حكم ما قبلها أم لا؟ النقول التي يذكرها ليبين خلاف العلماء في هذه المسألة يقول ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ هل دخلت المرافق يعني عندما تكون في الوضوء فتغسل يديك هل لا بد لك أن تغسل المرفقين؟ الشافعي يقول: نعم، لأنه يقول ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ إلى تفيد معنى الغاية مطلقا لكن هو يقول: دخولها في الحكم وخروجها.
يقول: هذا يدور مع الدليل فإذا كان يوجد دليل على الخروج، على الخروج يعني ما بعد ليس داخل فإذًا نقول هو خارج، يوجد دليل على الدخول فنقول هو داخل، يقول ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ما هي علة الإنظار؟ أنه في عسر فإذا صار في يسر وإلا صار الحكم واحد فقال لك: إذَا هنا هذا فيه دليل على الخروج إذا زالت العلة خلص بوجود الميسر تزول العلة يقول لك ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ هل معناه أن تصوم بالليل؟ لا، إذًا قال لك هنا فيه ما يدل على الخروج.
لكن عندما تقول: حفظت القرآن من أوله إلى آخره الله يرزقنا حفظ القرآن الكريم، على أي شيء يدل؟ على الدخول، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ هل دخل النبي عليه الصلاة والسلام المسجد الأقصى؟ دخل عليه الصلاة والسلام، قال لك العلم قام على ذلك، يرجع الآن يقول لك ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ دخلت المرافق أو لا؟ هو ماذا يقول؟ لا دليل على أحد الأمرين فيقول: على هذا أخذ الجمهور بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل هكذا الحنفية ساقوا الاستدلال بعد ذلك يقول: عن النبي صلى الله عليه وسلم “أنه كان يدير الماء على مرفقيه” هذا أخرجه الدارقطني.
إذًا يقول لك: النبي عليه الصلاة والسلام غسل المرفقين، فإذا أردت أن تتوضأ تغسل مرفقيك؟ نحن ذكرنا طريقة السياق كيف الحنفية ذكروا الاستدلال؟ كيف الشافعية ذكروا؟ ثبت عنه صلى الله عليه وسلم “أنه كان يغسل مرفقيه ولا يقتصر على ما قبلهما” كما رواه مسلم ولا خلاف في المذهب الشافعي في ذلك وإن كان عند المالكية خلاف في ذلك، يعني بعض المالكية قال: المرافق تدخل بعضهم قال: لا تدخل فعندهم عند المالكية لو ترك غسل المرفق صح الوضوء على أحد القولين وهو ضعيف و دليل المالكية ظاهر الآية لأنه عندهم لما قال الله تعالى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ قالوا: المرافق ما دخلت لماذا؟ لأن الأصح في “إلى” عدم إدخال الغاية ، الشيخ قال: (ونحن لولا الحديث لقلنا مثل هؤلاء المالكية أيضا) ما هو الحديث؟ (ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام غسل المرفقين.
قال بعض النحاة:
وفي دخول الغاية الأصح لا *** تدخل مع إلى وحتى دخلا
معنى هذا البيت أن علماء النحو اختلفوا هل تدخل الغاية ،أي ما بعد حروف الغاية (كإلى وحتى ) مع ما قبلها أم لا تدخل؟ ما هو الأصح؟ قال: فالأصح أن ما بعد “إلى” لا يدخل في حكم ما قبلها هكذا الأصح من حيث النحو، أما ما بعدها لا يدخل في حكم ما قبلها.
وهناك قول آخر: بدخول الغاية مع “إلى” أي مع ما قبلها، الأصح في “إلى” أن ما بعدها لا يدخل، أما في “حتى” فالأمر بالعكس إذا قلت أكلت السمكة حتى رأسَها ، تقول اليوم كنت على الإفطار في حالة من الجوع فأكلت السمكة حتى رأسَها الرأس أكلته أم لا؟ أكلته، فالرأس داخل في المأكول فإنه لو قال شخص: ذهبت من هنا إلى البيت فالاحتمال الأقوى أن لا يكون دخل البيت، ويحتمل أن يكون دخل وهو الاحتمال الأضعف، أما لو قال ذهبت حتى البيت فمعناه دخله.
﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾
المراد إلصاق المسح بالرأس وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه، فأخذ مالك بالاحتياط فأوجب الاستيعاب، يعني عند الإمام مالك يجب مسح كل الرأس، في الوضوء الذي يريد أن يأخذ على قول مالك في بعض الأحكام في الطهارة عليه أن يراعي مذهب مالك ، مالك عنده الوجوب بمسح الرأس كله، والشافعي باليقين فأوجب أقل ما يقع عليه اسم المسح، قال ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ يعني قال لك ولو بعض، حتى لو مسح جزء من الرأس ليس فيه شعر عند الشافعي لكن مما هو في حد الرأس أجزأ ذلك عنده، لو مسح شعرة واحدة في حد الرأس أجزأ ذلك عند الشافعي، و روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على ناصيته وقدرت الناصية بربع الرأس، فعند أبي حنيفة في الوضوء يجب مسح ربع الرأس، وعند الشافعي ولو شعرة،وعند مالك كل الرأس.
﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾
بالنصب شامي ونافع وعلي وحفص والمعنى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم على التقديم والتأخير، يقول: كأنه فيها تقديم وتأخير لأن هنا أرجل يجب فيها الغسل وليس المسح يعني ليس لها حكم الرأس، الرأس تمسح أما الرجلان القدمان لا يكفي فيهما المسح لا بد من الغسل.
ذكر نافع وعلي وحفص تلك القراءة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ولكن في قراءة ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ قال لك إذا كان أخذتها أنت على تلك القراءة ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ يبين أن هذا الجر هو للمجاورة للجوار يعني لمجاورة الرؤوس فهذا من حيث اللفظ قال أما من حيث الحكم فترجع إلى حكم الغسل الذي هو قبل، وأما المجاورة أما على القراءة الأولى الأمر واضح ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ لفظًا وحكمًا كذلك رجعت إلى ماذا؟ إلى أول معطوف إلى أول مذكور وهو الوجه، إلى أول مذكور وعطف عليه هنا المعطوفات على الأول والأول ما هو؟ الوجه، غيرهم بالجر بالعطف على الرؤوس لأن الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة للإسراف المنهي عنه يعني فعطفت على الممسوح إذا قال واحد لماذا عطفت على الممسوح يعني على هذه القراءة على قراءة ﴿وَأَرْجُلِكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ لماذا؟ قالوا: لا لتمسح ولكن لينبه على الاقتصاد في صب الماء عليها، أكثر موضع قد يتعرض للإسراف عند غسل الرجلين فعطفه على ماذا؟ على الممسوح لماذا على هذه القراءة؟ حتى تخفف لا تسرف عندما تغسل رجليك وقال في جامع العلوم: إنها مجرورة للجوار.
وقد صح أن النبي عليه السلام رأى قوما يمسحون على أرجلهم فقال: “ويل للأعقاب من النار” العقب التي هي في مؤخر القدم هذا رواه البخاري ومسلم، رأى النبي عليه الصلاة والسلام أقواما يمسحون على أرجلهم مسحا لا يغسلون فقال عليه الصلاة والسلام: “ويل للأعقاب من النار” طهارتهم ما صحت فصلاتهم لم تصح وعن عطاء: (والله ما علمت أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على القدمين وإنما أمر بغسل هذه الأعضاء ليطهرها من الأوساخ التي تتصل بها لأنها تبدو كثيرا).
الصلاة طاعة لله فالقيام فيها مع التطهر من الأوساخ أقرب إلى تعظيم الله فكان أكمل في الخدمة في الطاعة كما في الشاهد إذا أراد أن يقوم بين يدي الملك يتطهر ويتنظف ويتطيب ولهذا قيل: إن الأولى أن يصلي الرجل في أحسن ثيابه، وأن يكون متعمما، الصلاة مع العمامة الثواب فيها يكون أكثر ومع القلنسوة يكون الثواب أكثر من الصلاة مكشوف الرأس لما أن ذلك أبلغ في التعظيم.
