﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ (56) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63) وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)﴾
يقول المؤلف رحمه الله عقب النهي عن موالاة من تجب معاداتهم ذكر من تجب موالاتهم بقوله
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾
وإنما يفيد اختصاصهم بالموالاة ولم يجمع الولي وإن كان المذكور جماعة تنبيهًا على أن الولاية لله أصل ولغيره تبع، ولو قيل إنما أولياؤهم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع، نتبع محمد عليه الصلاة والسلام لأن الله أمرنا بذلك، إن أحببنا أحببنا في الله ولله، وإن أبغضنا أبغضنا لله، من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان.
بعد أن حذَّر من موالاة الكفار -ومعنى الموالاة المناصرة أي المُوادَّة لهم والمحبة لهم استنصارهم – فهنا ذكر من تجب موالاته وجاء الأمر بموالاة الله سبحانه وتعالى وموالاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهيه.
ومحل ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ الرفع على البدل من الذين آمنوا أو على هم الذين أو النصب على المدح
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ والواو فيه
﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)﴾
للحال أن يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة، حتى وهو يصلي قد يأتيه السائل فيعطيه وهو يصلي من غير أن يتحرك حركة كثيرة من غير أن تكون حركة مبطلة للصلاة .
قيل إنها نزلت في علي رضي الله عنه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح له خاتمه كأنه كان مَرِجًا في خنصره، مَرِجًا يعني متحركًا، كان يسهل أنه يخرج من مكانه فلم يتكلف لخلعه كثيرًا، وورده بلفظ الجمع وإن كان السبب فيه واحدًا ترغيبًا للناس في مثل فعله لينال مثل ثوابه، والآية تدل على جواز الصدقة في الصلاة وعلى أن الفعل القليل لا يفسد الصلاة
تفصيل: تكون الحركة مبطلة للصلاة إذا كان الفعل كثيرًا متواليًا أي كان يسع قدر ركعة من الزمن وهذا الراجح دليلًا في مذهب الشافعي رحمه الله، فإن لم تكن الحركة كثيرة كإن جاءك من هو محتاج وكنت تصلي تصدقت وأنت تصلي، يجوز، وهذا ذكر في كتاب الله عز وجل.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾
يتخذه وليًا أو يكون وليًا
﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ (56)﴾
من إقامة الظاهر مقام الضمير أي فإنهم هم الغالبون أو المراد بحزب الله: الرسول والمؤمنون أي ومن يتولهم فقد تولى حزب الله واعتقد بمن لا يغالب وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حَزَبهم أي أصابهم وروي أن رفاعة بن زيد وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا وكان رجال من المسلمين يوادونهما فنزل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾
يعني اتخاذهم دينكم هزوًا ولعبًا لا يصح أن يقابل باتخاذكم إياهم أولياءً، بل يقابل ذلك بالبغضاء والمنابذة، هذا فيه إشارة إلى أن من كان يعادي أهل السنة والجماعة لا توادوه وانبذوه، من كان يطعن في أهل السنة لا توالوه لا تناصروه لا تمشوا معه لأن المشي معه تقوية له على أهل السنة.
إن كان هناك من يهزئ بديننا فكيف نحن نتخذه وليًا لنا؟ كيف نناصره؟ كيف نواده؟ وكذلك لو كان هناك من هو فاسق يطعن في أهل السنة فهذا خبيث هو عدو الله وعدو دين الله ما حركه لذلك إلا خبث في نفسه حتى لو كان من حيث الظاهر يقوم الليل كله، وإذًا لا توالِ من كان على مثل هذا الحال.
