بسم الله الرحمن الرحيم
{قَالَ مَا خَطۡبُكُنَّ إِذۡ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِۦۚ قُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمۡنَا عَلَيۡهِ مِن سُوٓءٖۚ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡـَٰٔنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ (51) ذَٰلِكَ لِيَعۡلَمَ أَنِّي لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَيۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ (52) ۞وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ (53) وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ (54) قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ (55)}.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قَالَ مَا خَطبُكُنَّ إِذ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفسِهِۦۚ قُلنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمنَا عَلَيهِ مِن سُوٓء قَالَتِ ٱمرَأَتُ ٱلعَزِيزِ ٱلـَٰٔنَ حَصحَصَ ٱلحَقُّ أَنَا رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ﴿٥١﴾﴾
كربٌ شديد لحق نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام وقد لبث بسبب افتراء امرأة العزيز ثم من واطأها من نساء حواشي الملك، بسبب ذلك مكث يوسف عليه الصلاة والسلام في السجن بضع سنين، سبع سنين، وقدّر الله سبحانه وتعالى كما تقدّم في الآيات التي تقدّمت أن يرى ملك مصر الريّان بن الوليد رؤيا مهولة عجيبة جمع أعيان دولته جمع الحاشية أراد أن يعرف ما هو تعبير هذه الرؤيا عجزوا عنها قالوا: وما نحن بأضغاث الأحلام بعالمين لا علم لنا بأضغاث الأحلام وعندها ساقي الملك رئيس السقاة الذي تقدّم أنه كان قد دخل هو ورئيس الخبّازين مع يوسف عليه الصلاة والسلام إلى السجن في نفس اليوم، وقدّر الله سبحانه وتعالى أن يرى هذا رؤيا وأن يرى هذا رؤيا وأن يعبر لكل منهما يوسف عليه الصلاة والسلام رئيس الخبازين ثلاثة أيام يطلبك الملك تقتل تصلب تأكل الطير من رأسك رئيس السقاة ثلاثة أيام يطلبك الملك يعفو عنك وترجع إلى حالك السابق عنده، ثلاثة أيام ذاك قُتِل وذاك خرج، لكن يوسف عليه الصلاة والسلام كان طلب منه طلبًا قال:
﴿ٱذكُرنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ يعني عند سيّدك عندما تخرج قل له: يوجد إنسان مظلوم في السجن إذا خرجت وصرت عند الملك، رجعت إلى حالك السابق فاذكرني عند ذلك الملك لكن قدّر الله تعالى أن ينسى هذا الشرابيّ الساقي أن ينسى ذِكر يوسف حتى كانت رؤيا هذا الملك رأى هذه الرؤيا فعندما عجز الناس أعيان الدولة مَن يُقال لهم حكماؤها عن تأويل هذه الرؤيا، من يعبر الرؤيا الساقي تذكر من؟ يوسف عليه الصلاة والسلام، فذهب إلى السجن وقصّ عليه البقرات السمان والعجاف والسنبلات الخضر والسنبلات اليابسة وعبّر الرؤيا يوسف الصِدّيق عليه الصلاة والسلام رجع هذا الساقي ذكر للملك، الملك وقع في قلبه صِدق يوسف عليه الصلاة والسلام فطلب أن يؤتى بيوسف رجع رسول الملك، يقول: الملك يريدك اخرج من السجن يوسف لم يخرج، قال له: ترجع إلى هذا الملك وتسأله عن حال النسوة، نسوة وقت أنْ جمعتهنّ امرأة العزيز وأعتدت لكل واحدة منهن متكأ ووضعت في يدها سكّينا وقطّعت الفاكهة من التفاح أو من غيره وأدخلت يوسف على ذلك المجلس فصارت كل واحدة تقطع يدها من حيث لا تشعر بذلك ،وهنّ على انشغال بسيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام، ثم هؤلاء النِسوة صارت كل واحدة منهنّ ترسل إلى يوسف خفية فتنة كبيرة نجّى الله تعالى يوسف الصّديق عليه الصلاة والسلام من مكر هؤلاء النسوة فيوسف ما أحلمه عليه الصلاة والسلام لو أنه خرج فورًا وسبع سنوات في السجن ثقيلة جدًا وكان يوجد كفّار في السجن ولكن يوسف يدعوهم إلى الإسلام، يدعوهم إلى التوحيد، قدّر يوسف، إن خرج فورًا فبعد ذلك قد يتسلل البعض إلى الملك ويقول له: هذا الذي أنت ائتمنته عندك أليس هذا الذي قيل عنه: كذا وكذا في امرأة العزيز؟ أليس هذا الذي كان شأنه مع نساء المدينة أشراف المدينة كذا وكذا؟ فعندها أرسل يوسف عليه الصلاة والسلام بهذه الرسالة إلى الملك أن يرى حال النسوة، إذا الآن هذه الآية التي نحن فيها،هؤلاء النسوة في مجلس الريّان بن الوليد ملك مصر خاطبهن الملك
﴿مَا خَطبُكُنَّ﴾ ما شأنكنّ ما قصتكنّ
﴿إِذ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفسِهِۦۚ﴾ هل وجدتنّ منه ميلًا إليكنّ هذا تقدير الكلام ﴿مَا خَطبُكُنَّ إِذ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفسِهِۦۚ﴾، التقدير هل وجدتنّ منه ميلا إليكن؟ برّأنه
﴿قُلنَ حَٰشَ لِلَّهِ﴾ تعجبًا من قدرة الله سبحانه وتعالى على خَلق عفيفٍ مثل يوسف الصدّيق عليه الصلاة والسلام العفّة الصيانة الأمانة الصِدق الفطانة الفصاحة صفات الأنبياء جميعًا، حفظهم الله تعالى من الرّذالة من الخيانة حفظهم الله تعالى من السفاهة
بل قال العلماء: حتى إنَّ خاطر الزنا لم يرد على قلب يوسف عليه الصلاة والسلام هؤلاء أنبياء الله كيف تجد بعضا من الناس يتكلمون على أنبياء الله بالسفاهات ينسبون إليهم الرذالات؟! ملئت الكتب بكثير من الطامات والمهلكات عن أنبياء الله.
يوسف بعيد من ذلك حتى النسوة وأصحاب الكيد والمكر برّأن يوسف ﴿قُلنَ حَٰشَ لِلَّهِ﴾ عفيف و نبي صابر، كريم ابن كريم ابن كريم ابن كريم ابنِ كريم يوسف بنِ يعقوب بنِ إسحاق بن إبراهيم، سلسلة عطرة من العطرة من الأنبياء من الرسل العظام
﴿قُلنَ حَٰشَ لِلَّهِ﴾ ما رأوا عفة كعفة يوسف
﴿قُلنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمنَا عَلَيهِ مِن سُوٓء﴾ يعني ما علمنا عليه من ذنب وأعلمت النسوة الملك، يوسف إلى هنا كان لا يزال في السجن فأعلمت النسوة الملك براءة يوسف عليه الصلاة والسلام من السوء الذي نسب إليه كذبًا وبهتانًا.
الآن امرأة العزيز كما يقال: أسقط في يدها، قبل ذلك شاهد رضيع في قصر العزيز أنطقه الله وهو رضيع فبرأ يوسف، والآن نساء المدينة من الأشراف برأنَ يوسف ولكن هي هذه زليخة التي كانت سببًا في وضع يوسف في السجن، زوجها العزيز قطفير قد علم براءة يوسف لكنه كان ذلولًا لامرأته هذه ومع أن هذا وزير مصر كان الوزير في ذلك الوقت يقال له: العزيز، عزيز مصر الوزير في ذلك الوقت كان ذلولًا لامرأته هذه، قالت له:
ضعه في الحبس فهي تعرف ما الذي كان منها مع نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام الآن رأت أن الملك ملك مصر الريّان بن الوليد الذي قلنا أسلم فيما بعد ما رأى من يوسف عليه الصلاة والسلام أسلم فيما بعد، رأت أن الملك بنفسه يهتم بيوسف ويطلب يوسف ويرسل المراسل إلى يوسف، وعبر يوسف ما عجز عنه كل أعيان دولته وأعطاه تعبيرا للرؤيا فيه إنقاذ للبلاد والعباد في ذلك الوقت سبع سنوات يكون فيها رخاء ويكون فيها خصب وبعدها سبع سنوات مجدبة فيها قحط وجدب وكان التأويل في السبع سنوات الأولى ازرعوا وادّخروا الطعام واجعلوه في سنبله ما كان منه في السنابل، إذا كان حفظ في السنبل لا يتسرب السوس إليه سبع سنوات وأكثر من ذلك يبقى محفوظًا بإذن الله أما الآن لو أنك خزنت