بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٖ وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ (25) قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ (26) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ (27) فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيمٞ (28) يُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَاۚ وَٱسۡتَغۡفِرِي لِذَنۢبِكِۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ (29) ۞وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ (30) فَلَمَّا سَمِعَتۡ بِمَكۡرِهِنَّ أَرۡسَلَتۡ إِلَيۡهِنَّ وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـٔٗا وَءَاتَتۡ كُلَّ وَٰحِدَةٖ مِّنۡهُنَّ سِكِّينٗا وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ (31) قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ (32) قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّي كَيۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَيۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ (33) فَٱسۡتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنۡهُ كَيۡدَهُنَّۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ (34)﴾.
﴿وَٱستَبَقَا ٱلبَابَ وَقَدَّت قَمِيصَهُ مِن دُبُر وَأَلفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلبَابِ قَالَت مَا جَزَآءُ مَن أَرَادَ بِأَهلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسجَنَ أَو عَذَابٌ أَلِيم﴿٢٥﴾﴾
وكان ذلك من جملة الكرب البلاء على نبي الله يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام بعد أن غلّقت امرأة العزيز عليه الأبواب، سبعة أبواب عمِلت حيلة بمكرٍ وتدبيرٍ منها غلّقت الأبواب على يوسف عليه الصلاة والسلام وهمّت بالسوء أمّا هو عليه الصلاة والسلام فهو النبي الكريم بن الكريم بنِ الكريم بنِ الكريم الذي برّأه الله سبحانه وتعالى من الهمّ الخبيث فما همَّ يوسف عليه الصلاة والسلام بشيءٍ خبيث؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أراه البرهان.
وفي قصر العزيز بعد أن عمِلت امرأة العزيز تلك الحيلة الخبيثة أسرعت إلى يوسف عليه الصلاة والسلام واستبقا الباب تسابقا إلى الباب أما هي فالِطّلب، لطلب سيدنا يوسف عليه السلام وأما يوسف عليه الصلاة والسلام ففرَّ منها وهذا ليس جبنًا إنّما بعدًا عن السوء وكانت هي قد أمسكت ثوب يوسف عليه السلام من الخلف فتمزَّق قميص يوسف عليه السلام ومع ذلك ظلّت تلاحقه وهما يستبقان ويتراكضان إلى الباب ويوسف عليه السلام يريد الوصول إلى الباب ليفتحه ليتخلص منها ماذا يدفعه إلى ذلك؟ الخوف من الله، الخوف من مولاه سبحانه وتعالى وأمّا امرأة العزيز فأرادت أن تَحول بين يوسف وبين الباب تدفعها إلى ذلك الشهوة الجامحة والاستجابةُ لوساوس الشيطان في تلك الأحيان عندما وصلا إلى الباب وصل زوجها في تلك اللحظة وصل العزيز فوجدها في هذه الحالة خلفَ يوسف لكنّها هي من بادر بالكلام وصارت تُحرّضُ زوجها على يوسف وحاولت أن تنسُب إلى يوسف عليه الصلاة والسلام محاولة إغوائها والاعتداء عليها مدّعيةً أنها امتنعت وهربت منه فنسبت إلى يوسف عليه السلام الخيانة وبرّأت نفسها ولكن قميص يوسف عليه السلام قُدَّ من دُبر ،اجتذبته من خلفه فانقدَّ انشقَّ حين فرَّ منها إلى ناحية الباب فبادرت بالقول
