﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾
﴿وَأَنْ احْكُمْ﴾
معطوف على ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾
﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾
أي أن يصرفوك وهو مفعول له، أي مخافة أن يفتنوك وإنما حذره وهو رسول مأمون لقطع أطماع القوم.
تفصيل: رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمون ومعصوم من أن يتبع أهواء المشركين ولكن لقطع أطماعهم فيما يبغونه من أن يتبع صلى الله عليه وسلم أهواءهم الله تعالى قال: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ ومعناها أنهم لن يفتنوك فرسول الله معصوم ومأمون عليه الصلاة والسلام أليس الله تعالى قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، يعني أولياء الله الصالحون لا يستطيع الشيطان أن يتسلط عليهم حتى يغرقهم في المعاصي و هذا في حق الأولياء فكيف في حق الأنبياء؟ ثم كيف في حق سيد الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام؟
في هذه الآية ليس المعنى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يُخشى عليه أن يتبع أهواء الكفار بل هو مأمون معصوم عليه الصلاة والسلام من ذلك، حتى قبل أن يُنبأ عليه الصلاة والسلام بالوحي عنده أصل الإيمان بالله، كان عليه الصلاة والسلام يذهب إلى ذلك الغار المبارك إلى جبل النور إلى غار حراء يمكث فيه عليه الصلاة والسلام منقطعًا عن المشركين وأهواءهم وهذا كان قبل أن يُنبأ عليه الصلاة والسلام، فهو لم يسجد لصنم لأن أصل الإيمان عنده.
والأنبياء مؤمنون بالله حتى قبل أن ينزل عليهم الوحي بالنبوة، ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ فهذا معناه ما كان عند الرسول عليه الصلاة والسلام تفاصيل الشريعة، ليس المعنى أنه كان ضالًّا والعياذ بالله تعالى.
ما أشنع ما قاله واحد يقال له ناصر الألباني قال: حتى النبي محمد كان ضالًا في العقيدة، قال: لا حرج أن نقول ضالًّا في العقيدة، ما هذه الجرأة على حبيب الله عليه الصلاة والسلام وقد يذكر بعضهم شيئًا من هذه الآيات ليقول كاد الرسول أن يفتن لولا أن ثبته الله، الله تعالى حفظه وبحفظ الله عز وجل لكن ما كان عليه الصلاة والسلام ليتبع أهواء الكفار.
﴿عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾
عن الحكم بما أنزل الله إليك وأرادوا غيره
﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾
أي بذنب التولي عن حكم الله وإرادة خلافه، فوضع ببعض ذنوبهم موضع ذلك وهذا الإبهام لتعظيم التولي وفيه تعظيم الذنوب فإن الذنوب بعضها مهلك فكيف بِكُلها؟
وهذا الموضع من كتاب الله عز وجل فيه تحذير كبير من المعاصي مهما كان ذلك الذنب صغيرًا فإن المعصية لها شؤمها على قلب العبد وبسبب المعاصي تكون الابتلاءات بعض الناس يبتلى بمرض لا يُعرَف سببه ولا يُعرَف من قبل وإنما السبب في ذلك شؤم المعصية ومن أكثر المعاصي في هذا الوقت التي صار شؤمها شؤمًا عامًّا كما هو شؤم خاص: ترك إنكار المنكر، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه قبل أن يموتوا” اي تعجيل لهم بالعقوبة، بعقاب قريب.
الذي يترك إنكار المنكر يترك أهل الضلال يعيثون في الدنيا، في البلاد وبين العباد الفساد وينشرون منكراتهم ثم يسكت، فهذا يخشى عليه أن يبتليه الله تعالى بأنواع من الأمراض لا يعرفها ولا يعرف لها علاج، قد يكون بلاءً في الصحة قد يكون بلاءً في الولد قد يكون بلاءً بالمال وقد يجتمع أكثر من نوع من البلاء فاحذر المعصية احذر أن تعصي الله تعالى.
