تَفسِيرُ الِاستِعَاذَةِ([1])
أَعُوذُ بِاللَّهِ([2]) مِن الفِعلِ: عَاذَ يَعُوذُ أَي أَستَجِيرُ بِاللهِ لِيَحفَظَنِي (مِنَ الشَّيْطَانِ)أَي مِنْ أَذَى الشَّيطَانِ وَهُوَ المُتَمَرِّدُ الطَّاغِي الكَافِرُ مِنَ الجِنِّ، وَيُطلَقُ وَيُرَادُ بِهِ أَبُوهُم إِبلِيس (الرَّجِيمِ) بِمَعنَى المَرجُومِ، وَهُوَ البَعِيدُ مِنَ الخَيرِ المَطرُودُ المُهَانُ.
- تَنبِيهٌ: إِبلِيسُ لَم يَكُنْ مِنَ المَلَائِكَةِ طَرفَةَ عَينٍ
إِنَّ إِبلِيسَ اللَّعِينَ عِندَمَا اعتَرَضَ([3]) وَكَفَرَ أَمَرَهُ اللهُ بِالخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ تَعَالَى: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ (18)([4])، وَقَالَ تعالى: قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ (78)([5]).
وَقَدْ كَانَ إِبلِيسُ قَبلَ ذَلِكَ الوَقتِ مُسلِمًا مُؤمِنًا مِنَ الجِنِّ يَعبُدُ اللهَ مَعَ المَلَائِكَةِ، وَذَلِكَ قَبلَ أَنْ يَكفُرَ وَيَعتَرِضَ عَلَى اللهِ، وَلَيسَ صَحِيحًا أَنَّهُ كَانَ طَاوُوسَ المَلَائِكَةِ وَلَا رَئِيسًا لَهُمْ كَمَا يَزعُمُ بَعضُ النَّاسِ.
قَالَ الحَسَنُ البِصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ-: “لَمْ يَكُنْ إِبْلِيسُ مِنَ المَلَائِكَةِ طَرفَةَ عَينٍ قَطُّ([6])“.اهـ
وَقَالَ شَهرُ بنُ حَوشَبٍ رَحِمَهُ اللهُ -وَكَانَ مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ كَذَلِكَ-: “كَانَ إِبلِيسُ مِنَ الجِنِّ“([7]).اهـ
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)([8])، وَقَولُهُ تَعَالَى: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73)([9]).
فَلَو كَانَ مِنَ المَلَائِكَةِ([10]) لَم يَعْصِ رَبَّهُ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى وَصَفَ المَلَائِكَةَ فِي القُرءَانِ الكَرِيمِ بِقَولِهِ:لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)([11]).
وَمِمَّا يَدُلُّ أَيضًا عَلَى أَنَّ إِبلِيسَ لَيسَ مِنَ المَلَائِكَةِ بَل هُوَ مِنَ الجِنِّ قَولُهُ تعالى: قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12)([12])، فَفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِبلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنْ نَارٍ، بِخِلَافِ المَلَائِكَةِ فَإِنَّهُمْ خُلِقُوا مِنْ نُورٍ كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ وَغِيرِهِ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ قَالَ: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ»([13]).
بَرَكَاتُ الِاستِعَاذَةِ
بَرَكَاتُ الِاستِعَاذَةِ كَثِيرَةٌ مِنهَا:
أَنَّهَا تَصرِفُ الغَضَبَ([14]) بِإِذْنِ اللهِ، فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ صُرَدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَرَجُلَانِ يَسْتَبَّانِ([15])، وَأَحَدُهُمَا قدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وانْتَفَخَتْ أوْدَاجُهُ([16])، فَقَالَ رَسُول اللهِ ﷺ: «إنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ ذَهَبَ مِنْهُ مَا يَجِدُ». فَقَالُوا لَهُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَعَوّذْ باللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ»([17]).اهـ فِي هَذَا الحَدِيثِ يُعَلِّمُنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الغَضَبَ مُهْلِكٌ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ وَيُعَلِّمُنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ مِنْ طُرُقِ صَرفِهِ أَنْ يَتَعَوَّذَ الشَّخصُ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ([18]).