﴿قَالَت مَا جَزَآءُ مَن أَرَادَ بِأَهلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسجَنَ أَو عَذَابٌ أَلِيم﴾ ما جزاؤه؟ أي ليس جزاؤه إلا السجن أو عذاب أليم فما هنا نافية، ما جزاؤه؟
يعني ليس جزاء من أراد بأهلك السوء إلا أن يسجن أو عذاب أليم وهو الضرب بالسياط ونلاحظ هنا أنها لم تُصرّح بذكر اسم يوسف عليه السلام بل ذكرت على العموم ما قالت ما جزاء يوسف؟ قالت ما جزاءُ من أراد بأهلك سوءًا لأنها من ناحية أرادت أن تخوف يوسف أرادت أن تجعله تحت التهديد وأنه إن لم يعطها ما طلبت سيناله السَجن أو العذاب الأليم ولذلك لمّا وصل الأمر إلى هذا الحد وعَرّضَتُه للسجن وللعذاب عندها كان على يوسف عليه السلام الدفاعُ عن نفسه
﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتنِي عَن نَّفسِي﴾ ولولا ذلك لكتَم عليها ولم يفضحها لكنها هي من بادرت وأرادت أن تُبرئ نفسها وأن تدفع عن نفسِها وتلقي الأمر على يوسف عليه الصلاة والسلام فعندها يوسف ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتنِي عَن نَّفسِي﴾ هي التي فعلت ويسّر الله سبحانه وتعالى شاهدًا فيما يُروى لم يكن في هذا القصر في المكان الذي عملت فيه زليخة هذه الحيلة أليس قلنا غلقت سبعة أبواب؟ لم يكن إلا طفلٌ رضيع يقال: كان ابن خال أو ابن عمٍ لها من أهلها لم يكن إلا هو
﴿وَشَهِدَ شَاهِد مِّن أَهلِهَآ﴾ هذا هو أنطقَه الله سبحانه وتعالى.
﴿وَشَهِدَ شَاهِد مِّن أَهلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُه قُدَّ مِن قُبُل فَصَدَقَت وَهُوَ مِنَ ٱلكَاذِبِينَ﴿٢٦﴾ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُر فَكَذَبَت وَهُوَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴿٢٧﴾﴾
بعد أن اتهمت امرأة العزيز يوسف عليه السلام بأنه حاول الاعتداء عليها بالفاحشة وبرأت نفسها رد يوسف عليه الصلاة والسلام هذه التهمة عنه ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتنِي عَن نَّفسِي﴾ في هذا الوقت إذًا أنطق الله القادر على كل شيء هذا الشاهدَ من أهلها طفلٌ صغيرٌ في المَهْد؛ لتندفع التهمة عن يوسف عليه السلام ولتكون الحجّة على المرأة التي اتهمته زورًا ولتظهر براءةُ يوسف عليه الصلاة والسلام واضحةً أمام عزيز مصر ووزيرها، فهذا الشاهد أنطقه الله تعالى لتكون أوجب للحجة عليها وأوثق لبراءة يوسف عليه الصلاة والسلام
﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُل فَصَدَقَت وَهُوَ مِنَ ٱلكَاذِبِينَ﴾ لماذا؟ لأنه إن كان قميصه قُدَّ من قُبُل يكون هو قد راودها فدفعته حتى شقّت قميصه فتكون التهمة بذلك على يوسف لأنه يسرع خلفها ليلحقها فيتعثر في مقادم قميصه فيشقه ولأنه يُقبل عليها وهي تدفعه عن نفسها فيتخرّقُ قميصه من قُبُل ثم قال :
﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُر﴾ من الخلف
﴿فَكَذَبَت وَهُوَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ وهذا الذي حصل أي لأنه يكون قد تركها وذهب فتَبِعَتْه وتعلّقت به من الخلف فانشق قميصه بسبب ذلك وتكون التهمة بذلك على امرأة العزيز.
﴿فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُر قَالَ إِنَّهُ مِن كَيدِكُنَّ إِنَّ كَيدَكُنَّ عَظِيم﴿٢٨﴾﴾
لما رأى العزيز قِطْفير قميص يوسف.
