بِدَايَةُ تَفسِيرِ آيَاتِ الفَاتِحَةِ
تَفسِيرُ البَسمَلَةِ([1])
بِسْمِ اللَّهِ أَي أَبتَدِئُ أَو أَقرَأُ أَو أَتلُو مُتَبَرِّكًا بِذِكرِ اسمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ([2])، كَمَا أَنَّ المُسَافِرَ إِذَا حَلَّ وَارتَحَلَ فَقَالَ بِاسمِ اللهِ كَانَ المَعنَى بِاسمِ اللهِ([3]) أَحُلُّ وَبِاسمِ اللهِ أَرتَحِلُ، وَكَذَا الذَّابِحُ يَقُولُ بِاسمِ اللهِ أَذبَحُ، أَوِ التَّقدِيرُ ابتِدَائِي بِاسمِ اللهِ([4])، وَكُلُّ فَاعِلٍ يَبدَأُ فِعلَهُ بِاسمِ اللهِ يُضمِرُ فِعلًا بِحَسَبِ مَا يُرِيدُ أَن يَفعَلَ، فَفِيهِ تَعلِيمٌ لِلعِبَادِ كَيفَ يَتَبَرَّكُونَ بِاسمِ خَالِقِهِم عَزَّ وَجَلَّ وَكَيفَ يَستَعِينُونَ بِهِ([5]) وَيُعَظِّمُونَهُ([6]).
وَلَفظُ الجَلَالَةِ([7])اللَّهِ([8]) عَلَمٌ([9]) عَلَى الذَّاتِ المُقَدَّسِ([10]) الوَاجِبِ الوُجُودِ([11]) المُستَحِقِّ لِجَمِيعِ المَحَامِدِ وَنِهَايَةِ التَّعظِيمِ وَغَايَةِ الإِجلَالِ([12])، وَمَعنَاهُ: المَوصُوفُ بِالإِلَهِيَّةِ وَهِيَ القُدرَةُ عَلَى الِاخترَاعِ أَيِ الإِبرَازِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ أَي إِبرَازِ المَخلُوقِ مِن لَا شَىءَ، وَهَذَا مَعنَى الخَالِقِ([13]) الَّذِي هُوَ خَاصٌّ بِاللهِ([14]).
قَالَ القُرطُبِيُّ فِي سِيَاقِ كَلَامِهِ عَنْ مَعنَى لَفظِ الجَلَالَةِ “الله”: هَذَا الِاسْمُ أَكْبَرُ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ وَأَجْمَعُهَا، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ([15]): إِنَّهُ اسْمُ اللهِ الأَعظَمُ وَلَمْ يَتَسَمَّ بِهِ غَيرُهُ، لِذَلِكَ لَمْ يُثَنَّ وَلَمْ يُجْمَعْ، وَهُوَ أَحَدُ تَأْوِيلَيْ قَوْلِهِ تَعَالَى:هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا([16]) أَيْ هَلْ تَعْلَمُ مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِهِ([17]) الَّذِي هُوَ” اللهُ”([18]).اهـ
الرَّحْمَٰنِ وَهُوَ الَّذِي وَسِعَت رَحمَتُهُ كُلَّ شَىءٍ، فَالرَّحمَنُ هُوَ الكَثِيرُ الرَّحمَةِ لِلمُؤمِنِينَ وَالكَافِرِينَ فِي الدُّنيَا([19]) وَلِلمُؤمِنِينَ فِي الآخِرَةِ([20]).
الرَّحِيمِ([21]) هُوَ مِن الفِعلِ “رَحِمَ”، وَهُوَ الَّذِي يَرحَمُ المُؤمِنِينَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ([22])، وَ(الرَّحمَنُ) اسمٌ خَاصٌّ بِاللهِ لَا يَجُوزُ إِطلَاقُهُ عَلَى غَيرِهِ سَوَاءٌ كَانَ مُعَرَّفًا بِـ(أَل) أَم لَا، وَأَمَّا لَفظُ (الرَّحِيمِ) فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَمَعنَاهُ الَّذِي خَصَّ المُؤمِنِينَ بِالرَّحمَةِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﱡﳠ ﳡ ﳢ ﳣﱠ([23])([24])، وَقَدِ اختَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي كَونِ البَسمَلَةِ آيَةً مِنَ الفَاتِحَةِ أَم لَا، وَهِيَ عِندَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ آيَةٌ مِنهَا لَا تَصِحُّ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ بِدُونِهَا([25]).
بَعضُ أَسرَارِ البَسمَلَةِ([26])
لِيُعلَم أَنَّ فَضلَ البَسمَلَةِ عَظِيمٌ وَأَسرَارَهَا كَثِيرَةٌ لَا يُحصِيهَا إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَنَذكُرُ مِن ذَلِكَ:
- مَن قَرَأَهَا عِندَ النَّومِ إِحدَى وَعِشرِينَ مَرَّةً آمَنَهُ اللهُ تِلكَ اللَّيلَةَ مِن شَرِّ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ وَمِنَ السَّرِقَةِ وَيَدفَعُ عَنهُ كُلَّ بَلَاءٍ بِمَشِيئَةِ اللهِ.
- وإِذَا تُلِيَت فِي أُذُنِ المَصرُوعِ خَمسِينَ مَرَّةً أَفَاقَ لِوَقتِهِ بِإِذنِ اللهِ.
- وَإِذَا تُلِيَت فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إِحدَى وَعِشرِينَ مَرَّةً يُيَسَّرُ تَالِيهَا لِفِعلِ الخَيرِ، وَيُيَسَّرُ عَلَيهِ كُلُّ عَسِيرٍ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.
وَالبَسمَلَةُ لَهَا فَضَائِلُ وَبَرَكَاتٌ وَأَسرَارٌ لَا يُحصِيهَا إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلّ([27]).
إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ عِندَ الِانتِهَاءِ مِنْ تَفسِيرِ البَسمَلَةِ
أَيُّهَا القَارِئُ لِلفَاتِحَةِ عِنْدَمَا تَبدَأُ بِالبَسْمَلَةِ مُحَقِّقًا وَمُتَفَكِّرًا بِهَذِهِ المَعَانِي العَظِيمَةِ الَّتِي تَعتَرِفُ بِذِكْرِهَا بِأَنَّكَ تَعْبُدُ اللهَ وَتَبدَأُ مُستَعِينًا بِهِ وَتَتَوَجَّهُ بِالعِبَادَةِ إِلَى الإِلَهِ الخَالِقِ المُسْتَحِقِّ لِلعِبَادَةِ القَادِرِ عَلَى كُلِّ شَىءٍ الَّذِي (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)([28])، وَهَذَا حَالُ المُسْلِمِ الكَامِلِ المُوَحِّدِ المُتَوَكِّلِ عَلَى اللهِ أَنَّهُ يَستَعِينُ بِخَالِقِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كُلِّ حَاجَاتِهِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، حَتَّى مَعَ مُبَاشَرَةِ الأَسبَابِ فَإِنَّ اعْتِمَادَكَ عَلَى اللهِ خَالِقِ الأَسْبَابِ وَالمُسَبَّبَاتِ وَخَالِقِ كُلِّ مَا دَخَلَ فِي الوُجُودِ([29])، وَهُوَ الرَّحْمَنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالكَافِرِينَ فِي الدُّنيَا وَلِلمُؤْمِنِينَ فِي الآخِرَةِ الَّتِي لَا يَنَالُ الرَّحْمَةَ فِيْهَا إِلَّا مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ.