إِشَارَةٌ وَعِبرَةٌ
إِذَا قُلْتَ: “أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ” فَاعْلَمْ أَنَّهُ عَدُوُّكَ وَمُتَرَصِّدٌ لِصَرْفِ قَلْبِكَ عَنِ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حَسَدًا لَكَ عَلَى مُنَاجَاتِكَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُجُودِكَ لَهُ، مَعَ أَنَّهُ لُعِنَ لِأَنَّهُ اعتَرَضَ عَلَى اللهِ وَتَرَكَ سَجدَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يُوَفَّقْ لَهَا وَأَنَّ اسْتِعَاذَتَكَ بِاللهِ سُبْحَانَهُ مِنْهُ تَكُونُ كَذَلِكَ بِتَرْكِ مَا يُحِبُّهُ الشَّيطَانُ وَتَبْدِيلِهِ بِمَا يُحِبُّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ.
فَالِاستِعَاذَةُ تَصرِفُ عَنكَ الشَّيطَانَ الرَّجِيمَ بِإِذنِ اللهِ، رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ»، ثَلَاثًا، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ، فَقَالَ: «إِنَّ عَدُوَّ اللهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ التَّامَّةِ فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ([19])، ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَاللهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ»([20]).اهـ
- سُلطَانُ إِبلِيسَ وَأَعوَانِهِ غَالِبًا عَلَى الَّذِينَ يُوَالُونَهُ ويَتَّبِعُوْنَ وَسَاوِسَهُ وَلَيسَ عَلَى الأَنبِيَاءِ وَلَا عَلَى العُلَمَاءِ العَامِلِينَ
قَالَ تَعَالَى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ (100)([21])، وَقَالَ تعالى: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)([22]). يُعلَمُ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الآيَاتِ أَنَّ الشَّيطَانَ لَا يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِ الأَنبِيَاءِ وَلَا يَتَسَلَّطُ عَلَيهِم وَلَا يُغوِيهِم([23]).
قَصَّةٌ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَسَلُّطِ الشَّيطَانِ عَلَى الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الزَّركَشِيُّ فِي تَشنِيفِ المَسَامِعِ حَيثُ قَالَ: جَاءَ إِبلِيسُ اللَّعِينُ فِي صُورَةِ إِنسَانٍ إِلَى نَبِيِّ اللهِ إِدرِيسَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ([24]) وَكَانَ يَخِيطُ وَفِي كُلِّ دَخْلَةٍ وَخَرْجَةٍ يَقُولُ: سُبحَانَ اللهِ وَالحَمدُ للهِ، فَجَاءَهُ بِقِشرَةٍ وَقَالَ([25]): ءاللهُ تَعَالَى يَقدِرُ أَنْ يَجعَلَ الدُّنيَا فِي هَذِهِ القِشرَةِ؟ فَقَالَ([26]): اللهُ تَعَالَى قَادِرٌ أَنْ يَجعَلَ الدُّنيَا فِي سَمِّ هَذِهِ الإِبرَةِ([27])، وَنَخَسَ بِالإِبرَةِ فِي إِحدَى عَينَيْهِ وَجَعَلَهُ أَعوَرَ([28]).اهـ أَيْ إِنَّهُ تَأَذَّى([29]).
([1]) قَالَ الفَيُّومِيُّ: اسْتَعَذْتُ بِاللهِ وَعُذْتُ بِهِ مَعَاذًا وَعِيَاذًا اعْتَصَمْتُ وَتَعَوَّذْتُ بِهِ، وَعَوَّذْتُ الصَّغِيرَ بِاللهِ، وَالْمُعَوِّذَتَانِ: قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ (1) [سُورَةُ الفَلَقِ:1]و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) (1) [سُورَةُ النَّاسِ:1] لِأَنَّهُمَا عَوَّذَتَا صَاحِبَهُمَا أَيْ عَصَمَتَاهُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج2 ص437).