ونذكر في قصة القميص عندما ألقي سيدنا يوسف عليه السلام في البئر وكيف كان هذا القميص علامة ليعقوب عليه الصلاة والسلام أن إخوة يوسف كذبوا حين قالوا: أكله الذئب؛ لأن قميصه ما كان قد أصابه شيء ولا تمزّقَ وهذا القميص كان علامة هنا وفي آخر السورة يبعث يوسف عليه السلام بقميصه إلى أبيه يعقوب بعد ثمانين سنة من الغياب فيضعه يعقوب على وجهه فيَرجِع إليه بصره الذي فقدَه لوقت من شدة الحزن على يوسف عليه السلام.
فكان حتى في قميص يوسف عليه السلام كان فيه آية وكان فيه عبرة وتُقلَّب وتُصرّف هذه الآيات لنا حتى نكون دائمًا في عبرة وادّكار واتعاظ قد يجعل الله سبحانه وتعالى لنا آيةً في شيء لا نتوقعه لذلك في كل أحوالنا علينا أن نكون على التسليم لله عز وجل. امرأة عزيز وعزيز مَن؟ عزيز مصر وتحت ذاك الفرعون قصر والخدم كلّهم تحت زليخة ،وقطفير كان حُميْلًا ذلولًا تحتها مع أنه هو الوزير هي تديره والتدبير قد تم لها ويوسف عليه الصلاة والسلام فوّض أمره الى الله بقي هذا الطفل الرضيع هذا الشاهد كانت الحجة به، وأنطقه الله تعالى مستدلا بماذا؟ بقميص يوسف عليه الصلاة والسلام.
فلما رأى العزيز قِطْفير قميص يوسف قد انشق من خلف ﴿قَالَ إِنَّهُ مِن كَيدِكُنَّ﴾ كيد النساء.
أي هذا الأمر وهو الاحتيال لنيل الرجال والخطابُ لها ولأمتها لأنه ﴿قَالَ إِنَّهُ مِن كَيدِكُنَّ إِنَّ كَيدَكُنَّ عَظِيم﴾ أي هذا الذي جرى من مَكرِكُن أنتِ راودته عن نفسه ثم لتدفعي التهمة عن نفسك اتهمته بالباطل والبهتان ﴿إِنَّ كَيدَكُنَّ عَظِيم﴾، لأن النساء ألطفُ كيدًا وأعظمُ حيلةً وبذلك يغلِبْنَ الرجال والقصْريّات يعني اللواتي يعشْنَ في القصور معهنّ ما ليس مع غيرهنَّ من البوائِق يعني عندهنَّ من الحيل والمكر فهذه من الفتن التي ينبغي أن يُحتاط لها. إذًا العزيز الأمر واضح عنده يوسف عليه الصلاة والسلام ما أراد سوءًا ولا همَّ بسوء.
وهنا يذكر الله تعالى حكايةً عن العزيز :
﴿يُوسُفُ أَعرِض عَن هَٰذَا﴾ هذا العزيز يعني وكأنه يقول: يا يوسف تجاوز هذا ،هو أقرَّ ببراءته ﴿يُوسُفُ أَعرِض عَن هَٰذَا﴾
وإلى زليخة ﴿وَٱستَغفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلخَاطِـِٔينَ﴿٢٩﴾﴾
إذًا بعد أن ظهرت براءةُ يوسف عليه الصلاة والسلام قال العزيز ليوسف: أعرض عن هذا الأمر واكتمه ولا تتحدث به اترك ما نالَكَ من هذه المرأة يعني كأنه يقول: سامحها الذي قال هذا هو العزيز سيدُها وزوجها يعني وكأن العزيز يقول ليوسف: يا يوسف هوّن عليك ولو افترت عليك هذه المرأة
﴿يُوسُفُ أَعرِض عَن هَٰذَا﴾ هذا ليس خطابا من الله ليوسف إذًا هذا خطاب ممن؟ من العزيز ليوسف يا يوسف تجاوز عنها ثم قال العزيز لزوجته: أن تستغفر لذنبها الذي صدر منها وأن تتوب إلى ربها. ويقال: كان العزيز رجلًا حليمًا قليلَ الغيْرة حيث اقتصر على هذا القول بعد أن رأى كل ما رأى. والآن هذه الحادثة التي كانت بين هذه الأبواب السبعة المغلقة ككثير من الأحاديث والروايات والأحوال التي تكون في أبواب مغلقة ولكن أخبارها تنتشر في كل الدنيا، هذه القصة خرجت إلى مصر
﴿۞ وَقَالَ نِسوَة فِي ٱلمَدِينَةِ ٱمرَأَتُ ٱلعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفسِهِ قَد شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَال مُّبِين﴿٣٠﴾﴾
نسوة جماعة من النساء من هُنَّ؟ امرأة الساقي؛ ساقي الملك، وهذا كما سيأتي إن شاء الله ممن دخل السجن مع يوسف امرأة الساقي وامرأة الخباز، والخباز كذلك، الخباز والساقي دخلا مع يوسف.
امرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدّواب يعني هذه كانت تقريبا تسميات لمقاليد الحكم وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب خمس نسوة، شاع خبر امرأة العزيز في أرجاء المدينة المراد بالمدينة هنا مصر وأخذت ألسِنَةُ النساء كعادة أكثر النساء كثرة الكلام، أخذت ألسِنَةُ النساء من نساء الأمراء وبنات الكُبراء في الطّعن في امرأة العزيز لكن ستشاهدون بعد قليل هن صرن بعد ذلك يرسلن إلى يوسف عليه السلام فتنة، أخذن في الطّعن في امرأة العزيز وعيبِها والتشنيع عليها على فعلتِها يقلن: كيف تعشق سيدة ذات جاه ومنصب فتاها وتُراوده عن نفسه فتطلب منه مواقَعَتَها؟
﴿قَد شَغَفَهَا حُبًّا﴾ الشِغاف حجاب القلب
يعني تقول: شغفها حبّه خرق حبّه شِغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد يعني معنى ذلك هذا في درجة كبيرة جدًا قد شغفها حبًّا، إذا قلنا الشِغاف هو حجاب القلب فخرق حب يوسف شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد ويقال: الشِغاف هو جلدة رقيقة يقال لها: لسان القلب، تبارك الله أحسن الخالقين فماذا قلن؟
﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَال مُّبِين﴾ فِي خَطَأٍ وَبُعُدٍ عَنْ طَرِيقِ الصَّوَابِ هذا كلام النسوة وصل هذا الحديث إلى امرأة العزيز صار ذكرها على ألسِنة نساء المدينة
﴿فَلَمَّا سَمِعَت بِمَكرِهِنَّ أَرسَلَت إِلَيهِنَّ وَأَعتَدَت لَهُنَّ مُتَّكَأ وَءَاتَت كُلَّ وَاحِدَة مِّنهُنَّ سِكِّينا وَقَالَتِ ٱخرُج عَلَيهِنَّ فَلَمَّا رَأَينَهُ أَكبَرنَهُ وَقَطَّعنَ أَيدِيَهُنَّ وَقُلنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِن هَٰذَآ إِلَّا مَلَك كَرِيم﴿٣١﴾﴾.
