﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ سورة الرعد، الآية 24
يوجد قصة مؤثرة لأحدِ أجِلّاء التابعين حيث رُئِيَ في المنام بعد موتِه رضي الله عنه وهو يقرأ هذه القصة يرويها الحافظ ابنُ حِبّان في الثِّقات ويرويها ابنُ حِبّان عن إمامِ الشام الإمامِ الأوزاعيّ رضي الله عنه هذه القصة تتعلقُ برجلٍ من كبارِ التابعين اسمُه عبدُ الله بنُ زَيد معروف بأبي قِلابةَ الجَرمِيّ رضي الله عنه وكان صاحبَ ابنِ عباس تُوُفِّيَ في نحوِ مائة وأربعة للهجرة يروي الأوزاعيُّ رضي الله عنه عن عبدِ الله بنِ محمّد أنه قال: خرجنا للقتال في سبيل الله وذهبنا للرِّباط وكان رباطُنا في عريشِ مِصر قال: فخرجتُ إلى الساحل فإذا أنا ببِطيحَة البَطيحَة هذه تكون كيف مَمَرُّ الماء في الوادي ويُخَلِّفُ خلفَه شيء من التراب شيء من الحجارة الصغيرة يقال لها البَطيحَة قال: فرأيتُ خَيمةً في تلك البَطيحَة فاقتربتُ منها فإذا رجلٌ قد تَعَطَّلَت يداه ورجلاه وجوارحُه وليس عندَهُ من جوارحِهِ إلا لسانُه وإذ به يدعو اللهَ تعالى ويقول: اللهم أوزعني أن أحمدَكَ حمدًا أُكافئُ به شُكَر نعمتِك التي أنعمتَ بها علي وفضَّلتَني على كثيرٍ ممَّن خلقتَ تفضيلًا فاقتربَ عبدُ الله بنُ محمّد وسلَّمَ على هذا الرجل وقال له: وإني أسألُكَ سمعتُكَ وقد قُلتَ ما قُلت وأنا أرى الحالَ التي أنت فيها فعلى أيِّ شيءٍ قلتَ ما قُلت؟ فقال له: وما ترى ربّي قد صنع بي والله لو أنّ اللهَ تعالى أرسل السماءَ عليَّ فأحرقتني والأرضَ فبلعتني والجبالَ فدمّرَتني والبحارَ فأغرقتني ما ازدَدتُ له إلا حَمدًا وشُكرًا، أما ترى لساني هذه النّعمة وأنا أذكرُ اللهَ تعالى لذلك أنا أدعو بهذا الدعاء اللهم أوزِعني أن أحمَدَكَ حَمدًا أُكافئُ به شُكرَ نعمتِك التي أنعمتَ بها عليّ وفضلتَني على كثير ممَّن خلقتَ تفضيلًا يعني يا رب أعِنّي أن أحمَدَك حمدًا أُثني عليك على ما أنعمتَ به عليّ ثم قال أبو قِلابةَ رضي الله عنه: ولكن يا أخي وقد صِرتَ عندي لي حاجةٌ إليك قال: لي بُنَيّ ولد ذهب منذ ثلاثةِ أيام في قضاءِ حاجة ولم يرجِع هلّا تحَسَّسْتَهُ لي؟ فقال هذا: والله ما أعظمَ أن أمشي في حاجةِ رجلٍ كهذا الرجل ما أعظمَ ثوابَ ذلك عندَ الله عزَّ وجلّ قال: فانطلقتُ أبحثُ عن ولدِه فوصلتُ إلى بعضِ الكُثبان فإذا سَبُعٌ قد افترسَ ولدَه وأكلَ لحمَه فقلتُ: إنا لله وإنا إليه راجعون بأيِّ وجهٍ رقيق سأرجِعُ إلى هذا الرجل وأقُصُّ عليه هذا الذي كان.
