﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)﴾
يقول المؤلف رحمه الله
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا﴾
برسول الله عليه السلام وبما جاء به مع ما عددنا من سيئاتهم
﴿وَاتَّقَوْا﴾
أي وقرنوا إيمانهم بالتقوى
﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾
ولم نُآخذهم بها لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله
رجل مقنع بالحديد كان بعده من المشركين سمع أن النبي عليه الصلاة والسلام سيقاتل خرج وما كان بعده قد آمن فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمية لأجل أنه من قبيلته قال: يا محمد جاهز لنزول القتال مع أنه ما أسلم بعد، قال: يا محمد أُسلِم أم أُقاتل ماذا تريد مني؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: “أسلم” أسلم فقاتل فقتل، مات مسلمًا فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: “عمل قليلًا وأُجر كثيرا”.
في ناحية يحكي رجل مسلم قصة امرأة كانت نصرانية بلغت من العمر تسعين سنة ثم جاءه بعض من أهلها على عجل يقولون له: هذه أمنا تريدك بسرعة، فاستأذن ودخل الدار فوجدها في حالة كأنها كانت في حال نزع الروح، نظرت إليه قالت له: ماذا أقول؟ تفاجئ قال لها: قولي أشهد أنْ لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمد رسول الله فنطقت بالشهادتين ثم ماتت وهي على فراش الموت.
الإسلام يَجُب ما قبله وكلٌ ميسر لما خلق له الله شاء لها أن يكون آخر كلامها لا إله إلا الله محمد رسول الله وبعض الناس آخر حياته تبرأ من القرآن وتبرأ من الإسلام ومات على غير الإسلام الله سبحانه وتعالى فعال لما يريد.
﴿وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65)﴾
مع المسلمين، هم ليسوا مؤمنين ما دام لم يؤمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام معناه الذين ما آمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام ليسوا مسلمين، أما تسميتهم بأهل الكتاب لأنهم ينتسبون إلى الكتاب.
بعض الناس يشكل عليهم هذا الأمر يقولون: الله سماهم أهل الكتاب نقول: الله قال هذه الآية في سورة المائدة ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ معناه الذين ما آمنوا منهم وإن كانوا منتسبين إلى الكتاب ولو كانوا ينسبون أنفسهم إلى عيسى، النصارى ينسبون أنفسهم إلى عيسى واليهود ينتسبون أنفسهم إلى موسى هؤلاء ينسبون أنفسهم إلى الإنجيل وهؤلاء ينسبون أنفسهم إلى التوراة لأجل ذلك قيل عنهم أهل الكتاب لأنهم ينتسبون انتسابًا إلى الكتاب.
الإنجيل حُرِّف و حُرِّف اللفظ بعد رفع عيسى عليه الصلاة والسلام إلى السماء بمائتي عام، هم في الأول حرفوا المعنى ثم بعد ذلك حرفوا اللفظ. والتوراة كذلك حُرِّفت بعد موسى عليه الصلاة بزمن حُرِّفت لفظًا وحُرِّفت معنىً
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾
أي أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾
من سائر كتب الله لأنهم مكلفون بالإيمان بجميعها فكأنها أُنزلت إليهم، وقيل: هو القرآن، وهذا تأكيدنا أيضا ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ وآمنوا بما أُنزل من الكتب، القرآن الكريم وما أُنزل على الأنبياء
﴿لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾
يعني الثمار من فوق رؤوسهم، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني الزروع وهذه عبارة عن التوسعة كقولهم فلان في النعمة من فَرَقِهِ إلى قدمه فَرَقِهِ يعني وسط الرأس يعني مثلما يقولون من فوقه إلى تحته مغمور بالنعمة.
هذا يدلنا على أن تقوى الله سبب للرزق، أحيانًا يسعى الواحد منا إلى بلاد بعيدة طلبًا للرزق يذهب ولا يُحصّل الذي سعى لأجله وإنسان قعد ما ذهب ساق الله رزقه إليه، النبي عليه الصلاة والسلام قال: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه” كمال إيمان المرء وكمال إسلام المرء بأمرين: فعل ما يعنيه وترك ما لا يعنيه. من حسن إسلام العبد أن يفعل ما يعنيه بالإيمان بالله تعالى وتقوى الله سبحانه وتعالى من أداء الواجبات وأن يترك ما لا يعنيه من المحرمات وحتى إن كان من المكروهات أفضل أن يجتنبها ، وما يتعلق بتقوى الله هو مما يعنيه فإن فعل ما يعنيه وترك ما لا يعنيه الله تعالى يفتح عليه، فهذا يكون من أسباب الرزق لهذا العبد.
﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾
قيل هي الطائفة المؤمنة وهم عبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون من النصارى، قال ابن الجوزي رحمه الله في تفسيره: (والاقتصاد الاعتدال في القول والعمل من غير غلو ولا تقصير) فالمراد هنا الذين آمنوا من أهل الكتاب وليس الذين غالوا وقالوا بأن عيسى هو ابن الله والذين هم النصارى ولا الذين قالوا بالذم والطعن والقدح في سيدنا عيسى عليه السلام وقالوا ابن زانية وهم اليهود لا هؤلاء ولا هؤلاء آمنوا، ليس المراد وصف الذين يعتقدون أن عيسى هو ابن الله أو أن عزير هو ابن الله أو الذين يقدحون في الأنبياء.
﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)﴾
فيه معنى التعجب كأنه قيل وكثير منهم ما أسوأ عملهم، وقيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه وغيرهم.
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾
جميع ما أنزل إليك وأي شيء أُنزِل إليك غير مراغب في تبليغه أحدًا ولا خائف أن ينالك مكروه ولا تنتظر به كثرة الشوكة والعُدة فإن لم تبلغ كنت كمن لم يبلغ أصلًا أو بَلِّغ ذلك غير خائف أحدًا فإن لم تُبَلِّغ على هذا الوصف فكأنك لم تُبَلِّغ الرسالة أصلًا .
لم يخف النبي عليه الصلاة والسلام بل كان يُبلِّغ ما أمره الله عز وجل أن يُبلِّغه، ما كتم شيئا ولا أَخَّر شيئا عليه الصلاة والسلام ما كان أحد في الشجاعة كسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، كان يقف وينادي”يا بني فهر” وصار يسمي البطون ويعددها بطنا بطنا، فقام أبو لهب لعنه الله وقال له: يا محمد تبًّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا.
كان أشجع الناس كان في المعارك تراه عليه الصلاة والسلام في المقدمة حتى يوم حُنين وعندما عملوا تلك المكيدة وأحاطوا بالنبي عليه الصلاة والسلام بقي ثابتًا عليه الصلاة والسلام وهو يقول: “أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب” ما هابهم.
وهو الذي خرج في ليلة الهجرة عليه الصلاة والسلام يوم حاصروه وكانوا أربعين شابا جلدا حسيبا نسيبا قويا كل منهم يشهر سيفه فخرج من بينهم النبي عليه الصلاة والسلام فما كان عليه الصلاة والسلام ليجبن عن تبليغ الحق أو إيصال دعوه الحق.
﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾
وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك
﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ﴿رِسَالَاتِه﴾
مدني وشامي وأبو بكر أي فلم تُبلِّغ ما كُلِّفْتَ من أداء الرسالة ولم تؤد منها شيئًا قط وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض فإذا لم تؤدِّ بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعًا، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها لكونها في حكم شيء واحد لدخولها تحت خطاب واحد والشيء الواحد لا يكون مبلغا غير مبلغ مُؤمَنًا به غير مُؤمَن.
يعني المراد في هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام ما كتم شيئا مما أمره الله سبحانه وتعالى أن يُبلِّغه إنما بلغ ما أمره الله عز وجل وما أخفى شيئا عليه الصلاة والسلام، قد صدع بما أُمِر ومضى فيه مبلغًا عليه الصلاة والسلام.
قصة: كان واحد سيد في قومه يقال له: الطفيل بن عمر الدوسي، وكانوا في الجاهلية يخرجون لمكة باسم الحج أو باسم العمرة فخرج هذا الطفيل كان بعده مشركًا خرج قاصدًا مكة بزعمه يؤدي العمرة على طريقة الجاهليين فلما وصل إلى مكة استقبله على أطرافها أبواق الناعقين والحاسدين والحاقدين والمشوشين و قالوا له: إياك أن تستمع لمحمد إن استمعت له سُحرت، لا تخاطبه بالمرة.