لما سمعت امرأة العزيز باغتيابهن وقولهن امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني ومقتها هو وسمّى الاغتياب مكرًا؛ لأنه كان في خُفية وحال غيبة كما أن الماكر يخفي مكره وقيل: كانت زليخة استكتمتهنّ سرّها أنها ستفعل كذا وكذا مع يوسف فأفشينها فأفشين السرّ عليها فأرسلت إلى هؤلاء اللائمات من ذوات الثراء والجاه ودبرت لهنّ مكيدة حتى يعذرْنها في حبها وغرامها ليوسف عليه الصلاة والسلام فماذا فعلت؟ جمعتهنّ في منزلها وأعدت لهن ضيافةً تليق بحالهن ويقال: بأنها قد دَعت أربعين امرأةً منهنّ الخمس المذكورات امرأة الساقي وامرأة الخبّاز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب
﴿وَأَعتَدَت﴾ هيّأت
﴿لَهُنَّ مُتَّكَأ﴾ يعني ما يتكئْن عليه من نمارِقَ ووسائد وقدّمت إليهنّ طعامًا لكن هذا الطعام الذي قُدم يحتاج إلى القطع بالسكين
وقيل: ناولت كل واحدة منهن أترجة نوع من الفاكهة حبة أتْرج وسكين والمتكأ جاهز اتكاء مع النمارق والوسائد والضيافة التي تكون في القصور هيأت لهنَّ ذلك وماذا طلبت منهن قالت لهنَّ: لا تقطعن الفاكهة ولا تأكلن حتى أعلمكن يعني أبقين السكين والأترجة في أيديكن لا تقطعن حتى أنا أقول لكُنَّ بعد أن تمَّ لها ذلك قالت ليوسف عليه الصلاة والسلام: اخرج عليهن وطلبت منه أن يخرج وهي قصدت بما أعدته من تلك الهيئة وهي قعودهن متكئات والسكاكين في أيديهن أن يدهشن عند رؤية يوسف عليه الصلاة والسلام، فطلبت منه أن يخرج فإذا خرج تصير معهنَّ الدهشة عند رؤية يوسف ويشغلنَ أنفسهنَّ بالنظر إلى يوسف وعندها كما قد يحصل من شدة الدهشة أن تقع اليد على اليد فتقع أيديهنَّ على أيديهنَّ وفي يدٍ السكين فتنزل بيدها بالسكين على يدها ولكنها هي مدهوشة مذهولة تنظر إلى يوسف وإذا كنَّ وصلنَّ إلى هذه الحال لن يشْعُرْنَ بألم الجرح الذي يحصل من هذه السكين فدخل يوسف عليه الصلاة والسلام بُهِتْنَ وقعت اليد على اليد
﴿وَءَاتَت كُلَّ وَاحِدَة مِّنهُنَّ سِكِّينا﴾ في ذلك الزمان كانوا لا يأكلون إلا بالسكاكين كفعل الأعاجم ثم قالت ليوسف عليه السلام: ﴿ٱخرُج عَلَيهِنَّ﴾ لما رأينَ يوسف بهرهنَّ جماله عليه الصلاة والسلام وألهاهُنَّ حُسنه الفائق عليه الصلاة والسلام كأنهنَّ قد نسينَ هذا الذي في أيديهنَّ فتشاغلنَ عما في أيديهنَّ فصرنَ يحززن أيديهنَّ ويقطّعنَها وهُنَ يحسبنَ أنهُنَّ يُقطِّعن الطّعام يحسبن أنهن يُقطِّعن الفاكهة وهنّ لا يشعُرن بألم الجرح بالسِّكِّين وعندها أعلنّ إكبارهُنّ وإعظامَهُنّ لذلك الجمال الرائع الذي كان عليه سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام حيث ما ظننَّ أن يكون مثل هذا الجمال في بني آدم ما ظنن أنهن سيشاهدن أحدًا بمثل هذا الجمال في بني آدم
﴿فَلَمَّا رَأَينَهُ أَكبَرنَهُ﴾ أعظمنه وَهِبْنَ ذَلِكَ الْحُسْنَ الرَّائِقَ وَالْجَمَالَ الْفَائِقَ
