﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمْ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)﴾
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾
أي عاقدكم به عقدًا وثيقًا وهو الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر والمنشط والمكرة فقبلوا وقالوا سمعنا وأطعنا، وقيل: هو الميثاق ليلة العقبة وفي بيعة الرضوان، وإذًا أكد الله عز وجل هذا الميثاق ، لاحظوا ما جاء من بركات السورة في الأول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ثم في عدة مواضع يمر معنا التذكير بالعهد التذكير بالميثاق، وهنا هذا العقد الوثيق، الميثاق الذي أخذه النبي عليه الصلاة والسلام على السمع والطاعة، هذا ميثاق من رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة له عليه الصلاة والسلام والنصر لدين الله في اليسر والعسر في المنشط والمكره في كل الأحوال.
قيل أيضًا : هذا الميثاق هو الذي كان ليلة بيعة العقبة التي كانت قبل هجرته عليه الصلاة والسلام عندما جاء أُناس من الأنصار وبايعوا النبي عليه الصلاة والسلام ثم رجعوا بعد أن أسلموا ونشروا الإسلام في المدينة المنورة فكان ذلك تمهيدًا لدخوله عليه الصلاة والسلام للمدينة المنورة.
وكذلك قيل: هذا العهد الذي كان في بيعة الرضوان ، أما بيعة الرضوان كانت في السنة السادسة للهجرة وكان موقعها الحديبية، وهي تعد من جملة المواقيت لأهل مكة، هي خارج حدود الحرام، أبعد من مسجد عائشة رضي الله عنها أي أبعد من التنعيم، كان سبب هذه البيعة، بيعة الرضوان أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء مع أصحابه إلى مكة للعمرة هذه نيته عليه الصلاة والسلام ، لكن قريش منعتهم وكان قد بلغ عليه الصلاة والسلام الحديبية ومعه الصحابة فقريش منعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أن يواصلوا السير مع أنه عليه الصلاة والسلام ما كان قد أراد القتال، فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام ذي النورين عثمان بن عفان الذي هو الآن مدفون في البقيع وهو أفضل من هو مدفون في البقيع رضي الله عنه، أرسله النبي عليه الصلاة والسلام ليتفاوض مع قريش لكن عثمان تأخر هناك، فأُشيع الخبر أن عثمان قد قُتل، واشتد الخطب على المسلمين، مع أنه حضروا أرادوا الإحرام بملابس الإحرام ما معهم عدة الجيش قالوا: إن كانوا فعلوا هذا بعثمان إذًا لهم نية، صار الخطب شديد وأشيع الخبر أن عثمان قد قتل في مكة، وهنا بايع النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه على الموت لقتال قريش وألا يفروا. فاجتمعوا حول النبي عليه الصلاة والسلام وبايعوه على ذلك.
وكان من جملة ما نزل في ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ معناه عهد الله ثبت عليهم، ونزل كذلك ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ فعُرِفت هذه البيعة ببيعة الرضوان، لكن ما هو إلا أن رجع عثمان سالمًا وعرضت قريش أمر الصلح وتم ذلك بعد مفاوضات وعُرِف هذا الصلح بصلح الحديبية نسبة إلى هذا المكان، ونزل في ذلك أثناء عودة النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة بعد صلح الحديبية ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
يقال في هذا المكان أيضًا في الحديبية حصلت معجزة عظيمة لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ما هي هذه المعجزة؟ يروي هذا الحديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه: عطش الناس يوم الحديبية والنبي عليه الصلاة والسلام بين يديه رِكوة، الرِّكوة إناء صغير من جلد يُشرَب فيه، ما بقي ماء معهم إلا ما كان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ النبي عليه الصلاة والسلام فجهش الناس نحوه، الإمام الحنبلي الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كشف المشكل يقول: (جهش أي﴾ (أي فزعوا إليه وأسرعوا نحوه واستغاثوا به)، جهش قال جهش الناس نحوه، ابن الجوزي يقول: (أي فزعوا إليه وأسرعوا نحوه واستغاثوا به) ، إذًا كانوا يستغيثون برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: “ما لكم الجيش كله يطرب؟ قال: ما لكم؟ قالوا: يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك” ما عندنا في الجيش إلا هذه الركوة التي بين يديه عليه الصلاة والسلام “فوضع صلى الله عليه وسلم يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون من بين لحمه وعصبه عليه الصلاة والسلام.