([1]) قَالَ القُرطُبِيُّ: المَشْهُورُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ قَولُهُمْ: بَسْمَلَ الرَّجُلُ، إِذَا قَالَ: بِسْمِ اللهِ.. وَمِثْلُهُ حَوْقَلَ الرَّجُلُ، إِذَا قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ. وَهَلَّلَ، إِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. وَسَبَّحَ إِذَا قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ. وَحَمْدَلَ، إِذَا قَالَ: الْحَمْدُ للهِ. وَحَيْصَلَ، إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. وَحَيْفَلَ، إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ. وَطَبْقَلَ، إِذَا قَالَ: أَطَالَ اللهُ بَقَاءَكَ. وَدَمْعَزَ، إِذَا قَالَ: أَدَامَ اللهُ عِزَّكَ.اهـ الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرْآنِ، لِأَبِي العَبَّاسِ القُرطُبِيِّ (ج1 ص97).
([2]) كَلِمَةُ (اسمٍ) مُشتَقَّةٌ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الرِّفعَةُ لِأَنَّ التَّسمِيَةَ تَنوِيهٌ بِالمُسَمَّى وَإِشَادَةٌ بِذِكرِهِ، وَهِيَ مِنَ الأَسمَاءِ الَّتِي بَنَوا أَوَائِلَهَا عَلَى السُّكُونِ، كَالِابنِ وَالِابنَةِ وَغَيرِهِمَا، فَإِذَا نَطَقُوا بِهَا فِي الِابتِدَاءِ زَادُوا هَمزَةَ الوَصلِ لِتَعَذُّرِ الِابتِدَاءِ بِالسَّاكِنِ، وَإِذَا وَقَعَت فِي أَثنَاءِ الكَلَامِ لَم تَفتَقِر إِلَى زِيَادَةِ شَىءٍ.اهـ مُلَخَّصًا مِنَ مِرقَاةِ المَفَاتِيحِ شَرحِ مِشكَاةِ المَصَابِيحِ، لِلمُلَّا عَلِيٍّ القَارِي (ج 1 ص4).
([3]) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى مُسلِمٍ: قَالَ الكُتَّابُ مِن أَهلِ العَرَبِيَّةِ إِذَا قِيلِ: (بِاسمِ اللهِ) تَعَيَّنَ كَتبُهُ بِالأَلِفِ، وَإِنَّمَا تُحذَفُ الأَلِفُ إِذَا كُتِبَ (بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ) بِكَمَالِهَا.اهـ المِنهَاجُ شَرحُ صَحِيحِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ، لِلإِمَامِ أَبِي زَكَرِيَّا النَّوَوِيِّ (ج13 ص110).
([4]) يُقَدَّرُ مُتَعَلَّقُ الجَارِّ وَالمَجرُورِ فِعلًا أَوِ اسمًا، فَالفِعلُ كَأَبدَأُ بِاسمِ اللهِ، وَالِاسمُ كَابتِدَائِي بِاسمِ اللهِ، وَتَقدِيرُهُ بِالفِعلِ أَقوَى.اهـ مُلَخَّصًا مِن عُمدَةِ الكِتَابِ، لِأَبِي جَعفَرٍ النَّحَّاسِ (ص65)، وَقَد جَرَت عَادَةُ السَّلَفِ وَالخَلَفِ عَلَى تَصدِيرِ مَكَاتِيبِهِم ومُؤَلَّفَاتِهِم بِالبَسمَلَةِ، حَيثُ إِنَّهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ سِوَى سُورَةِ “بَرَاءَة” أَيِ التَّوبَةِ.
([5]) مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَحَقَائِقُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج1 ص26).
كَأَنَّ القَارِئَ هُنَا يَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَا أَستَعِينُ بِكَ مُتَبَرِّكًا بِذِكرِ اسمِكَ الأَعظَمِ وَأَنتَ يَا رَبِّ مَوصُوفٌ بِأَنَّكَ رَحمَنٌ رَحِيمٌ، فَهَذَا الدُّعَاءُ وَالجَهدُ مِنِّي بِتَوفِيقِكَ وَعَلَيكَ التُّكلَانُ وَبِكَ الِاستِعَانَةُ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا يَا رَبَّ العَالَمِينَ، فَأَنتَ القَائِلُ سُبحَانَكَ:(لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (63)، [سُورَةُ الزُّمَرِ:63]، فَهَذِهِ المَعَانِي مِن خُلَاصَةِ التَّوحِيدِ وَالِاعتِمَادِ وَالتَّوَجُّهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى رَبِّ المَخلُوقَاتِ سُبحَانَهُ.
([6]) الِابتِدَاءُ بِالبَسمَلَةِ سُنَّةٌ غَيرُ وَاجِبٍ -فِي غَيرِ الفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ- فِي كُلِّ أَمرٍ لَهُ شَرَفٌ شَرعًا سِوَى مَا وَرَدَ فِيهِ غَيرُهَا، كَالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تُبدَأُ بِالتَّكبِيرِ، وَالدُّعَاءِ فَإِنَّهُ يُبدَأُ بِالحَمدَلَةِ، وَمَا كَانَ غَيرَ قُربَةٍ مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ حَرُمَ ابتِدَاؤُهُ بِالبَسمَلَةِ، فَلا يَجُوزُ البَدءُ بِهَا عِندَ شُربِ الخَمرِ، بَل قَالَ بَعضُ الحَنَفِيَّةِ: إِنَّ بَدءَ شُربِ الخَمرِ بِهَا كُفرٌ، لَكِنَّ الصَّوَابَ التَّفصِيلُ وَهُوَ أَن يُقَالَ: مَن كَانَ يَقصِدُ بِهَا التَّبَرُّكَ فِي شُربِ الخَمرِ كَفَرَ، وَإِن كَانَ القَصدُ السَّلَامَةَ مِن ضَرَرِهَا فَهُوَ حَرَامٌ وَلَيسَ كُفرًا، وَالبَدءُ بِالبَسمَلَةِ عِندَ المَكرُوهِ مَكرُوهٌ.
([7]) لَفظُ الجَلَالَةِ (اللهُ) هُوَ اسمُ اللهِ المُفرَدُ الأَعظَمُ بِالإِجمَاعِ، وَهُوَ أَجمَلُ كَلِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ، فَقَد رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالحَاكِمُ وَالبَيهَقِيُّ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ كَانَ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بِسمِ اللهِ وَبِاللهِ خَيرِ الأَسمَاءِ»، وَأَمَّا الإِجمَاعُ عَلَى مَا ذَكَرنَا مِن أَنَّهُ اسمُ اللهِ الأَعظَمُ فَقَد نَقَلَهَ الإِمَامُ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ فِي شَرحِهِ عَلَى الأَربَعِينَ النَّوَوِيَّةِ (ص11)، وَقَد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَيضًا غَيرُ وَاحِدٍ مِن فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ كَالزَّركَشِيِّ فِي تَشنِيفِ المَسَامِعِ (ج1 ص103)، وَمِن فُقَهَاءِ المَالِكِيَّةِ المَردَاوِيُّ فِي التَّحبِيرِ شَرحِ التَّحرِيرِ (ج1 ص54)، وَنُقِلَ ذَلِكَ أَيضًا عَن أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا نَصَّ عَلَيهِ الفَقِيهُ ابنُ عَابِدِينَ الدِّمَشقِيُّ الحَنَفِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ رَدِّ المُحتَارِ (ج1 ص7).
