مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)
(مَالِكِ) ([1]) أَي أَنَّ اللهَ هُوَ المَالِكُ([2]) وَهُوَ المُتَصَرِّفُ فِي المَخلُوقَاتِ كَيفَ يَشَاءُ([3])، (يَوْمِ الدِّينِ )(4) ([4]) أَي يَومِ الجَزَاءِ وَهُوَ يَومُ القِيَامَةِ([5])، وَخُصَّ بِالذِّكرِ لِأَنَّ المُلكَ لَا يَظهَرُ فِيهِ لِأَحَدٍ إِلَّا للهِ تَعَالَى، بِدَلِيلِ: (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ) ([6])، فَلَا يَحكُمُ وَلَا يَقضِي وَلَا يُحَاسِبُ وَلَا يُجَازِي وَلَا يُثِيبُ وَلَا يُعَاقِبُ غَيرُ اللهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ اليَومِ([7])، فَلِكَونِهِ هُوَ الَّذِي يَفْصِلُ بَينَ عِبَادِهِ يَومَ القِيَامَةِ فَقَدْ خَصَّهُ بِالذِّكرِ فِي هَذِهِ الآيَةِ، وَإِلَّا فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ يَحْكُمُ فِي أَحوَالِ عِبَادِهِ فِي الدُّنيَا وَفِي القَبرِ وَفِي الآخِرَةِ كَمَا يَشَاءُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ سُبْحَانَهُ وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَلَا دَافِعَ لِمَشِيئَتِهِ وَلَا غَالِبَ لَهُ عَلَى أَمْرِهِ.
إِشَارَةٌ فِيهَا بَيَانُ عِظَمِ يَومِ الدِّينِ وَشِدَّتِهِ عَلَى أَكثَرِ النَّاسِ
فِي ذَلِكَ اليَومِ مِنَ الشَّدَائِدِ مَا وَصَفَهُ اللهُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ بِقَولِهِ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) (2) ([8]).
وَإِنَّ أَحوَالَ أَكثَرِ المَوتَى فِي سَكَرَاتِ المَوتِ وَخَطَرَهُ فِي خَوفِ العَاقِبَةِ ثُمَّ مُقَاسَاتِهِمْ لِظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَدِيدَانِهِ ثُمَّ لِمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ وَسُؤَالِهِمَا([9]) ثُمَّ لِعَذَابِ الْقَبْرِ وَخَطَرِهِ إِنْ كَانَ مَغْضُوبًا عَلَيْهِم عَظِيمٌ شَدِيدٌ([10])، إِلَّا عَلَى مَنْ نَجَّاهُ اللهُ مِنْهُ([11]) مِنْ أَهْلِ القُبُورِ، وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ الْأَخْطَارُ الَّتِي بَيْنَ يَدَي أَكْثَرِ العِبادِ مِنْ نَفْخِ الصُّورِ وَبَعْثِ يَوْمِ النُّشُورِ وَالْعَرْضِ وَالسُّؤَالِ عَنِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَنَصْبِ الْمِيزَانِ لِمَعْرِفَةِ الْمَقَادِيرِ ثُمَّ جَوَازُ الصِّرَاطِ ثُمَّ انْتِظَارُ النِّدَاءِ عِنْدَ فَصْلِ الْقَضَاءِ إِمَّا بِالْإِسْعَادِ وَإِمَّا بِالإِشْقَاءِ، فَهَذِهِ أَحْوَالٌ وَأَهْوَالٌ عَظِيمَةٌ لَا بُدَّ لَكَ مِنَ العَمَلِ لَهَا، ثُمَّ تَطْوِيلِ الْفِكْرِ فِي ذَلِكَ لِيَنْبَعِثَ مِنْ قَلْبِكَ دَوَاعِي الِاسْتِعْدَادِ لَهَا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ صَمِيمَ قُلُوبِهِمْ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ سُوَيْدَاءِ أَفْئِدَتِهِمْ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ شِدَّةُ تَشَمُّرِهِمْ وَاسْتِعْدَادِهِمْ لِحَرِّ الصَّيْفِ وَبَرْدِ الشِّتَاءِ، وَتَهَاوُنِهِمْ بِحَرِّ جَهَنَّمَ وَزَمْهَرِيرِهَا مَعَ مَا تَكْتَنِفُهُ مِنَ الْمَصَاعِبِ وَالْأَهْوَالِ، بَلْ إِذَا سُئِلُوا عَنِ الْيَوْمِ الْآخِرِ نَطَقَتْ بِهِ أَلْسِنَتُهُمْ ثُمَّ غَفَلَتْ عَنْهُ قُلُوبُهُمْ، وَمَنْ أُخْبِرَ بِأَنَّ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ مَسْمُومٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ الَّذِي أَبصَرَ: صَدَقْتَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيهِ لِتَنَاوُلِهِ كَانَ مُصَدِّقًا بِلِسَانِهِ وَغَيرَ مُستَعِدٍّ بِعَمَلِهِ، فَتَفَكَّرْ أَوَّلًا فِيمَا يَقْرَعُ سَمْعَ أَكْثَرِ سُكَّانِ القُبُورِ مِنْ شِدَّةِ نَفْخِ الصُّورِ فَإِنَّهَا صَيحَةٌ وَاحِدَةٌ تَنفَرِجُ بِهَا القُبُورُ عَنْ رُؤُوسِ المَوتَى، فَيَثُورُونَ دَفْعَةً وَاحِدَةً فَتَخَيَّلْ نَفْسَكَ وَقَدْ وَثَبْتَ مُتَغَيِّرًا وَجْهُكَ مُغْبَرًّا بَدَنُكَ مِنْ رَأْسِكَ إِلَى قَدَمِكَ مِنْ تُرَابِ قَبْرِكَ مَبْهُوتًا مِنْ شِدَّةِ الصَّعْقَةِ شَاخِصَ الْعَيْنِ نَحْوَ النِّدَاءِ وَقَدْ ثَارَ الْخَلْقُ ثَوْرَةً وَاحِدَةً مِنَ القُبُورِ الَّتِي طَالَ فِيهَا بَلَاؤُهُمْ وَقَدْ أَزْعَجَهُمُ الفَزَعُ وَالرُّعْبُ مُضَافًا إِلَى مَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ وَشِدَّةِ الِانْتِظَارِ لِعَاقِبَةِ الْأَمْرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ) (68) ([12]) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَينَ يَدَيِ أَكثَرِ المَوتَى إِلَّا هَوْلُ تِلكَ النَّفخَةِ لَكَانَ ذَلِكَ جَدِيرًا بِأَنْ يُتَّقَى فَإِنَّهَا نَفخَةٌ وَصَيحَةٌ يُصْعَقُ بِهَا مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ. فَسُبحَانَ مَالكِ يَومِ الدِّينِ القَادِرِ عَلَى كُلِّ شَىءٍ([13]).اهـ
تَنَاسُبُ الآيَاتِ المَذكُورَةِ مَعَ مَا بَعْدَهَا مِنَ الآيَاتِ
هَذِهِ الأَوصَافُ الَّتِي وُصِفَ اللهُ تَعَالَى بِهَا مِن كَونِهِ رَبًّا أَي مَالِكًا لِلعَالَمِينَ وَمُنعِمًا بِالنِّعَمِ كُلِّهَا وَمَالِكًا لِلأَمرِ كُلِّهِ يَومَ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ بَعدَ الدِّلَالَةِ عَلَى اختِصَاصِ الحَمدِ بِهِ فِي قَولِهِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَن كَانَت هَذِهِ صِفَاتُهُ لَم يَكُن أَحَدٌ أَحَقَّ مِنهُ بِالحَمدِ وَالثَّنَاءِ عَلَيهِ، وَبِالتَّالِي لَا يَستَحِقُّ أَحَدٌ العِبَادَةَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (إيَّاكَ نَعْبُدُ) أَي نُوَحِّدُ وَنُطِيعُ طَاعَةً نَخضَعُ فِيهَا لَكَ، أَي نَخُصُّكَ بِالعِبَادَةِ وَهِيَ أَقصَى غَايَةِ الخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ وَلَا نَعبُدُ غَيرَكَ، وَهُوَ تَعلِيمٌ، عَلَّمَ المُؤمِنِينَ مَاذَا يَقُولُونَ إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَمَرَهُم بِأَن يَذكُرُوا عُبُودِيَّتَهُم وَضَعفَهُم حَتَّى يُوَفِّقَهُم وَيُعِينَهُم.
([1]) وَيُقرَأُ هُنَا بِوَجهَينِ: (مَالِكِ) وَ(مَلِكِ)، فَمَن قَرَأَ (مَالِكِ) فَمَعنَاهُ مَالِكِ الأَمرِ كُلِّهِ فِي يَومِ الدِّينِ، أَو هُوَ مَوصُوفٌ بِذَلِكَ دَائِمًا كَغَافِرِ الذَّنبِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَالِكُ الطَّيرِ وَالدَّوَابِّ وَالوُحُوشِ وَكُلِّ شَىءٍ، وَمَن قَرَأَ (مَلِكِ) قَالَ أَهلُ النَّحوِ: «مَلِكٌ» أَمدَحُ مِن «مَالِكٍ»، لِأَنَّ المَالِكَ قَد يَكُونُ مَلِكًا وَقَد لَا يَكُونُ وَأَمَّا المَلِكُ فَلَا يَكُونُ إِلَّا مَالِكًا، وَقَالَ القُرطُبِيُّ: «مَلِكٌ» أَعظَمُ وَأَبلَغُ إِذ كُلُّ مَلِكٍ مَالِكٌ وَلَيسَ كُلُّ مَالِكٍ مَلِكًا، وَلِأَنَّ أَمرَ المَلِكِ نَافِذٌ عَلَى المَالِكِ فِي مُلكِهِ حَتَّى لَا يَتَصَرَّفَ إِلَّا عَن تَدبِيرِ المَلِكِ، وَيُقَوِّي هَذِهِ القِرَاءَةَ قَولُهُ تَعَالَى: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ [سورة طه:114]، وَقَولُهُ: الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ [سُورَةُ الحَشرِ:23]، وَقُولُهُ: لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ ، [سورة غافر:16]، وَلَم يَقُل فِي هَذِهِ الآيَاتِ (المَالِكُ)، الكَشفُ وَالبَيَانُ عَن تَفسِيرِ القُرآنِ، لِأَبِي إِسحَقَ الثَّعلَبِيِّ (ج2 ص417)، قَالَ أَبُو حَيَّانَ: قَرَأَ «مَالِكِ» عَلَى وَزنِ فَاعِلٍ بِالخَفضِ: عَاصِمٌ، وَالكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ فِي اختِيَارِهِ، وَيَعقُوبُ، وَهِيَ قِرَاءَةُ العَشَرَةِ إِلَّا طَلحَةَ، وَالزُّبَيرَ، وَقِرَاءَةُ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنهُم: أُبَيٌّ، وَابنُ مَسعُودٍ، وَمُعَاذٌ، وَابنُ عَبَّاسٍ، وَالتَّابِعِينَ مِنهُم: قَتَادَةُ وَالأَعمَشُ، وَقَرَأَ «مَلِكِ» عَلَى وَزنِ فَعِلٍ بِالخَفضِ: بَاقِي السَّبعَةِ، وَزَيدٌ، وَأَبُو الدَّردَاءِ، وَابنُ عُمَرَ، وَالمِسوَرُ، وَكَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.اهـ البَحرُ المُحِيطُ فِي التَّفسِيرِ، لِأَبِي حَيَّانَ الأَندَلُسِيِّ (ج1 ص36).