([2]) فَائِدَةٌ: التَّعَوُّذُ مُستَحَبٌّ لِكُلِّ قَارِئٍ لِلقُرآنِ وَلَيسَ وَاجِبًا، سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَو فِي غَيرِهَا، وَيُستَحَبُّ فِي الصَّلَاةِ فِي كُلِّ رَكعَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يُستَحَبُّ فِي الرَّكعَةِ الأُولَى، فَإِن تَرَكَهُ فِي الأُولَى أَتَى بِهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَالِاستِعَاذَةُ لَيسَت مِنَ القُرآنِ إِجمَاعًا، وَتَكُونُ بِلَفظِ «أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ» أَو بِغَيرِهَا مِنَ الأَلفَاظِ الوَارِدَةِ كَـ«أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ»، وَلَا بَأسَ بِهَذَا، وَلَكِنَّ الِاختِيَارَ هُوَ الأَوَّلُ، وَيُستَحَبُّ البَدءُ بِهَا قَبلَ البَدءِ بِقِرَاءَةِ القُرآنِ وَهُوَ قَولُ الجُمهُورِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)[سَورَةُ النَّحلِ:98]، وَتَقدِيرُ الآيَةِ عِندَ الجُمهُورِ إِذَا أَرَدتَ القِرَاءَةَ فَاستَعِذ، وَذَلِكَ كَحَدِيثِ: «إِذَا أَكَلتَ فَسَمِّ اللهَ»، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، أَي إِذَا أَرَدتَ الأَكلَ.اهـ مُلَخَّصًا مِن أَسنَى المَطَالِبِ بِشَرحِ رَوضِ الطَّالِبِ، لِلشَّيخِ زَكَرِيَّا الأَنصَارِيِّ (ج1 ص149)، وَالنَّجمِ الوَهَّاجِ فِي شَرحِ المِنهَاجِ، لِكَمَالِ الدِّينِ الدَّمِيرِيِّ (ج2 ص109).
([3]) كُلُّ شَىءٍ يَحصُلُ فِي هَذَا العَالَمِ هُوَ بِتَقدِيرِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ، لَِذلِكَ يَجِبُ عَلَى العَبدِ أَنْ يُسَلِّمَ أَمْرَهُ للهِ وَلَا يَعتَرِضَ عَلَى اللهِ فِي قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، فَالِاعتِرَاضُ عَلَى اللهِ خُرُوجٌ مِنَ الدِّينِ، وَأَوَّلُ مَنِ اعتَرَضَ عَلَى اللهِ فَكَفَرَ بِهِ هُوَ إِبلِيسُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
([4]) [سُورَةُ الأَعرَافِ:18].
([6]) جَامِعُ البَيَانِ فِي تَأوِيلِ آيِ القُرآنِ، لِابنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ (ج1 ص506).
([7]) الدُّرُّ المَنثُورُ فِي التَّفسِيرِ بِالمَأثُورِ، لِجَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ (ج5 ص403).
([10]) إِنَّ مِنْ أُصُولِ الإِيمَانِ السِّتَّةِ الثَّابِتَةِ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ الإِيمَانَ بِمَلائِكَةِ اللهِ تَعَالَى أَيْ بِوُجُودِهِمْ وَأَنَّهُمْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، وَهُمْ لَيْسُوا ذُكُورًا وَلا إِنَاثًا لا يَأْكُلُونَ وَلا يَشْرَبُونَ وَلا يَنَامُونَ وَلا يَتَوَالَدُونَ مَجبُولُونَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
([11]) [سُورَةُ التَّحرِيمِ:6].
([12]) [سُورَةُ الأَعرَافِ:12].
([13]) صَحِيحُ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ – كِتَابُ الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ – بَابٌ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ – رَقَمُ الحَدِيثِ: (2996).