([8]) لَفظُ الجَلَالَةِ اسمٌ غَيرُ مُكتَسَبٍ مِنَ الغَيرِ، أَي أَنَّهُ مَا سُمِّيَ بِهِ غَيرُ اللهِ، وَهُوَ لَفظٌ مُرتَجَلٌ أَي لَيسَ مُشتَقًّا مِن فِعلٍ مَاضٍ وَلَا مِن مَصدَرٍ كَأَغلَبِ الأَسمَاءِ العَرَبِيَّةِ، وَقِيلَ هُوَ مُشتَقٌّ، وَنُقِلَ القَولَانِ عَن سِيبَوَيهِ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج1 ص19)، قَالَ الفَيرُوزأَبَادِيُّ فِي القَامُوسِ مَا نَصُّهُ: «لَفظُ الجَلَالَةِ: وَاختُلِفَ فِيهِ عَلَى عِشرِيَن قَولًا ذَكَرتُهَا فِي المَبَاسِيطِ وَأَصَحُّهَا أَنَّهُ عَلَمٌ غَيرُ مُشتَقٍّ».اهـ القَامُوسُ المُحِيطُ، لِمَجدِ الدِّينِ الفَيرُوزأَبَادِيِّ (ص1242).
فَائِدَةٌ: يَقُولُ سِيبَوَيهِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي يُسَمَّى «الكِتَابَ»: اللهُ أَعرَفُ المَعَارِفِ.اهـ لِأَنَّ كُلَّ شَىءٍ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِهِ، فَلَا شَىءَ مَعرُوفٌ يَشهَدُ بِوُجُودِهِ كُلُّ شَىءٍ إِلَّا اللهُ، وَقَد رُؤِيَ سِيبَوَيهِ بَعدَ مَوتِهِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي بِقَولِي: اللهُ أَعرُفُ المَعَارِفِ.اهـ مَوَاهِبُ الجَلِيلِ فِي شَرحِ مُختَصَرِ خَلِيلٍ، لِلحَطَّابِ الرُّعَينِيِّ المَالِكِيِّ (ج1 ص11).
([9]) هُوَ اسمٌ خَاصٌّ بِاللهِ تَعَالَى لَا يُطلَقُ إِلَّا عَلَيهِ سُبحَانَهُ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو مَنصُورٍ البَغدَادِيُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ (ص122).
([10]) ذَاتُ اللهِ أَي حَقِيقَةُ اللهِ، وَلَا يَعرِفُ اللهَ عَلَى الحَقِيقَةِ إِلَّا اللهُ، أَمَّا العِبَادُ فَيَجِبُ عَلَيهِمْ مَعرِفَةُ صِفَاتِ اللهِ الثَّابِتَةِ لَهُ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالثَّابِتَةِ للهِ إِجمَاعًا، فَإِنَّ مَعرِفَةَ اللهِ تَحصُلُ بِمَعرِفَةِ ثَلَاثَ عَشرَةَ صِفَةً ذُكِرَت فِي القُرءَانِ وَالسُنَّةِ كَثِيرًا، وَرَدَّدَهَا المُسلِمُونَ كَثِيرًا، هِيَ صِفَاتٌ ثَابِتَةٌ للهِ وَلَا تُشبِهُ صِفَاتِ المَخلُوقِينَ.
فَاللهُ مَوجُودٌ لَا شَكَّ فِي وُجُودِهِ لَم يَسبِق وُجُودَهُ عَدَمٌ، هُوَ الخَالِقُ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مَخلُوقٌ، وَكُلُّ شَىءٍ يَحصُلُ بِتَقدِيرِهِ وَمَشِيئتِهِ وَعِلمِهِ تَعَالَى، وَرَبُّنَا هُوَ الأَوَّلُ الَّذِي لَا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ، مَوجُودٌ قَبلَ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ، قَالَ اللهُ تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ)، [سُورَةُ الحَدِيدِ:3]،وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الآخِرُ الَّذِي لَا يَفنَى وَلَا يَبِيدُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ ، [سُورَةُ الحَدِيدِ:3]،وَقَالَ تَعَالَى: وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)، [سُورَةُ الرَّحمَنِ:27]، أَي يَبقَى ذَاتُ اللهِ.
وَاللهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، فَسَمعُ اللهِ صِفَةٌ لَهُ بِلَا كَيفٍ، وَبَصَرُ اللهِ صِفَةٌ لَهُ تَعَالَى بِلَا كَيفٍ، يَسمَعُ سُبحَانَهُ بِلَا حَاجَةٍ إِلَى الآلَاتِ كَالأُذُنِ وَالصِّمَاخِ، وَيَرَى عَزَّ وَجَلَّ بِلَا حَاجَةٍ إِلَى حَدَقَةٍ وَاتِّصَالِ شُعَاعِ ضَوءٍ، أَمَّا المَخلُوقُ فَيَحتَاجُ لِلآلَاتِ وَالأَدَوَاتِ، وَاللهُ تَعَالَى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (11)، [سُورَةُ الشُّورَى:11].
وَرَبُّنَا لَهُ كَلَامٌ لَا يُشبِهُ كَلَامَ الخَلقِ، لَا هُوَ لُغَةٌ وَلَا حَرفٌ وَلَا صَوتٌ، بَل هُوَ صِفَةُ رَبِّ العَالَمِينَ المُنَزَّهِ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقِينَ، أَمَّا كَلَامُ البَشَرِ فَهُوَ حَرفٌ وَصَوتٌ وَلُغَةٌ.
وَرَبُّنَا مَوصُوفٌ بِالإِرَادَةِ أَعنِي المَشِيئَةَ، وَهِيَ صِفَةٌ يُخَصِّصُ اللهُ بِهَا مَن شَاءَ مِنَ الخَلقِ بِمَا يَشَاءُ مِنَ الصِّفَاتِ، فَهَذَا شَقِيٌّ وَهَذَا سَعِيدٌ، وَذَاكَ قَبِيحٌ وَذَاكَ حَسَنٌ.
وَهُوَ تَعَالَى القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ وَلَا يُعجِزُهُ شَىءٌ، وَهُوَ العَالِمُ لَا يَغِيبُ عَن عِلمِهِ شَىءٌ مِنَ المَعلُومَاتِ مِمَّا كَانَ وَيَكُونُ وَسَيَكُونُ، وَاللهُ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ، وَحَيَاةُ اللهِ صِفَةٌ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيسَت بِرُوحٍ وَجَسَدٍ، وَلَا تُشبِهُ شَيئًا مِن صِفَاتِ المَخلُوقِينَ، فَحَيَاةُ رَبِّ الأَحيَاءِ لَا تُشبِهُ حَيَاتَهُم، قَالَ تَعَالَى: (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، [سُورَةُ البَقَرَةِ:255].
وَاللهُ لَهُ الوَحدَانِيَّةُ، فَاللهُ وَاحِدٌ بِمَعنَى أَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَفِعلِهِ، قَالَ تَعَالَى:(وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ) [سُورَةُ البَقَرَةِ:163]، وَكُلُّ شَىءٍ يَحتَاجُ إِلَى اللهِ، وَهُوَ تَعَالَى لَا يَحتَاجُ إِلَى شَىءٍ مِن خَلقِهِ، فَللهِ صِفَةُ القِيَامِ بِالنَّفسِ لَا يَحتَاجُ إِلَى مَا سِوَاهُ وَهُوَ الغَنِيُّ عَنِ العَالَمِينَ.
وَهُوَ الخَالِقُ الَّذِي وَصَفَ نَفسَهُ فَقَالَ:(أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ)، [سُورَةُ النَّحلِ:17]، فَهُوَ سُبحَانَهُ مُخَالِفٌ لِلحَوَادِثِ أَي لَا يُشبِهُ شَيئًا مِن خَلقِهِ، وَلَا يُشبِهُهُ شَىءٌ مِن خَلقِهِ، قَالَ تَعَالَى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (11)، [سُورَةُ الشُّورَى:11].