إن معجزة سيدنا موسى عليه السلام عظيمة عندما ضرب الأرض بعصاه فانفجر الماء ، لكن أعظم من ذلك أن ينبع الماء من مكان غير معهود، معهود أن يخرج الماء من الأرض أما من بين الأصابع ليس معهودًا، فخرج الماء كأمثال العيون قال جابر: “فشربنا وتوضئنا، قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة”
وأفضل المياه ماء قد نبع *** بين أصابع النبي المتبع
صلى الله عليه وسلم فكانت هذه المعجزة العظيمة من النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾
في نقض الميثاق
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)﴾
بسرائر الصدور من الخير والشر وهو وعد ووعيد
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا﴾
عدَّى يجرمنكم بحرف الاستعلاء مضمنًا معنى فعل يتعدى به كأنه قيل: ولا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيه، أنتم عقدتم معهم هذا الصلح تمسكوا بهذا الصلح ولو كان هذا الصلح مع كافر لكن أنتم عقدتم، أنت عقدت ولو مع كافر عقدت عهدًا لا تغدر هذا أقرب للتقوى، ولو كان حصل منهم قبل ذلك الغدر ولو كان منكم البغض لهم بما يفعلونه لكن حافظوا على ذلك العهد.
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
أي العدل أقرب إلى التقوى، نهاهم أولًا أن تحملهم البغضاء على ترك العدل ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدًا وتشديدًا ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله تعالى ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، وإذا كان وجوب العدل مع الكفار بهذه الصفة من القوة فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾
فيما أمر ونهى
﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿وَعَدَ﴾ يتعدى إلى مفعولين فالأول ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾والثاني محذوف استغني عنه بالجملة التي هي قوله ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9)﴾ والوعيد وهو قوله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10)﴾ أي لا يفارقونها هذا الوعيد والوعيد جعلنا الله تعالى من الذين ينالون هذا الوعد، وجعلنا الله تعالى من الذين يحفظون من ذلك الوعيد.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني قريظة ومعه الشيخان أبو بكر وعمر والختنان كذلك عثمان وعلي، ختن: أي الرجل المتزوج بابنته حتى يقال: عن الذي هو متزوج بأخته أيضا في لسان العرب يقولون: ختن عن الرجل المتزوج بابنته أو حتى بأخته ، يستقرضهم دية مُسلِمَين قتلهما عمر بن أمية الضمري خطأً يحسبهما مشركين، يعني كان هذا قتل بالخطأ رَجُلَين كان يحسبهما من المشركين فالنبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يُؤمِّن له الدية فخرج النبي عليه الصلاة والسلام يستقرض أي يطلب من يقرض لهذه الغاية، ذهب عليه الصلاة والسلام لأجل أن يقترض لأجل هذه الدية لكن هناك كان الغدر، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، هذا شأن اليهود عندما وصل إلى بني قريظة طلب النبي عليه الصلاة والسلام قرضًا لأجل أن يؤدي دية المسلمين هؤلاء قالوا: نعم أجلسوا النبي ورحبوا به وأظهروا ما أظهروا لكن كان في نيتهم الغدر فشأن اليهود الغدر، فقالوا: نعم يا أبا القاسم اجلس حتى نطعمك ونقرضك فأجلسوه في صُفَّةٍ وهموا بالفتك به، وعمد عمرو بن جحاش إلى رَحًى عظيمة يطرحها عليه فأمسك الله يده ونزل جبريل فأخبره بذلك فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت الآية ﴿إِذْ﴾ ظرف للنعمة.
﴿أَنْ يَبْسُطُوا﴾
بأن يبسطوا
﴿إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾
بالقتل يقال: بسط لسانه إليه إذا شتمه، وبسط إليه يده إذا بطش به ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ ومعنى بسط اليد مدها إلى المبطوش به.
﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾
فمنعها أن تمد إليكم
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (11)﴾
فإنه الكافي والدافع والمانع، ونحن توكلنا على الله ونفوض أمرنا إلى الله سبحانه وتعالى فيما نراه اليوم من حال المسلمين من حال أهل السنة والجماعة من تكالب أعداء الدين علينا الله تعالى كف أيدي هؤلاء عن نبيه هو الكافي سبحانه وهو الدافع وهو المانع وهو الضار وهو النافع فنحن اتكالنا على الله سبحانه وتعالى، وهكذا ينبغي أن يكون حال المؤمنين بصدق التوكل على الله سبحانه وتعالى.
﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾
النقيب العريف وهو شاهد القوم وضمينهم يقال عنه: نقيب، هو الذي ينقب عن أحوال القوم ويفتش عنها ولما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله بالمسير إلى أريحا أرض الشام وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة، هذه أريحا هناك قبر موسى عليه السلام عند الكثيب الأحمر الدعاء عنده مستجاب.
كان شخص ذهب إلى هناك فنام في ذلك المقام ثم في المنام رأى موسى عليه السلام أشار إليه بأربعة ، ما كان عنده ولد فذهب إلى بعض المعبرين قالوا: يكون لك أربعة من الأولاد فكان كذلك، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء قال: “لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جنب الطريق عند الكثيب الأحمر” الحافظ العراقي قال: (يستفاد من هذا الحديث استحباب معرفة قبور الأنبياء والأولياء والصالحين لمعرفتها والقيام بحقها) حتى تعرف أن هذا قبر لنبي من الأنبياء لأن تلك الأماكن مباركة يستجاب فيها الدعاء ، إذا كنت تعرف أن هذا قبر لنبي ليس هذا عبادة للقبر العبادة لله عز وجل لكن من الأسباب لإجابة الدعاء أن تذهب إلى مثل هذه الأماكن.
فبعد أن ذكر كيف نجَّا الله سبحانه وتعالى نبيه عليه الصلاة والسلام من بني قريظة وهنا يذكر والميثاق الذي كان أعطاه المسلم للنبي عليه الصلاة والسلام والآن بعد ذلك التذكير بما كان من الميثاق الذي كان على بني إسرائيل بعد أن استقروا في مصر بعد أن أهلك الله تعالى فرعون وأمرهم الله أن يسيروا إلى أريحا في فلسطين وكان فيها قوم يقال لهم: الجبابرة كانوا أقوياء أشداء، وكان نزل الوحي على سيدنا موسى أن يأمرهم بأن يذهبوا معه لقتال الجبابرة لكن كما سيأتي في الآيات التي بعد، تقاعسوا وتخلفوا فلأجل أنهم جبنوا وتقاعسوا عن تنفيذ أمر نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام جعلهم الله في التيه أربعين سنة، أربعين سنة وهم في التيه بسبب مخالفتهم لنبي الله موسى عليه السلام، أما موسى عليه السلام لم يدخل هو إلى القدس لما اقتربت المنية قال: “رب أدنيني من الأرض المقدسة رميتا بحجر” فقُرِّب حتى صار في أريحا وقبره هناك عليه الصلاة والسلام وجاء ذكره في القرآن.