ويُقال كان فضل يوسف عليه الصلاة والسلام على الناس في الحُسن كفضل القمر ليلةَ البدر على نجوم السماء
ويُقال: كان يوسف عليه الصلاة والسلام إذا مشى في أزقةِ مصر يُرَى تلألُؤ وجهِهِ على الجُدران من شدة الجمال فتبارك الله أحسنُ الخالقين إذا مشى في الطريق يُرَى تلألُؤ وجهِ يوسف عليه الصلاة والسلام على الجدران
ويُقال: كان يشبه آدم يوم خلقه ربه
ويُقال: بأنه قد ورث الجمال من جدته أي جدة؟ سارة زوجة إبراهيم أم إسحاق التي كانت وضيئةً كان يوسف عليه الصلاة والسلام على تلك الحال
﴿وَقَطَّعنَ أَيدِيَهُنَّ﴾ جرحنها
كما أنك تقول: كنت أقطع اللحم فقطَعْتُ يدي ما قطعت اليد جرحت تريد أنا جرحتها أي أردنا أن يقطعن الطعام الذي في أيديهن فدهشن لما رأينه فخدشن أيديهن
﴿وَقُلنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ حاشا لله هذه كلمة تفيد معنى التنزيه تأتي في باب الاستثناء حاشا؛ حاشا لله والمعنى تنزيه الله من صفات العجْز والتعجبُ من قدرة الله تعالى على خلق جميل مثل يوسف عليه الصلاة والسلام
﴿وَقُلنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِن هَٰذَآ إِلَّا مَلَك كَرِيم﴾
نفيْنَ عنه البشرية لغرابة جماله وأثبتنَ له المَلكية وبَتَتْنَ بها الحكم لِمَا ركز في الطباع ألا أحسن من الملك ولِمَا ركز في الطباع ألا أقبح من الشيطان فإذا ذُكر القبح قد يخطر في باله الشيطان وأما في الطباع الحسن فيخطر في البال الملائكة سيدنا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يقول: عن جرير بن عبد الله البَجَليّ رضي الله عنه يوسف هذه الأمة لجمال الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البَجَلِيّ كان يقول: هذا يوسف هذه الأمة.
يوسف عليه الصلاة والسلام كما قدّمنا كان أبيض مشربًا بحمرة شديدَ بياض العين شديدَ سوادها شعره أسود شعره كان خفيف الجعودة كرسولنا محمد عليه الصلاة والسلام لكن محمد عليه الصلاة والسلام أجمل من يوسف عليه الصلاة والسلام لكنَّ سيدنا محمدا عليه الصلاة والسلام جمالُه كان مغطًى بالهيبة هذه الهيبة كانت تغطي جمال نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ويوسف عليه الصلاة والسلام فيه هيبة لكنَّ ذلك أكثر في نبينا عليه الصلاة والسلام فيوسف عليه الصلاة والسلام كان جماله مكشوفًا جمال نبينا محمد عليه الصلاة والسلام كان مغطىً ومن حيث الطول يوسف بشيء كان أطول من نبينا محمد عليه الصلاة والسلام مع أن سيدنا محمدا عليه الصلاة والسلام كان ربْعَةً إلى الطول أقرب.
جمال رسول الله صِينَ بهيبةٍ … ويوسف مكشوف جمال مُحياه
فيوسف شطر الحسن أُعطي قده … وأحمد كلَّ الحسن فزت برؤياه
وأحمد كلَّ الحسن فزت برؤياه فلئن كان ليوسف شطر الحسن فإن لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم له الحسن كلُّه. الله سبحانه وتعالى يكرمنا برؤية سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وسيدنا يوسف في المنام.