قال: وصِرتُ أفكِّر ماذا سأقولُ له عندما أرجِع مع كلِّ البلاء الذي هو فيه وليس له إلا هذا الولد وهو قال: له هذا الولد يَتَعاهَدُني في الصلاة فيُوَضِّيني ويُطعِمُني إذا جُعت ويَسقيني إذا عَطِشت وليس له في هذه الدار ومع هذه الجوارح التي تعطّلَت إلا هذا الولد وقد توفّاهُ الله فيقول: بأيِّ وجهٍ رقيقٍ سألقى هذا الرجل وأُحَدِّثُه قال: وبينما أنا كذلك إذ تذكّرتُ نبيَّ الله أيوبَ عليه الصلاة والسلام فلما رجَعت فألقيتُ السلامَ على أبي قِلابَة فردَّ السلام وقال: ألستَ بصاحبي قال: قلتُ: بلى قال: هل وجدتَ ولدي؟ قال له: أنت أفضلُ عندَ الله أم نبيُّ الله أيوب من أكرَمُ عندَ الله؟ قال: بل نبيُّ الله أيوب قال: أليسَ الله تعالى قد ابتلاه قال: بلى قال: أليس قد فقدَ مالَهُ وولدَه قال: بلى قال: فكيف وجدَهُ ربُّه قال: صابرًا حامدًا شاكرًا قال: أليس صار كذا وكذا من أقربائِه معه قال: بلى قال: فكيف وجدهُ ربُّه قال: وجده ربُّه حامدًا صابرًا شاكرًا فصار يُعَدِّدُ عليه فقال: أوجِز رحمك الله أين ولدي؟ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون أعظمَ الله أجرَكَ في ولدِك فإنه حصل معه كذا وكذا فاسترجَعَ هذا الأبُ الصالح وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون الحمد لله الذي لم يجعل من ذُرِّيَتي مَن يَعصِه الحمد لله الذي لم يجعل من ذُرِّيَّتي مَن يَعصِه ثم شَهَقَ شَهقةً ومات.
فقعد هذا الرجل يبكي عند رأسِه ويقولُ ما أصنع أنا وحدي لا أستطيع أن أدفِنَه وإذا أنا تركتُه وذهبت السباعُ تأكُلُه قال: وبينما أنا كذلك هجمَ عليَّ أربعةُ رجال لا أعرفُهم فقالوا: ما بالُكَ؟ فقال لهم كذا وكذا فقالوا له: اكشِف لنا عن وجهِه نريد أن نعرفَ مَن هو فلما كشف عن وجهِه أَكَبُّوا عليه يُقَبِّلونَه ويبكون يقولون بأبي هذه العَين كم بكت من خشية الله بأبي هذا الجسد كم قامَ من الليل قال لهم: تعرفونَه قالوا أما تعرِفُه هذا أبو قِلابَةَ الجَرمِيّ صاحبُ ابنِ عباس رضي الله تعالى عنه كان يحبُّ اللهَ والنبيَّ صلى الله عليه وسلّم هكذا عرَفوه كان يحبُّ اللهَ والنبيَّ صلى الله عليه وسلّم فقاموا عليه فجهّزوه وغسَّلوه وكفّنوه وصلَّوا عليه ودفنوه ثم رجَعَ هذا الرجلُ المُرابِط قال: في أولِ ليلةٍ لي بعد أن رَجَعت نمتُ فرأيتُ رجلًا في المنام يمشي في روضةٍ من رياضِ الجنّة وعليه من حُلَلِ الجنّة قلتُ: ألستَ بصاحبي؟ قال: أنا هو وسمِعَهُ يقرأ ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ يردِّدُها أبو قِلابَة يردِّدُها وهو في الجنّة فقال له: بمَ نِلتَ هذا؟ قال له: إن لله درجاتٍ لا تُنالُ إلا بالصبرِ عندَ البلاء وبالشُّكرِ عندَ العطاء وبالخوفِ من الله عزَّ وجلّ في السرِّ والعَلانِيَة.