فلما وصل هذا حشا أذنيه قطنًا وصار بزعمه يطوف وأذنيه فيهما القطن، كان عند البيت محمد عليه الصلاة والسلام يصلي ويتلو من كتاب الله عز وجل في صلاته ما يتلو وانظر كم كان حسن صوت النبي عليه الصلاة والسلام، فقدر الله تعالى أن يصل صوته إلى الطفيل مع أذنه فيها القطن، فسمعه صار في قلبه هيبة كبيرة للنبي عليه الصلاة والسلام.
سمع آيات من كتاب الله، فاضطرب وصار يقول: أنا حكيم أنا لبيب وأنا شاعر لماذا لا أذهب إليه؟ وهو يتذكر كلام المشوشين النواعق الأبواق ماذا أفعل، ماذا أفعل؟
أنهى النبي عليه الصلاة والسلام صلاته ورجع فتبعه إلى بيته فدخل قال له: قل لي ماذا تدعو؟ فعلمه النبي عليه الصلاة والسلام الإيمان بالله و توحيد الله، الله موجود بلا كيف بلا مكان بلا جهة، الله هو الخالق، الله لا يشبه شيئا من خلقه فوقع في قلبه فورًا أن هذا النبي صادق، فقال: أشهد أنْ لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدا رسول الله، ثم قال للنبي: ائذن لي أن أرجع وأكون داعية في قبيلتي.
الطفيل تعلم الشهادتين ثم استأذن النبي أن يصير داعية في قومه، النبي قال: نعم، قال: يا رسول الله أريد علامة أي آية عند قومه ليَروا أن الطفيل تغير حاله بشيء حتى يقبلوا عليه، فدعا النبي عليه الصلاة والسلام الله تعالى أن يُلقى النور في وجه الطفيل فالذي ينظرإليه يرى النور في وجهه.
فقال الطفيل للنبي عليه الصلاة والسلام: لكن أنا أخشى إن رجعت سيقول قومي هذا النور على زعمهم ببركة الأصنام التي كانت عند الكعبة، فدعا الطفيل أن يصير هذا النور في صوته، فصار كذلك انتقل من وجهه إلى صوته ثم رجع إلى قبيلته، قبيلة دوس الكبيرة، دعاهم ما استجابوا.
رجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعد وقت وقال: يا رسول الله أدع على دوس أي قبيلته ما آمنوا، فقال عليه الصلاة والسلام: “اللهم اهدِ دوسًا وات بهم مسلمين” ثلاث مرات
رجع الطفيل كرر عليهم مرة ثانية فدخلوا في الإسلام وجاءوا بأعداد كبيرة مسلمين إلى النبي عليه الصلاة والسلام وبينهم راوي الحديث أبو هريرة الدوسي رضي الله عنه، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان ماضٍ في التبليغ، يبلغ رسالة الله وما كان يكتم شيئا مما أمره الله سبحانه وتعالى وحاشا أن يكون عليه الصلاة والسلام فيه شيء من خوف أو جبن.
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾
يحفظك منهم قتلًا ولا يُمَكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك فلم يقدروا عليه وإن شُجَّ في وجهه يوم أُحد وكُسِرت رباعيته أو نزلت بعدما أصابه ما أصابه.
المدينة كان فيها يهود من أخبث اليهود والبيوت قريبة وكان فيها منافقون يتربصون بالنبي عليه الصلاة والسلام ودائما يحيكون المؤامرات للنيل من النبي عليه الصلاة والسلام يريدون قتل رسول الله فمرة يضعون السم بالأكل ومرة يريد أحدهم أن ينزل الصخرة على النبي عليه الصلاة والسلام ومرة ينادون القبائل من الخارج حتى يحاصروا المدينة في مكائد وفي مكر، لذلك الصحابة كانوا يخافون على النبي عليه الصلاة والسلام فكان هناك من يقف لحراسته، حتى تجد اليوم مكان يقال له أسطوانة الحرس في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام حيث كانوا يحرسون النبي فلما نزلت هذه الآية ما عادوا يحرسونه ما عاد هناك حاجة.
يوجد من أهل العلم من قال: إن قال قائل لكن، أليس وضعت الشاة المسمومة في خيبر وكان النبي قد أكل شيئا منها وبعض أصحابه أكل ومات فورا، بدأ النبي فأكل شيئا ثم أنطق الله الشاة المشوية وقالت بلسان عربي: يا رسول الله لا تأكلني فإني مسمومة.
ويقال: بقي النبي يعاني من أثر هذا فكان هذا من جملة أسباب مرض وفاته عليه الصلاة والسلام وإن كان حصل ذلك بعد زمن فبعض أهل العلم قال: أكل الشاة كان قبل نزول هذه الآية هكذا أجاب بعضهم هذا دقيقة من الدقائق.