([14]) وَلَا يَخفَى مَا قَدْ يُؤَدِّي إِلَيهِ الغَضَبُ مِنَ المَهَالِكِ، فَإِنَّ بَعضَ النَّاسِ بِسَبَبِ الغَضَبِ يَسُبُّ أَخَاهُ المُسْلِمَ بِغَيرِ حَقٍّ وَهُوَ مِنَ الكَبَائِرِ، وَبَعْضَهُمْ يَكفُرُ بِاللهِ وَهُوَ غَاضِبٌ، وَبَعضَهُمْ يَظُنُّ أَنَّ غَضَبَهُ هَذَا عُذرٌ لَهُ لِلوُقُوعِ فِي الكُفرِ، وَلَيسَ الأَمرُ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»، أَيْ أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ لا يَرَاهَا ضَارَّةً لَهُ وَلا يَعْتَبِرُهَا مَعْصِيَةً يَسْتَوْجِبُ بِهَا النُّزُولَ إِلَى قَعْرِ جَهَنَّمَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْكُفَّارِ لِأَنَّهُ لا يَصِلُ إِلَى قَعْرِ جَهَنَّمَ الَّذِي هُوَ مَسَافَةُ سَبْعِينَ عَامًا فِي النُّزُولِ عُصَاةُ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِي الْوُقُوعِ فِي الْكُفْرِ عَدَمُ الْغَضَبِ كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ حَيْثُ قَالَ: «لَوْ غَضِبَ رَجُلٌ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ غُلامِهِ فَضَرَبَهُ ضَرْبًا شَدِيدًا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَلَسْتَ مُسْلِمًا؟ فَقَالَ لا، مُتَعَمِّدًا كَفَرَ»، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ «مُتَعَمِّدًا» أَيْ بِغَيْرِ سَبْقِ لِسَانٍ، وَقَالَهُ غَيْرُهُ مِنْ حَنَفِيَّةٍ وَغَيْرِهِمْ. فَهَذَا مَعْنَاهُ أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَخْرُجُ مِنَ الإِسْلامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ الْخُرُوجَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ دِينًا غَيْرَهُ، أَيْ إِنْ كَانَ الشَّخْصُ يَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ الْكُفْرِيَّ الَّذِي قَالَهُ كُفْرٌ أَوْ لا يَعْرِفُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ، إِنَّمَا الشَّرْطُ مَعْرِفَةُ مَعْنَى اللَّفْظِ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ شَرْطًا أَنْ يَعْتَقِدَ بِقَلْبِهِ مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ بَلْ بِمُجَرَّدِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بِإِرَادَةٍ وَهُوَ يَفْهَمُ الْمَعْنَى كَفَرَ وَخَرَجَ مِنَ الإِسْلامِ.
([15]) قَالَ ابنُ عَلَّان: هُوَ مِنَ السَّبِّ: أَيْ يَسُبُّ كُلٌّ مِنهُمَا صَاحِبَهُ.اهـ دَلِيلُ الفَالِحِينَ لِطُرُقِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ، لِابنِ عَلَّان الدِّمَشقِيِّ (ج1 ص195).
([16]) قَالَ الفَيُّومِيُّ: الْوَدَجَانِ: عِرْقَانِ غَلِيظَانِ يَكْتَنِفَانِ ثُغْرَةَ النَّحْرِ يَمِينًا وَيَسَارًا وَالْجَمْعُ أَوْدَاجٌ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج2 ص625).
([17]) صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ – كِتَابُ الأَدَبِ – بَابُ الحَذَرِ مِنَ الغَضَبِ، رَقمُ الحَدِيثِ: (6115).
([18]) تَنبِيهٌ وَاستِدْرَاكٌ: طَلَاقُ الغَضبَانِ يَقَعُ إِجمَاعًا: فَإِنْ كَانَ هَذَا المُطَلِّقُ فِي حَالَةٍ مِنَ الغَضَبِ بِحَيثُ يَعِي مَا يَقُولُ، لَمْ يَصدُرْ مِنْهُ ذَلِكَ عَنْ سَبقِ لِسَانٍ أَي بِلَا إِرَادَةٍ، وَكَانَ الخَارِجُ مِنْهُ شَيئًا اتُّفِقَ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهِ نَحوُ قَولِهِ لِزَوجَتِهِ المُخَاطَبَةِ (أَنتِ طَالِقٌ)، فَهَذَا طَلَاقُهُ وَاقِعٌ لَا رَيبَ وَعِبَارَتُهُ نَافِذَةٌ. وَإِنْ كَانَ فِي حَالَةٍ مِنَ الغَضَبِ بِحَيثُ صَارَ كَالمَجنُونِ الَِّذي لَا يَعلَمُ مَا يَقُولُ وَلَا يَقصِدُهُ أَوْ أَنَّهُ سَبَقَ لِسَانُهُ مِنْ شِدَّةِ الغَضَبِ غَيرَ قَاصِدٍ لِمَا يَقُولُ، فَهَذَا لَا رَيبَ أَنَّ طَلَاقَهُ لَا يَقَعُ. وَهَذِهِ الفَتوَى هِيَ مَا عَلَيهَا فُقَهَاءُ المَذَاهِبِ الأَربَعَةِ، وَعَلَيهَا نَصَّ ابنُ عَابِدِينَ الحَنَفِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ.اهـ حَاشِيَةُ رَدِّ المُحتَارِ عَلَى الدُّرِّ المُختَارِ، لِابنِ عَابِدِينَ الحَنَفِيِّ (ج3 ص244). وَقَالَ الصَّاوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرحِ الدَّردِيرِ: “يَلزَمُ طَلَاقُ الغَضْبَانِ وَلَوِ اشْتَدَّ غَضَبُهُ خِلَافًا لِبَعضِهِمْ، وَدَعوَى أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الإِكرَاهِ بَاطِلٌ، وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يَغِبْ عَقلُهُ بِحَيثُ لَا يَشعُرُ بِمَا صَدَرَ مِنهُ فَإِنَّهُ كَالمَجْنُونِ.اهـ بُلغَةُ السَّالِكِ لِأَقرَبِ المَسَالِكِ المَعرُوفُ بِحَاشِيَةِ الصَّاوِيِّ عَلَى الشَّرحِ الصَّغِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ أَحمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ الشَّهِيرِ بِالصَّاوِيِّ (ج2 ص542).