ثم إنه في دعاء القنوت الذي هو في اعتدال الركعة الثانية من صلاة الصبح وكذلك في اعتدال الركعة الأخيرة من صلاة الوتر في النصف الثاني من شهر رمضان من جملة ما فيه: (اللَّهُمَّ اهْدِنا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنا فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لنا فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنا شَرَّ مَا قَضَيْتَ؛ فَإِنَّكَ تَقْضِي بالحق وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبارَكْتَ رَبَّنا وَتَعَالَيْتَ لك الحمد على ما قضيت نستغفرك اللهم ونتوب إليك)) (وإنه لا يذل من واليت) ما معناه؟ أي من أكرمته يا رب لا يكون ذليلًا ولو كان بعض الناس يؤذيه ويذله فهو عزيز عندك، الأنبياء كثير منهم الكفار قتلوهم وكثير منهم أُوذِي من غير أن يصل إلى حد القتل ومع هذا هم عند الله أعزاء لأن هذا الأذى الذي نالهم من الخلق عزٌ لهم عند الله، فعندما ينال الداعية إلى الله الأذى فهذا عزٌ له عند الله عز وجل لذلك قال بعضهم:
قل للمُعانِد الطاغي وربي *** ما الأذى منك إلا عزٌ لي عند ربي
وأما قوله (ولا يعز من عاديت) فمن كان عدوًا لك يا رب لا يصير عزيزًا أي عند الله وعند خيار الناس لا يصير عزيزًا وإلا عند كثير من الناس قد يصير عزيزًا ذلك لا عبرة به، قال صلى الله عليه وسلم: “رب مكرم لنفسه وهو لها مهين” كم وكم من الناس يهين نفسه هو يظن أنه يكرمها وإنما هو يهينها بمعصية الله تعالى.
لذلك قال بعض العلماء: (اللهم انقلنا من ذل المعصية إلى عز الطاعة) لأن المعصية ذل والطاعة عز، ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإذ ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله) فالكافر مهما ظن أنه يكرم نفسه بالملابس الفاخرة والأثاث الفاخر وغير ذلك من متاع الدنيا الزائل فهو عند الله ذليل مهما كان غنيًا، لا تنخدع بحسن مظهره لا تنخدع بملبسه ولا تنخدع بحاشيته و بجاهه هذا أحقر من القذر الذي يخرج من ابن آدم وفي ذلك قال بعضهم:
فدين الله عنوان المعالي *** وعز للرجال والنساء
وكل الذل في كفر مهين *** يحيل المرء دون الخنفساء
﴿مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مِنْ للبيان
﴿مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ﴾
أي المشركين وهو عطف على الذين المنصوبة
﴿وَالْكُفَّارِ﴾ بصري وعلي عطف على الذين المجرورة يعني في قراءة ﴿وَالْكُفَّارِ﴾ أي ﴿مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ومن الكفار
﴿أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في موالاة الكفار أي لا توالوا الكفار
﴿إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (57)﴾
حقًا، لأن الإيمان حقًا يأبى موالاة أعداء الدين، درجة عالية في كمال الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فيصير القلب معلقًا بالله عز وجل ومعلقًا بالنبي عليه الصلاة والسلام والأولياء والصالحين.
﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا﴾
أي الصلاة أو المناداة
﴿هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (58)﴾
لأن لعبهم وهُزُوَّهُم من أفعال السفهاء والجهلة فكأنهم لا عقل لهم وفيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾
يعني ماذا تعيبون علينا؟ ﴿إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ وبالكتب المنزلة كلها، يعني هل تعيبون منا وتنكرون إلا الإيمان بالله وبالكتب المنزلة كلها.
﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59)﴾
وهو عطف على المجرور أي ما تنقمون منا إلا الإيمان بالله وما أنزل وبأن أكثركم فاسقون، لأن منهم حقيقةً من أسلم وآمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، أليس يوجد من أمثال النجاشي و من أمثال عبد الله بن سلام من آمن لكن أكثرهم ما آمن.
والمعنى: أعاديتمونا لأنا اعتقدنا توحيد الله وصدق أنبيائه؟ وفسقكم لمخالفتكم لنا في ذلك ويجوز أن يكون الواو بمعنى مع أي وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله مع أنكم فاسقون وهذا وجه.
فإما أن يقال:
1.لم تنقمون منا؟ ما تعيبون علينا؟ ما تنقمون إلا إنا على التوحيد والإيمان بالله
2. أو أن يقال: أي ما تنقمون منا إلا الإيمان بالله مع أنكم فاسقون يعني مع أنكم أنتم فاسقون
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾
في الأصل تأتي “مثوبة” ليس في موضع العقوبة إنما في موضع الثواب، لكن هنا جاءت في موضع العقوبة، وهو نصب على التمييز والمثوبة وإن كانت مختصة بالإحسان ولكنها وضعت موضع العقوبة كقوله ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ وهي في الأصل البشارة.
