تَفسِيرُ سُورَةِ الكَهفِ
وَآيَاتُهَا مِائَةٌ وَعَشرُ آيَاتٍ.
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ)، هِيَ آيَةٌ مِن كُلِّ سُوَرِ القُرآنِ الكَرِيمِ سِوَى سُورَةِ بَرَاءَةٌ (سُورَة التَّوبَةِ) عِندَ الشَّافِعِيَّةِ([1])
( بِسْمِ اللَّهِ) أَي أَبتَدِئُ بِسمِ اللهِ، وَلَفظُ الجَلَالَةِ اللهُ عَلَمٌ لِلذَّاتِ المُقَدَّسِ المُستَحِقِّ لِنِهَايَةِ التَّعظِيمِ وَغَايَةِ الخُضُوعِ، وَمَعنَاهُ مَن لَهُ الإِلَهِيَّةُ، وَهِيَ القُدرَةُ عَلَى الِاختِرَاعِ، أَي إِخرَاجِ المَعدُومِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ.
وَلَفظُ الجَلَالَةِ: اللهُ: هُوَ اسمُ اللهِ المُفرَدُ الأَعظَمُ بِالإِجمَاعِ([2])، وَاسمُ اللهِ المُفرَدُ الأَعظَمُ (اللهُ) هُوَ أَجمَلُ كَلِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ([3]).
(الرَّحْمَٰنِ) مَعنَاهُ الكَثِيرُ الرَّحمَةِ بِالمُؤمِنِينَ وَالكَافِرِينَ فِي الدُّنيَا وَبِالمُؤمِنِينَ فِي الآخِرَةِ، وَالرَّحمَنُ اسمٌ خَاصٌ بِاللهِ لَا يَجُوزُ إِطلَاقُهُ عَلَى غَيرِهِ سَوَاءً كَانَ مُعَرَّفًا بِأَل أَو لَا.
( الرَّحِيمِ )مَعنَاهُ الكَثِيرُ الرَّحمَةِ بِالمُؤمِنِينَ، وَيَجُوزُ استِعمَالُ لَفظِ (رَحِيمٌ) مُعَرَّفًا وَمُنَكَّرًا فِي حَقِّ المَخلُوقِ، لَكِن لَيسَ عَلَى المَعنَى الَّذِي هُوَ خَاصٌّ بِاللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
بَعضُ أَسرَارِ البَسمَلَةِ([4])
لِيُعلَم أَنَّ فَضلَ البَسمَلَةِ عَظِيمٌ وَأَسرَارَهَا كَثِيرَةٌ لَا يُحصِيهَا إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَنَذكُرُ مِن ذَلِكَ:
- مَن قَرَأَهَا عِندَ النَّومِ إِحدَى وَعِشرِينَ مَرَّةً آمَنَهُ اللهُ تِلكَ اللَّيلَةَ مِن شَرِّ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ وَمِنَ السَّرِقَةِ وَيُدفَعُ عَنهُ كُلُّ بَلَاءٍ.
- وإِذَا تُلِيَت فِي أُذُنِ المَصرُوعِ خَمسِينَ مَرَّةً أَفَاقَ لِوَقتِهِ.
- وَإِذَا تُلِيَت فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إِحدَى وَعِشرِينَ مَرَّةً يُيَسَّرُ تَالِيهَا لِفِعلِ الخَيرِ، وَيُيَسَّرُ عَلَيهِ كُلُّ عَسِيرٍ.
([1]) مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا آيَةٌ مِن كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: “أَغفَلَ النَّاسُ آيَةً مِن كِتَابِ اللهِ لَم تَنزِل عَلَى أَحَدٍ قَبلَ النَّبِيِّ ﷺ، إِلَّا أَن يَكُونَ سُلَيمَانَ بنَ دَاوُدَ، (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ)”.اه ـشُعَبُ الإِيمَانِ، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ج4 ص20)، وروى الحَاكِمُ عَن سَعِيدٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: “أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا جَاءَهُ جِبرِيلُ فَقَرَأَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) عَلَى أَنَّهَا سُورَةٌ”.اهـ المُستَدرَكُ عَلَى الصَّحِيحَينِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ الحَاكِمِ (ج1 ص702)، وَروى البَيهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: “السَّبعُ المَثَانِي فَاتِحَةُ الكِتَابِ، قِيلَ: فَأَينَ السَّابِعَةُ؟ قَالَ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ)”.اهـ السُّنَنُ الكُبرَى، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ج2 ص66)، وَرَوَى الدَّارَقُطنِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ السَّبعِ المَثَانِي، فَقَالَ: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا هِيَ سِتُّ آيَاتٍ، فَقَالَ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) آيَةٌ”.اهـ سُنَنُ الدَّارَقُطنِيِّ، لِأَبِي الحَسَنِ الدَّارَقُطنِيِّ (ج2 ص87)، وَرَوَى الدَّارَقُطنِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “إِذَا قَرَأتُمُ (الحمد) فَاقرَؤُوا (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ)، إِنَّهَا أُمُّ القُرآنِ وَأُمُّ الكِتَابِ وَالسَّبعُ
المَثَانِي، (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) إِحدَى آيَاتِهَا”.اهـ سُنَنُ الدَّارَقُطنِيِّ، لِأَبِي الحَسَنِ الدَّارَقُطنِيِّ (ج2 ص86)،
وَرَوَى مُسلِمٌ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ
قَالَ: “بَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ بَينَ أَظهُرِنَا إِذ أَغفَى إِغفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مُتَبَسِّمًا فَقَالَ: أُنزِلَت عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ)(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)”.اهـ صَحِيحُ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ – كِتَابُ الصَّلَاةِ – بَابُ حُجَّةِ مَن قَالَ البَسمَلَةُ آيَةٌ مِن أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ سِوَى بَرَاءَة.