أَمَّا مَعنَى الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُستَدْرَكِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ»، قَالَ الحَاكِمُ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.اهـ المُستَدرَكُ عَلَى صَحِيحَيِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ الحَاكِمِ النَّيسَابُورِيِّ (ج2 ص216). فَهَذَا الحَدِيثُ مَحمُولٌ عَلَى الإِكرَاهِ لَا عَلَى الغَضَبِ، وَإِلَى هَذَا المَعنَى ذَهَبَ مِنَ الحَنَفِيَّةِ القُدُورِيُّ فِي التَّجرِيدِ، وَنَجمُ الدِّينِ النَّسَفِيُّ فِي طِلبَةِ الطَّلَبَةِ، وَمِنَ الحَنَابِلَةِ ابنُ الجَوزِيِّ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ، وَمِنَ المَالِكِيَّةِ القَاضِي عَبدُ الوَهَّابِ فِي الإِشرَافِ، وَاللَّخْمِيُّ فِي التَّبصِرَةِ، وَالقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ، وَالخُرَشِيُّ، وَالدَّردِيرُ فِي شَرحِ مُختَصَرِ خَلِيلٍ، وَغَيرُهُمْ.اهـ التَّجرِيدُ، لِأَبِي الحَسَنِ أَحمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ القُدُورِيِّ الحَنَفِيِّ (ج10 ص4919). طِلبَةُ الطَّلَبَةِ، لِأَبِي حَفصٍ عُمَرَ بنِ مُحَمَّدٍ النَّسَفِيِّ الحَنَفِيِّ (ص60). غَرِيبُ الحَدِيثِ، لِأَبِي الفَرَجِ ابنِ الجَوزِيِّ (ج2 ص160-161). الإِشرَافُ عَلَى نُكَتِ مَسَائِلِ الخِلَافِ، لِلقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ عَبدِ الوَهَّابِ البَغدَادِيِّ المَالِكِيِّ (ج2 ص747). التَّبصِرَةُ، لِأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ اللَّخْمِيِّ (ج6 ص2666). الذَّخِيرَةُ، لِأَبِي العَبَّاسِ شِهَابِ الدِّينِ أَحمَدَ بنِ إِدرِيسَ القَرَافِيِّ المَالِكِيِّ (ج4 ص54). شَرحُ الخُرَشِيِّ عَلَى مُختَصَرِ خَلِيلٍ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ مُحَمَّدٍ الخُرَشِيِّ (ج4 ص33). الشَّرحُ الكَبِيرُ مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيِّ، لِلدَّردِيرِ المَالِكِيِّ (ج2 ص367).