مثلا الدقيق أو غير ذلك يتسرب إليه السوس بسرعة ولكن هناك يوجد تخزين سبع سنوات فقال لهم: في سنبله وبعد ذلك سبع سنوات قحط وفعلًا صار القحط ليس فقط في مصر وفي فلسطين الأرض التي كان فيها أيضًا سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام، القحط عمّ أكثر من بلد، فما جُعل من الطعام ما خزن في ذلك الوقت سيأتي أوان إخراجه ليطعم الناس ويكون فرجًا لهم في سنوات القحط والجدب، إذا أربع عشرة سنة، هذه السنوات، هذه سيكون فيها أحداث كبيرة ثم يأتي عام فيه يغاث الناس فيه يعصرون تلك الأخيرة، بعد الأربع عشرة، كانت بوحي فهذا تعبير عظيم جدًا الملك هاله من يعبر مثل هذا فامرأة العزيز ترى كل هذا الاهتمام من الملك الذي كان له كلمة وكان له شأن كبير، الآن بعد أن رأت كل ذلك ورأت من ظَلمته قد أكرمه الله لعصمته وطهارته وعفته وصبره، حتى إن ملك مصر أراد أن يستخلصه لنفسه عندها الآن اعترفت بما اقترفته
﴿قَالَتِ ٱمرَأَتُ ٱلعَزِيزِ ٱلـَٰٔنَ حَصحَصَ ٱلحَقُّ أَنَا رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ﴿٥١﴾﴾
حصحص ظهر واستقرّ وصار واضحا جليًا اعترفت أنها هي التي راودت يوسف عليه الصلاة والسلام وطلبت منه فعل الفاحشة
﴿وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ إن يوسف عليه الصلاة والسلام في قوله ﴿هِيَ رَٰوَدَتنِي عَن نَّفسِي﴾ من الصادقين ولا مزيد على شهادتهن له بالبراءة والنزاهة واعترافهنّ على أنفسهنَّ بأنه لم يتعلق بشيء مما قُذف به هذا المشهد جَمع النساء في مجلس الملك وما كان منهم ينقله بعد ذلك رسول الملك إلى يوسف عليه الصلاة والسلام الذي لا يزال ينتظر في السجن فرجع فأخبر يوسف عليه الصلاة والسلام بكلام النسوة وبإقرار امرأة العزيز وبشهادتها على نفسها
﴿ذَٰلِكَ لِيَعلَمَ أَنِّي لَم أَخُنهُ بالغَيبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهدِي كَيدَ ٱلخَآئِنِينَ﴿٥٢﴾﴾
ذلك إذا كان الكلام عن يوسف عليه الصلاة والسلام ذلك ليعلم أي ليعلم الملك أن امتناعي من الخروج والتثبّت لظهور البراءة، ﴿لِيَعلَمَ﴾ أي الملك هذا وجه في التفسير ﴿لِيَعلَمَ﴾ أي العزيز الوزير يحتمل هذا ويحتمل هذا
﴿ذَٰلِكَ لِيَعلَمَ﴾ من القائل هنا؟ يوسف عليه الصلاة والسلام ﴿ذَٰلِكَ لِيَعلَمَ﴾،
الضمير لمن يرجع؟ ﴿لِيَعلَمَ﴾ إما أن يرجع إلى الملك
أو أن يرجع إلى العزيز ﴿أَنِّي لَم أَخُنهُ بالغَيبِ﴾ إذا رُدّ إلى العزيز يعني لم أخنه بالغيب، أي بظهر الغيب في حرمة وأنا غائب عنه وكان في قصره أو وهو غائب عني وإذا رُد إلى الملك ليعلم الملك أني لم أخن العزيز،
﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهدِي كَيدَ ٱلخَآئِنِينَ﴾ وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين لا يسدده
وكأن يوسف عليه الصلاة والسلام يُعرّض بامرأة العزيز في خيانتها أمانة زوجها ثم إن يوسف عليه الصلاة والسلام أراد أن يتواضع وأن يخدم نفسه مع أنه بريء وحفظه الله تعالى وعصمه وما تسلل خاطر السوء حتى إلى قلبه لكن مع ذلك أخبر الله تعالى عنه وهذا إن مضينا على أنّ معنى ﴿ذَٰلِكَ لِيَعلَمَ﴾ إلى يوسف لكن إمّا أن ﴿لِيَعلَمَ﴾ أي الملك أو ﴿لِيَعلَمَ﴾ أي العزيز فإذا مضينا على أن الكلام كان ليوسف
﴿۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفسِيٓ إِنَّ ٱلنَّفسَ لَأَمَّارَةُ بالسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓ إِنَّ رَبِّي غَفُور رَّحِيم ﴿٥٣﴾﴾
﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفسِيٓ﴾ ما معنى هذا؟ ليس المعنى أن يوسف عليه الصلاة والسلام حصل منه سوء هذا معناه التفويض إلى الله معناه يا ربّ أنت تحفظني ولولا حفظك ما سلمت معناه فوض أمره إلى الله
﴿ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفسِيٓ﴾ معناه يا رب أنا فوضت أمري إليك سلمتُ نفسي إليك أفوض أمري إلى الله أنا أتوكل على الله، الله هو الذي يبرئني هذا معناه، هذا ليس فيه أنّ يوسف عليه الصلاة والسلام لم يكن مبرأً إنما قد فوض أمره إلى الله
﴿إِنَّ ٱلنَّفسَ لَأَمَّارَةُ بالسُّوٓءِ﴾ أراد الجنس أي أنّ هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه مما فيه من الشهوات
﴿إِنَّ ٱلنَّفسَ لَأَمَّارَةُ بالسُّوٓءِ﴾ كم نفسُ الإنسان تأمره بالسوء إلا ما رحم الله؟ كان سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول: “اللهم يا مقلبّ القلوب ثبت قلبي على دينك”.
هذه النفس لها تقلُب هذه النفس أمارة بالسوء في غالبها تدفع بصاحبها إلى الشهوات تزيّن له طريق الشهوات هذه النفس تزيّن في أكثر الأحيان للإنسان أن يتقاعس عن نصرة الدين أن يتخلف عن مجالس علم الدين، نفسه في كثير من الأحيان تزين له الراحة الدَعَة، النوم، الطعام، الشراب، الشهوات
﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓ﴾ لذلك ما الذي علينا؟ ﴿وَأَمَّا مَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفسَ عَنِ ٱلهَوَىٰ ﴿٤٠﴾ فَإِنَّ ٱلجَنَّةَ هِيَ ٱلمَأوَىٰ﴾ خالف نفسك ولذلك قال بعض العارفين:
(إن أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك)
وقال بعضهم: (شفاء النفس مخالفتها)
لا تعطِ نفسك كل ما تطلب كثير مما تطلب هذه النفس إن أنت مضيت مع نفسك فربّ امرئ حتفه فيما تمناه، تمنّى طعاما فكان فيه هلاكه تمنّى مركوبًا فكان فيه حتفه تمنّى ولدًا فكان العقوق منه وكان هلاك أبويه على يديه تمنّى مالا فأغرقه المال، وذهب إلى الدنيا ثم يقول: يا ليتني لم أوت شيئا من هذا المال. إذا هذه النفس ينبغي أن نلتفت إليها وهذه النفس تحتاج إلى معالجة. إذا أنت طعمت لا تذهب فورًا إلى النّوم وإلا كان أثر على قلبك من ذلك الطعام قد يسبب له قسوة من هذا الطعام فماذا تفعل؟ فالنبيّ عليه الصلاة والسلام يرشد إلى ماذا؟ يرشد إلى أن تصلي بعد الطعام، أن تصلي وأن تذكر. مداخل النفس هذه عجيبة ومداخل الشيطان عجيبة البعض أيها الإخوة عنده قوة ونشاط أن يجلس على مائدة الطعام ساعة ولا يجد قوة على الحضور أو الجلوس في مجلس العلم ولو كان ربع ساعة من أين هذا؟ النَفْس. نفس الإنسان لذلك في هذا الموضع فيه تنبيه إلى هذه النّفس ﴿إِنَّ ٱلنَّفسَ لَأَمَّارَةُ بالسُّوٓءِ﴾
لذلك أيضًا كان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام الذي علمنا:
“اللّهمّ إنّي أعوذ بك من شّر سمعي ومن شر بصري”
يعني من شَرّ هذه الجوارح لأنك إن تركتها، العين تنطلق قد تنطلق إلى النّظر المحرم اللسان قد ينطلق إلى الحرام اليد، الرجل، البطن، الأذن وهكذا البدن، ﴿إِنَّ ٱلنَّفسَ لَأَمَّارَةُ بالسُّوٓءِ﴾، لكن انظر ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓ﴾ إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة، يوجد معنى لطيف آخر هنا:
﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓ﴾ يَجُوزُ أَن يَكُونَ الْمَعْنَى إِلَّا مَا رَحِمَ، يَجُوزُ أَن يَكُونَ مَا رَحِمَ فِي مَعْنَى الزَّمَانِ معناه إِلَّا وَقْتَ رَحْمَةِ رَبِّي، إذا إما ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓ﴾ من عَصَمَهُ رَبِّي أو إلَّا إذا رددناها إلى الزَّمَان إلا وقت رحمة ربي هنالك أوقات يوجد فيها رحمات خاصة فبسبب هذه الرحمات الخاصة التي ينبغي أن تُعرّض أنت نفسك إليها، يحفظك الله تعالى يحفظ نفسك الأمارة بالسوء
﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓ﴾ إلا وقت رحمة ربي يعني إذا رجعنا إلى المعنى الأول أنها أمّارة بالسوء في كل وقت إلا في وقت العصمة
أو يقال كذلك ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓ﴾ استثناء منقطع معناه إلا ما رحم ربي أي لكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، برحمة الله سبحانه وتعالى أليس أخبر عليه الصلاة والسلام:
“ما منكم من أحد يدخل الجنّة بعمله قالوا: وَلا أَنتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قال: ولا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدنِي اللَّهُ” بِرَحْمَة اللَّهِ سبحانه وتعالى؛ لأنه كما جاء “رحمة الله تعالى أرجى لنا من أعمالنا كما أن مغفرة الله أوسع من ذنوبنا”، مغفرة الله أوسع من ذنوبنا فهو العفو سبحانه وتعالى
﴿ذَٰلِكَ لِيَعلَمَ أَنِّي لَمۡ أَخُنهُ بالغَيبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهدِي كَيدَ ٱلخَآئِنِينَ﴾ أليس قدمنا بأن هذا الكلام ليوسف عليه الصلاة والسلام ليعلم من إما هو من؟ قلنا الملك أو العزيز، هذا وجه لكن يوجد وجه لطيف آخر ويربط معه ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفسِيٓ﴾ فيكون القائل في الأول ذلك ليعلم هو الذي قال أيضا: ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفسِيٓ﴾ فقيل: هذا من كلام امرأة العزيز، ويصير ذلك ليعلم إذا رد هذا إلى امرأة العزيز ليعلم أن يوسف الذي هو ينتظر ماذا سيكون وهو في السجن ماذا سيكون من حالنا أني أنا كنت كذبت عليه فيما مضى ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة وجئت بالصدق فيما سئلت عنه، ثم هي قالت: فيكون هذا الكلام لها ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفسِيٓ﴾ مع ذلك إلى امرأة العزيز ما أبرئ نفسي من الخيانة فإني قد خنته حين قذفته وقلت ﴿مَا جَزَآءُ مَن أَرَادَ بِأَهلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسجَنَ﴾ وأودعته السجن وهي كأنها تريد الاعتذار منه عن الشيء الذي مضى
﴿إِنَّ رَبِّي غَفُور رَّحِيم﴾ استغفرت ربها واسترحمته ما ارتكبت وهي هنا رأت أن يوسف عليه الصلاة والسلام قد ظهر أمره وهذا الذي قلنا من تقديم القرآن وتأخيره أي قوله: ﴿ذَٰلِكَ لِيَعلَمَ﴾ متصل بقوله: ﴿فَسئَلهُ مَا بَالُ ٱلنِّسوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعنَ أَيدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيدِهِنَّ عَلِيم﴾،
﴿وَقَالَ ٱلمَلِكُ ٱئتُونِي بِهِۦٓ أَستَخلِصهُ لِنَفسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱليَومَ لَدَينَا مَكِينٌ أَمِين ﴿٥٤﴾﴾
والآن يقولون يوسف سيصير في مجلس الملك سيخرج من السجن الطويل بعد سبع سنين الملك الآن طلبه لما ظهر وتبين للملك براءة يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام ونزاهة ساحته عما كانوا نسبوه إليه رأى يوسف الصدّيق عليه الصلاة والسلام أن ليس هناك مانع من الخروج من السجن. يوسف عليه الصلاة والسلام الذي تلقى هذا البلاء صابرًا حليمًا محتسبًا لم ير بعد ذلك مانعًا من الخروج من السجن فخرج ثم صار يوسف عليه الصلاة والسلام في مجلس الملك وكلّمه فقال له الملك: إنّك من اليوم ذو مكانة ومنزلة ﴿إِنَّكَ ٱليَومَ لَدَينَا مَكِينٌ أَمِين﴾
أمين مؤتمن على كل شيء.