يوشع بن نون عليه السلام الذي كان فتى موسى الذي جاء ذكره عندما ذهب موسى عليه الصلاة للقاء الخضر عليه الصلاة والسلام وأخذوا معهم الحوت وقطعوا تلك المسافة وكان معه يوشع بن نون بعد ذلك سيدنا يوشع نُبِّئ وصار نبيًا وهو الذي دخل إلى أرض فلسطين وكسر الجبابرة، قبره عندنا في السلط لكن الراجح أنه ليس هو الذي عندنا هنا لعله الذي يكون في طرابلس هو الثابت هنا، أما سيدنا شعيب الراجح الذي عندنا هنا في السلط، لكن في كل الأحوال هذه أماكن مباركة يستجاب فيها الدعاء، وقال لهم: إني كتبتها لكم دارا وقرارا فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها وإني ناصركم، وأمر الله موسى عليه السلام أن يأخذ من كل سبط نقيبًا يكون كفيلًا على قومه بالوفاء بما أمروا به توثقه عليهم فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل وتكفل لهم به النقباء، وسار بهم فلما دنى من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون فرأوا أجراما عظيمة وقوة وشوكة فهابوا ورجعوا فحدثوا قومهم وقد نهاهم أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يُؤنا ويوشع بن نون وكانا من النقباء، يعني بقية النقباء نكثوا إلا كالب يُؤنا ويوشع بن نون ما كان منهم النكث بل كانوا مع سيدنا موسى عليه السلام كما أمر
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾
أي ناصركم ومعينكم وتقف هنا لابتدائك بالشرط الداخل عليه اللام الموطئة للقسم وهو
﴿لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ﴾
وكانتا فريضتين عليهم
﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾
من غير تفريق بين أحد منهم
﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾
وعظمتموهم أو نصرتموهم بأن تردوا عنهم أعداءهم والعزر في اللغة: الرد ، ويقال: عزرت فلانًا أي أدبته يعني فعلت به ما يردعه عن القبيح كذا قاله الزجاج، ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ ناصركم ومعينكم الآن الشرط ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ﴾ إذا كانتا فريضتين عليهم وإن اختلفت التفاصيل انتبهوا للآية ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ الذي يكفر بأي نبي يعرف أن هذا نبي يكفر به، بأي نبي هذا كالذي كفر بكل الأنبياء، لأن الأنبياء كلهم أخوة، ومن الإيمان بهم أن تؤمن بإخوانهم من الأنبياء، فلو أحد قال: أنا أؤمن بكل الأنبياء إلا بمحمد هذا ليس مؤمنا، أو قال: أنا أؤمن بكل الأنبياء إلا بعيسى، أو قال: أنا أؤمن بكل الأنبياء إلا بموسى ليس مسلمًا هذا ولا هو مؤمن بأي نبي من الأنبياء، ﴿آمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أي وعظمتموهم هذا عهد ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ فإذا كان الله عز وجل قد أمر بتعزير الأنبياء أي بتعظيمهم فكيف بأعظمهم وهو محمد عليه الصلاة والسلام؟
إذا كان الأمر أن نعظم الأنبياء وهذه في القرآن الكريم فكيف بعد ذلك يأتي بعض الجهلة اليوم من أهل الغلو والتطرف والعياذ بالله يقولون: تعظيم النبي إشراك بالله؟ كيف يكون إشراك بالله؟ قل لي أما تعظم والديك لحقهما عليك؟ فكيف بالأنبياء وكيف بصاحب الفضل العظيم عليك وهو محمد عليه الصلاة والسلام الذي فضله أكبر علينا من فضل آبائنا وأمهاتنا صلى الله عليه وسلم؟ ولذلك قالوا: لا يفدى بالنفس إلا سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، لا يفدى بالنفس إلا محمد عليه الصلاة والسلام، وإذًا تعظيم الأنبياء عبادة لله.
سؤال: نعظم الكعبة أو لا نعظمها؟ ألسنا نعظمها؟ ما هي الكعبة؟ أليست هي عبارة عن حجارة والآن خصوصًا مع هذه الأوقات في رمضان يا سعد من تيسر له أن يجتاز تلك الأمواج المحيطة بالكعبة حتى يصل إلى حجارتها لأنها بيت مبارك، ونعظم الكعبة فالله عظمها، من أفضل الكعبة أم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام؟ سيدنا محمد ولا شك، فإذا إذا كنا نعظم الكعبة كيف لا نعظم محمد عليه الصلاة والسلام؟ الله سبحانه وتعالى يحشرنا معه عليه الصلاة والسلام وعلى قدمه ويجمعنا به عند حوضه ويجمعنا به ونحن على فراش الموت، فالله أمرنا أن نعظم الأنبياء.