وَقَالَ الزُّرقَانِيُّ المَالِكِيُّ: رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» أَيْ إِكْرَاهٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَقَافٍ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ كَأَنَّهُ يُغْلَقُ عَلَيْهِ الْبَابُ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ حَتَّى يُطَلِّقَ فَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ، وَزَعْمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِغْلَاقِ الْغَضَبُ ضُعِّفَ بِأَنَّ طَلَاقَ النَّاسِ غَالِبًا إِنَّمَا هُوَ فِي حَالِ الْغَضَبِ، فَلَوْ جَازَ عَدَمُ وُقُوعِ طَلَاقِ الْغَضْبَانِ لَكَانَ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: كُنْتُ غَضْبَانَ فَلَا يَقَعُ عَلَيَّ طَلَاقٌ، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ أَنَّهُ يَقَعُ طَلَاقُ الْغَضْبَانِ، وَأَفْتَى بِهِ جَمْعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ.اهـ شَرحُ الزُّرقَانِيِّ عَلَى مُوَطَّأِ مَالِكٍ، لِمُحَمَّدِ بنِ عَبدِ البَاقِي الزُّرقَانِيِّ الأَزهَرِيِّ (ج3 ص330).
وَقَالَ القَاضِي الجَلِيلُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبدُ الوَهَّابِ بنُ عَلِيِّ بنِ نَصرٍ البَغدَادِيُّ المَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ “الإِشرَافُ عَلَى نُكَتِ مَسَائِلِ الخِلَافِ” فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ: قَولُهُ ﷺ: «لَا طَلَاقَ فِي إِغلَاقٍ»: قَالَ أَبُو عُبَيدٍ: الإِغلَاقُ: الإِكرَاهُ.اهـ الإِشرَافُ عَلَى نُكَتِ مَسَائِلِ الخِلَافِ، لِلقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ عَبدِ الوَهَّابِ البَغدَادِيِّ المَالِكِيِّ (ج2 ص747).
وَمِنَ الشَّّافِعِيَّةِ الرُّويَانِيُّ فِي بَحرِ المَذهَبِ، وَالرَّافِعِيُّ فِي شَرحِ الوَجِيزِ، وَابنُ الرِّفعَةِ فِي كِفَايَةِ النَّبِيهِ، وَالإِسنَوِيُّ فِي المُهِمَّاتِ، وَالسِّرَاجُ البُلقِينِيُّ فِي عُجَالَةِ المُحتَاجِ، وَغَيرُهُمْ.اهـ بَحرُ المَذهَبِ فِي فُرُوعِ المَذهَبِ الشَّافِعِيِّ، لِأَبِي المَحَاسِنِ عَبدِ الوَاحِدِ بنِ إِسمَاعِيلَ الرُّويَانِيِّ (ج10 ص104). العَزِيزُ فِي شَرحِ الوَجِيزِ المَعرُوفُ بِالشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي القَاسِمِ الرَّافِعِيِّ القَزوِينِيِّ (ج8 ص557). كِفَايَةُ النَّبِيهِ فِي شَرحِ التَّنبِيهِ، لِأَبِي العَبَّاسِ نَجمِ الدِّينِ ابنِ الرِّفعَةِ الشَّافِعِيِّ (ج13 ص419). المُهِمَّاتُ فِي شَرحِ الرَّوضَةِ، لِجَمَالِ الدِّينِ الإِسنَوِيِّ الشَّافِعِيِّ (ج7 ص321). عُجَالَةُ المُحتَاجِ إِلَى تَوجِيهِ المِنهَاجِ، لِسِرَاجِ الدِّينِ أَبِي حَفصٍ عُمَرَ بنِ عَلِيٍّ المَشهُورِ بِابنِ المُلَقِّنِ (ج3 ص1352).
([19]) قَالَ مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي: أَي فَلَم يَتَأَخَّر فِي ثَلَاثِ مَرَّاتٍ مِنَ التَّعَوُّذَاتِ وَاللَّعَنَاتِ.اهـ مِرقَاةُ المَفَاتِيحِ بِشَرحِ مِشكَاةِ المَصَابِيحِ، لِلمُلَّا عَلِيٍّ القَارِي (ج2 ص797).
([20]) صَحِيحُ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ – كِتَابُ المَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ – بَابُ جَوَازِ لَعْنِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَالتَّعَوُّذِ مِنْهُ، وَجَوَازِ الْعَمَلِ الْقَلِيلِ فِي الصَّلَاةِ – رَقَمُ الحَدِيثِ: (542).
([21]) [سُورَةُ النَّحلِ:98-100].
([22]) [سُورَةُ الحِجْرِ:39-42].