﴿قَالَت فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَد رَاوَدتُّهُ عَن نَّفسِهِ فاستَعصَمَ وَلَئِن لَّم يَفعَل مَآ ءَامُرُهُ لَيُسجَنَنَّ وَلَيَكُونا مِّنَ ٱلصَّاغِرِينَ﴿٣٢﴾﴾
باحت امرأة العزيز بحبها وشغفها بيوسف عليه السلام الذي بَهَرَها جماله وملكَ عليها قلبها وقالت للنسوة معتذرة في عشقها ليوسف وحبها إياه
﴿فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمتُنَّنِي فِيهِ﴾ هذا الذي أنتن تلومونني عليه نقول: هو ذلك العبد الكنعاني الذي صورتنَّ في أنفسكن ثم لُمتنني فيه تعني إنّكُنّ لم تصوّرنَه حق صورته وإلا لو أنّكن جعلتُن صورتهُ كما هي ما حصل منكن هذا اللومُ لي وإلا لَعذَرْتُنني في الافتِنانِ به لكان ذلك، لاعتبرتُنه عذرًا للافتِتانِ بيوسف ثم مدحَت يوسف عليه الصلاة والسلام هي بالعفّة التامّة والصيانة واعترفت على نفسها وأقرّت لهنّ بأنّها هي التي راودته عن نفسه وطلبت منه ما تريد ولكنّه استعصم
﴿وَلَقَد رَاوَدتُّهُ عَن نَّفسِهِ فاستَعصَمَ﴾ والاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها وهذا بيان جلي على أن يوسف عليه الصلاة والسلام بريء حتى من الهمِّ بالزنا بامرأة العزيز لأنه عُبِّر بأنه استعصم يعني مُبالغة، في درجة عالية من البُعد عن ذلك وهذا ردٌّ على ذلك الفريق الذي فسَّر الهمَّ بغير هذا قلنا ﴿وَلَقَد هَمَّت بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَولَآ أَن رَّءَا بُرهَانَ رَبِّهِ﴾ إثبات الهمِّ منها وإثباتُ أن يوسف عليه الصلاة والسلام ما حصل منه الهمّ لأن الله تعالى قد أراه البرهان فاستعصم.
ماذا كان من النسوة بعد هذا الموقف؟ قلنَ ليوسف أطع مولاتك هن اللواتي صرن يتحدثن عن يوسف وعن امرأة العزيز وبعد أن هُيئ لهن هذا المتكأ والسكاكين في أيديهن والفاكهة ودخل يوسف ورأينَّ يوسف عليه الصلاة والسلام هنا تحوّلن إلى يوسف يا يوسف قلن له أطع مولاتك. بلاء شديد على سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام.
فقالت زليخة:
﴿وَلَئِن لَّم يَفعَل مَآ ءَامُرُهُ﴾ لئن لم يفعل أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه ﴿لَيُسجَنَنَّ﴾ ليحبسَن
صارت تُهدّد معنى ذلك بهذا الخُبث وبهذا القَدر من الوقاحة أنها وصلت إلى أن تُجاهِر على الملأ بطلبها من يوسف ﷺ لذلك الأمر الخبيث ﴿لَيُسجَنَنَّ﴾
قالت: ﴿وَلَيَكُونا مِّنَ ٱلصَّاغِرِينَ﴾ من الصاغِرين يعني من أهل الذِّلَّة مع السُّرَّاق والسُّفَّاك والأُبَّاق
قالوا: كأنها تقول كما سرق قلبي وأَبَقَ منّي وسفك دَمي بالفِراق فلا يهنأ ليوسف الطعامُ والشراب والنوم هنالك كما منعني هنا كل ذلك. قالوا: وهي تقول:
ومن لم يرض بمثلي في الحرير على السرير أميرا حصل في الحصير على الحصير حسيرا
تهديد ووعيد لسيدنا يوسف عليه السلام الذي استعصمَ الذي كان عفيفَ النفس كان مهيبًا عفيفًا كريمًا واجتمعت نسوة المدينة ودارُوا مع امرأة العزيز ماذا كان من يوسف؟ قال:
﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدعُونَنِيٓ إِلَيهِ وَإِلَّا تَصرِف عَنِّي كَيدَهُنَّ أَصبُ إِلَيهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلجَاهِلِينَ﴿٣٣﴾﴾