هَكَذَا يَعرِفُ العَبدُ رَبَّهُ، وَمَن قَالَ بِخِلَافِ ذَلِكَ أَوِ اعتَقَدَ خِلَافَ ذَلِكَ فَمَا عَرَفَ اللهَ، لِأَنَّ مَنْ لَم يُقِرَّ بِوُجُودِ اللهِ فَكَأَنَّهُ قَائِلٌ: هَذَا العَالَمُ غَيرُ مَخلُوقٍ، وَمَنْ قَالَ اللهُ لَيسَ هُوَ الأَوَّلَ فَكَأَنَّهُ قَائِلٌ: اللهُ مَخلُوقٌ، وَمَن قَالَ اللهُ لَيسَ بَاقِيًا فَكَأَنَّهُ قَالَ يَجُوزُ عَلَى اللهِ العَدَمُ، وَمَن قَالَ اللهُ لَا يُوصَفُ بِالسَّمعِ وَالبَصَرِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: اللهُ أَعمَى وَأَصَمُّ، نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الضَّلَالِ.
وَتَجِبُ مَعرِفَةُ هَذِهِ الصِّفَاتِ وُجُوبًا عَينِيًّا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ العَدِيدُ مِنَ العُلَمَاءِ المُتَأَخِّرِينَ مِنهُم: مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ السَّنُوسِيُّ صَاحِبُ العَقِيدَةِ السَّنُوسِيَّةِ (ص49)، وَمُحَمَّدُ بنُ الفَضَالِيِّ الشَّافِعِيُّ، وَعَبدُ المَجِيدِ الشُّرنُوبِيُّ المَالِكِيُّ، وَقَبلَهُم بِكَثِيرٍ ذَكَرَ مِثلَ ذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الفِقهِ الأَكبَرِ، وَمِثلُهُ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ المَقَاصِدِ (ص13)، وَغَيرُهُم كَثِيرٌ. قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعمَانُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَاللهُ وَاحِدٌ لَا مِن طَرِيقِ العَدَدِ لَكِن مِن طَرِيقِ أَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا شَبِيهَ لَهُ.اهـ الفِقهُ الأَكبَرُ، لِلإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعمَانِ (ص14). وَهَذَا مَعنَى وَحدَانِيَّةِ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ وَاحِدٌ فِي صِفَاتِهِ وَاحِدٌ فِي أَفعَالِهِ، ذَاتُ اللهِ لَا يُشبِهُ ذَوَاتِ المَخلُوقِينَ وَصِفَاتُ اللهِ لَا تُشبِهُ صِفَاتِ المَخلُوقِينَ وَفِعلُ اللهِ لَا يُشبِهُ فِعلَ المَخلُوقِينَ، فِعلُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى صِفَةٌ لَهُ فِي الأَزَلِ وَالمَفعُولُ حَادِثٌ، وَعِندَمَا نَقُولُ: اللهُ وَاحِدٌ مَعنَاهُ لَيسَ مُتَجَزِّئًا لَيسَ مُتَبَعِّضًا بَلِ اللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
([11]) اللهُ تَعَالَى وَاجِبُ الوُجُودِ أَي لَا يُتَصَوَّرُ فِي العَقلِ عَدَمُهُ، فَهُوَ سُبحَانَهُ لَا يَقبَلُ العَدَمَ مِن حَيثُ ذَاتُهُ وَلَا يَجُوزُ أَن يُطلَقَ عَلَيهِ تَعَالَى حُكمُ جَوَازِ الوُجُودِ أَوِ استِحَالَتِهِ.
([12]) وَهَذَا هُوَ مَعنَى العِبَادَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَن تُصرَفَ إِلَّا للهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا قَالَ الأَزهَرِيُّ فِي تَهذِيبِ اللُّغَةِ (ج2 ص138)، وَقَالَهُ غَيرُهُ مِنَ اللُّغَوِيِّينِ كَذَلِكَ.
([13]) هُوَ سُبحَانَهُ الخَالِقُ وَمَا سِوَاهُ مَخلُوقٌ، فَكُلُّ حَادِثٍ دَخَلَ فِي الوُجُودِ مِنَ الأَعيَانِ وَالأَعمَالِ مِنَ الذَّرَّةِ إِلَى العَرشِ وَمِن كُلِّ حَرَكَةٍ لِلعِبَادِ وَسُكُونٍ وَالنَّوَايَا وَالخَوَاطِرِ فَهُوَ بِخَلقِ اللهِ لَم يَخلُقهُ أَحَدٌ سِوَى اللهِ لَا طَبِيعَةٌ وَلَا عِلَّةٌ بَل دُخُولُهُ فِي الوُجُودِ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَقُدرَتِهِ بِتَقدِيرِهِ وَعِلمِهِ الأَزَلِيِّ لِقَولِ اللهِ تَعَالَى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ)، [سُورَةَ الفُرقَان:2] أَي أَحدَثَهُ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ فَلا خَلقَ بِهَذَا المَعنَى لِغَيرِ اللهِ قَالَ اللهُ تَعَالَى:(هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) ،[سُورَةَ فَاطِر:3].اهـ مُلَخَّصًا مِن فَيضِ القَدِيرِ، لِعَبدِ الرَّؤُوفِ المُنَاوِيِّ (ج5 ص22).
([14]) مِن أَسمَاءِ اللهِ تَعَالَى مَا هُوَ خَاصٌّ بِهِ لا يَجُوزُ أَن يُسَمَّى بِهِ غَيرُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ: “اللهُ”، “الإِلَهُ”، “الرَّبُّ”، “الخَالِقُ”، “الخَلَّاقُ”، “الرَّازِقُ”، “الرَّزَّاقُ”، “القُدُّوسُ”، “المُحيِي المُمِيتُ”، “مَالِكُ المُلكِ”، “ذُو الجَلَالِ وَالإِكرَامِ”، “القَيُّومُ”. قَالَ أَبُو مَنصُورٍ البَغدَادِيُّ: “أَمَّا التَّسمِيَةُ بِالإِلَهِ وَالرَّحمَٰنِ وَالخَالِقِ وَالقُدُّوسِ وَالرَّزَّاقِ وَالمُحيِي وَالمُمِيتِ وَمَالِكِ المُلكِ وَذِي الجَلَالِ وَالإِكرَامِ فَلَا يَلِيقُ بِغَيرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَجُوزُ تَسمِيَةُ غَيرِهِ بِمَا خَرَجَ مِن مَعَانِي تِلكَ الأَسمَاءِ الخَاصَّةِ.اهـ أُصُولُ الدِّينِ، لِأَبِي مَنصُورٍ البَغدَادِيِّ (ص122).
وَمَعنَى اسمِ اللهِ “الخَالِقِ” الَّذِي أَبدَعَ وَكَوَّنَ جَمِيعَ الكَائِنَاتِ وَأَبرَزَهَا مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ فَلا خَلقَ بِهَذَا المَعنَى إِلَّا للهِ فَمَا سِوَى اللهِ تَعَالَى حَدَثَ بِخَلقِهِ تَعَالَى وَتَكوِينِهِ وَإِبدَاعِهِ فَالخَلقُ هُوَ الإِبرَازُ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ وَلَا خَالِقَ بِهَذَا المَعنَى إِلَّا اللهُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)، [سُورَةَ الرَّعدِ:16] وَالشَّيءُ يَشمَلُ الأَجسَامَ وَالأَعمَالَ وَقَالَ: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)، [سُورَةَ الصَّافَّاتِ:96] فَالآيَتَانِ صَرِيحَتَانِ فِي أَنَّ اللهَ هُوَ خَالِقُ الأَجسَامِ وَالأَعمَالِ.اهـ مُلَخَّصًا مِن فَيضِ القَدِيرِ، لِعَبدِ الرَّؤُوفِ المُنَاوِيِّ (ج2 ص483).