([23]) لَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ أَنْ يَتْلُوَ عَلَى النَّاسِ شَيئًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ فِي الحَقِيقَةِ، فَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ذِكْرُ قِصَّةِ الغَرَانِيقِ عَلَى النَّحوِ الَّتِي وَضَعَهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَيَقُولُونَ: إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ يَقرَأُ سُورَةَ النَّجمِ بِمَجلِسٍ مِنْ قُرَيشٍ فَلَمَّا بَلَغَ: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ (20) أَلْقَى الشَّيطَانُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ: “تِلْكَ الغَرَانِيقُ العُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى” فَقَرَأَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ فَفَرِحَ المُشرِكُونَ وَكَانُوا بِالقُرْبِ مِنْهُ مَعَ المُسلِمِينَ وَقَالُوا: مَا ذَكَرَ ءَالِهَتَنَا بِخَيْرٍ قَبلَ اليَوم، فَجَاءَ جِبْرِيلُ وَقَالَ لَهُ: هَذَا لَيسَ مِنَ القُرْءَانِ، فَحَزِنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَنْزَلَ اللهُ الآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ الحَجِّ تَسْلِيَةً لَهُ: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ غَيرُ صَحِيحَةٍ وَحُصُولُ قِرَاءَةِ شَىءٍ غَيرِ القُرْءَانِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ قُرءَانٌ مُسْتَحِيلٌ عَلَى الرَّسُولِ، فَهُوَ مَعصُومٌ مِنْ ذَلِكَ.اهـ التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج23 ص239).
وَالَّذِي يَجِبُ اعتِقَادُهُ أَنَّ كُلَّ الأَنْبِيَاءِ مَأْمُورُونَ بِالتَّبْلِيغِ وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَجِّ:( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) فَمَعْنَى تَمَنَّى فِي هَذِهِ الآيَةِ: دَعَا قَوْمَهُ، وَمَعْنَى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ: أَيْ يَزِيدُ الشَّيْطَانُ عَلَى مَا قَالُوهُ مَا لَمْ يَقُولُوهُ لِيُوهِمَ غَيْرَهُ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ قَالُوا ذَلِكَ الْكَلامَ الْفَاسِدَ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ الآيَةَ الْمَذْكُورَةَ ءَانِفًا لِتَكْذِيبِهِمْ فَقَوْلُهُ تَعَالَى:( فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) ﱠ أَيْ يَكْشِفُ اللهُ وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، وَذَلِكَ ابْتِلاءٌ مِنَ اللهِ وَامْتِحَانٌ لِيَتَمَيَّزَ مَنْ يَتَّبِعُ مَا يَقُولُهُ الشَّيْطَانُ وَمَنْ لا يَتَّبِعُ فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْعَدُ هَذَا.
([24]) الشَّيَاطِينُ لَا يُوَسوِسُونَ لِلأَنْبِيَاءِ كَمَا يُوَسوِسُونَ لِعَوَامِّ النَّاسِ، أَمَّا الَّذِي وَرَدَ فِي حَقِّ آدَمَ وَحَوَّاءَ مِمَّا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي القُرآنِ الكَرِيم: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ [سُورَةُ الأَعرَافِ:20]، فَقَدْ كَانَ هَذَا مِنْ بَعِيدٍ لِأَنَّ الشَّيطَانَ لَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَى الأَنبِيَاءِ، أَمَّا بِالنِّسبَةِ لِعَوَامِّ النَّاسِ فَإِنَّهُ يَجرِي مِنْهُمْ مَجرَى الدَّمِ فِي العُرُوقِ، كَمَا قَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ».اهـ قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ القَاضِي وَغَيرُهُ: قِيلَ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ لَهُ قُوَّةً وَقُدْرَةً عَلَى الجَريِ فِي بَاطِنِ الإِنسَانِ مَجَارِي دَمِهِ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الِاستِعَارَةِ لِكَثْرَةِ إِغوَائِهِ وَوَسْوَسَتِهِ فَكَأَنَّهُ لَا يُفَارِقُ الإِنسَانَ كَمَا لَا يُفَارِقُهُ دَمُهُ، وَقِيلَ: يُلقِي وَسوَسَتَهُ فِي مَسَامٍّ لَطِيفَةٍ مِنَ البَدَنِ فَتَصِلُ الوَسوَسَةُ إِلَى القَلبِ وَاللهُ أَعْلَمُ.اهـ المِنهَاجُ فِي شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ، لِلحَافِظِ النَّوَوِيِّ (ج14 ص157).