وكان اليهود يزعمون أن المسلمين مستوجبون للعقوبة، زعم اليهود زيادة على هذا ﴿قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ وإلى أين وصلوا؟ قالوا: العقوبة ستكون للمسلمين واجبة أن تكون للمسلمين، فقيل لهم
﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾
شَرعقوبة في الحقيقة من أهل الإسلام في زعمكم، وذلك إشارة إلى المتقدم أي الإيمان أي بِشَرِّ ما نقمتم من إيماننا ثوابًا أي جزاءَ.
﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ﴾
يعني أصحاب السبت
﴿وَالْخَنَازِيرَ﴾
أي كفار أهل مائدة عيسى عليه السلام، فكان منهم القردة يعني أصحاب السبت الذين اعتدوا بالسبت هذا وجه، أو كلا المسخين من أصحاب السبت فشُبَّانهم مُسِخوا قرده ومشايخهم مُسِخوا خنازير،، لكن هؤلاء ما أعقبوا ذرية كلهم ماتوا يعني بعد ذلك ما صار هناك بشر من هذه القردة والخنازير، أهلكهم الله تعالى وما كان منهم ذرية.
﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾
وجعل منهم من عبد الطاغوت، عَبَدَ العجل أو الشيطان لأن عبادتهم العجل بتزيين الشيطان وهو عطف على صلة مَنْ كأنه قيل ومن عبد الطاغوت وهو معطوف على القرد والخنازير أي جعل الله منهم من عبد الطاغوت
﴿أُوْلَئِكَ﴾
الممسوخون الملعونون
﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾
شرًا كبيرًا، جُعِلت الشرارة للمكان وهي لأهله لشدة المبالغة في درجة الشر الذي وصلوا
﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)﴾
عن قصد الطريق الموصل إلى الجنة، ونزلت في ناس من اليهود كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم ويظهرون له الإيمان نفاقًا.
﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾
الباء للحال أي دخلوا كافرين وخرجوا كافرين ﴿دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ يعني دخلوا كافرين ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ وخرجوا كافرين نفاقًا بألسنتهم، ولذا دخلت قد تقريبا للماضي من الحال وهو متعلق ب ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ أي قالوا ذلك وهذه حالهم.
مثال ذلك اليوم: من هؤلاء من يأتي صورته صورة الشيخ يرى السبحة في يدك وكأنه رأى صنمًا أو وثنًا فينزع السبحة منك بشدة، هو حقيقة في قلبه معادٍ لله ومعادٍ للنبي عليه الصلاة والسلام، ومثل هذا الذي يقول لك حرام عليك أن تزور النبي عليه الصلاة والسلام، هذا الذي يقول لك حرام عليك أن تقرأ القرآن ثم تهدي الثواب إلى النبي عليه الصلاة والسلام أو إلى أموات المسلمين هذا حقيقة لا يحب دين الله ولا يحب رسول الله، إنما هذا فاسد منافق ليس صادقًا.
هؤلاء خطر كبير على أمة الإسلام اليوم حال المنافقين ونحن نقرأ في كتاب الله عز وجل وحال هؤلاء نجد أن هذا القرآن الكريم منهج أعطانا طريقا واضحًا وميزانًا مستقيمًا تزن به ما يسير حولك اليوم من أحوال أهل الضلال ومِنَ الذي يلقاه أهل السنة والجماعة في هذا الزمن من الغربة قال سيدنا علي:
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم *** على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقيمة المرء ما قد كان يحسنه *** والجاهلون لأهل العلم أعداء
فقم بعلم ولا تطلب به بدلا *** فالناس موتى وأهل العلم أحياء
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61)﴾
من النفاق
﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾
من اليهود
﴿يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
على الوجه الأول الإثم معناه الكذب والعدوان أي الظلم، ويذكر وجها آخر، (الإثم) ما يختص بهم ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ ما يتعداهم إلى غيرهم والمسارعة في الشيء الشروع فيه بسرعة.
﴿وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ﴾
الحرام
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62)﴾
لبئس شيئًا عملوه
﴿لَوْلا﴾
هلَّا وهو تحقيق
﴿يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)﴾
عن ابن عباس رضي الله عنهما: هي أشد آية في القرآن في هذا الموضوع، حيث أنزل تارك النهي عن المنكر منزلة مرتكب المنكر في الوعيد و هذا للتشديد على ذنب الذي يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ليس معناه تمامًا في كل الوجوه و بنفس الدرجة لكن في الوعيد يعني أتى معه في نفس السياق بالوعيد.