([15]) أَيْ نَصُّوا عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَولُهُمْ بِأَنَّهُ اسمُ اللهِ الأَعظَمُ إِجمَاعٌ لَا مَحَلَّ خِلَافٍ.
([17]) أَي هَلْ تَعْلَمُ مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِهِ بِحَقٍّ، وَهَذَا يُعْطِي مَعْنَى النَّفْيِ أَيْ: لَا يُوجَدُ.
([18]) الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرْآنِ، لِأَبِي العَبَّاسِ القُرطُبِيِّ (ج1 ص102).
([19]) الرَّحَمَاتُ مِنهَا مَا هُوَ عَامٌّ لِكُلِّ النَّاسِ كَالمَطَرِ يُصِيبُ المُؤمِنَ وَالكَافِرَ حَتَّى إِنَّ شَربَةَ المَاءِ البَارِدِ قَد تَكُونُ رَحمَةً لِلكَافِرِ فِي الدُّنيَا، أَمَّا فِي الآخِرَةِ فَلَا رَحمَةَ إِلَّا لِلمُؤمِنِ.اهـ بَصَائِرُ ذَوِي التَّميِيزِ فِي لَطَائِفِ الكِتَابِ العَزِيزِ، لِمَجدِ الدِّينِ الفَيرُوزأَبَادِيِّ (ج3 ص53).
([20]) وَأَعظَمُ الرَّحَمَاتِ فِي الآخِرَةِ الَّتِي لَا يَنَالُهَا إِلَّا المُؤمِنُ دُخُولُ الجَنَّةِ، فَلَا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفسٌ مُسلِمَةٌ كَمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفسٌ مُسلِمَةٌ، وَإِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ»، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ القَولُ بِأَنَّ الكَافِرَ إِذَا مَاتَ عَلَى كُفرِهِ يَدخُلُ الجَنَّةَ أَو يَنَالُهُ شَىءٌ مِنَ النَّعِيمِ سَوَاءٌ فِي قَبرِهِ أَو فِي الآخِرَةِ، وَلَيسَ لَهُ شَفَاعَةٌ فَلَا يَشفَعُ لَهُ نَبِيٌّ وَلَا مَلَكٌ وَلَا غَيرُهُمَا، وَبِهَذَا يُعلَمُ بُطلَانُ مَا شَاعَ بَينَ بَعضِ العَوَامِّ مِن أَنَّ أَبَا لَهَبٍ يُخَفَّفُ عَنهُ العَذَابُ، كَيفَ وَقَد مَاتَ كَافِرًا وَسَيَصلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ كَمَا فِي القُرآنِ الكَرِيمِ، وَيُعلَمُ مِن هَذِهِ المَعَانِي أَيضًا بُطلَانُ مَا يَذكُرُهُ بَعضُ الجُهَّالِ مِن أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى رَأسِ المُنَافِقِينَ عَبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ ابنِ سَلُولَ وَهُوَ يَعلَمُ حَالَهُ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَلَكِنَّ الصَّوَابَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَيهِ وَهُوَ يَظُنُّهُ تَابَ عَن نِفَاقِهِ وَدَخَلَ فِي الإِسلَامِ وَمَاتَ مُسلِمًا وَمَا كَانَ يَعلَمُ حَالَهُ، فَلِذَلِكَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيهِ، وَبَعدَ أَن صَلَّى عَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ نَزَلَتِ الآيَةُ فِي بَيَانِ حَالِهِ وَهِيَ قَولُهُ تَعَالَى:(وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) (84)، وَلَمَّا ظَهَرَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حَالُهُ مَا دَعَا لَهُ، فَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَطلُبُ الرَّحمَةَ لِمَن عَلِمَهُ مَاتَ كَافِرًا مَهمَا كَانَت مَرتَبَتُهُ بَينَ النَّاسِ.اهـ فَتحُ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِلحَافِظِ ابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ (ج8 ص336).
([21]) قَالَ البَيهَقِيُّ: قَالَ الخَطَّابِيُّ: فَالرَّحمَٰن ذُو الرَّحمَةِ الشَّامِلَةِ الَّتِي وَسِعَتِ الخَلقَ فِي أَرزَاقِهِم وَأَسبَابِ مَعَايِشِهِم وَمَصَالِحِهِم وَعَمَّتِ المُؤمِنَ وَالكَافِرَ وَالصَّالِحَ وَالطَّالِحَ، وَأَمَّا الرَّحِيمُ فَخَاصٌّ لِلمُؤمِنِينَ كَقَولِهِ: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا)(43)[سُورَةُ الأَحزَابِ:43].اﻫ الأَسمَاءُ وَالصِّفَاتُ، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ج1 ص136)، وَقَد قَالَ تَعَالَى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) [سُورَةُ الأَعرَافِ:156]، قَالَ ابنُ الجَوزِيِّ فِي تَفسِيرِهِ: هَذِهِ الرَّحمَةُ عَلَى العُمُومِ فِي الدُّنيَا، وَالخُصُوصِ فِي الآخِرَةِ وَتَأوِيلُهَا وَرَحمَتِي وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ فِي الدُّنيَا البَرَّ وَالفَاجِرَ، وَفِي الآخِرَةِ هِيَ لِلمُتَّقِينَ خَاصَّةً.اﻫ زَادُ المَسِيرِ، لِلحَافِظِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ الجَوزِيِّ (ج3 ص182)، قَالَ ابنُ الأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: الرَّحمَٰنُ الرَّحِيمُ وَهُمَا اسمَانِ مُشتَقَّانِ مِنَ الرَّحمَةِ مِثلُ نَدمَانٍ وَنَدِيمٍ وَهُمَا مِن أَبنِيَةِ المُبَالَغَةِ، وَرَحمَنٌ أَبلَغُ مِن رَحِيمٍ، وَالرَّحمَٰنُ خَاصٌّ للهِ لَا يُسَمَّى بِهِ غَيرُهُ، وَالرَّحِيمُ يُوصَفُ بِهِ غَيرُ اللهِ تَعَالَى فَيُقَالُ رَجُلٌ رَحِيمٌ وَلَا يُقَالُ رَحمَنٌ.اهـ النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ، لِابنِ الأَثِيرِ (ج2 ص210).
([22]) وَفِي الرَّحمَنِ مِنَ المُبَالَغَةِ مَا لَيسَ فِي الرَّحِيمِ، لِأَنَّ فِي (الرَّحِيمِ) زِيَادَةَ حَرفٍ وَاحِدٍ عَلَى جَذرِ الكَلِمَةِ وَفِي (الرَّحمَنِ) زِيَادَةَ حَرفَينِ، وَزِيَادَةُ اللَّفظِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ المَعنَى، وَلِذَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ «يَا رَحمَنَ الدُّنيَا» لِأَنَّهُ يَعُمُّ المُؤمِنَ وَالكَافِرَ «وَرَحِيمَ الآخِرَةِ» لِأَنَّهُ يَخُصُّ المُؤمِنَ.اهـ مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَحَقَائِقُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج1 ص28).
([23]) [سُورَةُ الأَحزَابِ:43].