في الأصل في اللغة العزر في الأصل الرد، من هنا كلام الناس عزرت فلانًا عزرت ما معنى عزرت؟ عزرت فلانا أدبته تقول: عزرت ولدي أدبته يعني فعلت به ما يردعه عن القبيح، من هنا يقولون: عزر فلانًا فلانا
﴿وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾
قيل: المراد بها صدقة التطوع ﴿وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ بعضهم قال: دخلت الزكاة في ذلك، بعضهم قال: بل نقول صدقة التطوع أنتم قولوا صدقة التطوع بلا منٍّ، وقيل: هو كل خير واللام في
﴿لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾
جواب للقسم وهذا الجواب ساد مسد جواب القسم والشرط جميعا
﴿وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾
وقال يا إخواننا أقل واحد من أهل الجنة له في الجنة مسيرة ألفي سنة يرى أقصاها كما يرى أدنى ، ما هي هذه الدنيا في كم متر يعيش الواحد منا؟ كم بيتك خمسمائة متر؟ كم دنم أرض عندك؟ هناك في الجنة أقل واحد هذا أقل واحد كيف بالذين هم في الدرجات العالية؟ هذا وعد عظيم من الله سبحانه وتعالى لمثل ذلك ينبغي أن نبذل وفي مثل ذلك فليتنافس المتنافسين
﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾
أي بعد ذلك الشرط المؤكد المتعلق بالوعد العظيم
﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)﴾
أخطأ طريق الحق ، من كفر قبل ذلك فقد ضل سواء السبيل أيضا ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾
ما مزيدة لإفادة تفخيم الأمر
﴿لَعَنَّاهُمْ﴾
طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا أو مسخناهم أو ضربنا عليهم الجزية
﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾
يابسة لا رحمة فيها ولا لين ﴿قَسِيَّةً﴾ عند قراءة حمزة وعلي أي رديئة من قولهم درهم قسي أي رَدِي ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ وفي قراءة ﴿قَسِيَّةً﴾ القاسية اليابسة التي لا رحمة فيها
فشهوة النفس مع الذنوب *** موجبتان قسوة القلوب
وإن أبعد قلوب الناس *** من ربنا الرحيم قلب القاسي
ولما جاء مرة واحد إلى النبي عليه الصلاة والسلام يشكو أمر قسوة القلب ويسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن شيء يفعله حتى يلين قلبه فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: “أطعم المساكين وامسح على رأس اليتيم يلين قلبك” هذا من جملة الأشياء التي تجعل لينا في القلب الصدقة لتفك قسوة القلب أن تمسح على رأس اليتيم كما جاء أيضا في الحديث “له بكل شعرة حسنة عندما يمسح على رأس اليتيم” الابتعاد عن المعاصي سبب من لين القلب ثم يزداد لينا مع هذا الذي نذكر حتى الذي في قلبه قسوة إن فعل هذا إن شاء الله يلين قلبه فتتحرك نفسه للابتعاد عن الشهوات المحرمة
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾
يفسرونه على غير ما أنزل وهو بيان لقسوة قلوبهم لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير وحيه، كلمة عظيمة يقول: لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير وحيه وهؤلاء فعلوا هذا ويا ويل الذين يحرفون اليوم كلام الله، يا ويل الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، يا ويل الذين يتاجرون بالدين يغيرون الفتوى لأجل الهوى لأجل الجاه لأجل المال ، أي قسوة أشد من قسوة قلب الذي يفتري على الله ويغير ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم
﴿وَنَسُوا حَظًّا﴾
وتركوا نصيبا جزيلا وقصدا وافيا
﴿مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾
من التوراة يعني أن تركهم وإعراضهم عن التوراة إغفال حظ عظيم أو قست قلوبهم وفسدت فحرَّفوا التوراة وزلَّت أشياء منها عن حفظهم بسبب هذا الذي حصل منهم بسبب أنهم حرفوا التوراة انظروا إلى أي درجة وصلوا عندما حرفوا ما نزل بالوحي عندما تركوا وأعرضوا فأغفلوا حظا عظيما إلى ماذا صاروا؟ إلى قلوب شديدة القسوة، أكثر من قتل الأنبياء بنو إسرائيل ، يوجد صخرة في بيت المقدس سال عليها دماء سبعين نبيا انظروا قلوبهم إلى ماذا صارت عندما تركوا التوراة، ولذلك من أسباب نسيان العلم المعاصي من أسباب كما سيذكر الآن عن ابن مسعود من أسباب نسيان العلم كذلك المعاصي يعني يصير شؤم هذا الإنسان الذي يعصي قد يكون حافظا للقرآن فينساه، قد يكون حافظا للمتون الكثيرة فينسى بسبب ماذا؟ بسبب المعاصي، عن ابن مسعود رضي الله عنه (قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية) وقيل: تركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته
﴿وَلا تَزَالُ﴾
يا محمد
﴿تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾
أي هذه عادتهم وكان عليها أسلافهم، سبحان الله ذكر قبل ذلك ما كان من نقض هؤلاء النقباء وما كان من نقض بني إسرائيل قبل ذلك.