بعض الذنوب كأكل الربا يخشى عليه من سوء الخاتمة، والذي يعادي أولياء الله يخشى عليه من سوء الخاتمة، الذي يعادي أهل السنة والجماعة يخشى عليه من سوء الخاتمة، حتى لو كان عبد مؤمن مؤمن ليس كافر لكن صار يطعن في أهل السنة (هذا عدو الله وعدو دين الله) معناه خبيث ، وكلمة عدو الله ليس فقط عن الكافر قد تأتي على الفاسق أيضًا لأن فيه إضعاف أهل السنة وهو حرام من الكبائر.
الذي يترك الصلاة ولو فرض واحد قد يعذب عليه في القبر وفي يوم القيامة، الذي عليه صلوات مفروضة فاتته بلا عذر وما اشتغل بالقضاء عاصٍ آثم ذنبه كبير لو صلى نافلة لا يقبلها الله منه، لا ثواب له في صلاة النافلة مع تركه الفرض في القضاء للصلاة التي تركها بلا عذر.
قبل أن تصلي قيام رمضان لو حضرت إلى المسجد عليك قضاء صلوات فاتتك بلا عذر، تأخذ مكانًا في المسجد وتصلي القضاء لأنك إن مت لن تُسأل يوم القيامة عن النفل، لكني ستُسأل عن الفرض. فالذي عليه صلوات فاتته بلا عذر يجب عليه أن يعجل بالقضاء ليس له لا يشرع له أن يتنفل بالصلاة وهو عليه قضاء صلوات فاتته بلا عذر، أما الذي فاتته صلوات بعذر، مثلًا كان ينام عن صلاة الفجر ثم استيقظ بعد الفجر ونحو ذلك و ما اشتغل فورًا بالقضاء ليس عليه معصية، لكن هذا يقع في الكراهة.
تفصيل: إذا كان مثلًا فاتته صلاة الفجر ثم صار وقت الظهر والوقت يسع أي يستطيع أن يقضي الفجر ثم بعد ذلك يصلي الظهر، مجموع الفوائت التي عليه أقل من خمسة مثلًا فما اشتغل بالقضاء فما راعى الترتيب تصح صلاة الظهر عند الشافعي، و بعض الأئمة كمالك قال: لا تصح، والذين قالوا: تصح قالوا: لكن يكون وقع في الكراهة.
عندما تحدثك نفسك بالذنب فاذكر الله، وإن زين الشيطان لك أن هذا ذنب صغير فاذكر عظمة الخالق الذي تريد أن تعصي، الله عز وجل حذرنا من الوقوع في الذنوب والمعاصي
فائدة: هذا لا يعني أن كل بلاء ينزل يصيب عبدًا معناه بشؤم معصيته، لا ليس هكذا، ورد عن سيدنا العباس رضي الله عنه عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم إنه لم ينزل بلاءٌ إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة) قالوا: هذا على وجه العموم، لكن لا يعني أن كل بلاء يصيب عبدًا سببه أنه عصى.
قال المصطفى عليه الصلاة والسلام: “أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه” كلما أحب اللهَ العبدُ وأحب رسول الله كلما كان ابتلاؤه أكثر، ليعظم أجره وثوابه عند الله في الآخرة.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)﴾
لخارجون عن أمر الله، وهنا الفسق من معانيه: الخروج عن أمر الله، فكثير من الناس خارجون عن طاعة الله، خارجون عن أمر الله عز وجل، و الذي خرج عن طاعة الله خرج عن أمر الله عز وجل وهذا حال كثير من الناس فالذي يكون اليوم على علم أهل السنة والجماعة ليحمد الله وبعد ذلك ماذا يفوته من حظ الدنيا لا يبالِ.
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾
يطلبون، وبالتالي شامي.
يخاطب بني النضير في تفاضلهم على بني قريظة وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “القتلى سواء” رواه ابن أبي شيبة.
قال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت الآية، وسُئِل طاووس عن الرجل الذي يُفضل بعض ولده على بعض فقرأ هذه الآية وناصب
تفصيل: بالنسبة للميل القلبي الذي يكون من الأب تجاه أولاده لو مال قلبه إلى بعض أكثر من بعض هذا لا مؤاخذة فيه ولا يملكه الشخص، لكن في أمر التسوية في العطية إن أعطى أحد أولاده شيء ولم يعط الآخر أو أعطاه أنقص وما ساوى بينهما في العطية بعض العلماء قال: مكروه و بعضهم قال: وقع في المعصية.