([24]) يَجُوزُ استِعمَالُ لَفظِ (رَحِيمٍ) مُعَرَّفًا وَمُنَكَّرًا فِي حَقِّ مَخلُوقٍ، بِدَلِيلِ مَا قَالَهُ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ فِي الرِّسَالَةِ: «وَعَرَّفَنَا اللهُ نِعَمَهُ بِمَا خَصَّنَا بِهِ مِن مَكَانِهِ ﷺ فَقَال: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (128) [سُورَةُ التَّوبَةِ:128]».اهـ الرِّسَالَةُ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِدرِيسَ الشَّافِعِيِّ (ص47)، لَكِن لَا عَلَى أَنَّ للهِ اسمًا يَشتَرِكُ فِيهِ مَعَهُ خَلقُهُ، حَاشَا للهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ اتِّفَاقٌ لَفظِيٌّ، فَإِذَا أُطلِقَ (الرَّحِيمُ) عَلَى اللهِ كَانَ لَهُ المَعنَى المَذكُورُ سَابِقًا، وَإِذَا أُطلِقَ عَلَى مَخلُوقٍ فُهِمَ مِن ذَلِكَ الِانفِعَالُ وَالإِحسَاسُ وَغَيرُهُمَا مِنَ الأَعرَاضِ الَّتِي تَحصُلُ لِلمَخلُوقَاتِ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن ذَلِكَ كُلِّهِ، فَوَصفُ اللهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ ذُو الرَّحمَةِ مَحمُولٌ عَلَى مَا وَرَدَ فِي نُصُوصِ الشَّرعِ مُوَافِقًا لِعَقَائِدِ المُسلِمِينَ فِي اللهِ فِيمَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ وَيَستَحِيلُ عَلَيهِ، فَإِذَا سَمِعَ أَهلُ الإِيمَانِ أَو أَطلَقُوا وَصَفَيِ الرَّحمَنِ وَالرَّحِيمِ عَلَى اللهِ لَم يَفهَمُوا مِنهُ حُصُولَ الِانفِعَالِ المَعهُودِ عِندَهُم فِي تَرَاحُمِ البَشَرِ، تِلكَ هِيَ عَقِيدَةُ المُسلِمِينَ، وَأَدِلَّةُ تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَنِ الأَعرَاضِ كَثِيرَةٌ عَقلًا، وَفِي النُّصُوصِ الشَّرعِيَّةِ كَذَلِكَ.اهـ بَصَائِرُ ذَوِي التَّميِيزِ فِي لَطَائِفِ الكِتَابِ العَزِيزِ، لِمَجدِ الدِّينِ الفَيرُوزأَبَادِيِّ (ج3 ص53).
([25]) اختَلَفَ الفُقَهَاءُ فِي كَونِ البَسمَلَةِ آيَةً مِنَ الفَاتِحَةِ أَم لَا فَهُم ثَلَاثَةُ فِرَقٍ: الفَرِيقُ الأَوَّلُ: الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَغَيرُهُ وَهُم كَثِيرٌ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهَا آيَةٌ مِن كُلِّ سُورَةٍ سِوَى بَرَاءَة، وَالفَرِيقُ الثَّانِي: وَنُقِلَ عَن مَالِكٍ وَالأَوزَاعِيِّ وَابنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَدَاوُدَ أَنَّهُم ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهَا لَيسَت فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ قُرآنًا، لَا فِي الفَاتِحَةِ وَلَا فِي غَيرِهَا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَن أَحمَدَ، وَالفِرقَةُ الثَّالِثَةُ: الحَنَفِيَّةُ فَجُمهُورُهُم عَلَى أَنَّهَا آيَةٌ مُستَقِلَّةٌ أُنزِلَت لِافتِتَاحِ القِرَاءَةِ بِهَا وَلِلفَصلِ بَينَ كُلِّ سُورَتَينِ سِوَى مَا بَينَ “الأَنفَالِ” وَ”بَرَاءَة”. وَأَمَّا القَولُ المُعتَمَدُ فِي المَسأَلَةِ فَهُوَ أَنَّ البَسمَلَةَ آيَةٌ مِن كُلِّ سُورَةٍ سِوَى “بَرَاءَة” وَهُوَ مَا عَلَيهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَدَلِيلُهُ عَلَى إِثبَاتِ كَونِهَا آيَةً مِنَ الفَاتِحَةِ مَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: “أَغفَلَ النَّاسُ آيَةً مِن كِتَابِ اللهِ لَم تَنزِل عَلَى أَحَدٍ قَبلَ النَّبِيِّ ﷺ، إِلَّا أَن يَكُونَ سُلَيمَانَ بنَ دَاوُدَ، بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ”.اهـ شُعَبُ الإِيمَانِ، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ج4 ص20)، وروى الحَاكِمُ عَن سَعِيدٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: “أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا جَاءَهُ جِبرِيلُ فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ عَلَى أَنَّهَا سُورَةٌ”.اهـ المُستَدرَكُ عَلَى الصَّحِيحَينِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ الحَاكِمِ (ج1 ص702)، وَروى البَيهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: “السَّبعُ المَثَانِي فَاتِحَةُ الكِتَابِ، قِيلَ: فَأَينَ السَّابِعَةُ؟ قَالَ: بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ”.اهـ السُّنَنُ الكُبرَى، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ج2 ص66)، وَرَوَى الدَّارَقُطنِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ السَّبعِ المَثَانِي، فَقَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (2)، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا هِيَ سِتُّ آيَاتٍ، فَقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ”.اهـ سُنَنُ الدَّارَقُطنِيِّ، لِأَبِي الحَسَنِ الدَّارَقُطنِيِّ (ج2 ص87)، وَرَوَى الدَّارَقُطنِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا قَرَأتُمُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) فَاقرَؤُوا(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ)، إِنَّهَا أُمُّ القُرآنِ وَأُمُّ الكِتَابِ وَالسَّبعُ المَثَانِي، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِحدَى آيَاتِهَا».اهـ سُنَنُ الدَّارَقُطنِيِّ، لِأَبِي الحَسَنِ الدَّارَقُطنِيِّ (ج2 ص86)، وَرَوَى مُسلِمٌ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: “بَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ بَينَ أَظهُرِنَا إِذ أَغفَى إِغفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مُتَبَسِّمًا فَقَالَ: «أُنزِلَت عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ» فَقَرَأَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ)، (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)”.اهـ تَنْبِيهٌ: قُلْتُ: هَذِهِ الإِغفَاءَةُ الوَارِدَةُ فِي هَذَا الحَدِيثِ لَيسَتِ الإِغفَاءَةَ الَّتِي تَحصُلُ لِعَوَامِّ النَّاسِ وَلَا هِي نَومٌ إِنَّمَا هِيَ حَالَةٌ تُشبِهُ النَّومَ، القُرآنُ كُلُّه قَرَأَهُ عَليهِ جِبرِيلُ يَقَظَةً، كُلُّ القُرآنِ.اهـ مَعَ العِلمِ بِأَنَّهُ كَثُرَ الكَلَامُ فِي البَسْمَلَةِ وَكَثُرَتِ المَروِيَّاتُ عَنِ الأَئِمَّةِ أَنفُسِهِم، فَهِيَ مَسأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ اجتِهَادِيَّةٌ فِي الفُرُوعِ لَا فِي الأُصُولِ لَيسَ مُجمَعًا عَلَيهَا، فَلَا يُبَدَّعُ المُخَالِفُ فِيهَا عَلَى اختِلَافِ الأَقوَالِ الصَّحِيحَةِ فِيهَا، وَكُلُّهُم مُجمِعُونَ عَلَى فَضلِهَا وَأَهَمِّيَّتِهَا فَفِيهَا مَا فِيهَا مِنَ الأَسرَارِ فَمَن نَفَى كَونَهَا آيَةً مِنَ الفَاتِحَةِ مِنَ الأَئِمَّةِ لَا يَنفِي فَضلَهَا وَلَا يَنفِي وُجُودَهَا وَلَا يَنْفِي أَنَّهَا آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ.