([2]) نَقَلَ الإِجمَاعَ الحَافِظُ العَسقَلَانِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى الأَربَعِينَ النَّوَوِيَّةِ فَقَالَ: أَجمَعُوا عَلَى أَنَّ لَفظَ الجَلَالَةِ اسمُ اللهِ الأَعظَمُ، فَهُو عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ الأَقدَسِ المُستَحِقِّ لِجَمِيعِ المَحَامِدِ.اهـ قَالَ نُورُ الدِّينِ السِّندِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى سُنَنِ ابنِ مَاجَه: “قَالَ الشَّيخُ عَبدُ القَادِرِ الجَيلَانِيُّ: الِاسمُ الأَعظَمُ هُوَ اللهُ”.اهـ حَاشِيَةُ السِّندِيِّ عَلَى ابنِ مَاجَه، لِأَبِي الحَسَنِ نُورِ الدِّينِ السِّندِيِّ (ج2 ص438)، وَقَد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَيضًا غَيرُ وَاحِدٍ مِن فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، كَالزَّركَشِيِّ فِي تَشنِيفِ المَسَامِعِ، وَالشَّمسِ مُحَمَّدٍ الرَّملِيِّ فِي شَرحِهِ عَلى المِنهَاجِ، وَالعَلَّامَةِ سُلَيمَانَ الجَمَلِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرحِ المَنهَجِ، وَمِن فُقَهَاءِ المَالِكِيَّةِ ابنُ جُزَيٍّ الغِرنَاطِيُّ الكَلبِيُّ المُفَسِّرُ فِي كِتَابِهِ القَوَانِينِ الفِقهِيَّةِ، وَالقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرحِهِ عَلَى صَحِيحِ مُسلِمٍ، وَمِن فُقَهَاءِ الحَنَابِلَةِ المَردَاوِيُّ فِي التَّحبِيرِ شَرحِ التَّحرِيرِ، وَابنُ النَّجَّارِ فِي مُختَصَرِ التَّحرِيرِ، وَنُقِلَ ذَلِكَ أَيضًا عَن أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، كَمَا نَصَّ عَلَيهِ الفَقِيهُ ابنُ عَابِدِينَ الدِّمَشقِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ رَدِّ المُحتَارِ عِندَ كَلَامِهِ عَلَى لَفظِ الجَلَالَةِ فَقَالَ: “وَمِنهُم أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ وَالشَّافِعِيُّ وَالخَلِيلُ”.اهـ حَاشِيَةُ ابنِ عَابِدِينَ، لِمُحَمَّدِ أَمِينٍ بنِ عَابِدِينَ (ج1 ص7)، وَرَوَى هِشَامٌ عَن مُحَمَّدٍ عَن أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ اسمُ اللهِ الأَعظَمُ، وَبِهِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَكَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ.اهـ
([3]) رَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا كَانَ يَقُولُ: “تَشَهَّدَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: بِاسمِ اللهِ وَبِاللهِ خَيرِ الأَسمَاءِ”.اهـ المُعجَمُ الكَبِيرُ، لِأَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ (ج13 ص128).
([4]) قُلتُ: ذَكَرَ الفُقَهَاءُ خَصَائِصَ كَثِيرَةً لِلبَسمَلَةِ وَبَرَكَاتٍ عَظِيمَةً وَأَسرَارًا لِمَن يُدَاوِمُ عَلَى قِرَاءَتِهَا أَو يَقرَأُهَا بِأَعدَادٍ مُعَيَّنَةٍ، وَلَيسَ كُلُّ مَا هُوَ مَذكُورٌ عَنِ الفُقَهَاءِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى مَذكُورًا فِي الأَحَادِيثِ، بَل إِنَّ بَعضَهَا مَذكُورٌ عَن بَعضِ الصَّحَابةِ أَو بَعضِ العُلَمَاءِ قَالَ بِهَا بِطَرِيقِ التَّجرُبَةِ فَظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ بِقِرَاءَتِهَا بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ يَصِيرُ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ بِهِ، وَأَذكُرُ بَعضَ هَذِهِ الخَصَائِصِ وَالفَوَائِدِ لِلبَسمَلَةِ، وَلَا يَضرُّ شَخصًا لَو عَمِلَ بِهَا أَو تَرَكَ العَمَلَ بِهَا فَهَذَا أَمرٌ لَيسَ مُتَعَلِّقًا بِأَحكَامٍ شَرعِيَّةٍ وَلَكِنَّهَا مَذكُورَةٌ فِي كُتُبِ الفُقَهَاءِ.