كان قد ذكر ما كان من بني قريظة من بسط أيديهم ليقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع بعد ذلك هنا على ذكر أن الله أطلع النبي عليه الصلاة والسلام على ما كان من عادة هؤلاء في الخيانة وعادتهم في الخيانة هي عادة من؟ عادة أسلافهم كانوا يخونون الرسل وهؤلاء يخونونك ويهمون بالفتك بك وقوله ﴿عَلَى خَائِنَةٍ﴾ أي على خيانة أو على فعلة ذات خيانة أو على فعلة ذات خيانة يعني ﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ يعني على خيانة منهم أو على فعلة ذات خيانة معنى خائنة منهم أو على نفس خائنة أو على فرقة خائنة كل هذه وجوه في هذا التفسير أو على نفس أو فرقة خائنة.
﴿إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾
وهم الذين آمنوا منهم
﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)﴾﴾
بعثٌ على مخالفتهم أو فاعف عن مؤمنيهم ولا تآخذهم بما سلف منهم
﴿وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾
وهو الإيمان بالله والرسل وأفعال الخير يتعلق بأَخَذْنا أي وأَخَذْنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم ، فقدََم على الفعل الجار والمجرور وفصل بين الفعل والواو بالجار والمجرور، هذه الواو وهذا الفعل أخذنا بينهما ماذا؟ من الذين (الجار والمجرور)، وإنما لم يقل من النصارى لأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصر الله وهم الذين قالوا لعيسى نحن أنصار الله، لكنهم حقيقة خانوا، هم كانوا يقولون: نحن نصارى لكنهم خانوا، ثم اختلفوا نسطورية ويعقوبية وملكانية أنصارًا للشيطان، هم أنفسهم فرق فيما بينهم و كل فرقة خالف الفرقة الثانية وتفرعوا هؤلاء ثم مجموع ما اختلفوا عليه افترقوا إلى 72 فرقة
﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا﴾
فألصقنا وألزمنا من غري بالشيء إذا لزمه ولصق به ومنه الغراء الذي يلصق به
﴿بَيْنَهُمْ﴾
بين فرق النصارى المختلفين
﴿الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾
بالأهواء المختلفة فيما بينهم بشؤم الذي كان منهم مع أنبياء الله ، الله يقول ﴿فَأَغْرَيْنَا﴾ ألصقنا فيما ﴿بَيْنَهُمْ﴾ بين فِرَقهم ﴿الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فلا يزالون فيما بينهم على البغضاء إلى يوم القيامة فكما يقال الغراء الذي هو لاصقٌ بالشيء وكذلك العداوة والبغضاء فيما بينهم لاصقة بهم
﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمْ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)﴾
أي في القيامة بالجزاء والعقاب
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾
خطاب لليهود والنصارى والكتاب للجنس
﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾
محمد عليه السلام
﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ﴾
من نحو صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن نحو الرجل
﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾
مما تخفونه لا يبينه أو يعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15)﴾
يريد القرآن، لكشفه ظلمات الشرك والشك ولإِبانة ما كان خافيًا على الناس، هذا القرآن هنا على هذا الوجه إما يقال ﴿نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ النور القرآن، وإما يقال النور محمد عليه الصلاة والسلام ولا حجة في ذلك على أن النبي مخلوق من نور ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ لكن نور تأتي بمعنى الهادي والنبي عليه الصلاة والسلام الله قال فيه ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)﴾ فالنبي نور بمعنى أنه الهادي عليه الصلاة والسلام الذي هدى الله تعالى به من شاء. لا تعني هذه الآية أن النبي عليه الصلاة والسلام مخلوق من نور.