الملك كان قد بلغه تأويل رؤياه لكن أحب أن يسمع من يوسف عليه الصلاة والسلام مباشرة قال الملك: أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك قال: رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن ومكان خروجهن ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك وطلب منه أن يجمع الطعام في الأهرام فيأتيه الخلق من النواحي في السبع سنوات الأولى، ويمتارون منه كلمة الميرة كما سيأتي معنا أن يجلب الطعام من خارج البلد يعني مخصوصة عندما يقولون الميرة يمتارون معنا يستورد يجلب الطعام من خارج البلد وفعلا معناه مصر ستصير مقصدا للناس يأتون، قدّر الله تعالى كان من الأسباب أنه من جاء إخوة يوسف وبسبب هذا الملك يسمع سيجتمع للملك من الكنوز لأنّ البلاد الأخرى في قحط وجدب فالآن، مستعدون أن يدفعوا الذهب الورِق كل ما عندهم وهذا الذي حصل بسنة بالدنانير بالدراهم التي بعدها صاروا بالحلي صاروا بعدها بالإماء آخر شيء صاروا بأنفسهم يريدون الطعام والطعام أين سيخزن؟ في خزائن مصر فالملك يسمع، سيصير عنده كنوز كثيرة لم تجتمع لأحد قبله، الملك الآن بماذا يفكر؟ يقول ليوسف: من لي بهذا ومن يجمعه؟ من الذي يكون قادرا على أن يقوم بهذا العمل؟
﴿قَالَ ٱجعَلنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم﴿٥٥﴾﴾
يوسف عليه الصلاة والسلام، طلب يوسف من الملك أن يوليه النظر فيما يتعلق بخزائن الأرض قال وَلّني على خزائن أرضك الأرض هنا أي مصر وقيل: هي خزائن الطعام لما يعلم يوسف عليه الصلاة والسلام من عدله ولما يتوقع من حصول الخلل في خزائن الطعام بعد مضي السنين التي يكون فيها الخِصب لينظر فيها ويحتاط فيها للأمر
﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم﴾تنبيه: ليس مذمومًا إذا قال واحد: أنا أفعل كذا
تلك الكلمة ليست صحيحة بعضهم يقول: أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا
رسول الله قال: “أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب”، إذا كانت في محلها ليست على وجه الفخر ليس على وجه التكبر وهنا يوسف قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم﴾ يعلم من نفسه الأمانة
﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ أمين أحفظ ما تستحفظنيه، قوي على حفظ ما لديه وأمين على خزائن الأرض وما يخرج من الغلات والخيرات
﴿عَلِيم﴾ أعلم وجوه التصرف والضبط وصف يوسف عليه الصلاة والسلام نفسه بالأمانة والكفاية وهما الأمانة والكفاية طِلبة الملوك ممّن يولونه ماذا يريدون؟ أمينا ومن يكفيه يعني يغطي عنه وإنما قال يوسف ذلك ما هو قصده؟ ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله وإقامة الحق ووصف العدل والتمكن من أي شيء مما لأجله بعث الله تعالى الأنبياء إلى العباد ما هو قصده ليكون في موقف، وهذا الذي حصل فكان يوسف عليه الصلاة والسلام سببًا في انتشار الإسلام في أرض مصر وعلِم يوسف أيضًا عليه الصلاة والسلام أن أحدًا غيره لا يقوم مقامه في ذلك فطلبه ابتغاء وجه الله، لا لحب الملك والدنيا. قال الفقهاء:
(في هذا دليل على أنّه يجوز أن يتولى الإنسان عَمالةً من يد سلطان جائر)
الملك كان لا يزال كافرا في ذلك الوقت الريان، وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة الظلمة أيام بني أميّة وإذا علم النبيّ أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق له أن يستظهر به، ثم بعد ذلك كان الملك تَبعًا ليوسف يصدر عن رأيه ولا يعترض عليه في كل ما رأى وكان الملك في حكم التابع له وأعلن الملك إسلامه وأسلم عدد كثير من أهل مصر.