([2]) خَاصِّيَةُ اسمِ اللهِ “المَلِكِ”أَنَّ مَن وَاظَبَ عَلَيهِ وَقتَ الزَّوَالِ كُلَّ يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ صَفَا قَلبُهُ وَزَالَ كَدَرُهُ، وَمَن قَرَأَهُ بَعدَ الفَجرِ كُلَّ يَومٍ مِائَةً وَعِشرِينَ مَرَّةً أَغنَاهُ اللهُ مِن فَضلِهِ. اهـ وَإِذَا وَاظَبَ كُلَّ يَومٍ عَلَى كَلِمَةِ “يَا مَالِكُ” مِائَةً وَإِحْدَى وَعِشرِينَ مَرَّةً لَمْ يُحْوِجْهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى أَحَدٍ.اهـ
([3]) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ هُوَ الْخَالِقُ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ لَهُ بِدَايَةٌ، فَالْعَالَمُ حَادِثٌ بِجِنْسِهِ وَأَفْرَادِهِ. فَكُلُّ حَادِثٍ دَخَلَ فِي الْوُجُودِ سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الأَعْيَانِ وَهُوَ كُلُّ مَا لَهُ حَجْمٌ أَمْ كَانَ مِنَ الأَعْمَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ أَوْ غَيْرِ الِاخْتِيَارِيَّةِ فَهُوَ بِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى، فَالأَعْيَانُ كُلُّهَا مِنَ الذَّرَّةِ وَهِيَ أَصْغَرُ حَجْمٍ نَرَاهُ مُنْفَصِلًا عَنْ غَيْرِهِ بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ وَهِيَ الْهَبَاءُ الَّذِي يَظْهَرُ عِنْدَ دُخُولِ نُورِ الشَّمْسِ مِنَ الْكَوَّةِ أَوْ مَا كَانَ أَصْغَرَ مِنْهَا إِلَى الْعَرْشِ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ مَخْلُوقَاتِ اللهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ الْحَجْمُ هِيَ بِخَلْقِ اللهِ وَكَذَلِكَ الأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ مِنْ كُلِّ حَرَكَةٍ لِلْعِبَادِ وَسُكُونٍ، وَالأَعْمَالُ الْبَاطِنَةُ مِنَ النَّوَايَا وَالْخَوَاطِرِ فَهُوَ أَيِ الْحَادِثُ الدَّاخِلُ فِي الْوُجُودِ بِخَلْقِ اللهِ لَمْ يَخْلُقْهُ أَحَدٌ سِوَى الله، لا خَلَقَتْهُ طَبِيعَةٌ وَلا عِلَّةٌ بَلْ دُخُولُهُ فِي الْوُجُودِ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ بِتَقْدِيرِهِ وَعِلْمِهِ الأَزَلِيِّ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) [سُورَةُ الفُرقَانِ:2]، أَيْ أَحْدَثَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ فَلا خَلْقَ بِهَذَا الْمَعْنَى أَيِ الإِبْرَازِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ لِغَيْرِ اللهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [سُورَةُ فَاطِرٍ:3]، أَيْ لا خَالِقَ إِلَّا اللهُ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ فَقَالُوا: الْعَبْدُ يَخْلُقُ فِعْلَهُ الِاخْتِيَارِيَّ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.
([4]) الدِّينُ: الجَزَاءُ، وَيَومُ الدِّينِ: يَومَ يَدِينُ اللهُ العِبَادَ بِأَعمَالِهِم، تَقُولُ العَرَبُ: دِنتُهُ بِمَا فَعَلَ أَي: جَازَيتُهُ، وَمِنهُ قَولُهُ تَعَالَى: أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53)،[سُورَةُ الصَّافَّاتِ:53] أَي: مَجزِيُّونَ، وَتَقُولُ العَرَبُ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ، أَي: كَمَا تُجَازِي تُجَازَى.اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِجَمَالِ الدِّينِ ابنِ مَنظُورٍ (ج13 ص169).
([5]) وَأَوَّلُهُ مِن خُرُوجِ النَّاسِ مِن قُبُورِهِم إِلَى اسْتِقْرَارِ أَهلِ الجَنَّةِ فِي الجَنَّةِ وَأَهلِ النَّارِ فِي النَّارِ وَهُوَ أَعظَمُ الأَيَّامِ وَأَشَدُّهَا هَولًا إِلَّا عَلَى مَن هَوَّنَ اللهُ عَلَيهِ، فَبَعدَ بَعثِ النَّاسِ أَي خُرُوجِهِم مِن قُبُورِهِم بَعدَ إِعَادَةِ الأَجسَادِ إِلَى مَا كَانَت عَلَيهِ إِن كَانَت مِنَ الأَجسَادِ الَّتِي يَأكُلُهَا التُّرَابُ، يُحشَرُونَ عَلَى أَرضِ المَحشَرِ بِأَن يُسَاقُوا إِلَى الأَرضِ المُبَدَّلَةِ وَيُحَاسَبُونَ عَلَى مَا كَسَبُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا، فَتُعرَضُ أَعمَالُ العِبَادِ عَلَيهِم وَيُثَابُ المُؤمِنُ بِأَن يُجَازَى فِي الآخِرَةِ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ مِمَّا يَسُرُّهُ وَيُعَذَّبُ الكَافِرُ وَيُعَذَّبُ الفَاسِقُ الَّذِي لَم تَشمَلهُ مَغفِرَةُ اللهِ لَهُ، وَتُوزَنُ أَعمَالُ العِبَادِ يَومَ القِيَامَةِ فَيَدخُلُ النَّارَ مَن شَاءَ اللهُ لَهُ العَذَابَ، وَهُمُ الكَافِرُونَ وَبَعضُ عُصَاةِ المُسلِمِينَ، وهي جَهَنَّمُ الدَّارُ الَّتِي أَعَدَّهَا اللهُ لِتَعذِيبِ الكَافِرِينَ وبَعضِ عُصَاةِ المُسلِمِينَ وَهِيَ مَخلُوقَةٌ الآنَ لَا تَفنَى كَمَا فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجمَاعِ فَلَا تَزَالُ بَاقِيَةً إِلَى مَا لا نِهَايَةَ لَهُ بَعدَ عُبُورِ الصِّرَاطِ وَهُوَ جِسرٌ يُمَدُّ عَلَى ظَهرِ جَهَنَّمَ فَيَرِدُهُ النَّاسُ وَتَجرِي بِهِم أَعمَالُهُم أَحَدُ طَرَفَيهِ فِي الأَرضِ المُبَدَّلَةِ وَالطَّرَفُ الآخَرُ فِيمَا يَلِي الجَنَّةَ بَعدَ النَّارِ، وَبَعدَهُ الحَوضُ وَهُوَ مَكَانٌ أَعَدَّ اللهُ فِيهِ شَرَابًا لِأَهلِ الجَنَّةِ يَشرَبُونَ مِنهُ بَعدَ عُبُورِ الصِّرَاطِ قَبلَ دُخُولِ الجَنَّةِ فَلَا يُصِيبُهُم بَعدَ ذَلِكَ ظَمَأٌ، وَمِنَ المُؤمِنِينَ مَن تَنَالُهُمُ الشَّفَاعَةُ فَيَطلُبُ الشُّفَعَاءُ فِي الآخِرَةِ مِنَ اللهِ إِسقَاطَ العِقَابِ عَن بَعضِ العُصَاةِ مِنَ المُسلِمِينَ وَهِيَ لا تَكُونُ إِلَّا لِلمُسلِمِينَ فَلَا شَفَاعَةَ لِمَنْ مَاتَ عَلَى الكُفرِ كَأَبِي لَهَبٍ وَغَيرِهِ مَهمَا عَمِلَ فِي الدُّنيَا مِنْ صُوَرِ الحَسَنَاتِ، فَيَدخُلُ النَّاجُونَ يَومَ الدِّينِ الجَنَّةَ وَهِيَ مَكَانٌ أَعَدَّهُ اللهُ لِتَنعِيمِ المُؤمِنِينَ وَهِيَ مَخلُوقَةٌ الآنَ وَلا تَزَالُ بَاقِيَةً إِلَى مَا لا نِهَايَةَ لَهُ يَخلُدُ فِيهَا المُؤمِنُونَ وَلَا يَخرُجُونَ مِنهَا، وَأَعظَمُ نَعِيمٍ يُعطَاهُ أَهلُهَا الرُّؤْيَةُ للهِ تَعَالَى بِالْعَيْنِ فِي الآخِرَةِ فَهِيَ حَقٌّ، وَهَذَا خَاصٌّ بالْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَهُ وَهُمْ فِي الْجَنَّةِ بِلا كَيْفٍ وَلا مَكَانٍ وَلا جِهَةٍ وَلا تَشْبِيهٍ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَدْ قَالَ فِي الْفِقْهِ الأَكْبَرِ «وَاللهُ تَعَالَى يُرَى فِي الآخِرَةِ وَيَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِي الْجَنَّةِ بِأَعْيُنِ رُؤُوسِهِمْ بِلا تَشْبِيهٍ وَلا كَيْفِيَّةٍ وَلا كَمِيَّةٍ وَلا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ مَسَافَةٌ»، أَيْ لا كَمَا يُرَى الْمَخْلُوقُ مِنْ قِبَلِ الْمَخْلُوقِ لِأَنَّ الْمَرْئِيَّ عِنْدَئِذٍ يَكُونُ فِي جِهَةٍ مِنَ الرَّائِي وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُونَ فِي مَكَانِهِمْ فِي الْجَنَّةِ فَيَرَوْنَ اللهَ وَاللهُ بِلا مَكَانٍ، نَسأَلُ اللهَ أَن يُدخِلَنَا الجَنَّةَ بِلَا سَابِقِ عَذَابٍ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ.
([7]) وَهُنَا يَحْسُنُ التَّنْبِيْهُ إِلَى مَا فِي بَعْضِ التَّفَاسِيْرِ مِنْ أَنَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، اللهُ يَسْأَلُ لِمَنِ المُلكُ اليَوْمَ، ثُمَّ هُوَ يُجِيْبُ نَفْسَهُ بِنَفسِهِ: للهِ الوَاحِدِ القَهَّارُ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ غَيْرُ صَحِيْحَةٍ، وَإِنَّمَا الْمَلَكُ هُوَ الَّذِي يُنَادِي لِمَنِ الْمُلْكُ اليَوْمَ ثُمَّ يُجِيْبُ المَلَكُ: للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَقْرَبُ إِلَى الصِّحَّةِ. فَيَنبَغِي التَّنْبِيْهُ عَلَى هَذَا كَيْ لَا يَدْخُلَ إِلَى قَلْبِ امْرِئٍ بِسَبَبِ غَفْلَتِهِ أَوْ جَهْلِهِ وَتَسَرُّعِهِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ ثُمَّ يَسْكُتُ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ، حَاشَا للهِ، فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ وَاحِدٍ أَزَلِيٍّ أَبَدِيٍّ لا يُبْتَدَأُ وَلا يُخْتَتَمُ لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً، قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْفِقْهِ الأَكْبَرِ: «وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِالآلاتِ وَالْحُرُوفِ وَاللَّهُ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ بِلا ءَالَةٍ وَلا حُرُوفٍ وَالْحُرُوفُ مَخْلُوقَةٌ وَكَلامُ اللهِ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقٍ».اهـ
([9]) يجب الإيمان بِسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، فَيُسْأَلُ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ اعْتِقَادِهِ الَّذِي مَاتَ عَلَيْهِ، فَيُجيبُ كُلٌّ بِحَسَبِ حَالِهِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا السُّؤَالِ: النَّبِيُّ وَالطِّفْلُ وَهُوَ الَّذِي مَاتَ دُونَ الْبُلُوغِ وَشَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ.
([10]) يَجِبُ الإِيمَانُ بِعَذَابِ القَبرِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)، [سُورَةُ غَافِرٍ:46]، وَالمَعنَى أَنَّ النَّارَ تُعرَضُ عَلَيهِم فَيَنظُرُونَ فِيهَا وَيَرَونَ مَا حَالُهَا، كَمَا دَلَّ عَلَيهِ حَدِيثُ الشَّيخَينِ مِن طَرِيقِ مَالِكٍ عَن نَافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُم إِذَا مَاتَ يُعرَضُ عَلَيهِ مَقعَدُهُ بِالغَدَاةِ والعَشِيِّ إِن كَانَ مِن أَهلِ الجَنَّةِ فَالجَنَّةُ وَإِن كَانَ مِن أَهلِ النَّارِ النَّارُ وَيُقَالُ هَذَا مَقعَدُكَ يَومَ القِيَامَةِ»، صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ، كِتَابُ الجَنَائِزِ – بَابٌ: المَيِّتُ يُعرَضُ عَلَيهِ مَقعَدُهُ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ – رَقمُ الحَدِيثِ (1379)، أَي هَذَا هُوَ المَوضِعُ الَّذِي سَتَصِيرُ إِلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ، فَيَحصُلُ لَهُم ذَلِكَ مَرَّتَينِ مَرَّةً أَوَّلَ النَّهَارِ وَمَرَّةً ءَاخِرَ النَّهَارِ مَا دَامَتِ الدُّنيَا، ثُمَّ إِنَّ الآيَةَ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ هَذَا العَرضَ قَبلَ يَومِ القِيَامَةِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيسَ قَبلَ المَوتِ فَلَم يَبقَ إِلَّا أَن يَكُونَ حُصُولُهُ بَعدَ الدَّفنِ، وَلِذَلِكَ قَالَ البِقَاعِيُّ فِي نَظمِ الدُّرَرِ: إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَصٌّ فِي عَذَابِ القَبرِ كَمَا نُقِلَ عَن عِكرِمَةَ وَمُحَمَّدِ بنِ كَعبٍ.اهـ نَظمُ الدُّرَرِ فِي تَنَاسُبِ الآيَاتِ وَالسُّوَرِ، لِبُرهَانِ الدِّينِ البِقَاعِيِّ (ج17 ص82)، وَقَالَ تعَالَى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي) أَي أَعرَضَ عَنِ الإِيمَانِ (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) أَي مَعِيشَةً ضَيِّقَةً (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124)) [سورة طه: 124] فَفِي الآيَةِ بَيَانُ أَنَّ المَعِيشَةَ الضَّيِّقَةَ حَاصِلَةٌ لِلكَافِرِ لَا مَحَالَةَ قَبلَ يَومِ القِيَامَةِ وَقَد يَكُونُ مُنَعَّمًا مُرَفَّهًا مَسرُورًا فِي الدُّنيَا قَبلَ نُزُولِ المَوتِ بِهِ فَظَهَرَ أَنَّهَا كَائِنَةٌ فِي القَبرِ، وَقَد فَسَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ كَمَا رَوَاهُ مَرفُوعًا ابنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ مِن طَرِيقِ أَبِى هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَالبَيهَقِيُّ مِن طَرِيقِهِ وَطَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَأَخرَجَهُ الحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
فَهَٰتَانِ الآيَتَانِ وَارِدَتَانِ فِي عَذَابِ القَبرِ لِلكُفَّارِ، وَأَمَّا عُصَاةُ المُسلِمِينَ مِن أَهلِ الكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا قَبلَ التَّوبَةِ فَمِنهُمْ مَنْ يُعفِيهِمُ اللهُ مِنَ العَذَابِ فَلَا يُعَذَّبُونَ فِي القَبرِ، وَمِنهُمْ مَنْ يُعَذِّبُهُمُ اللهُ تَعَالَى، وَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ وَالتِّرمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَبرَينِ جَدِيدَينِ أَي مِن قُبُورِ المُسلِمِينَ، فَقَالَ:«إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ» أَيِ الآنَ فَأَثبَتَ ﷺ حُصُولَ العَذَابِ لَهُمَا فِي القَبرِ وَأَكَّدَ كَلَامَهُ بِـ«إِنَّ» فِي قَولِهِ: «إِنَّهُمَا»، وَبِـ«اللَّامِ» فِي قَولِهِ: «لَيُعَذَّبَانِ»، ثُمَّدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعَسِيبٍرَطبٍ أَي طَلَبَ أَن يُؤتَى بِغُصنِ نَخلٍ أَخضَرَ فَشَقَّهُاثنَينِفَغَرَسَعَلَىهَذَاوَاحِدًا مِن جِهَةِ رَأسِهِ وَعَلَىهَذَاوَاحِدًا مِن جِهَةِ رَأسِهِ أَيضًا ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنهُمَا» أَي لَعَلَّ عَذَابَ القَبرِ يُخَفَّفُ عَنهُمَا مَا دَامَ هَٰذَانِ الشِّقَّانِ رَطبَينِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيهِ رِوَايَةُ البُخَارِيِّ وَفِيهَا: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنهُمَا مَا لَم يَيبَسَا».اهـ قَالَ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ فِي إِحكَامِ الأَحكَامِ وَغَيرُهُ: إِنَّ التَّسبِيحَ إِذَا حَصَلَ بِحَضرَةِ المَيِّتِ حَصَلَت لَهُ بَرَكَتُهُ فَخُفِّفَ عَنهُ مِنَ العَذَابِ، وَهَذَا يَطَّرِدُ فِي كُلِّ مَا فِيهِ رُطُوبَةٌ فِي النَّبَاتِ وَكَذَلِكَ مَا فِيهِ بَرَكَةٌ كَالذِّكرِ وَتِلَاوَةِ القُرءَانِ مِن بَابِ أَولَى.اهـ إِحكَامُ الأَحكَامِ شَرحُ عُمدَةِ الأَحكَامِ، لِابنِ دَقِيقِ العِيدِ (ج1 ص106)، وَلِهَٰذَا استَحَبَّ العُلَمَاءُ قِرَاءَةَ القُرءَانِ عِندَ القَبرِ.
([11]) لَم يَصِحَّ حَدِيثُ: “لَو نَجَا مِنهَا أَحَدٌ لَنَجَا سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ”، كَمَا حَكَمَ بِضَعفِهِ الحَافِظُ ابنُ الجَوزِيِّ وَغَيرُهُ، فَسَعدُ بنُ مُعَاذٍ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الأَولِيَاءِ وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) [سُورَةُ يُونُسَ:62]، فَحَدِيثُ ضَغطَةِ القَبرِ عَلَى سَعدِ بنِ مُعَاذٍ غَيرُ ثَابِتٍ، كَيفَ وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِ سَعدٍ قَولُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ: “اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ”، فَمَنِ اهْتَزَّ العَرشُ لِمَوتِهِ كَيفَ يَلِيقُ بِمَقَامِهِ أَنْ يُصِيبَهُ ضَغْطَةُ القَبرِ. فَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ القَبرَ يَضِيقُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي البِدَايَةِ ثُمَّ يُوَسَّعُ عَلَى المُؤمِنِ غَيرُ صَحِيحٍ، وَهُوَ لَا يَلِيقُ بِكَرَامَةِ المُؤمِنِ التَّقِيِّ عِندَ اللهِ تَعَالَى.
([13]) ذَكَرْتُهُ مُلَخَّصًا مِنْ: إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ، لِلإِمَامِ الغَزَالِيِّ (ج4 ص511).