بعضهم قال: التسوية في العطية واجبة بين الأولاد و بعضهم قال: مستحب، أما في الميل القلبي فلا إثم عليه وهذا لا يملكه لو مال قلبه إلى واحد أكثر من واحد لا يملك لكن لا يظلم.
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ مبتدأ وخبره وهو استفهام في معنى النفي أي لا أحد أحسن ﴿مِنْ اللَّهِ حُكْمًا﴾ هو تمييز واللام في ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)﴾ للبيان كاللام في (هيت لك) أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون فإنهم هم الذين يتبينون ألّا أعدل من الله ولا أحسن حكمًا منه.
فنقول: الله يجعلنا من القوم الموقنين، كلما كان عنده يقين كلما استراح فؤاده، استراح قلبه، وانصرف عندها عن الالتفات إلى الدنيا، فكان سيدنا الرفاعي أحمد رضي الله عنه يقول: (ملتفت لا يصل) فلا تلتفت إلى الدنيا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾
أي لا تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم وتآخونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين، سبحان الله العظيم من بعد كلام الله ماذا يبقى؟ لك هؤلاء أعداء الدين لا تناصرهم ولا تستنصرهم لأنك إن ناصرتهم أو استنصرتهم إنما هم يتآمرون عليك لا يريدون الخير بالمسلمين بتيجي أنت بتقوي أفعى؟ بتقوي أفعى؟ إذا أنت عندك مشكلة في البيت بتروح تجيب أفعى للبيت بتقول عشان تقتل الأفاعي الثانية؟ أو حتى مش الأفاعي الثانية تقتل بعض من الحشرات الأخرى الموجودة في البيت بتروح بتجيب حية للبيت؟ خلصت الحية عن الأشياء الثانية بعدين الحية وين حتروح؟ عليك وعلى أهل بيتك وهؤلاء لا تنصرهم ولا تستنصرهم لا تآخوههم ولا تعاشروهم معاشرة المؤمنين ليش؟ ثم علل النهي، ثم علل النهي بقوله
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
وكلهم أعداء المؤمنين، كلهم أعداء الدين. وهذا فيه دليل على أن الكفر كله ملة واحدة.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾
زيادة في التنفير عنهم من جملتهم وحكمه حكمهم وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)﴾
لا يرشد الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة، وفي هذا دليل من أهل السنة والجماعة على المعتزلة في أن كل ما يجري بمشيئة الله عز وجل، فالله لا يهدي القوم الظالمين يعني من كفر بالله هذا بمشيئة الله له، ومن آمن بالله بمشيئة الله له، لكن لا يعني ذلك أن الله يرضى بالكفر أو يرضى بالظلم ولا يعني ذلك أن الله يأمر بالكفر أو يأمر بالظلم بل الله يأمر الجميع بالإيمان ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الكفر ويحب الإيمان ويأمر بالإيمان وهو سبحانه خالق للإيمان وخالق للكفر والإيمان بمشيئة الله والكفر كذلك بمشيئة الله عز وجل.