ثم هنا فيما ذكرنا في بيان حكم غسل الرجلين فنقول: على هذه القراءة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قراءة النصب ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ تفيد أن الأرجل معطوفة على ماذا؟ على الوجوه ليس على الأيدي، قال: لأن المعطوفات المتتالية تعطف على الأول منها، والوجوه حكمها الغسل فيكون التقدير فاغسلوا أرجلَكم، فأرجل معطوفة على الوجه لفظا ومعنى، أما قراءة الكسر فهي معطوفة على الوجه على قراءة ﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ معطوفة على الوجه من حيث المعنى أما قراءة الكسر فهي معطوفة على الوجه من حيث المعنى وأما من حيث اللفظ على الرؤوس لأنها جاورت لفظ الرؤوس فمكسورة للجوار مثل قول: هذا جحر ضبٍ خربٍ، هنا جر خرب لماذا؟ لمجاورة ضب، ثم إنه وهذه لطيفة أخرى من عادة العرب عدم الفصل بين المعطوفات أما هو ذكر في الأول الوجه ثم بعد ذلك اليد ثم ذكر بعد ذلك الرأس ثم بعد ذلك الرجل، فيقول: إذا كان العطف يرجع إلى الوجه فيقول: لماذا كان الفصل بين المعطوفات؟ فالجواب: لبيان الترتيب أنه لا بد من الترتيب الذي هو غسل الوجه ثم غسل اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾
فغسلوا أبدانكم
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ من الغائط ﴾
قال الرازي معناه وجاء حتى لا يلزم المريض والمسافر التيمم بلا حدث يعني هنا قوله تعالى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ هذا حدث
﴿أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾
هذا حدث، انتبهوا المرض والسفر ليسا حدثًا كيف يحتج بالآية لأجل الحدث؟ الأزهري يقول: هذه أو بمعنى واو الحال يعني ﴿إِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ وكنتم في حال كنت في المرض أو في السفر وأحدثت بالغائط أو لامست النساء أو صار منك الحدث أردت أن تتوضأ ما وجدت الماء ماذا تفعل؟
﴿فَتَيَمَّمُوا﴾
فإذا هنا الأزهري جمعه جميل الأزهري يقول: هذه أو في قوله ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ﴾ يقول: أو بمعنى واو الحال أي ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ في حال ﴿جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ أو في حال أنكم ﴿لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ وهو سيذكر هنا الحنفية يقولون: ﴿لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ معناه جامعتم، أما الشافعية يقولون: مجرد اللمس إذا كان بلا حائل ولو كان من غير شهوة، مالك و أحمد قالا: إن كان بشهوة انتقض الوضوء إذا كان لمس بلا حائل بشهوة للمرأة الأجنبية، أما إن كان بلا شهوة لا ينتقض الوضوء، عند أبي حنيفة لا ينتقض إلا إذا كان بالجماع، قال: إلا إذا كان بالجماع أو كان أنزل، أما الشافعي ماذا يقول؟ مجرد اللمس، فهنا يقول الأزهري : هذه أو بمعنى واو الحال أي ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ في حال ﴿جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ أو في حال أنكم ﴿لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ خلاصة المعنى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ والحال أنه ﴿جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ من الغائط المكان المطمئن وهو كناية عن قضاء الحاجة، في الأصل الأرض المنخفضة يقال لها: غائط، هذا في الأصل ثم استعملت بعد ذلك لقضاء الحاجة، أما في الأصل الأرض المنخفضة يقال لها غائط ثم استعملت لقضاء الحاجة في المكان المخصص وغيره، ﴿أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ جامعتم هكذا الحنفية يفسرون
صَعِيدًا طَيِّبً﴾
فسرها الشافعي رحمه الله بالتراب الطهور، و فسر الأئمة الثلاثة الصعيد بوجه الأرض ووجه الأرض يشمل التراب والحجر، لكن مرادهم بالحجر ليس حجر البناء الذي دخلته النار مرادهم الذي بقي على أصل خلقته، احتج الشافعي في تفسير الصعيد بالتراب بقوله صلى الله عليه وسلم: “جُعلت الأرض مسجدا وتربتها طهورا”
﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾
في باب الطهارة حتى يُرَخِّص لكم في التيمم
﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾
بالتراب إذا أعوزكم التطهر بالماء
﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾
وليتم برخصه إنعامه عليكم بعزائمه