([26]) ذَكَرَ الفُقَهَاءُ خَصَائِصَ كَثِيرَةً لِلبَسمَلَةِ وَبَرَكَاتٍ عَظِيمَةً وَأَسرَارًا لِمَن يُدَاوِمُ عَلَى قِرَاءَتِهَا أَو يَقرَأُهَا بِأَعدَادٍ مُعَيَّنَةٍ، وَلَيسَ كُلُّ مَا هُوَ مَذكُورٌ عَنِ الفُقَهَاءِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى مَذكُورًا فِي الأَحَادِيثِ، بَل إِنَّ بَعضَهَا مَذكُورٌ عَن بَعضِ الصَّحَابةِ أَو بَعضِ العُلَمَاءِ قَالَ بِهَا بِطَرِيقِ التَّجرُبَةِ فَظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ بِقِرَاءَتِهَا بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ يَصِيرُ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ بِهِ، وَأَذكُرُ بَعضَ هَذِهِ الخَصَائِصِ وَالفَوَائِدِ لِلبَسمَلَةِ، وَلَا يَضرُّ شَخصًا لَو عَمِلَ بِهَا أَو تَرَكَ العَمَلَ بِهَا فَهَذَا أَمرٌ لَيسَ مُتَعَلِّقًا بِأَحكَامٍ شَرعِيَّةٍ وَلَكِنَّهَا مَذكُورَةٌ فِي كُتُبِ الفُقَهَاءِ.
([27]) قَالَ القُرطُبِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ:بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَسَمٌ مِنْ رَبِّنَا أَنْزَلَهُ عِندَ رَأسِ كُلِّ سُورَةٍ، يُقْسِمُ لِعِبَادِهِ إِنَّ هَذَا الَّذِي وَضَعْتُ لَكُمْ يَا عِبَادِي فِي هَذِهِ السُّورَةِ حَقٌّ، وَإِنِّي أُوَفِّي لَكُمْ بِجَمِيعِ مَا ضَمَّنْتُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ وَعْدِي وَلُطْفِي وَبِرِّي. قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سُكَيْنَةَ: بَلَغَنِي أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ يَكْتُبُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ لَهُ: جَوِّدْهَا فَإِنَّ رَجُلًا جَوَّدَهَا فَغُفِرَ لَهُ. قَالَ سَعِيدٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا نَظَرَ إِلَى قِرْطَاسٍ فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فَقَبَّلَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ فَغُفِرَ لَهُ. وَمِنْ هَذَا المَعنَى قِصَّةُ بِشْرٍ الْحَافِي فِيمَا رَوَاهُ القُشَيرِيُّ، فَإِنَّهُ لَمَّا رَفَعَ الرُّقْعَةَ الَّتِي فِيهَا بِسمِ اللهِ وَطَيَّبَهَا طُيِّبَ اسْمُهُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى:(وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا) (46) قَالَ مَعْنَاهُ: إِذَا قُلْتَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ . وَرَوَى وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُنَجِّيَهُ اللهُ مِنَ الزَّبَانِيَةِ التِّسْعَةَ عَشَرَ فَلْيَقْرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لِيَجْعَلَ اللهُ تَعَالَى لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا جُنَّةً (أَيْ وِقَايَةً) مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ. فَالْبَسْمَلَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا عَلَى عَدَدِ مَلَائِكَةِ أَهْلِ النَّارِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)) وَهُمْ يَقُولُونَ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِمْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. وَرَوَى الشَّعبِيُّ وَالأَعمَشُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَكْتُبُ (أَيْ يَأمُرُ كَاتِبَهُ فَيَكْتُبَ، فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ أُمِّيًّا لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكتُبُ): “بِاسْمِكَ اللهم” حَتَّى أُمِرَ أَنْ يَكْتُبَ “بِسْمِ اللهِ” فَكَتَبَهَا، فَلَمَّا نَزَلَت: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ ) كَتَبَ “بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ” فَلَمَّا نَزَلَتْ:(إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (30)) كَتَبَهَا. ورُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الْبَسْمَلَةُ تِيجَانُ السُّوَرِ.اهـ الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرْآنِ، لِأَبِي العَبَّاسِ القُرطُبِيِّ (ج1 ص97).
([28]) [سُورَةُ الشُّورَى:11].
([29]) قِصَّةٌ تُؤَكِّدُ هَذَا المَعْنَى: فِي تَحقِيقِ هَذِهِ المَعَانِي يُرْوَى فِي بَيَانِ حَالِ المُتَوَكِّلِينَ المُسْتَعِينِينَ بِاللهِ مَهْمَا اشْتَدَّتْ عَلَيهِمْ هَذِهِ الدُّنْيَا وَكُرَبِهَا أَنَّ حَاتِمًا الأَصَمَّ رَحِمَهُ اللهُ كَانَ رَجُلًا كَثِيرَ العِيَالِ، وَكَانَ لَهُ أَوْلَادٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، وَلَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ مَالًا كَثِيْرًا، وَكَانَ قَدَمُهُ التَّوَكُّلَ فَجَلَسَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مَعَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ مَعَهُمْ، فَتَعَرَّضُوا لِذِكْرِ الحَجِّ، فَدَخَلَ الشَّوْقُ قَلْبَهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى أَوْلَادِهِ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ يُحَدِّثُهُم، ثُمَّ قَالَ لَهُم: لَوْ أَذِنْتُم لِأَبِيْكُم أَنْ يَذْهَبَ إِلَى بَيتِ رَبِّهِ فِي هَذَا العَامِ حَاجًّا، وَيَدعُوَ لَكُم مَاذَا عَلَيْكُم لَوْ فَعَلْتُم؟ فَقَالَتْ زَوجَتُهُ وَأَوْلَادُهُ: أَنْتَ عَلَى هَذِهِ الحَالَةِ لَا تَمْلِكُ شَيئًا وَنَحْنُ عَلَى مَا تَرَى مِنَ الفَاقَةِ، فَكَيفَ تُرِيدُ ذَلِكَ وَنَحْنُ بِهَذِهِ الحَالَةِ؟ وَكَانَ لَهُ ابْنَةٌ صَغِيرَةٌ فَقَالَتْ: مَاذَا عَلَيْكُمْ لَوْ أَذِنْتُم لَهُ وَلَا يَهُمُّكُمْ ذَلِكَ، دَعُوْهُ يَذْهَبْ حَيْثُ شَاءَ، فَإِنَّهُ مُنَاوِلٌ لِلرِّزْقِ، وَلَيسَ بِرَزَّاقٍ، فَذَكَّرَتْهُم ذَلِكَ، فَقَالُوا: صَدَقَتْ وَاللهِ هَذِهِ الصَّغِيرَةُ، يَا أَبَانَا انْطَلِقْ حَيْثُ أَحْبَبْتَ، فَقَامَ مِنْ وَقتِهِ وَسَاعَتِهِ وَخَرَجَ مُسَافِرًا وَأَحْرَمَ بِالحَجِّ، وَأَصْبَحَ أَهْلُ بَيْتِهِ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ جِيْرَانُهُمْ يَقُولُونَ لَهُمْ كَيفَ أَذِنْتُمْ لَهُ بِالحَجِّ، فَجَعَلَ أَوْلَادُهُ يَلُومُونَ تِلْكَ الصَّغِيرَةَ وَيَقُولُوْنَ: لَوْ سَكَتِّ مَا تَكَلَّمْنَا، فَرَفَعَتِ الصَّغِيرَةُ طَرْفَهَا إِلَى السَّمَاءِ إِلَى قِبْلَةِ الدُّعَاءِ وَلَيْسَ لِأَنَّ اللهَ يَسْكُنُهَا فَاللهُ مَوْجُوْدٌ بِلَا جِهَةٍ وَلَا مَكَانٍ، وَقَالَتْ: إِلَهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلَايَ عَوَّدْتَ القَوْمَ بِفَضْلِكَ وَأَنَّكَ لَا تُضَيِّعُهُمْ فَلَا تُخَيِّبْهُم، وَلَا تُخْجِلْنِي مَعَهُم، فَبَينَمَا هُمْ عَلَى هَذِهِ الحَالَةِ إِذْ خَرَجَ أَمِيرُ البَلْدَةِ لِلصَّيْدِ، فَحَصَلَ لَهُ عَطَشٌ شَدِيدٌ، فَاجْتَازَ بَيْتَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ حَاتِمٍ الأَصَمِّ، فَاسْتَسْقَى مِنْهُمْ مَاءً، وَقَرَعَ البَابَ فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: الأَمِيرُ بِبَابِكُمْ يَسْتَسْقِيْكُمْ، فَرَفَعَتْ زَوْجَةُ حَاتِمٍ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَتْ: إِلَهِي وَسَيِّدِي سُبْحَانَكَ، البَارِحَةَ بِتْنَا جِيَاعًا، وَاليَوْمَ يَقِفُ الأَمِيرُ عَلَى بَابِنَا يَسْتَسْقِيْنَا، ثُمَّ إِنَّهَا أَخَذَتْ كُوْزًا جَدِيدًا وَمَلَأَتْهُ مَاءً، وَقَالَتْ لِلْمُتَنَاوِلِ مِنْهَا: اعْذُرُوْنَا، فَأَخَذَ الأَمِيرُ الكُوزَ وَشَرِبَ مِنْهُ، فَاسْتَطَابَ الشُّرْبَ مِنْ ذَلِكَ المَاءِ فَقَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِأَمِيْرٍ؟ فَقَالُوا: لَا وَاللهِ بَلْ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ يُعْرَفُ بِحَاتِمٍ الأَصَمِّ فَقَالَ الأَمِيرُ: لَقَدْ سَمِعْتُ بِهِ. فَقَالَ الوَزِيْرُ: يَا سَيِّدِيْ لَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّهُ البَارِحَةَ أَحْرَمَ بِالحَجِّ وَسَافَرَ وَلَمْ يُخَلِّفْ لِعِيَالِهِ شَيْئًا، وَأُخْبِرْتُ أَنَّهُمُ البَارِحَةَ بَاتُوا جِيَاعًا، فَقَالَ الأَمِيْرُ: وَنَحْنُ أَيْضًا قَدْ ثَقَّلْنَا عَلَيْهِمُ اليَوْمَ، وَلَيسَ مِنَ المُرُوءَةِ أَنْ يُثَقِّلَ مِثْلُنَا عَلَى مِثْلِهِم، ثُمَّ حَلَّ الأَمِيرُ مِنْطَقَتَهُ (الْمِنْطَقُ بِالْكَسْرِ مَا شَدَدْتَ بِهِ وَسَطَكَ) مِنْ وَسَطِهِ وَرَمَى بِهَا فِي الدَّارِ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ أَحَبَّنِي فَلْيُلْقِ مِنْطَقَتَهُ، فَحَلَّ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ مَنَاطِقَهُمْ وَرَمَوا بِهَا إِلَيْهِم، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَقَالَ الوَزِيرُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ، لَآتِيَنَّكُمُ السَّاعَةَ بِثَمَنِ هَذِهِ المَنَاطِقِ، فَلَمَّا نَزَلَ الأَمِيرُ رَجَعَ إِلَيْهِمُ الوَزِيرُ، وَدَفَعَ إِلَيْهِمْ ثَمَنَ المَنَاطِقِ مَالًا جَزِيْلًا وَاسْتَرَدَّهَا مِنْهُم، فَلَمَّا رَأَتِ الصَّبِيَّةُ الصَّغِيرَةُ ذَلِكَ بَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَقَالُوا لَهَا: مَا هَذَا البُكَاءُ؟ إِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْرَحِي، فَإِنَّ اللهَ قَدْ وَسَّعَ عَلَينَا، فَقَالَتْ: يَا أُمِّي وَاللهِ إنَّمَا بُكَائِي كَيفَ بِتْنَا البَارِحَةَ جِيَاعًا، فَنَظَرَ إِلَينَا مَخْلُوقٌ نَظْرَةً وَاحِدَةً، فَأَغْنَانَا بَعْدَ فَقرِنَا، فَالكَرِيمُ الخَالِقُ إِذَا رَحِمَنَا، لَا يَكِلُنَا إِلَى أَحَدٍ طَرْفَةَ عَينٍ، اللهم احْفَظْ أَبَانَا وَدَبِّرْهُ بِأَحْسَنِ التَّدبِيرِ، هَذَا مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِم. وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ حَاتِمٍ أَبِيهِمْ، فَإِنَّهُ لَمَّا خَرَجَ مُحْرِمًا وَلَحِقَ بِالقَوْمِ تَوَجَّعَ أَمِيرُ الرَّكْبِ، فَطَلَبُوا لَهُ طَبِيْبًا، فَلَمْ يَجِدُوا، فَقَالَ: هَلْ مِنْ عَبْدٍ صالحٍ، فَدُلَّ عَلَى حَاتِمٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيهِ وَكَلَّمَهُ دَعَا لَهُ فَعُوفِيَ الأَمِيرُ مِنْ وَقْتِهِ، فَأَمَرَ لَهُ بِمَا يَرْكَبُ، وَمَا يَأْكُلُ، وَمَا يَشْرَبُ، فَنَامَ تِلْكَ اللَّيلَةَ مُفَكِّرًا فِي أَمْرِ عِيَالِهِ، فَقِيلَ لَهُ فِي مَنَامِهِ: يَا حَاتِمُ مَنْ أَصْلَحَ مُعَامَلَتَهُ مَعَنَا أَصْلَحْنَا مُعَامَلَتَنَا مَعَهُ، ثُمَّ أُخْبِرَ بِمَا كَانَ مِنْ أَمرِ عِيَالِهِ، فَأَكْثَرَ الثَّنَاءَ عَلَى اللهِ تَعَالَى، فَلَمَّا قَضَى حَجَّهُ وَرَجَعَ تَلَقَّاهُ أَوْلَادُهُ، فَعَانَقَ الصَّبِيَّةَ الصَّغِيرَةَ وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: صِغَارُ قَوْمٍ كِبَارُ قَوْمٍ آخَرِينَ. إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إلى أَكْبَرِكُمْ وَلَكِنْ ينْظُرُ إِلَى أَعْرَفِكُمْ بِهِ (أَيْ: لَا يُثِيبُكُمْ لِكِبَرِ السِّنِّ وَلَكِنَّ مِعيَارَ الإِثَابَةِ بِنَاءً عَلَى العِلمِ وَالعَمَلِ وَالطَّاعَةِ لَهُ سُبْحَانَهُ)، فَعَلَيْكُم بِمَعْرِفَتِهِ وَالاِتِّكَالِ عَلَيهِ فَإِنَّهُ مَنْ تَوَكَّلَ علَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ.اهـ المُستَطْرَفُ مِنْ كُلِّ فَنٍّ مُسْتَظْرَفٍ، لِشِهَابِ الدِّينِ الأَبْشِيهِيِّ (ص75-76).