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)﴾
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾
على دين يعتد به حتى يسمى شيئًا لبطلانه
و هذا رد على من يقول لك: “أنا أحترم ما يكون عليه هؤلاء”، قل له: الذي هم عليه كأنه لا شيء، قل لستم على شيء يعني لستم على دين يعتد به، في القرءان أكثر من ألف آية ذُكِر فيها أمر الكفر والكافرين على وجه الذم، هذا يدل على ذم الكفر على أن الكفر قبيح ليس شيئًا محترما.
﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
يعني القرآن
﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾
إضافة زيادة الكفر والطغيان إلى القرآن بطريق التسبيب
﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)﴾
فلا تتأسف عليهم فإن ضرر ذلك يعود إليهم لا إليك
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾
بألسنتهم وهم المنافقون ودل عليه قوله ﴿لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم﴾
﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾
قال سيبويه: الصابئون هم عبدة الكواكب، قال سيبويه وجميع البصريين: ارتفع الصابئون بالابتداء يعني لاحظ هنا ما قال والذين هادوا والصابئين قال ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ هو قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ ما قال والصابئين قال ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ لماذا؟ قال لأنه مرفوع على الابتداء يعني قال لك: هذه كأن فيها تقديم وتأخير يعني المعنى ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ وكذلك ﴿النَّصَارَى﴾
﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾
﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ كذلك ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ فتكون على الابتداء هذا من التقديم والتأخير، ارتفع الصابئون بالابتداء وخبره محذوف والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها كأنه قيل إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك يعني يريد أن يستدل على هذا الرفع بالابتداء الذي جاء هنا وعلى هذا التقديم والتأخير والدلالة التي فيه بما سيذكره بعد ذلك ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ كذلك أي ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾
﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾
فقدم وحُذف الخبر كقوله:
فمن يكُ أمس بالأمس بالمدينة *** رحله فإني وقيار بها لغريب
هذا قيار اسم حماره يعني هو أراد وصف نفسه وأراد وصف حماره بالغربة لا يوجد أحد إلا هو وحماره، فأراد أن يصف نفسه وأن يصف حماره بالغربة بدل أن يقول نحن غريبان قال غريب بالإفراد، يعني ما هو التقدير: إني غريب وقيار غريب.
وهنا الذي جاء في الآية (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر) وكذلك الصابئون من آمن بالله واليوم الآخر هذا الذي أراده، أي فإني لغريب وقيار كذلك، ودل اللام على أنه خبر “إن” ولا يرتفع بالعطف على محل إن واسمها لأن ذا لا يصح قبل الفراغ من الخبر.
لا تقول إن زيدا وعمرو منطلقان وإنما يجوز إن زيدا منطلق وعمرو ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ مع خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخره ولا محل لها كما لا محل للتي عطفت عليها وفائدة التقديم التنبيه على أن الصابئين وهم أبين هؤلاء المعدودين معدودين ضلالا وأشدهم غيا يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان فما الظن بغيرهم؟ ومحل ﴿مَنْ آمَنَ﴾ الرفع على الابتداء وخبره ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ثم الجملة كما هي خبر إن والراجع إلى اسم إن محذوف تقديره من آمن منهم.
﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
بالتوحيد
﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾
ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم، ليقفوهم يعني ليتبعوهم ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ الميثاق هو والتوحيد لأن كل أنبياء الله كانوا على توحيد الله سبحانه وتعالى، فالذي ينسب الولد إلى الله تعالى فهذا نقض التوحيد فليس مؤمنا بالله، ليس على الإيمان بالله عز وجل ولماذا أرسل الله تعالى إليهم رسل؟ وأكثر الرسل كانوا في بني إسرائيل وأكثر من قتل الأنبياء وأكثر من كذب الأنبياء بني إسرائيل.
﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾
جملة شرطية وقعت صفة “لرسلًا” والراجع محذوف أي رسول منهم
﴿بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ﴾
بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم من مشاق التكليف والعمل بالشرائع وجواب الشرط محذوف دل عليه
﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70)﴾
كأنه قيل كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه وقوله ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ جواب مستأنف لقائل كأنه يقول كيف فعلوا برسلهم؟ وقال ﴿يَقْتُلُونَ﴾ بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية استفظاعًا للقتل وتنبيهًا على أن القتل من شأنهم، مع أنهم قتلوا وحصل منهم لكن قال ﴿يَقْتُلُونَ﴾ ساقها بالمضارع استفظاعًا لما حصل منهم مِنْ نشر زكريا عليه السلام بالمنشار نبي كريم عند الله عز وجل ينشر يقتل نشرا بالمنشار، وسيدنا يحيى عليه السلام الذي قُطِع رأسه وقُدِّم على طست وصار دمه يغلي، من الذي قتل أنبياء الله؟ فهؤلاء اليهود ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ وانتصب فريقا وفريقا على أنهم مفعول كذبوا ويقتلون وقيل: التكذيب مشترك بين اليهود والنصارى والقتل مختص باليهود فهم قتلوا زكريا ويحيى.
﴿وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ﴾ ﴿أَلاَّ تَكُونُ﴾
حمزة وعليه وأبو عمرو على أنَّ أنْ مخففة من الثقيلة أصله أنه لا تكونُ فخففت أنَّ وحذف ضمير الشأن، يعني أنْ أنْهُ ضمير الشأن هو هذا الهاء الذي هو متصل بالنون تقديرا كما تقول أشهد أنْ لا إله إلا الله التقدير هنا ما هو؟ أشهد أنْهُ لا إله إلا الله ضمير الشأن هو مبتدأ المحذوف لا إله إلا الله الخبر أشهد أنْ لا إله إلا الله الجملة صحيحة كاملة.
أما لو قال أشهد أنَّ لا إله إلا الله: صار لا إله إلا الله هي المبتدأ والخبر هنا لم يذكر فالمعنى لا يكون تامًا لذلك عند الدخول في الإسلام وفي الصلاة يقال: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله و لو فك الإدغام قال: أشهد أنْ لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله صحَّ، لكن لو قال أشهد أنَّ لا إله إلا الله المعنى ما تم.
إذا هو هذا ضمير الشأن الهاء الذي هو متصل بالنون لكن أين هو؟ تقديرا فخففت أن وحذف ضمير الشأن ونُزل حُسبانهم لقوته في صدورهم منزلة العلم فلذا دخل فعل الحُسبان على أنَّ التي هي للتحقيق.
﴿فِتْنَةٌ﴾
بلاء وعذاب أي وحسب بنو إسرائيل أنهم لا يصيبهم من الله عذاب بقتل الأنبياء وتكذيب الرسل وسد ما يشتمل عليه صلة أنَّ وأنَّ من المسند والمسند إليه مسد مفعولي حسب ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾
فلم يعملوا بما رأوا ولا بما سمعوا أو ﴿فَعَمُوا﴾ عن الرشد ﴿وَصَمُّوا﴾ عن الوعظ
﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾
رزقهم التوبة
﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾
هو بدل من الضمير أي الواو وهو بدل البعض من الكل أو هو خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71)﴾
فيجازيهم بحسب أعمالهم ومن جرأتهم وخبثهم أنهم مع كل ما فعلوا من تكذيب الأنبياء ومن قتلهم حسبوا أنه لن يصيبهم بلاء ولن تنزل عليهم مصيبة ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ ما عاد يأخذون الرُّشد ولا يستمعون إلى الوعظ ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني من شاء الله تعالى لهم منهم تاب، رزقهم التوبة ثم من هؤلاء من عموا وصموا ومنهم من تاب وثبت على توبته ومنهم من بقي على كفره فهنا يقول ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ يعني معناه أولئك كثير منهم بقوا على العمى بقوا على عدم الاهتداء ثم يقولون بأن الله تعالى لن يحاسبهم ولن يجزيهم الله يقول ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ يعني الله يجازيهم بحسب أعمالهم.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾
﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾
وسمي سيدنا عيسى بالمسيح: لكثرة السياحة في الأرض لأنه ما اتخذ بيتاً إنما كان عليه الصلاة والسلام يكثر السياحة في الأرض يدعو إلى الإسلام ويدعو إلى عبادة الله ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ يعني اعبدوا الله تعالى، فكما أنكم عباد لله وأنا كذلك عبد لله ولم يُفرِّق عيسى عليه السلام بينه وبينهم في أنه عبد مربوب أي مخلوق ليكون حجة على النصارى، عندما قال ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ معناه أنا كما أنتم عباد مربوبون مخلوقون لله عز وجل يعني لا أنا أصلح أن أكون إلهًا ولا أنتم.