وهذه الأمة إن لم تنكر المنكرات وإذا لم يكن الإنكارعلى أهل الفرق والبدع الضالة سيكون هناك بلاء عام على الأمة وأمراض ووباء بشؤم معصية ترك إنكار المنكرات، ما انتشر المنكر في أرض ولم ينكر إلا خربت تلك الأرض وإن كانت قبل ذلك عامرة.
﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾
أي واسع الكرام وهذا يقال له تأويل
التأويل هو: رد الآية المتشابهة إلى الآية المحكمة بما هو موافق للغة العرب وما هو موافق للآيات المحكمة ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات من أم الكتاب وأخر متشابهات﴾، ﴿أم الكتاب﴾ أي الأصول التي يرجع إليها لذلك قوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ يقال هذه الآية الأم و المرجع فترجع إليها الآيات المتشابهة و ترد إليها.
تفصيل: في لغة العرب اليد لها أكثر من أربعة عشر معنى منها: الجارحة وهذا لا يليق بالله سبحانه وتعالى، لكن من معانيها الكرم ومن معانيها القدرة ومن معانيها العناية
1.﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ أي بعنايتي ليس على معنى القدرة
2.﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون﴾أي بقوة وبقدرة
3.﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ أي واسع الكرم، روي أن اليهود لعنهم الله لما كذبوا محمدًا عليه السلام ذهب ما كانوا عليه من السعة وكانوا من أكثر الناس مالًا فعند ذلك قال فنحاص وهو من اليهود: يد الله مغلولة، ورضي بقوله الآخرون فأَشركوا.
وغَلُّ اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾ ولا يقصد المتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط حتى إنه يستعمل في ملك، يعطي ويمنع بالإشارة من غير استعمال اليد.
في هذا رد على المشبهة الذين يحتجون بإثبات الجارحة لله بهذه الآية ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاءً جزيلًا لقالوا ما أبسط يده بالنوال وقد استعمل حيث لا تصح اليد، فيقال: بسط البأس كفيه في صدري فجعل للبأس الذي هو من المعاني كفان، ومن لم ينظر في علم البيان يتحير في تأويل أمثال هذه الآية.
وقوله ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ دعاء عليهم بالبخل ومن ثم كانوا أبخل خلق الله، وهذا حال اليهود، أو تغل في جهنم فهي كأنها غلت، وإنما ثنيت اليد في ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وهي مفردة في ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ليكون رد قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفي البخل عنه.
﴿يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾
تأكيد للوصف بالسخاء ودلالة على أنه لا ينفق إلا على مقتضى الحكمة
﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾
من اليهود
﴿مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾
أي يزدادون عند نزول القرآن لحسدهم تماديًا في الجحود وكفرًا بآيات الله وهذا من إضافة الفعل إلى السبب، بعض الناس يسمع كلام الله عز وجل ويهتدي قلبه وبعض الناس كهؤلاء كلما سمعوا شيئا من الآيات ازدادوا كفرا.
﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾
فكلامهم أبدًا مختلف وقلوبهم شتى لا يقع بينهم اتفاق ولا تعاضد، قال ابن الجوزي في تفسيره فيمن عنا بهذا قولان أحدهما: اليهود والنصارى دائمًا فيما بينهم العداوة والبغضاء وقال ابن عباس مثل هذا القول بأن المراد هو اليهود والنصارى، فإن قيل فأين ذكر النصارى؟ فالجواب أنه متقدم في قوله تعالى ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ فابن عباس اعتمد أنه جاءت الآية المتقدمة ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ فقال: إذا المراد هنا في قوله تعالى ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ المراد بذلك اليهود والنصارى، والقول الثاني أنهم اليهود وهذا قاله قتادة.
﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾
كلما أرادوا محاربة أحد غُلِبوا وقُهِروا، لم يقم لهم نصر من الله على أحد قط وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس، وقيل: كلما حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نُصِر عليهم، عن قتاده: (لا تلقى يهوديًا في بلده إلا وقد وجدته من أذل الناس) هكذا كانوا في زمانه فلا تلقى يهودياً إلا وجدته من أذل الناس.
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾
ويجتهدون في دفع الإسلام ومحو ذكر النبي عليه السلام من كتبهم
﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)﴾