([26]) أَيْ سَيِّدُنَا إِدرِيسُ عَلَيهِ السَّلَامُ.
([27]) أَي فِي ثَقْبِ الإِبرَةِ.
([28]) تَشنِيفُ المَسَامِعِ بِشَرحِ جَمعِ الجَوَامِعِ، لِبَدرِ الدِّينِ الزَّركَشِيِّ (ج4 ص662).
([29]) وَقَدْ أَخَذَ الإِمَامُ الأَشعَرِيُّ مِنْ جَوَابِ إِدرِيسَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَجوِبَةً فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذَا الجِنسِ وَأَوْضَحَ هَذَا الجَوَابَ فَقَالَ: إِنْ أَرَادَ السَّائِلُ بِقَولِهِ: إِنَّ اللهَ يَقدِرُ أَنْ يَجعَلَ الدُّنيَا فِي قِشرَةٍ أَنَّ الدُّنيَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيهِ وَالقِشرَةَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيهِ فَلَمْ يَقُلْ مَا يُعْقَلُ، فَإِنَّ هَذِهِ الأَجسَامَ الكَثِيرَةَ يَستَحِيلُ أَنْ تَكُونَ فِي هَذِهِ القِشرَةِ. وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يُصَغِّرُ الدُّنيَا قَدْرَ القِشرَةِ وَيَجعَلُهَا فِيهَا، أَو يُكَبِّرُ القِشرَةَ قَدْرَ الدُّنيَا أَوْ أَكبَرَ فَيَجْعَلُهَا فِي القِشرَةِ فَلَعَمْرِي إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ. وَإِنَّمَا لَمْ يُفَصِّلْ لَهُ إِدرِيسُ عَلَيهِ السَّلَامُ فَكَانَ الجَوَابُ هَكَذَا لِأَنَّهُ مُعَانِدٌ فَلِهَذَا عَاقَبَهُ اللهُ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ بِنَخْسِ الْعَيْنِ وَهُوَ عُقُوبَةُ كُلِّ سَائِلٍ مِثْلِهِ.
وَالشَّكُّ فِي قُدرَةِ اللهِ تَعَالَى مُخْرِجٌ مِنَ الإِسلَامِ، فَمَنْ شَكَّ فِي قُدرَةِ اللهِ لَيسَ مُسْلِمًا. وَمَعنَى كَلَامِهِ: أَنَّ اللهَ لَا يَعْجِزُ عَن شَيْءٍ وَلَا يَصْعُبُ عَلَيهِ شَيءٌ مِنْ هَذَا العَالَمِ إِيجَادًا أَوْ إِعدَامًا، وَهَذَا يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّه يَشُقُّ عَلَى الشَّيَاطِينِ إِغوَاءُ العَالِمِ العَامِلِ فَعِلْمُهُ يَحرُسُهُ، وَفِي هَذَا يَقُولُ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ: «مَا عُبِدَ اللهُ بِشَيءٍ أَفضَلَ مِنْ فِقْهٍ فِي الدِّينِ، وَلَفَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ وَلِكُلِّ شَىءٍ عِمَادٌ وَعِمَادُ الدِّينِ الفِقْهُ».اهـ وَاللهُ تَعَالَى قَدِيرٌ أَيْ مُتَّصِفٌ بِالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ، وَقُدْرَةُ اللهِ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ يُؤَثِّرُ اللهُ بِهَا فِي الْمُمْكِنَاتِ أَيْ فِي كُلِّ مَا يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ وُجُودُهُ تَارَةً وَعَدَمُهُ تَارَةً أُخْرَى فَبِهَا يُوجِدُ وَيُعْدِمُ. قَالَ الزَّبِيدِيُّ عِنْدَ شَرحِهِ لِصِفَاتِ اللهِ: “القُدْرَةُ”: وَهِيَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ تُؤَثِّرُ فِي المُمْكِنِ عِندَ تَعَلُّقِهَا بِهِ إِيجَادًا وَإِعدَامًا.اهـ إِتحَافُ السَّادَةِ المُتَّقِينَ بِشَرحِ إِحيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ، لِلْحَافِظِ مُحَمَّد مُرتَضَى الزَّبِيدِيِّ (ج2 ص26).