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾
يوجد أمراض للقلوب مثل النفاق، والمعاصي مرض والأمراض الباطنة أمرها صعب
﴿يُسَارِعُونَ﴾ حال أو مفعول ثاني لاحتمال أن يكون فترى من رؤية العين أو القلب
﴿فِيهِم﴾ في معاونتهم على المسلمين وموالاتهم
﴿يَقُولُونَ﴾ أي في أنفسهم لقوله ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا﴾
﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾
أي حادثة تدور بالحال التي يكونون عليها
﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾
لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وإظهار المسلمين
﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾
أي يؤمر النبي عليه السلام بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم
﴿فَيُصْبِحُوا﴾
أي المنافقون
﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾
من النفاق
﴿نَادِمِينَ (52)﴾ خبر
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾
أي يقول بعضهم لبعض عند ذلك
﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾
أي أقسموا لكم بإغلاظ الأيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار و ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ مصدر في تقدير الحال أي مجتهدين في توكيد أيمانهم
﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾
ضاعت أعمالهم التي عملوها رياءً وسمعةً لا إيمانًا وعقيدةً وهذا من قول الله عز وجل شهادة لهم بحبوط الأعمال وتعجيبًا من سوء حالهم
﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53)﴾
في الدنيا والعقبى لفوات المعونة ودوام العقوبة
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾
من يرجع منكم عن دين الإسلام إلى ما كان عليه من الكفر
﴿يَرْتَدد﴾ مدني وشامي
﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾
يرضى أعمالهم ويثني عليهم بها ويطيعونه ويؤثرون رضاه، وفيه دليل نبوته عليه السلام حيث أخبرهم بما لم يكن فكان، وإثبات خلافة الصديق لأنه جاهد المرتدين وفي صحة خلافته وخلافة عمر رضي الله عنهما
﴿أَذِلَّةٍ﴾ جمع ذليل
﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل للمؤمنين لتضمن الذل معنى الحنو والعطف كأنه قيل: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع
﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
أشداء عليهم، والعزاز الأرض الصلبة، فهم مع المؤمنين كالولد لوالده والعبد لسيده ومع الكافرين كالسبع على فريسته
﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
يقاتلون الكفار وهو صفة لقوم يحبهم وأعزة وأذلة
﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾
الواو يحتمل أن تكون للحال أي يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين فإن المنافقين كانوا موالين لليهود فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود فلا يعملون شيئا مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم، وأما المؤمنون فمجاهدتهم لله
﴿لا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ وأن تكون للعطف أي من صفاتهم المجاهدة في سبيل الله وهم صلاب في دينهم إذا شرعوا في أمر من أمور الدين لا يخافون لومة لائم واللومة المرة من اللوم وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قيل: لا يخافون شيئا قط من لوم واحد من اللوام
﴿ذَلِكَ﴾
إشارة إلى ما وصف به القوم من المحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف اللومة
﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾
كثير الفواضل
﴿عَلِيمٌ (54)﴾
بمن هو من أهلها، عقب النهي عن موالاة من تجب معاداتهم ذكر من تجب موالاتهم، هذه الآية العظيمة من كتاب الله عز وجل فيها وصف قوم نسأل الله عز وجل أن نكون منهم يحبون الله ويحبهم الله
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾
هذه الآية الكريمة نزلت في أهل السنة والجماعة ولله الحمد، جاء في تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن ما نصه: “روى الحاكم أبو عبد الله في المستدرك بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أبي موسى الأشعري لما نزلت هذه الآية فقال: هم قوم هذا”.
قال الإمام القشيري: (فأتباع أبي الحسن من قومه لأن كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به الأتباع) ونعني الآن أبا الحسن الأشعري إمام أهل السنة والجماعة الذي هو من سلالة أبي موسى الأشعري وإذًا المراد بذلك الأشاعرة فلو لم تكن من سلالة أبي الحسن الأشعري لكنك على طريقة الإمام الأشعري في نصرة دين الله تعالى فأنت من جملة هؤلاء.
وجاء في تفسير الطبري جامع البيان في تفسير القرآن لما نزلت هذه الآية قال: “أومأَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء كان معه فقال: هم قوم هذا” قوم أبي موسى الأشعري. أبو موسى الأشعري الذي كان منه إمام أهل السنة أبو الحسن الأشعري من كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
كان بعثه عليه الصلاة والسلام هو ومعاذ بن جبل إلى اليمن قاضيين فنشرا دين الله تعالى في اليمن وكان قد أوتي صوتًا جميلًا جدًا في تلاوة القرآن الكريم، فكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى: (ذكرنا ربنا تعالى فيقرأ) الفاروق عمر كان يطلب منه أن يقرأ القرآن.
وعن أبي موسى قال: خرجنا غازين في البحر والريح لنا طيبة والشراع لنا مرفوع، قال: فسمعنا مناديًا ينادي يا أهل السفينة قفوا أخبركم حتى والى بين سبعة أصوات، قال أبو موسى: فقمت على صدر السفينة فقلت: من أنت؟ ومن أين أنت؟ أوما ترى أين نحن؟ وهل نستطيع وقوفا؟ قال: فأجابني الصوت: ألا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه، قال: قلت بلى أخبرنا، قال الهاتف: فإن الله قضى على نفسه أنه من عطّش نفسه لله في يوم حار كان حقا على الله أن يرويه يوم القيامة، والمراد هنا عطّش نفسه أي صام، قال: فكان أبو موسى يتوخى ذلك اليوم الحار الشديد.
وعن الضحاك قال: دعا أبو موسى فتيانه حين حضرته الوفاة فقال: اذهبوا وهو وعلى فراش الموت فاحفروا وأوسعوا وأعمقوا، فجاءوا فقالوا: قد حفرنا وأوسعنا وأعمقنا فقال: والله لإحدى المنزلتين، قال: إما ليوسعن علي قبري حتى يكون كل زاوية منه أربعين ذراعًا ثم ليفتحن لي بابًا إلى الجنة فلأنظرن إلى أزواجي ومنازلي وما أعد الله عز وجل لي من الكرامة ثم ليصيبني من ريحها وروحها حتى أبعث ولئن كانت الأخرى، ليضيقن عليّ قبري حتى أكون في أضيق من القنات في الزج، الزج أي الحديدة التي تكون أسفل الرمح، ثم ليفتحن لي باب من أبواب جهنم فلأنظرن إلى سلاسلي وأغلالي وقرنائي ثم ليصيبني من سمومها وحميمها حتى أُبعث .
هذا هو أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه، فكان من أبي موسى الأشعري إمام أهل السنة والجماعة أبو الحسن قال ابن عساكر في كتاب تبين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري: فالأشعريون بالفقه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم موصوفون وبالعلم عند الأعلام من الصحابة معرفون وأشهرهم بالفقه والعلم في ذلك الزمان أبو موسى الأشعري جد الإمام أبي الحسن وكفاه بذلك عند العلماء شرفًا وفضلًا وما أسعد من كان أبو موسى له سلفًا وأصلًا فالفضل من ذلك الوجه أتاه.
قال الحافظ البيهقي: وذلك لما وجدوا من الفضيلة الجليلة والمرتبة الشريفة للإمام أبي الحسن الأشعري فهو من قوم أبي موسى وأولاده الذين أوتوا العلم ورزقوا الفهم مخصوصًا من بينهم بتقوية السنة وقمع البدع بإظهار الحجة ورد الشبه وكما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدح الأشاعرة فقد مدح الماتريدية ولك أن تقول الأشعري ماتريدي والماتريدي أشعري فهما واحد في العقيدة لا فرق بينهما.
وذكر البخاري في صحيحه في باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن وقال أبو موسى راويًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “هم مني وأنا منهم” صلى الله عليه وسلم الأشاعرة ماذا يقول فيهم رسول الله؟ “هم مني وأنا منهم” بشارة للأشاعرة، أي محبتي لهم كاملة ومحبتهم لي كاملة، هؤلاء الأشاعرة والماتريدية هم فرسان ميادين الجهاد والسنان منهم الإمام الأشعري أبو الطيب سهل بن محمد الصعلوكي، توفي سنة 404 و هذا كان مجدد القرن الرابع، قال فيه الحاكم: (هو من أنظر من رأينا).
صلاح الدين أشعري محمد الفاتح أشعري أبو الحسن الباهلي أبو بكر بن فورك أبو بكر الباقلاني أبو إسحاق الأسفرايني الحاكم أبو نعيم الأصبهاني القاضي عبد الوهاب المالكي الشيخ أبو محمد الجويني وابنه إمام الحرمين أبو المعالي الحافظ الدارقطني الحافظ الخطيب البغدادي الأستاذ أبو القاسم القشيري وابنه أبو نصر والشيخ أبو إسحاق الشيرازي ونصر المقدسي والغزالي والفراوي وأبو الوفاء بن عقيل وقاضي القضاء الدامغاني الحنفي وأبو الوليد الباجي المالكي والإمام الكبير السيد أحمد الرفاعي الكبير وابن السمعاني والقاضي عياض المالكي والحافظ أبو طاهر السِّلفي والنووي وفخر الدين الرازي والعز بن عبد السلام وأبو عمر بن الحافظ المالكي والحافظ العلائي والحافظ زين الدين العراقي وابنه الحافظ ولي الدين العراقي والحافظ الزبيدي وهكذا حفاظ الإسلام إلى شيخنا الشيخ الحافظ عبد الله الهرري رحمة الله تعالى عليهم أجمعين.