ثم على التفسير الأول الذي ذكره القرآن، القرآن فيه أسرار عظيمة ، واحد من الأبدال و من كبار السلف الصالح يقال له: أبو معاوية كان هذا من كبار الصالحين كان يحافظ على قراءة القرآن الكريم ثم عُميَ بصره فكان إذا جاء وقت القراءة اعتاد أن يقرأ القرآن في وقت فيفتح الله بصره في ذلك الوقت ، فعندما يُمسك المصحف ليقرأ يُرد إليه بصره فإذا أنهى القراءة لا يرى بعد ذلك حتى يأتي وقت القراءة على حسب ما كان معتادا، كم في كتاب الله تعالى من البركة، وَلإِبَانَتِهِ مَا كَانَ خَافِيًا عَلَى النَّاسِ مِنَ الْحَقِّ أَوْ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْإِعْجَاز، أَوْ النُّورُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُ يُهْتَدَى بِهِ كَمَا سُمِّيَ سِرَاجًا
﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾
أي بالقرآن
﴿مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾
من آمن منهم
﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾
طرق السلامة والنجاة من عذاب الله
وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾
من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام
﴿بِإِذْنِهِ﴾
بإرادته وتوفيقه
﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾
معناه بَتُّ القول على أن الله هو المسيح، يعني على قولهم هؤلاء قالوا: الله هو المسيح هكذا عندهم فقط هم اختلفوا بعضهم قال هذا، بعضهم قال غير هذا، بعضهم قال الله هو المسيح، الله ماذا قال فيهم؟ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هذا بنص القرآن ، قيل كان في النصارى قوم يقولون ذلك أو لأن مذهبهم يؤدي إليه حيث إنهم اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت.
﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا﴾
فمن يمنع من قدرته ومشيئته شيئا
﴿إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾
، أي إن أراد أن يهلك من دعوه إلاهًا من المسيح وأمه يعني أن المسيح عبد مخلوق كسائر العباد، وعطف ﴿مَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ على المسيح وأمه إبانة أنهما من جنسهم لا تفاوت بينهما وبينهم، كيف يقولون بأن عيسى عليه السلام هو الله؟ ﴿مَنْ يَمْلِكُ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا﴾ من يمنع من قدرة الله ومشيئته لو أراد أن يهلك البشر لو أراد أن يهلك من يهلك لو أراد أن يهلك المسيح وأمه مريم عليها السلام ومن في الأرض جميعًا من يستطيع أن يمنع قدرة الله ومشيئته ، لماذا ذكر هذا السياق؟ ليس المراد بهذا إهانة لسيدنا عيسى هو بريء من هؤلاء وأمه الصّديقة مريم التي هي سيدة نساء العالمين هي ليست نبيَّة لكن ولية صالحة ، سيدة نساء العالمين.
الإبانة أن المسيح الذي قالوا بأنه هو الله وأمه مريم الصِّديقة من جنس البشر فكيف يقولون بأن عيسى هو الله وبأنه خالق؟ والمعنى أن من اشتمل عليه رحم الأمومية متى يفارقه نقص البشرية ومن لاحت عليه شواهد الحدَثِيَّة أنّى يليق به نعت الربوبية.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾
أي يخلق من ذكر وأنثى، ويخلق من أنثى بلا ذكر كما خلق عيسى، ويخلق من ذكر من غير أنثى كما خلق حواء من آدم، ويخلق من غير ذكر وأنثى كما خلق آدم، تبارك الله أحسن الخالقين.
آدم عليه السلام خُلِق من غير ذكر ومن غير أنثى خلقه الله تعالى من التراب، حواء قيل: سميت حواء لأنها خلقت من شيء حي من ضلع آدم الأيسر الأقصر خلقت من آدم عليه السلام، ثم خلق الله تعالى عيسى، خلقه من أنثى بلا ذكر، وقد يخلق الله تعالى كذلك من ذكر وأنثى.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)﴾
معناه هذا رد على النصارى الذين يقولون عيسى هو الله، الله تعالى له ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء يخلق هذا من ذكر، ويخلق هذا من ذكر وأنثى، ويخلق هذا من أنثى من غير ذكر، يخلق هذا مما شاء سبحانه وتعالى قادر سبحانه وتعالى على كل شيء، أو يخلق ما يشاء كخلق الطير على يد عيسى معجزة له فلا اعتراض عليه لأنه الفعال لما يريد.