جدول المحتويات:
1: المقدمة
2: الدِّيْنُ الخَالِصُ المَتِيْنُ
3: الصِّدْقَ وَالإِخْلَاصَ دَرْبُ النَّاجِيْنَ
4: أحاديث في التحذير من الرياء
5: أفعال المخلص
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَمَّا بَعد:
يَقُولُ رَبُّ العِزَّةِ سُبْحَانَهُ:
﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾
البينة: 5]
المقدمة:
تَقَرَّرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِصَلَاحِ الأَحْوَالِ وَالقُلُوْبِ أَنَّ النَّجَاةَ وَالخَلَاصَ فِيْ الصِّدْقِ وَالإِخْلَاصِ وَالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ
كَمَا قَالَ أَهْلُ الحَقِيْقَةِ وَالطَّرِيْقَةِ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ:
وَهَذَا هُوَ المَأْمُوْرُ بِهِ فِيْ كِتَابِ اللهِ )اه
الدِّيْنُ الخَالِصُ المَتِيْنُ :
أَلَا للهِ الدِّيْنُ الخَالِصُ المَتِيْنُ الَّذِيْ لَا يُخَالِطُهُ الرِّيَاءُ، وَقَدِ انْكَشَفَ لِأُولِيْ الأَلْبَابِ بِبَصِيْرَةِ الإِيْمَانِ وَأَنْوَارِ القُرْآنِ أَنَّه لَا وُصُوْلَ إِلَى السَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ إِلَّا بِالإِيْمَانِ ( و الإِيْمَانُ :هُوَ الاعْتِقَادُ الجَازِمُ بِوُجُوْدِهِ تَعَاَلى بِلَا كَيْفٍ وَلَا مَكَانٍ، هُوَ سُبْحَانَهُ مَوْجُوْدٌ لَا يُشْبِهُ المَوْجُوْدَاتِ، لَيْسَ لِوُجُوْدِهِ اِبْتِدَاءٌ وَلَا اِنْتِهَاءٌ، مَوْصُوْفٌ بِصِفَاتِ الكَمَالِ اللائِقَةِ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ، مُنَزَّهٌ عَنْ مُشَابَهَةِ المَخْلُوْقَاتِ، هَذَا هُوَ أَصْلُ الإِيْمَانِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ لِقَبُوْلِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ)
الصِّدْقَ وَالإِخْلَاصَ دَرْبُ النَّاجِيْنَ :
وفي كتاب آداب النفوس للمحاسبي قال:
(والارادة إرادتان إِحْدَاهمَا :
الدُّنْيَا والأخرى للآخرة :
فالصدق والاخلاص إِنَّمَا هُوَ إِذا أَرَادَ العَبْد بِعَمَلِهِ وَجه الله وَلَيْسَ فِيهِ شئ من مَعَاني الدُّنْيَا والرياء إِنَّمَا هُوَ أَن تكون الإرادة كلهَا للدنيا) اه
وفي رسالة المسترشدين للمحاسبي قال :
(وَاعْلَم رَحِمك الله أَن الصدْق وَالْإِخْلَاص أصل كل حَال فَمن الصدْق يتشعب الصَّبْر والقناعة والزهد وَالرِّضَا والأنس وَعَن الْإِخْلَاص يتشعب الْيَقِين وَالْخَوْف والمحبة والإجلال وَالْحيَاء والتعظيم ) اه
وَبِهَذِهِ المَعَانِيْ تَجِدُ كُتُبَ أَهْلِ العِلْمِ طَافِحَةً فَلَمْ يُؤَلِّفْ كَثِيْرٌ مِنَ العُلَمَاءِ مُؤَلَّفًا إِلَّا وَبَدَؤُوهُ بِالتَّذْكِيْرِ بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، لِأَنَّ التَّذْكِيْرَ بِالإِخْلَاصِ لِطَلَبَةِ العِلْمِ وَخُصُوْصًا لِلْمُشْتَغِلِيْنَ بِكِتَابِ اللهِ تَعَلُّمًا وَتَعْلِيْمًا هُوَ أَصْلٌ لِلْتَّرَقِّي فِيْ الدَّرَجَاتِ وَلِقَبُولِ الأَعْمَالِ
رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا شَيْءَ لَهُ. فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَا شَيْءَ لَهُ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ».اهـ
وَمِنْ جُمْلَةِ مَا قَاله الغزالي فِيْ ذَلِكَ:
احْفَظِ الصِّدْقَ فِيْمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ .اهـ
وَيَنْبَغِي لِلْمُشْتَغِلِ بِدِرَاسَةِ كِتَابِ اللهِ -وَخُصُوصًا بَعْدَ هَذَا البَيَانِ- أَنْ يَكُونَ عَلَى صِدْقِ النِّيَةِ وَالإِرَادَةِ وَهَذَا مَنْبَعُهُ الإِخْلَاصُ فَإِنَّ مَنْ مَازَجَ طَاعَاتِهِ شَوْبٌ مِنْ حُظُوْظِ النَّفْسِ بَطَلَ عِنْدَهُ صِدْقُ النِّيَّةِ.
وَكَتَبَ الفَارُوْقُ عُمَر إِلَى أَبِيْ مُوْسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فَقَالَ:
مَنْ خَلُصَتْ نِيَّتُهُ كَفَاهُ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ.اهـ
في كتاب حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ لِأَبِيْ نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيِّ
بَعْضُ الصَّالِحِيْنَ كان يُوَبِّخُ نَفْسَهُ وَيَقُوْلُ: يَا نَفْسُ أَخْلِصِي تَتَخَلَّصِي.اهـ
وَقَالُوا: المُخْلِصُ مَنْ يَكْتُمُ حَسَنَاتِهِ كَمَا يَكْتُمُ سَيِّئَاتِهِ.اهـ
وَمَنْ عَرَفَ هَذَا فَإِنَّهُ يُقْبِلُ بِكُلِّيَّتِهِ إِلَى طَاعَةِ اللهِ بِالصِّدْقِ وَالإِخْلَاصِ مُبْتَعِدًا عَنِ الرِّيَاءِ وَأَمْرَاضِ القُلُوبِ مِنَ العُجْبِ وَالتَّكَبُّرِ وَالحِقْدِ عَلَى أَقْرَانِهِ مِنْ طَلَبَةِ العِلْمِ، فَلَا يُعْجَبَنَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ عِلْمٍ وَتَلَقٍّ لِكِتَابِ اللهِ، فُكُلُّ مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ العِلْمِ بِتَوْفِيْقِ اللهِ وَإِعَانَتِهِ فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ كَانَ ثَابِتًا عَلَى هَذِهِ المَعَانِيْ السَّامِيَةِ الرَّاقِيَةِ يَكُونُ أَبْعَدَ عَمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الأَمْرَاضِ الُمهْلِكَةِ الُمنْتَشِرَةِ، وَأَيُّ هَلَاكٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُعرِّضَ العَبْدُ نَفْسَهُ لِعَذَابِ اللهِلأَنَّ الرِّيَاءَ مَعْصِيَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ، يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهَا عَذَابَ اللهِ فِيْ الآخِرَةِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
أحاديث في التحذير من الرياء:
فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ (أَيْ مِنْ أَوَّلِ النَّاسِ) يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ»، -وَذَكَرَ مِنهُم فَقَالَ-: «وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ».اهـ
وَفِي رِوَايَةِ التِّرمِذِيِّ: قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وَهَذَا هُوَ المُوَافِقُ لِمَا جَاءَ فِيْ الحَدِيْثِ الآخَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَيُجَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، وَيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَدْخَلَهُ اللهُ جَهَنَّمَ».اهـ سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ،
أفعال المخلص:
وفي كتاب العقل والهوى للحكيم الترمذي قال:
(وثلاثة أشياء من فعال المخلص: أولها: أن يتكلم بالحق، وإن كان مراً ولا يبالي ممن يكون، والثاني: أن يعمل بالحق ولا يتركه مخافة الناس وإن لم يكن له عون لأن الله تعالى يعينه في طاعته، والثالث: إذا أراد أن يعمل من مخافة الله فلا يدع شيئاً من مخافة الناس، فإن مخافة الله تمنع قلبه من مخافة الناس، ولا يكون الرجل مخلصاً حتى يجتهد في هاتين الخصلتين، أولها: أن يجتهد حتى يكرمه الله بالأمن … والثاني: أن يكون ذاكراً لضعف الناس أنهم لا يقدرون أن يصنعوا به شيئاً غير الذي قدره الله له فاخلص العمل لله، فنعم الباب الإخلاص، فطوبى لمن رزقه الله ووفقه للإخلاص)اه.
نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ مِنَ الآثَامِ فِيْ الدُّنْيَا وَالغَنِيْمَةَ بِالثَّوَابِ فِيْ الآخِرَةِ وَأَنْ يَرْزُقَنَا الإِخْلَاصَ فِيْ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ.