يُذكَرُ دُعاءُ القُنوتِ الَّذي يَغفُلُ عَنهُ بَعضُ النّاسِ فِي صَلاةِ الفَجرِ، وَهُوَ عِندَ فُقَهاءِ الشّافِعِيَّةِ مِنَ السُّنَنِ المُؤَكَّدَةِ، بَل عَبَّرَ عَنهُ بَعضُهُم، كَالشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، بِأَنَّهُ مِن أَبعاضِ الصَّلاةِ، الَّتي إِذا تُرِكَت يُسَنُّ لِتارِكِها سُجودُ السَّهوِ.
وَالقُنوتُ هُنا يَكونُ عِندَ الرَّفعِ مِنَ الرُّكوعِ فِي الرَّكعَةِ الثّانِيَةِ، أَي فِي الِاعتِدالِ مِنها، وَيُسَنُّ لِلمُصَلِّي أَن يَقنُتَ، حَتّى لَو تَرَكَهُ الإِمامُ، فَإِنَّهُ يَنبَغي لِلمَأمومِ أَلّا يَفوتَهُ، وَلَو دَعا بِدُعاءٍ خَفيفٍ.
وَقَد يَتعَجَّبُ الإِنسانُ مِن بَعضِ الأَئِمَّةِ إِذا تَرَكوا القُنوتَ، ثُمَّ إِذا سُئِلَ بَعضُهُم عَن مَذهَبِهِ قالَ: إِنَّهُ شافِعِيٌّ، مَعَ أَنَّ المَذهَبَ الشّافِعِيَّ يَرى القُنوتَ فِي الفَجرِ مِن أَبعاضِ الصَّلاةِ الَّتي لَها مَكانَتُها المَعلومةُ. وَأَبعاضُ الصَّلاةِ عِندَهُم عَدَّها بَعضُهُم ثَمانِيَةً، وَعَدَّها بَعضُهُم سِتَّةً، وَهِيَ غَيرُ هَيَئاتِ الصَّلاةِ؛ فَإِنَّ هَيَئاتِ الصَّلاةِ كَثيرَةٌ، وَقَد تَبلُغُ نَحوَ الأَربَعينَ. فَمِنَ الهَيَئاتِ، مَثَلًا، رَفعُ اليَدَينِ عِندَ التَّكبِيرِ، وَهٰذا إِن تُرِكَ لا يُسجَدُ لَهُ لِلسَّهوِ؛ لِأَنَّهُ هَيئَةٌ. أَمّا التَّشَهُّدُ الأَوَّلُ، وَالقُنوتُ فِي الفَجرِ، فَمِنَ الأَبعاضِ الَّتي لَها حُكمٌ آخَرُ.
وَمَعنى القُنوتِ مِن جِهَةِ اللُّغَةِ: الدُّعاءُ بِخَيرٍ. فَيَحصُلُ أَصلُ القُنوتِ بِكُلِّ دُعاءٍ صالِحٍ، فَلَو قالَ المُصَلِّي، مَثَلًا: «اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُؤمِنينَ وَالمُؤمِناتِ»، أَجزَأَهُ ذٰلِكَ فِي تَحصِيلِ أَصلِ القُنوتِ. ثُمَّ يُسَنُّ بَعدَ دُعاءِ القُنوتِ الصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَهٰذا يُعَدُّ عِندَهُم بَعضًا آخَرَ، ثُمَّ تُسَنُّ الصَّلاةُ عَلَى الآلِ بَعدَ الصَّلاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. فَإِن كانَ المُصَلِّي مُستَعجِلًا، أَو خافَ طُلوعَ الشَّمسِ وَخُروجَ وَقتِ الفَجرِ، أَمكَنَهُ أَن يَقتَصِرَ عَلَى نَحوِ قَولِهِ: «اللَّهُمَّ اغفِر لِلمُؤمِنينَ وَالمُؤمِناتِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلَّمَ»، ثُمَّ يَنزِلُ إِلى السُّجودِ، وَلٰكِن لا يَنبَغي لَهُ أَن يَترُكَ القُنوتَ بِالكلِّيَّةِ.
وَأَمّا الدُّعاءُ المَأثورُ فِي القُنوتِ، فَهُوَ: «اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنَا وَاصْرِفْ عَنَّا بِرَحْمَتِكَ شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي بِالْحَقِّ وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ».
ثُمَّ يُصَلَّى بَعدَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلَّمَ. وَمِنَ السُّنَّةِ أَيضًا التَّأمِينُ فِي المَواضِعِ الَّتي يُطلَبُ فِيها التَّأمِينُ؛ فَإِذا كانَ الإِمامُ يَدعو قالَ المَأمومُ: آمينَ. أَمّا إِذا وَصَلَ الإِمامُ إِلى مِثلِ قَولِهِ: «اللَّهُمَّ إِنَّهُ لا يَذِلُّ مَن والَيتَ وَلا يَعِزُّ مَن عادَيتَ»، فَهٰذا مَوضِعُ إِخبارٍ لا مَوضِعُ دُعاءٍ، وَعِندَئِذٍ يَسكُتُ المَأمومُ، وَلا يَرفَعُ صَوتَهُ بِقَولِهِ: أَشهَدُ، كَما يَفعَلُ بَعضُ النّاسِ، بَلِ المَطلوبُ هُنَا السُّكوتُ، وَإِنَّما التَّأمِينُ يَكونُ عِندَ مَواضِعِ الدُّعاءِ.