قامت النسوة يُحرّضن يوسف عليه السلام على السمع والطاعة لامرأة العزيز أبَى يوسف عليه الصلاة والسلام أشدَّ الإباء في مثل هذا الموقف عباد الله يتعرض الشخص لموقف عظيم موقف افتتان ماذا يفعل؟ يدعو ربَّه مستغيثًا به أمام كل هذا ما الذي يُلجِم الشيطان؟ ذكر الله. ما الذي يعينك عندما تقع في مصيبة تقع في بليّة تقع في فتنة تقع في كرب تقع في مرض في أي هول من الأهوال الشديدة ماذا تفعل؟ الجأ إلى الله سبحانه وتعالى
﴿قَالَ رَبِّ﴾ كالذي يتلذّذ بذكر الله عز وجل
قال: ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدعُونَنِيٓ إِلَيهِ﴾ السجن أحبّ إليّ مما يدعونني إليه سلَّم أمره إلى الله
قال ﴿أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدعُونَنِيٓ إِلَيهِ﴾ أسندَ الدعوة إليهنّ إلى النسوة لأنّهنّ قلنَّ له ما عليك لو أجبت مولاتك؟ وفي رواية افتتنت كل واحدة به فصارت تدعو يوسف عليه الصلاة والسلام إلى نفسها سرًّا، فاجتمع عليه مكر وكيد النساء في ذلك الوقت فالتجأ إلى ربه
﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ من ركوب المعصية
﴿وَإِلَّا تَصرِف عَنِّي كَيدَهُنَّ﴾ فزعٌ منه إلى الله في طلب العصمة لولا أن الله تعالى حَفظ الأنبياء والملائكة لكانوا كغيرهم هذا معنى تفويض الأمر إلى الله، ليس المعنى أنه كان مترددا بَيْنَ بَيْن ،بلْ يعني إني وكلتُ أمري إلى الله كأنه يقول: يا رب إن وكلّْتَني إلى نفسي فليسَ لي من نفسي إلا العجز والضعف ولا أملك لنفسي نفعًا ولا ضُرًّا إلا ما شاء الله وإنّي ضعيف إلا ما قويْتَنَي وعصمْتَني وحَفظْتَني وأحطْتَني بحولك وقوتك
﴿وَإِلَّا تَصرِف عَنِّي كَيدَهُنَّ أَصبُ إِلَيهِنَّ﴾ أصبُ يعني أمِلْ إليهن الصّبوة هي الميْل إلى الهوى ومنه الصبا؛ لأن النفوس الصبا الريح ريح الصبا لأن النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها ورَوْحِها ويقال: الصبا هذه الريح تأتي من ناحية المشرق في وقت معين ويقابلها الدَبُور ريح الدَبُور تأتي من المغرب وفي اصطلاحِ الصوفية فإنه عندهم الدَبور يستعملونها أحيانًا يرمزون بها إلى الهوى المُردي فيعبرون عنه بالدَبور الصبا ريح الصبا تهفو نفسك إلى هذه الريح
﴿وَإِلَّا تَصرِف عَنِّي كَيدَهُنَّ أَصبُ إِلَيهِنَّ﴾ يعني أمِلْ إليهن
﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلجَاهِلِينَ﴾ من الذين لا يعملون بما يعلمون ونعوذ بالله من أن نكون ممن لا يعملُ بما يعلم
في دعاء النبي ﷺ أليس علمنا أن نقول: “اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا” ما معنى علم نافع يا أيها الإخوة؟ يوجد من الناس من يعلم لكن ما هو العلم النافع؟ العلم الذي يكون معه العمل، العلم مع العمل تعلمت وتعمل بهذا العلم تعلمت علم أهل السنة والجماعة وتعمل بهذا العلم
﴿وَأَكُن مِّنَ ٱلجَاهِلِينَ﴾ قيل: أي من السفهاء إِن لَّمْ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ولما كان في قوله ﴿وَإِلَّا تَصرِف عَنِّي كَيدَهُنَّ﴾ معنى طلب الصرف والدعاء
قال: ﴿فاستَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنهُ كَيدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلعَلِيمُ ﴿٣٤﴾﴾
﴿ٱستَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ أجاب الله دعاءه
﴿فَصَرَفَ عَنهُ كَيدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ﴾ لدعوات الملتجئين إليه
﴿ٱلعَلِيمُ﴾ بحاله وحالهن.