الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (3)
الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (3) تَكَرَّرَ ذِكرُهُمَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ العَظِيمَةِ مِن أَوَّلِهَا([1])، فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ ذُو الرَّحمَةِ الشَّامِلَةِ لِلمُؤمِنِينَ وَالكَافِريِنَ فِي الدُّنيَا وَلِلمُؤمِنِينَ فِي الآخِرَةِ([2])([3]).
إِشَارَةٌ لَطِيفَةٌ
إِذَا قُلْتَ: الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (3) فَاستحْضِرْ فِي قَلْبِكَ أَنْوَاعَ لُطفِهِ تَعَالَى لِتَتَّضِحَ لَكَ آثَارُ رَحمَتِهِ فَيَعْظُمَ رَجَاؤُكَ، فَإِنَّ رَحْمَةَ اللهِ وَلُطْفَهُ بِعِبَادِهِ فِي هَذِهِ الدُّنيَا عَظِيمٌ شَامِلٌ لِكُلِّ شَىءٍ.
قَصَصٌ تُبَيِّنُ آثَارَ رَحمَةِ اللهِ وَلُطفِهِ بِعِبَادِهِ([4])
حُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ ضَيْفًا لِبَعْضِ الْقَوْمِ فَقَدَّمَ الْمَائِدَةَ، فَنَزَلَ غُرَابٌ وَسَلَبَ رَغِيفًا، فَاتَّبَعْتُهُ تَعَجُّبًا، وَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُقَيَّدٍ مَشْدُودِ الْيَدَيْنِ فَأَلْقَى الْغُرَابُ ذَلِكَ الرَّغِيفَ عَلَى وَجْهِهِ.اهـ
وَيُحْكَى أَنَّ وَلَدَ الْغُرَابِ عِنْدَمَا يَخْرُجُ مِنْ قِشْرِ الْبَيْضَةِ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ رِيشٍ فَيَكُونُ كَأَنَّهُ قِطْعَةُ لَحْمٍ أَحْمَرَ، وَالْغُرَابُ يَفِرُّ مِنْهُ وَلَا يَقُومُ بِتَرْبِيَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ الْبَعُوضَ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ قِطْعَةَ لَحْمٍ مَيِّتٍ، فَإِذَا وَصَلَتِ الْبَعُوضُ إِلَيْهِ الْتَقَمَ تِلْكَ الْبَعُوضَ وَاغْتَذَى بِهَا، وَلَا يَزَالُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ إِلَى أَنْ يَقْوَى وَيَنْبُتَ رِيشُهُ وَيَخْفَى لَحْمُهُ تَحْتَ رِيشِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَعُودُ أُمُّهُ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا السَّبَبِ جَاءَ فِي أَدْعِيَةِ الْعَرَبِ: يَا رَازِقَ النَّعَّابِ([5]) فِي عُشِّهِ، فَظَهَرَ بِهَذِهِ الْأَمْثِلَةِ أَنَّ فَضْلَ اللهِ عَامٌّ، وَإِحْسَانَهُ شَامِلٌ، وَرَحْمَتَهُ وَاسِعَةٌ.اهـ
فَضِيلَةُ التَّذَلُّلِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ رَحمَنٌ([6]) وَرَحِيمٌ
قَالَ الفَخْرُ الرَّازِيُّ: وَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ رَحْمَانًا رَحِيمًا، ثُمَّ إِنَّهُ ذَكَرَ فِي قِصَّةِ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ رَحْمَةً وَاحِدَةً([7]) حَيْثُ قَالَ: وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا (21) ([8]) فَتِلْكَ الرَّحْمَةُ صَارَتْ سَبَبًا لِنَجَاتِهَا مِنْ تَوْبِيخِ الْكُفَّارِ الْفُجَّارِ، ثُمَّ إِنَّا نَصِفُهُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَةً وَثَلَاثِينَ مَرَّةً أَنَّهُ رَحْمَنٌ وَأَنَّهُ رَحِيمٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَيُقْرَأُ لَفْظُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَمَرَّةً فِي قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (3)فَلَمَّا صَارَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً سَبَبًا لِخَلَاصِ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ عَنِ الْمَكْرُوهَاتِ أَفَلَا يَصِيرُ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ هَذِهِ الْمَرَّاتِ الْكَثِيرَةَ طُولَ الْعُمْرِ سَبَبًا لِنَجَاةِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ النَّارِ وَالْعَارِ وَالدَّمَارِ([9]).اهـ
([1]) وَفِي هَذَا التَّكرَارِ أَقوَالٌ مِنهَا: التَّأكِيدُ، وَقِيلَ: كُرِّرَ لِأَنَّ المَعنَى: وَجَبَ الحَمدُ للهِ لِأَنَّهُ الرَّحمَنُ الرَّحِيمُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا كُرِّرَ لِأَنَّ الرَّحمَةَ هِيَ الإِنعَامُ عَلَى المُحتَاجِ وَذَكَرَ فِي الآيَةِ الأُولَى المُنعِمَ وَلَم يَذكُرِ المُنعَمَ عَلَيهِم فَأَعَادَهَا مَعَ ذِكرِهِم فَيَكُونُ التَّقدِيرُ: «الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ الرَّحمَنِ بِهِم أَجمَعِينَ الرَّحِيمِ بِالمُؤمِنِينَ خَاصَّةً يَومَ الدِّينِ، يُنعِمُ عَلَيهِم وَيَغفِرُ لَهُم»، غَرَائِبُ التَّفسِيرِ وَعَجَائِبُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي القَاسِمِ الكِرمَانِيِّ (ج1 ص100)، وَقِيلَ: لَمَّا أَرَادَ ذِكرَ يَومِ الدِّينِ لِأَنَّهُ مِلكُهُ وَهُوَ مَالِكُهُ، وَفِيهِ يَقَعُ الجَزَاءُ وَالعِقَابُ وَالثَّوَابُ، وَفِي ذِكرِهِ يَحصُلُ لِبَعضِ العِبَادِ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيهِ مِنَ الرُّعبِ وَالخَشيَةِ وَالخَوفِ وَالهَيبَةِ، فَقَدَّمَ عَلَيهِ ذِكرَ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ تَطمِينًا لَهُ، وَتَأمِينًا وَتَطيِيبًا لِقُلُوبِ المُؤمِنِينَ، وَتَسكِينًا وَإِشعَارًا بِأَنَّ الرَّحمَةَ سَابِقَةٌ غَالِبَةٌ، فَلَا يَيأَسُ المُؤمِنُ وَلَا يَأسَى، فَإِنَّ ذَلِكَ اليَومَ ـ وَإِن كَانَ عَظِيمًا عَسِيرًا ـ فَإِنَّمَا عُسرُهُ وَشِدَّتُهُ عَلَى الكَافِرِينَ وَهُوَ عَلَى المُؤمِنِينَ يَسِيرٌ بِإِذنِ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
([2]) لَيسَ مَعنَى قَولِنَا إِنَّ الكَافِرَ تَشمَلُهُ رَحمَةُ اللهِ فِي الدُّنيَا أَنَّهُ تُقبَلُ مِنهُ عِبَادَتُهُ الفَاسِدَةُ، لَا، فَالكَافِرُ مَهمَا أَتعَبَ نَفسَهُ فِي صُوَرِ العِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ فَلَن يُقبَلَ مِنهُ شَيءٌ، لِأَنَّ الشَّرطَ لِقَبُولِ الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ هُوَ الإِيمَانُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) [سُورَةُ النِّسَاءِ:124]، وَقَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا [سُورَةُ النُّورِ:39]، فَالشَّخصُ إِذَا اجتَنَبَ الكُفرَ بِأَنوَاعِهِ وَعَمِلَ عَمَلًا مُوَافِقًا لِلشَّرِيعَةِ مُخلِصًا بِهِ للهِ تَعَالَى مُوَافِقًا لِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَإِنَّهُ يُقبَلُ مِنهُ مَهمَا كَانَ قَلِيلًا، فَقَد جَاءَ عَن سَيِّدِنَا سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ أَنَّهُ لَمَّا نَظَرَ إِلَيهِ الفَلَّاحُ وَهُوَ عَلَى بِسَاطِ الرِّيحِ وَقَالَ: إِنَّ اللهَ أَعطَى آلَ دَاوُدَ مُلكًا عَظِيمًا، رَجَعَ إِلَيهِ وَقَالَ لَهُ: لَتَسبِيحَةٌ وَاحِدَةٌ يَقبَلُهَا اللهُ مِنكَ خَيرٌ لَكَ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا، فَهَذِهِ التَّسبِيحَةُ المَقبُولَةُ مَعَ قِلَّةِ أَلفَاظِهَا قَالَ عَنهَا سَيِّدُنَا سُلَيمَانُ عَلَيهِ السَّلَامُ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا.اهـ حِليَةُ الأَولِيَاءِ وَطَبَقَاتُ الأَصفِيَاءِ، لِأَبِي نُعَيمٍ الأَصفَهَانِيِّ (ج4 ص59)، وَلَكِنَّهَا لَا تُقبَلُ إِلَّا بِشُرُوطٍ، أَوَّلُهَا الإِيمَانُ بِاللهِ تَعَالَى وَبِرَسُولِهِ ﷺ، أَمَّا إِذَا كَانَ الشَّخصُ وَاقِعًا بِأَيِّ نَوعٍ مِن أَنوَاعِ الكُفرِ وَأَتعَبَ نَفسَهُ بِصُوَرِ الطَّاعَاتِ فَلَيسَ لَهُ مِن ذَلِكَ شَىءٌ مَهمَا كَثُرَ.
([3]) مِن خَوَاصِّ اسمِ اللهِ “الرَّحمَنِ” صَرفُ المَكرُوهِ عَن ذَاكِرِهِ وَحَامِلِهِ، وَيُذكَرُ مِائَةَ مَرَّةٍ بَعدَ كُلِّ صَلَاةٍ فِي جَمَاعَةٍ وَخَلوَةٍ فَيُخرِجُ الغَفلَةَ وَالنِّسيَانَ.
ومِن خَوَاصِّ اسمِ اللهِ “الرَّحِيمِ” أَنَّ مَن دَاوَمَ عَلَيْهِ كُلَّ يَومٍ مِائَةَ مَرةٍ كَانَ لَهُ رِقَّةُ القُلُوبِ وَرَحمَةُ الخَلقِ، فَمَن خَافَ الوُقُوعَ في مَكرُوهٍ ذَكَرَهُ مَعَ مَا قَبلَهُ أَيِ “الرَّحمَنِ”.
([4]) أَذكُرُهَا مُلَخَّصَةً مِن كِتَابِ: التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج1 ص203).
([5]) قَالَ ابنُ مَنْظُوْرٍ: النَّعَّابُ: الغُرَابُ. اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِابنِ مَنْظُوْرٍ (ج1 ص764).
([6]) قَالَ السُّيُوطِيُّ: ذَكَرَ أَبُو حَيَّانَ فِي (شَرْحِ التَّسْهِيلِ): أَنَّ رَحْمَانًا وَلَحْيَانًا هَلْ يُصْرَفُ أَوْ يُمْنَعُ؟ مَذْهَبَانِ وَالصَّحِيحُ صَرْفُهُ لِأَنَّا قَدْ جَهِلْنَا النَّقْلَ فِيهِ عَنِ العَرَبِ وَالأَصْلُ فِي الأَسْمَاءِ الصَّرْفُ فَوَجَبَ العَمَلُ بِهِ.اهـ الِاقْتِرَاحُ فِي أُصُولِ النَّحْوِ، لِجَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ (ص397).
([7]) وَالمَقصُودُ أَنَّ اللَّفظَ مُفرَدٌ لَا أَنَّ صِفَةَ اللهِ تُوصَفُ بِالتَّعَدُّدِ وَالتَّجَزُّؤِ.
([9]) التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج1 ص203).