كان سيدنا عيسى عليه السلام يأكل من الذي يخرج من الأرض من غير طبخ ويمشي في الأرض ليدعو إلى الله تعالى وهو نبي رسول من أولي العزم من الرسل، ما كان له بيت
ها هو عليه السلام إلى الآن حي رفع، الله رزقه حياته في السماء من غير أكل ولا شرب يعبد الله مع الملائكة يصلي الصلوات الخمس وسينزل في آخر الزمان
﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾
في عبادته غير الله
﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾
محروم من أن يكون من أهل الجنة التي هي دار الموحدين، أي حرمه دخولها ومنعه منها
﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾
أي مرجعه
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾
أي الكافرين
﴿مِنْ أَنصَارٍ (72)﴾
وهو من كلام الله تعالى أو من كلام عيسى عليه السلام
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾
أي ثالث ثلاثة آلهة، الله تعالى قال في الآية ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وقال في الثانية ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ ذلك أن بعض النصارى كانوا يقولون كان المسيح بعينه هو الله لأن الله ربما يتجلى في بعض الأزمان في شخص فتجلى في ذلك الوقت في شخص عيسى ولهذا كان يظهر من شخص عيسى أفعال لا يقدر عليها إلا الله، وبعضهم الآخر ذهب إلى آلهة ثلاثة الله ومريم والمسيح وأنه ولد الله من مريم.
﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
﴿مِنْ﴾ للاستغراق في ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ يعني ليس المراد البعضية بل يعني الاستغراق بالإطلاق يعني لا إله إلا الله، فلا إله قط في الوجود إلا الله، إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له وهو الله وحده لا شريك له
في بعض المواضع (مِنْ) جاءت للتبعيض لكن ليس في كل موضع، مثال ذلك في الآية الكريمة: ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾ (مِنْ) هنا للبيان يعني أن هؤلاء كفار ومشركون بالله.
﴿وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾
﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾:
- ﴿مِنْهُمْ﴾ للبيان كالتي في ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ ولم يقل ليمسنهم لأن في إقامة الظاهر مقام المضمر تكريرًا للشهادة عليهم بالكفر.
- أو ﴿مِنْهُمْ﴾ للتبعيض أي ليمسن الذين بقوا على الكفر منهم، لأن كثيرا منهم تابوا عن النصرانية، على هذا الوجه يصح أن تكون (من) للتبعيض.
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)﴾
نوع شديد الألم من العذاب
﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾
ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المكررة عليهم بالكفر وهذا الوعيد الشديد مما هم عليه وفيه تعجيب من إصرارهم
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)﴾
يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم أي ممن تاب والمعنى أن الله يغفر لمن تاب من هؤلاء ولغيرهم من التابعين لهم من الذين تابوا
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ﴾
فيه نفي الألوهية عنه
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾
صفة لرسول، أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله وإبراؤه الأكمه والأبرص وإحياؤه الموتى لم يكن منه لأنه ليس إلهًا بل الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يده كما أحيا العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى وخلقه من غير ذكر كخلق آدم من غير ذكر وأنثى.
﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾
أي وما أمه أيضاً إلا كبعض النساء المصدقات للأنبياء المؤمنات بهم ووقع اسم الصديقة عليها لقوله تعالى ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه﴾ ثم أبعدهما عما نسب إليهما بقوله
﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾
لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنقض لم يكن إلا جسمًا مركبًا من لحم وعظم وعروق وأعصاب وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف كغيره من الأجسام، ومراد النسفي رحمه الله تنزيه الله تعالى عن أن يكون جسمًا.
الشافعي رحمه الله قال: (المجسم كافر) ذكر ذلك الحافظ السيوطي في الأشباه والنظائر عن إمامنا الشافعي وزاد السيوطي قال: (قطعًا) وكذلك الشيخ علاء الدين البخاري في ملجمة المجسمة قال: (المجسم كافر بإجماع الأمة) المراد هنا الذي يأكل ويشرب محتاج ومفتقر إذًا هو جسم والذي يكون جسمًا لا يصلح أن يكون إلهًا.
﴿انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الآيَاتِ﴾
أي الأعلام من الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم
﴿ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)﴾
ثم انظر كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله بعد هذا البيان وهذا تعجيب من الله تعالى في ذهابهم عن الفرق بين الرب والمربوب والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم.