تَفَاصِيلُ قِصَّةِ أَصحَابِ الكَهفِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم([1])
كَانَ نَسلُ أُمَّةِ نَبِيِّ اللهِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ قَد أَتَى عَلَيهِم وَقتٌ بَعدَ رَفعِهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ عَبَدُوا الأَصنَامَ، لَكِن بَقِي فِيهِم بَقَايَا عَلَى الإِسلَامِ دِينِ المَسِيحِ عَلَيهِ السَّلَامُ وَالَّذِي هُوَ دِينُ جَمِيعِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَكَانَ مِمَّن أَشرَكَ وَذَبَحَ لِلشَّيَاطِينِ مِن مُلُوكِهِم مَلِكٌ مِنَ الرُّومِ يُقَالُ لَهُ دِقيَانُوسُ، وَكَانَ يَقتُلُ مَن خَالَفَهُ فِي دِينِهِ البَاطِلِ، فَلَمَّا نَزَلَ مَدِينَةَ أَصحَابِ الكَهفِ أُفسُوسَ استَخفَى مِنهُ أَهلُ الإِيمَانِ وَهَرَبُوا فِي كُلِّ جِهَةٍ، وَاتَّخَذَ شُرَطًا مِنَ الكُفَّارِ وَأَمَرَهُم أَن يَتبَعُوهُم فِي أَمَاكِنِهِم وَيُخرِجُوهُم إِلَيهِ فَيُخَيِّرُوهُم بَينَ القَتلِ وَبَينِ عِبَادَةِ الأَصنَامِ، فَكَانَ مِنهُم مَن يَرغَبُ فِي الحَيَاةِ وَمِنهُم مَن يَأبَى أَن يَعبُدَ غَيرَ اللهِ فَيُقتَلُ.
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهلُ الرُّسُوخِ فِي الإِيمَانِ جَعَلُوا يُسَلِّمُونَ أَنفُسَهُم لِلعَذَابِ وَالقَتلِ فَيُقتَلُونَ وَيُقَطَّعُونَ، وَكَانَ يَجعَلُ مَا قُطِّعَ مِن أَجسَادِهِم عَلَى أَسوَارِ المَدِينَةِ وَأَبوَابِهَا، فَلَمَّا عَظُمَتِ الفِتنَةُ وَكَثُرَت وَرَأَى ذَلِكَ الفِتيَةُ حَزِنُوا حُزنًا شَدِيدًا، وَقَامُوا فَاشتَغَلُوا بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالتَّسبِيحِ وَالدُّعَاءِ وَبَكَوا وَتَضَرَّعُوا إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: “رَبَّنَا لَا نَعبُدُ غَيرَكَ أَبَدًا، فَاكشِف عَن عِبَادِكَ المُؤمِنِينَ هَذِهِ الفِتنَةَ وَارفَع عَنهُمُ البَلَاءَ فَيَجهَرُوا بِعِبَادَتِكَ”.
فَبَينَمَا هُم عَلَى ذَلِكَ وَقَد دَخَلُوا مُصَلَّاهُم أَدرَكَهُمُ الشُّرَطُ([2]) فَوَجَدُوهُم سُجَّدًا يَبكُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ لَهُمُ الشُّرَطُ: مَا خَلَّفَكُم عَن أَمرِ المَلِكِ؟! ثُمَّ انطَلَقُوا إِلَى المَلِكِ فَأَخبَرُوهُ خَبَرَ الفِتيَةِ، فَبَعَثَ إِلَيهِم فَأُتِيَ بِهِم تَفِيضُ أَعيُنُهُم مِنَ الدَّمعِ وَقَد تَعَفَّرَت وُجُوهُهُم بِالتُّرَابِ، فَقَالَ لَهُم: مَا مَنَعَكُم أَن تَشهَدُوا الذَّبحَ لِآلِهَتِنَا الَّتِي تُعبَدُ فِي الأَرضِ، وَتَجعَلُوا أَنفُسَكُم أُسوَةَ أَهلِ مَدِينَتِكُم؟ اختَارُوا، إِمَّا أَن تَذبَحُوا لِآلِهَتِنَا، وَإِمَّا أَن أَقتُلَكُم، فَقَالَ مُكَسلَمِينُ وَهُوَ أَكبَرُهُم: “إِنَّ لَنَا إِلَهًا عَظِيمَ القَدرِ، لَن نَدعُوَ إِلَهًا غَيرَهُ، لَهُ الحَمدُ وَالتَّكبِيرُ مِن أَنفُسِنَا خَالِصًا أَبَدًا، إِيَّاهُ نَعبُدُ وَإِيَّاهُ نَسأَلُ النَّجَاةَ وَالخَيرَ، فَأَمَّا الطَّوَاغِيتُ فَلَن نَعبُدَهَا أَبَدًا، اصنَع بِنَا مَا بَدَا لَكَ”، وَقَالَ أَصحَابُهُ مِثلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا سَمِعَ المَلِكُ كَلَامَهُم أَمَرَ بِنَزعِ ثِيَابِهِم وَحِليَةٍ كَانَت عَلَيهِم، وَقَالَ: سَأَفرُغُ لَكُم وَأُنجِزُ لَكُم مَا أَوعَدتُكُم مِنَ العُقُوبَةِ، وَمَا يَمنَعُنِي أَن أُعَجِّلَ ذَلِكَ لَكُم إِلَّا أَنِّي أَرَاكُم شُبَّانًا حَدِيثِي السِّنِّ، فَلَا أُحِبُّ أَن أُهلِكَكُم حَتَّى أَجعَلَ لَكُم أَجَلًا تَذَكَّرُونَ فِيهَ فَتَرجِعُوا إِلَى عُقُولِكُم.
ثُمَّ أَمَرَ بِهِم فَأُخرِجُوا مِن عِندِهِ، وَانطَلَقَ دِقيَانُوسُ إِلَى مَدِينَةٍ أُخرَى قَرِيبَةٍ مِنهُ لِبَعضِ أُمُورِهِ، فَلَمَّا رَأَى الفِتيَةُ خُرُوجَهُ بَادَرُوا وَخَافُوا إِذَا قَدِمَ أَن يَذكُرَهُم، فَأتَمَرُوا بَينَهُم، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَن يَأخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُم نَفَقَةً مِن بَيتِ أَبِيهِ فَيَتَصَدَّقُوا مِنهَا وَيَتَزَوَّدُوا بِمَا بَقِيَ، ثُمَّ يَنطَلِقُوا إِلَى كَهفٍ قَرِيبٍ مِنَ المَدِينَةِ فِي جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ يَنجَلُوس فَيَمكُثُوا فِيهِ وَيَعبُدُوا اللهَ، حَتَّى إِذَا جَاءَ دِقيَانُوسُ أَتَوهُ فَيَصنَعَ بِهِم مَا يَشَاءُ.
فَلَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ عَمَدَ([3]) كُلُّ فَتًى مِنهُم إِلَى بَيتِ أَبِيهِ، فَأَخَذَ نَفَقَةً فَتَصَدَّقَ مِنهَا وَانطَلَقُوا بِمَا بَقِيَ مَعَهُم، وَتَبِعَهُم كَلبٌ كَانَ لَهُم، حَتَّى أَتَوا ذَلِكَ الكَهفَ فَمَكَثُوا فِيهِ، وَقِيلَ: لَم يَكُنِ الكَلبُ لَهُم، بَل مَرُّوا فِي طَرِيقِهِم إِلَى الكَهفِ بِكَلبٍ فَتَبِعَهُم، فَطَرَدُوهُ فَعَادَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ مِرَارًا، فَقَالَ لَهُمُ الكَلبُ: مَا تُرِيدُونَ مِنِّي؟ لَا تَخشَوا مِنِّي، أَنَا أُحِبُّ أَحبَابَ اللهِ، فَنَامُوا حَتَّى أَحرُسَكُم.
وَلَبِثُوا فِي الكَهفِ لَيسَ لَهُم عَمَلٌ إِلَّا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالتَّسبِيحُ وَالتَّحمِيدُ ابتِغَاءً لِرِضَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَجَعَلُوا نَفَقَتَهُم إِلَى فَتًى مِنهُم اسمُهُ أَملِيخَا، فَكَانَ يَبتَاعُ لَهُم أَرزَاقَهُم مِنَ المَدِينَةِ سِرًّا، وَكَانَ مِن أَجمَلِهِم وَأَشَدِّهِم قُوَّةً، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ المَدِينَةَ لَبِسَ ثِيَابًا رَثَّةً كَثِيَابِ المُسلِمِينَ الزَّاهِدِينَ، ثُمَّ يَأخُذُ وَرِقَةً([4]) فَيَنطَلِقُ إِلَى المَدِينَةِ فَيَشتَرِي لَهُم طَعَامًا وَشَرَابًا وَيَتَحَسَّسُ لَهُمُ الخَبَرَ هَل ذُكِرَ هُوَ وَأَصحَابُهُ بِشَيءٍ؟ ثُمَّ يَرجِعُ إِلَى أَصحَابِهِ، فَلَبِثُوا عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ أَن يَلبَثُوا.
ثُمَّ قَدِمَ دِقيَانُوسُ المَدِينَةَ وَأَمَرَ عُظَمَاءَ أَهلِهَا أَن يَذبَحُوا لِلطَّوَاغِيتِ، فَفَزِعَ مِن ذَلِكَ أَهلُ الإِيمَانِ، وَكَانَ أَملِيخَا بِالمَدِينَةِ يَشتَرِي لِأَصحَابِهِ طَعَامَهُم، فَرَجَعَ إِلَى أَصحَابِهِ وَهُوَ يَبكِي وَمَعَهُ طَعَامٌ قَلِيلٌ، فَأَخبَرَهُم أَنَّ الجَبَّارَ([5]) قَد دَخَلَ المَدِينَةَ، وَأَنَّهُم قَد ذُكِرُوا وَالتُمِسُوا مَعَ عُظَمَاءِ المَدِينَةِ، فَفَزِعُوا وَوَقَعُوا سُجُودًا يَدعُونَ اللهَ وَيتَضَرَّعُونَ إِلَيهِ وَيَتَعَوَّذُونَ مِنَ الفِتنَةِ، فَقَالَ لَهُم أَملِيخَا: يَا إِخوَتَاهُ، ارفَعُوا رُؤُوسَكُم وَاطعَمُوا وَتَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ رَبِّكُم، فَرَفَعُوا رُؤُوسَهُم وَأَعيُنُهُم تَفِيضُ مِنَ الدَّمعِ، وَذَلِكَ عِندَ غُرُوبِ الشَّمسِ، ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ وَيَتَدَارَسُونَ وَيُذَكِّرُ بَعضُهُم بَعضًا، فَبَينَمَا هُم عَلَى ذَلِكَ إِذ أَنَامَهُمُ اللهُ فِي الكَهفِ وَكَلبَهُم وَهُوَ بَاسِطٌ ذِرَاعَيهِ بِبَابِ الكَهفِ.
فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ تَفَقَّدَهُم دِقيَانُوسُ وَالتَمَسَهُم فَلَم يَجِدهُم، فَقَالَ لِبَعضِ عُظَمَاءِ المَدِينَةِ: لَقَد سَاءَنِي شَأنُ هَؤُلَاءِ الفِتيَةِ الَّذِينَ ذَهَبُوا، لَقَد ظَنُّوا أَنَّ بِي غَضَبًا عَلَيهِم لِجَهلِهِم مَا جَهِلُوا مِن أَمرِي، مَا كُنتُ لِأَجهَلَ عَلَيهِم إِن هُم تَابُوا وَعَبَدُوا ءَالِهَتِي، فَقَالَ عُظَمَاءُ المَدِينَةِ: مَا أَنتَ بِمُحِقٍّ أَن تَرحَمَ قَومًا فَجَرَةً مَرَدَةً عُصَاةً، قَد كُنتَ أَجَّلتَ لَهُم أَجَلًا، وَلَو شَاؤُوا لَرَجَعُوا فِي ذَلِكَ الأَجَلِ، وَلَكِنَّهُم لَم يَتُوبُوا، فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، ثُمَّ أَرسَلَ إِلَى آبَائِهِم فَأُتِيَ بِهِم، فَقَالَ: أَخبِرُونِي عَن أَبنَائِكُمُ المَرَدَةِ الَّذِينَ عَصَونِي، فَقَالُوا: إِنَّهُم ذَهَبُوا بِأَموَالِنَا وَأَهلَكُوهَا فِي أَسوَاقِ المَدِينَةِ، ثُمَّ انطَلَقُوا إِلَى جَبَلٍ يُدعَى يَنجَلُوسُ، فَلَمَّا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ خَلَّى سَبِيلَهُم، وَجَعَلَ مَا يَدرِي مَا يَصنَعُ بِالفِتيَةِ، فَأَمَرَ دِقيَانُوسُ بِسَدِّ بَابِ الكَهفِ عَلَيهِم، فَأُمِرَ بِذَلِكَ فَسُدَّ عَلَيهِم، وَقَالَ: دَعُوهُم كَمَا هُم فِي كَهفِهِم يَمُوتُوا جُوعًا وَعَطَشًا وَيَكُونَ كَهفُهُم الَّذِي اختَارُوهُ قَبرًا لَهُم.
ثُمَّ إِنَّ رَجُلَينِ مُؤمِنَينِ فِي بَيتِ المَلِكِ دِقيَانُوسَ يَكتُمَانِ إِيمَانَهُمَا اهتَمَّا أَن يَكتُبَا شَأنَ هَؤُلَاءِ الفِتيَةِ وَأَسمَاءَهُم وَأَنسَابَهُم وَأَخبَارَهُم فِي لَوحَينِ مِن رَصَاصٍ، وَيَجعَلَاهُمَا فِي تَابُوتٍ مِن نُحَاسٍ، وَيَجعَلَا التَّابُوتَ فِي البُنيَانِ، وَقَالَا: لَعَلَّ اللهَ أَن يُظهِرَ عَلَى هَؤُلَاءِ الفِتيَةِ قَومًا مُؤمِنِينَ قَبلَ يَومِ القِيَامَةِ، فَيَعلَمُوا خَبَرَهُم حِينَ يَقرَؤُوا الكِتَابَ، فَفَعَلَا ذَلِكَ وَبَنَيَا عَلَيهِ.
وَبَقِيَ دِقيَانُوسُ مَا بَقِيَ، ثُمَّ مَاتَ هُوَ وَقَومُهُ، وَمَرَّت بَعدَهُ قُرُونٌ كَثِيرَةٌ وَخَلَفَتِ المُلُوكُ بَعدَ المُلُوكِ، ثُمَّ مَلَكَ تِلكَ البِلَادَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ صَالِحٌ يُقَالُ لَهُ بَيدَرُوسُ، وَبَقِيَ مُلكُهُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَتَحَزَّبَ النَّاسُ فِي مُلكِهِ، فَمِنهُم مَن يُؤمِنُ بِاللهِ وَيُوقِنُ أَنَّ السَّاعَةَ حَقٌّ، وَمِنهُم مَن يُكَذِّبُ بِهَا، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى المَلِكِ الصَّالِحِ، وَتَضَرَّعَ إِلَى اللهِ، وَحَزِنَ حُزنًا شَدِيدًا لَمَّا رَأَى أَهلَ البَاطِلِ يَزِيدُونَ وَيَظهَرُونَ عَلَى أَهلِ الحَقِّ وَيَقُولُونَ: “لَا حَيَاةَ إِلَّا الحَيَاةُ الدُّنيَا وَإِنَّمَا تُبعَثُ الأَروَاحُ دُونَ الأَجسَادِ”، فَجَعَلَ المَلِكُ الصَّالِحُ يُرسِلُ إِلَى مَن يَظُنُّ فِيهِم خَيرًا وَأَنَّهُم أَئِمَّةٌ فِي النَّاسِ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا قَد جَعَلُوا يُكَذِّبُونَ بِالسَّاعَةِ أَيضًا، حَتَّى كَادُوا يُخرِجُونَ النَّاسَ عَنِ الإِيمَانِ وَقَد خَفِيَ أَمرُهُم عَلَيهِ، فَلَمَّا رَأَى المَلِكُ ذَلِكَ دَخَلَ بَيتَهُ وَأَغلَقَ عَلَيهِ بَابَهُ وَدَأَبَ لَيلَهُ وَنَهَارَهُ يَتَضَرَّعُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَيَبكِي وَيَقُولُ: “رَبِّ إِنَّكَ تَعلَمُ اختِلَافَ هَؤُلَاءِ فَابعَث لَهُم آيَةً تُبَيِّنُ لَهُم بُطلَانَ مَا هُم عَلَيهِ”.
ثُمَّ إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَرَادَ أَن يُطلِعَ النَّاسَ عَلَى أَصحَابِ الكَهفِ وَيُبَيِّنَ لَهُم شَأنَهُم، وَيَجعَلَهُم آيَةً وَحُجَّةً عَلَيهِم، لِيَعلَمُوا أَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَا رَيبَ فِيهَا، وَيَستَجِيبَ لِعَبدِهِ الصَّالِحِ بَيدَرُوسَ وَيُتِمَّ نِعمَتَهُ عَلَيهِ، وَأَن يَجمَعَ مَن كَانَ تَفَرَّقَ مِنَ المُؤمِنِينَ، فَأَلقَى اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فِي نَفسِ رَجُلٍ اسمُهُ أُولِيَاسُ مِن أَهلِ البَلَدِ الَّذِي فِيهِ الكَهفُ أَن يَهدِمَ البُنيَانَ الَّذِي عَلَى فَمِ الكَهفِ لِيَبنِيَ مِن حِجَارَةِ الهَدمِ حَظِيرَةً لِغَنَمِهِ، فَاستَأجَرَ غُلَامَينِ فَجَعَلَا يَنزِعَانِ تِلكَ الحِجَارَةَ وَيَبنِيَانِ بِهَا الحَظِيرَةَ، فَلَمَّا نَزَعَا مَا كَانَ عَلَى بَابِ الكَهفِ حَجَبَ اللهُ أَصحَابَ الكَهفِ عَنهُمَا فَلَم يَرَيَاهُم.
فَلَمَّا فُتِحَ الكَهفُ استَيقَظَ الفِتيَةُ وَجَلَسُوا فَرِحِينَ مُسفِرَةً وُجُوهُهُم طَيِّبَةً أَنفُسُهُم، وَسَلَّمَ بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ كَأَنَّمَا استَيقَظُوا مِن سَاعَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَستَيقِظُونَ مِنهَا إِذَا أَصبَحُوا مِن لَيلَتِهِم، ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّوا كَمَا كَانُوا يَفعَلُونَ، لَا يُرَى فِي وُجُوهِهِم وَلَا أَلوَانِهِم شَيءٌ يُنكِرُونَهُ، بَل كَانُوا كَهَيئَتِهِم حِينَ رَقَدُوا وَهُم يَرَونَ أَنَّ دِقيَانُوسَ يَطلُبُهُم، فَقَالُوا لِأَملِيخَا صَاحِبِ نَفَقَتِهِم: أَنبِئنَا بِمَا قَالَ النَّاسُ فِي شَأنِنَا عَشِيَّةَ أَمسِ عِندَ هَذَا الجَبَّارِ، وَهُم يَظُنُّونَ أَنَّهُم قَد رَقَدُوا كَبَعضِ مَا كَانُوا يَرقُدُونَ، حَتَّى تَسَاءَلُوا فِيمَا بَينَهُم: كَم لَبِثتُم نِيَامًا؟ قَالُوا: لَبِثنَا يَومًا أَو بَعضَ يَومٍ، قَالُوا: رَبُّكُم أَعلَمُ بِمَا لَبِثتُم، فَقَالَ لَهُم أَملِيخَا: قَدِ التُمِستُم فِي المَدِينَةِ، وَدِقيَانُوسُ يُرِيدُ أَن يُؤتَى بِكُمُ اليَومَ فَتَذبَحُوا لِلطَّوَاغِيتِ أَو يَقتُلَكُم، فَمَا شَاءَ اللهُ بَعدَ ذَلِكَ كَانَ، فَقَالَ لَهُم مُكَسلَمِينُ: يَا إِخوَتَاهُ، اعلَمُوا أَنَّكُم مُلَاقُو اللهِ فَلَا تَكفُرُوا بَعدَ إِيمَانِكُم إِذَا دَعَاكُم عَدُوُّ اللهِ، فَقَالُوا لِأَملِيخَا: انطَلِق إِلَى المَدِينَةِ فَتَسَمَّع مَا يُقَالُ فِينَا بِهَا، وَمَا الَّذِي يُذكَرُ فِينَا عِندَ دِقيَانُوسَ، وَتَلَطَّف وَلَا تُشعِرَنَّ بِكَ أَحَدًا، وَابتَع لَنَا طَعَامًا فَأتِنَا بِهِ وَزِدنَا عَلَى الطَّعَامِ الَّذِي جِئتَنَا بِهِ فَقَد أَصبَحنَا جِيَاعًا، فَفَعَلَ أَملِيخَا كَمَا كَانَ يَفعَلُ، وَوَضَعَ ثِيَابَهُ وَأَخَذَ الثِّيَابَ الَّتِي كَانَ يَتَنَكَّرُ فِيهَا، وَأَخَذَ وَرِقًا مِن نَفَقَتِهِمُ الَّتِي كَانَت مَعَهُم، الَّتِي ضُرِبَت بِطَابَعِ دِقيَانُوسَ، وَانطَلَقَ خَارِجًا، فَلَمَّا مَرَّ بِبَابِ الكَهفِ رَأَى حِجَارَةً مَنزُوعَةً عَن بَابِ الكَهفِ، فَعَجِبَ مِنهَا، ثُمَّ مَرَّ وَلَم يُبَالِ بِهَا، حَتَّى أَتَى بَابَ المَدِينَةِ مُستَخفِيًا تَخَوُّفًا مِن أَن يَرَاهُ أَحَدٌ مِن أَهلِهَا فَيَعرِفَهُ، وَهُوَ لَا يَشعُرُ أَنَّ دِقيَانُوسَ وَأَهلَهُ هَلَكُوا قَبلَ ذَلِكَ بِمَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ.
فَلَمَّا أَتَى أَملِيخَا بَابًا مِن أَبوَابِ المَدِينَةِ، رَفَعَ بَصَرَهُ فَرَأَى فَوقَ ظَهرِ البَابِ عَلَامَةً كَانَت لِأَهلِ الإِيمَانِ، فَعَجِبَ وَجَعَلَ يَنظُرُ إِلَيهَا يَمِينًا وَشِمَالًا، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ البَابَ وَمَضَى إِلَى بَابٍ آخَرَ فَرَأَى مِثلَ ذَلِكَ، فَخُيِّلَ إِلَيهِ أَنَّ المَدِينَةَ لَيسَت بِالَّتِي كَانَ يَعرِفُ، وَرَأَى أَشخَاصًا كَثِيرِينَ مُحدَثِينَ لَم يَكُن رَآهُم قَبلَ ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَمشِي وَيَتَعَجَّبُ وَيُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهُ حَيرَانُ، فَرَجَعَ إِلَى البَابِ الَّذِي أَتَى مِنهُ وَجَعَلَ يَتَعَجَّبُ بَينَهُ وَبَينَ نَفسِهِ وَيَقُولُ: مَا هَذَا؟ أَمَّا عَشِيَّةَ أَمسِ فَكَانَ المُسلِمُونَ يُخفُونَ هَذِهِ العَلَامَةَ فِي هَذِهِ المَدِينَةِ وَيَستَخفُونَ بِهَا، وَاليَومَ ظَاهِرَةٌ! لَعَلِّي نَائِمٌ حَالِمٌ، ثُمَّ رَأَى أَنَّهُ لَيسَ بِنَائِمٍ، فَأَخَذَ كِسَاءَهُ فَجَعَلَهُ عَلَى رَأسِهِ ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ وَجَعَلَ يَمشِي فِي أَسوَاقِهَا، فَسَمِعَ أُنَاسًا يَحلِفُونَ بِرَبِّ عِيسَى ابنِ مَريَمَ، فَزَادَهُ ذَلِكَ تَعَجُّبًا، وَرَأَى أَنَّهُ حَيرَانُ، فَقَامَ مُسنِدًا ظَهرَهُ إِلَى جِدَارٍ مِن جُدرَانِ المَدِينَةِ وَهُوَ يَقُولُ فِي نَفسِهِ: وَاللهِ مَا أَدرِي مَا هَذَا، أَمَّا عَشِيَّةَ أَمسِ فَلَم يَكُن عَلَى الأَرضِ مَن يَذكُرُ عِيسَى ابنَ مَريَمَ إِلَّا قُتِلَ، وَأَمَّا اليَومَ فَأَسمَعُ كُلَّ إِنسَانٍ يَذكُرُ عِيسَى ابنَ مَريَمَ لَا يَخَافُ، ثُمَّ قَالَ فِي نَفسِهِ: لَعَلَّ هَذِهِ لَيسَت بِالمَدِينَةِ الَّتِي أَعرِفُ، وَاللهِ مَا أَعلَمُ مَدِينَةً بِقُربِ مَدِينَتِنَا! فَقَامَ كَالحَيرَانِ، ثُمَّ لَقِيَ فَتًى فَقَالَ لَهُ: مَا اسمُ هَذِهِ المَدِينَةِ يَا فَتَى؟ فَقَالَ اسمُهَا أُفسُوسُ، فَقَالَ فِي نَفسِهِ: لَعَلَّ بِي مَسًّا أَو أَمرًا أَذهَبَ عَقلِي، وَاللهِ يَحِقُّ لِي أَن أُسرِعَ الخُرُوجَ قَبلَ أَن يُصِيبَنِي فِيهَا شَرٌّ فَأَهلِكَ.
ثُمَّ مَضَى أَملِيخَا إِلَى الَّذِينَ يَبِيعُونَ الطَّعَامَ فَأَخرَجَ لَهُمُ الوَرِقَ الَّتِي كَانَتَ مَعَهُ وَأَعطَاهَا رَجُلًا مِنهُم وَقَالَ لَهُ: بِعنِي بِهَذِهِ الوَرِقِ طَعَامًا، فَأَخَذَهَا الرَّجُلُ وَنَظَرَ إِلَى ضَربِ الوَرِقِ وَنَقشِهَا فَعَجِبَ مِنهَا، فَنَاوَلَهَا رَجُلًا آخَرَ مِن أَصحَابِهِ فَنَظَرَ، ثُمَّ جَعَلُوا يَتَطَرَّحُونَهَا بَينَهُم مِن رَجُلٍ إِلَى رَجُلٍ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنهَا وَيَتَشَاوَرُونَ بَينَهُم وَيَقُولُ بَعضُهُم لِبَعضٍ: إِنَّ هَذَا أَصَابَ كَنزًا خَبِيئًا فِي الأَرضِ مُنذُ زَمَانٍ طَوِيلٍ، فَلَمَّا رَآهُم أَملِيخَا يَتَحَدَّثُونَ فِيهِ، خَافَ وَجَعَلَ يَرعُدُ([6]) وَيَظُنُّ أَنَّهُم قَد فَطِنُوا بِهِ وَعَرَفُوهُ، وَأَنَّهُم إِنَّمَا يُرِيدُونَ أَن يَذهَبُوا بِهِ إِلَى مَلِكِهِم دِقيَانُوسُ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَأتُونَهُ وَيَتَعَرَّفُونَهُ فَلَا يَعرِفُونَهُ، فَقَالَ لَهُم وَهُوَ شَدِيدُ الخَوفِ مِنهُم: أَفضِلُوا عَلَيَّ قَد أَخَذتُم وَرِقِي فَأَمسِكُوهَا، وَالتَفَتَ إِلَى البَائِعِ فَقَالَ لَهُ: أَمَّا طَعَامُكَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا فَتَى مَن أَنتَ وَمَا شَأنُكَ؟ وَاللهِ لَقَد وَجَدتَ كَنزًا مِن كُنُوزِ الأَوَّلِينَ وَأَنتَ تُرِيدُ أَن تُخفِيَهُ عَنَّا؟ انطَلِق مَعَنَا وَأَرِنَاهُ وَشَارِكنَا فِيهِ نُخَفِّف عَلَيكَ مَا وَجَدتَ، وَإِنَّكَ إِن لَم تَفعَل نَحمِلكَ إِلَى السُّلطَانِ فَنُسَلِّمكَ إِلَيهِ فَيَقتُلَكَ، فَلَمَّا سَمِعَ قَولَهُم قَالَ: وَاللهِ قَد وَقَعتُ فِي كُلِّ شَيءٍ كُنتُ أَحذَرُ مِنهُ، فَقَالُوا لَهُ: يَا فَتَى إِنَّكَ وَاللهِ لَا تَستَطِيعُ أَن تَكتُمَ مَا وَجَدتَ، فَجَعَلَ أَملِيخَا لَا يَدرِي مَا يَقُولُ لَهُم، حَتَّى إِنَّهُ لَم يَجرِ عَلَى لِسَانِهِ كَلَامٌ مِنَ الخَوفِ، فَلَمَّا رَأَوهُ لَا يَتَكَلَّمُ أَخَذُوا كِسَاءَهُ فَطَرَحُوهُ فِي عُنُقِهِ وَجَعَلُوا يَسحَبُونَهُ فِي طُرُقِ المَدِينَةِ حَتَّى سَمِعَ بِهِ مَن فِيهَا، وَهُم يَقُولُونَ فِيهِ: قَد أُخِذَ رَجُلٌ مَعَهُ كَنزٌ.
فَاجتَمَعَ عَلَيهِ أَهلُ المَدِينَةِ وَجَعَلُوا يَنظُرُونَ إِلَيهِ، وَيَقُولُونَ: وَاللهِ مَا هَذَا الفَتَى مِن أَهلِ هَذِهِ المَدِينَةِ، وَمَا رَأَينَاهُ فِيهَا قَطُّ وَمَا نَعرِفُهُ، وَجَعَلَ أَملِيخَا لَا يَدرِي مَا يَقُولُ لَهُم، وَكَانَ مُتَيَقِّنًا أَنَّ أَبَاهُ وَإِخوَتَهُ بِالمَدِينَةِ، وَأَنَّهُ مِن عُظَمَاءِ أَهلِهَا، وَأَنَّهُم سَيَأتُونَهُ إِذَا سَمِعُوا بِهِ، فَبَينَمَا هُوَ كَالحَيرَانِ يَنتَظِرُ مَتَى يَأتِيهُ بَعضُ أَهلِهِ لِيُخَلِّصَهُ مِن أَيدِيهِم إِذِ اختَطَفُوهُ وَانطَلَقُوا بِهِ إِلَى رَئِيسَيِ المَدِينَةِ وَمُدَبِّرَيهَا الَّذَينِ يُدَبِّرَانِ أَمرَهَا، وَهُمَا رَجُلَانِ صَالِحَانِ اسمُ أَحَدِهِمَا أَريُوسُ وَاسمُ الآخَرِ طَنطِيُوسُ، فَلَمَّا انطَلَقُوا بِهِ إِلَيهِمَا ظَنَّ أَملِيخَا أَنَّهُ إِنَّمَا يُنطَلَقُ بِهِ إِلَى دِقيَانُوسَ الجَبَّارِ، فَجَعَلَ يَلتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَهُوَ يَبكِي وَالنَّاسُ يَسخَرُونَ مِنهُ كَمَا يَسخَرُونَ مِنَ المَجنُونِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: اللهم إِلَهَ السَّمَاءِ وَإِلَهَ الأَرضِ أَفرِغ عَلَيَّ اليَومَ صَبرًا، وَأَولِج مَعِيَ مِنكَ مَا يُؤَيِّدُنِي عِندَ هَذَا الجَبَّارِ، وَجَعَلَ يَقُولُ فِي نَفسِهِ: فَرَّقُوا بَينِي وَبَينَ إِخوَتِي، يَا لَيتَهُم يَعلَمُونَ مَا لَقِيتُ، وَيَا لَيتَهُم يَأتُونَنِي فَنَقُومَ جَمِيعًا بَينَ يَدَي هَذَا الجَبَّارِ، فَإِنَّا قَد كُنَّا تَوَاثَقنَا عَلَى الإِيمَانِ بِاللهِ وَأَن لَا نُشرِكَ بِهِ أَحَدًا أَبَدًا، وَلَا نَفتَرِقَ فِي حَيَاةٍ وَلَا مَوتٍ.
فَلَمَّا انتَهَى إِلَى الرَّجُلَينِ الصَّالِحَينِ أَريُوسَ وَطَنطِيُوسَ وَرَأَى أَنَّهُ لَم يَذهَب إِلَى دِقيَانُوسَ، أَفَاقَ وَذَهَبَ عَنهُ البُكَاءُ، فَأَخَذَ أَريُوسُ وَطَنطِيُوسُ الوَرِقَ وَنَظَرَا إِلَيهَا وَعَجِبَا مِنهَا وَقَالَا: أَينَ الكَنزُ الَّذِي وَجَدتَ يَا فَتَى؟ فَقَالَ أَملِيخَا: مَا وَجَدتُ كَنزًا، وَلَكِن هَذَا وَرِقُ آبَائِي وَنَقشُ هَذِهِ المَدِينَةِ وَضَربُهَا، وَلَكِن وَاللهِ مَا أَدرِي مَا شَأنِي وَمَا أَقُولُ لَكُم، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا: مِمَّن أَنتَ؟ قَالَ أَملِيخَا: أَمَّا أَنَا فَكُنتُ أَرَى أَنِّي مِن أَهلِ هَذِهِ المَدِينَةِ، فَقِيلَ لَهُ: وَمَن أَبُوكَ؟ وَمَن يَعرِفُكَ بِهَا؟ فَأَخبَرَهُم بِاسمِ أَبِيهِ فَلَم يُوجَد مَن يَعرِفُهُ وَلَا أَبَاهُ، فَلَم يَدرِ أَملِيخَا مَا يَقُولُ غَيرَ أَنَّهُ نَكَسَ بَصَرَهَ إِلَى الأَرضِ، فَقَالَ بَعضُ مَن حَولَهُ: هَذَا رَجُلٌ مَجنُونٌ، وَقَالَ بَعضُهُم: لَيسَ بِمَجنُونٍ، وَلَكِنَّهُ يُحَمِّقُ نَفسَهُ عَمدًا لِكَي يَنفَلِتَ مِنكُم، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا وَنَظَرَ إِلَيهِ نَظَرًا شَدِيدًا: أَتَظُنُّ أَنَّا نُرسِلُكَ وَنُصَدِّقُكَ بِأَنَّ هَذَا مَالُ أَبِيكَ وَنَقشُ هَذِهِ المَدِينَةِ وَضَربُهَا، وَلِهَذَا الوَرِقِ أَكثَرُ مِن ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَأَنتَ غُلَامٌ شَابٌّ؟! أَتَظُنُّ أَنَّكَ تَأفِكُنَا([7]) وَتَسخَرُ بِنَا، وَنَحنُ شُيُوخٌ شُمطٌ([8]) وَحَولَكَ سَرَاةُ([9]) هَذِهِ المَدِينَةِ وَوُلَاةُ أَمرِهَا، وَخَزَائِنُ هَذِهِ المَدِينَةِ بِأَيدِينَا، وَلَيسَ عِندَنَا مِن هَذَا الضَّربِ دِرهَمٌ وَلَا دِينَارٌ؟! وَإِنَّنِي لَأَظُنُّ أَنَّنِي سَآمُرُ بِكَ لِتُعَذَّبَ عَذَابًا شَدِيدًا، ثُمَّ أُوثِقَكَ حَتَّى تَعتَرِفَ بِهَذَا الكَنزِ الَّذِي وَجَدتَهُ، فَقَالَ لَهُم أَملِيخَا: أَخبِرُونِي عَمَّا أَسأَلُكُم عَنهُ، فَإِن أَنتُم فَعَلتُم صَدَّقتُكُم عَمَّا عِندِي، فَقَالُوا لَهُ: سَل، لَا نَكتُمُكَ شَيئًا، قَالَ: فَمَا فَعَلَ المَلِكُ دِقيَانُوسُ؟ فَقَالُوا: مَا نَعرِفُ عَلَى وَجهِ الأَرضِ مَنِ اسمُهُ دِقيَانُوسُ وَلَم يَكُن إِلَّا مَلِكًا هَلَكَ فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ وَلَهُ دَهرٌ طَوِيلٌ وَهَلَكَ بَعدَهُ قُرُونٌ، فَقَالَ أَملِيخَا: إِنِّي إِذًا لَحَيرَانُ وَمَا يُصَدِّقُنِي أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ فِيمَا أَقُولُ، لَقَد كُنَّا فِتيَةً عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّ المَلِكَ أَكرَهَنَا عَلَى عِبَادَةِ الأَصنَامِ وِالذَّبحِ لِلطَّوَاغِيتِ، فَهَرَبنَا مِنهُ عَشِيَّةَ أَمسِ، فَأَتَينَا إِلَى الكَهفِ الَّذِي فِي جَبَلِ يَنجَلُوسَ فَنِمنَا فِيهِ، فَلَمَّا انتَهَينَا خَرَجتُ لِأَشتَرِيَ لِأَصحَابِي طَعَامًا وَأَتَحَسَّسَ الأَخبَارَ، فَإِذَا أَنَا مَعَكُم كَمَا تَرَونَ، فَانطَلِقُوا مَعِيَ إِلَى الكَهفِ لِأُرِيَكُم أَصحَابِي.
فَلَمَّا سَمِعَ أَريُوسُ قَولَ أَملِيخَا قَالَ: يَا قَومِ، لَعَلَّ هَذِهِ آيَةٌ مِن آيَاتِ اللهِ، جَعَلَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكُم عَلَى يَدِ هَذَا الفَتَى، فَانطَلِقُوا بِنَا مَعَهُ حَتَّى يُرِيَنَا أَصحَابَهُ.
فَانطَلَقَ أَريُوسُ وَطَنطِيُوسُ وَمَعَهُمَا جَمِيعُ أَهلِ المَدِينَةِ نَحوَ أَصحَابِ الكَهفِ لِيَنظُرُوا إِلَيهِم، فَلَمَّا رَأى الفِتيَةُ أَصحَابُ الكَهفِ أَملِيخَا قَد احتَبَسَ عَنهُم بِطَعَامِهِم وَشَرَابِهِم عَنِ القَدرِ الَّذِي كَانَ يَأتِي فِيهِ، ظَنُّوا أَنَّهُ أُخِذَ وَذُهِبَ بِهِ إِلَى دِقيَانُوسَ، فَبَينَمَا هُم يَظُنُّونَ ذَلِكَ وَيَتَخَوَّفُونَهُ إِذ سَمِعُوا الأَصوَاتَ وَجَلَبَةَ([10]) الخَيلِ مُصعِدَةً([11])، فَظَنُّوا أَنَّهُم رُسُلُ الجَبَّارِ دِقيَانُوسَ بَعَثَ بِهِم إِلَيهِم لِيُؤتَى بِهِم، فَقَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَسَلَّمَ بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ وَأَوصَى بَعضُهُم بَعضًا وَقَالُوا: انطَلِقُوا بِنَا نَأتِ أَخَانَا أَملِيخَا، فَإِنَّهُ الآنَ بَينَ يَدَيِ الجَبَّارِ دِقيَانُوسَ، وَهُوَ يَنتَظِرُنَا حَتَّى نَأتِيَهُ، فَبَينَمَا هُم يَقُولُونَ ذَلِكَ وَهُم جُلُوسٌ عَلَى هَذِهِ الحَالَةِ إِذَا هُم بِأَريُوسَ وَأَصحَابِهِ وُقُوفًا عَلَى بَابِ الكَهفِ، فَسَبَقَهُم أَملِيخَا وَدَخَلَ وَهُوَ يَبكِي، فَلَمَّا رَأَوهُ يَبكِي بَكَوا مَعَهُ، ثُمَّ سَأَلُوهُ عَن خَبَرِهِ فَقَصَّ عَلَيهِمُ الخَبَرَ كُلَّهُ، فَعَرَفُوا أَنَّهُم كَانُوا نِيَامًا بِأَمرِ اللهِ ذَلِكَ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ وَأَنَّهُم إِنَّمَا أُوقِظُوا لِيَكُونُوا آيَةً لِلنَّاسِ وَتَصدِيقًا لِلبَعثِ وَلِيَعلَمَ النَّاسُ أَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيبَ فِيهَا.
ثُمَّ دَخَلَ عَلَى إِثرِ أَملِيخَا أَريُوسُ فَرَأَى تَابُوتًا مِن نُحَاسٍ مَختُومًا بِخَاتَمِ فِضَّةٍ، فَوَقَفَ عَلَى البَابِ وَدَعَا جَمَاعَةً مِن عُظَمَاءِ أَهلِ المَدِينَةِ وَأَمَرَ بِفَتحِ التَّابُوتِ بِحَضرَتِهِم، فَوَجَدُوا فِيهِ لَوحَينِ مِن رَصَاصٍ مَكتُوبًا فِيهِمَا: “مُكَسلَمِينُ وأَملِيخَا وَيَنيُونِسُ وَمَرَطُونِسُ وَسَازَمُونِسُ وَدَوَانَوَانِسُ وَكَشفِيطِطُ، وَالكَلبُ اسمُهُ قِطمِيرُ، كَانُوا فِتيَةً هَرَبُوا مِن مَلِكِهِم دِقيَانُوسَ مَخَافَةَ أَن يَفتِنَهُم عَن دِينِهِم فَدَخَلُوا هَذَا الكَهفَ، فَلَمَّا أُخبِرَ بِمَكَانِهِم أَمَرَ بِالكَهفِ فَسُدَّ عَلَيهِم بِالحِجَارَةِ، وَإِنَّا كَتَبنَا شَأنَهُم وَخَبَرَهُم لِيَعلَمَهُ مَن بَعدَهُم إِن عُثِرَ بِهِم”، فَلَمَّا قَرَؤُوهُ عَجِبُوا وَحَمِدُوا اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الَّذِي أَرَاهُم آيَةً تَدُلُّهُم عَلَى البَعثِ، ثُمَّ رَفَعُوا أَصوَاتَهُم بِحَمدِ اللهِ وَتَسبِيحِهِ، ثُمَّ دَخَلُوا عَلَى الفِتيَةِ الكَهفَ فَوَجَدُوهُم جُلُوسًا مُشرِقَةً وُجُوهُهُم لَم تَبلَ ثِيَابُهُم، فَخَرَّ أَريُوسُ وَأَصحَابُهُ سُجَّدًا للهِ، وَحَمِدُوا اللهَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الَّذِي أَرَاهُم آيَةً مِن آيَاتِهِ، ثُمَّ كَلَّمَ بَعضُهُم بَعضًا وَأَخبَرَهُمُ الفِتيَةُ عَنِ الَّذِي لَقُوهُ مِن مَلِكِهِم دِقيَانُوسُ.
ثُمَّ بَعَثَ أَريُوسُ وَأَصحَابُهُ بَرِيدًا إِلَى مَلِكِهِمُ الصَّالِحِ بَيدَرُوسَ أَن عَجِّل لَعَلَّكَ تَنظُرُ إِلَى آيَةٍ مِن آيَاتِ اللهِ، جَعَلَهَا اللهُ عَلى مُلكِكَ لِلنَّاسِ آيَةً لِتَكُونَ لَهُم نُورًا وَضِيَاءً وَتَصدِيقًا بِالبَعثِ، فَلَمَّا أَتَى المَلِكَ الخَبَرُ ذَهَبَ هَمُّهُ وَقَالَ: أَحمَدُكَ اللهم رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَأَعبُدُكَ وَأُسَبِّحُ لَكَ، تَطَوَّلتَ عَلَيَّ([12]) وَرَحِمتَنِي وَلَم تُطفِئِ النُّورَ الَّذِي جَعَلتَهُ لِآبَائِي وَلِي، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الكَهفَ، فَلَمَّا صَعِدَ الجَبَلَ وَرَأَى الفِتيَةَ فَرِحَ بِهِم وَخَرَّ سَاجِدًا للهِ، وَقَامَ قُدَّامَ الفِتيَةِ ثُمَّ اعتَنَقَهُم وَبَكَى، وَهُم جُلُوسٌ بَينَ يَدَيهِ عَلَى الأَرضِ يُسَبِّحُونَ اللهَ وَيَحمَدُونَهُ.
ثُمَّ قَالَ الفِتيَةُ لِبَيدَرُوسَ المَلِكِ: نَستَودِعُكَ اللهَ، وَالسَّلَامُ عَلَيكَ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، حَفِظَكَ اللهُ وَحَفِظَ مُلكَكَ، وَنُعِيذُكَ بِاللهِ مِن شَرِّ الإِنسِ وَالجِنِّ.
فَبَينَمَا المَلِكُ قَائِمٌ إِذَا هُم رَجَعُوا إِلَى مَضَاجِعِهِم فَنَامُوا، وَتَوَفَّى اللهُ أَنفُسَهُم، فَقَامَ المَلِكُ إِلَيهِم وَجَعَلَ ثِيَابَهُم عَلَيهِم، وَأَمَرَ أَن يُجعَلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهُم فِي تَابُوتٍ مِن ذَهَبٍ، فَلَمَّا أَمسَى وَنَامَ أَتَوهُ فِي مَنَامِهِ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا لَم نُخلَق مِن ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، وَلَكِنَّا خُلِقنَا مِن تُرَابٍ وَإِلَى تُرَابٍ نَصِيرُ، فَاترُكنَا كَمَا كُنَّا فِي الكَهفِ عَلَى التُّرَابِ، حَتَّى يَبعَثَنَا اللهُ تَعَالَى مِنهُ، فَأَمَرَ المَلِكُ عِندَ ذَلِكَ بِتَابُوتٍ مِن سَاجٍ([13]) فَجُعِلُوا فِيهِ، وَحَجَبَهُمُ اللهُ حِينَ خَرَجُوا مِن عِندِهِم عَن أَعيُنِ النَّاسِ، وَلَم يَقدِر أَحَدٌ أَن يَدخُلَ عَلَيهِم، وَأَمَرَ المَلِكُ أَن يُتَّخَذَ عَلَى بَابِ الكَهفِ مَسجِدٌ يُصَلَّى فِيهِ، وَجَعَلَ لَهُم عِيدًا عَظِيمًا وَأَمَرَ أَن يُؤتَى كُلَّ سَنَةٍ.
([1]) تَارِيخُ الأُمَمِ وَالمُلُوكِ، لِابنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ (ج2 ص5ـ10)، الكَامِلُ فِي التَّارِيخِ، لِعِزِّ الدِّينِ ابنِ الأَثِيرِ (ج1 ص325ـ328)، الرَّوضُ الأُنُفُ، لِأَبِي القَاسِمِ السُّهَيلِيِّ (ج3 ص76ـ83).
([2]) أَيِ أَعوَانُ المَلِكِ، قَالَ الفَيُّومِيُّ: الشُّرطَةُ بِالسُّكُونِ وَالفَتحِ أَيضًا الجُندُ وَالجَمعُ شُرَطٌ مِثلُ: رُطَبٍ، وَالشُّرَطُ عَلَى لَفظِ الجَمعِ أَعوَانُ السُّلطَانِ لِأَنَّهُم جَعَلُوا لِأَنفُسِهِم عَلَامَاتٍ يُعرَفُونَ بِهَا لِلأَعدَاءِ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيُّ (ج1 ص309).
([3]) أَي قَصَدَ، قَالَ الفَيُّومِيُّ: عَمَدتُ لِلشَّيءِ عَمدًا مِن بَابِ ضَرَبَ وَعَمَدتُ إلَيهِ قَصَدتُ.اهـ المَرجِعُ السَّابِقُ (ج2 ص428).
([4]) مُفرَدُ وَرِقٍ وَهِيَ الدَّرَاهِمُ، قَالَ الفَيُّومِيُّ: قَالَ الفَارَابِيُّ: الوَرِقُ المَالُ مِن الدَّرَاهِمِ.اهـ المَرجِعُ السَّابِقُ (ج2 ص655).
([6]) قَالَ الفَيُّومِيُّ: رَعَدَ يَرعُدُ وَارتَعَدَ اضطَرَبَ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج1 ص230).
([7]) أَي تَصرِفُنَا، قَالَ الفَيُّومِيُّ: أَفَكتُهُ صَرَفتُهُ وَكُلُّ أَمرٍ صُرِفَ عَن وَجهِهِ فَقَد أُفِكَ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج1 ص17).
([8]) أَي شَابَ رَأسُنَا، قَالَ الفَيرُوزأَبَادِيُّ: الشَّمَطُ، مُحَرَّكَةً: بَيَاضُ الرَّأسِ يُخالِطُ سَوَادَهُ.اهـ القَامُوسُ المُحِيطُ، لِمَجدِ الدِّينِ الفَيرُوزأَبَادِيِّ (ص674).
([9]) أَي أَسيَادُهَا، قَالَ الفَيُّومِيُّ: السَّرِيُّ الرَّئِيسُ وَالجَمعُ سَرَاةٌ، وَهُوَ جَمعٌ عَزِيزٌ لَا يَكَادُ يُوجَدُ لَهُ نَظِيرٌ لِأَنَّهُ لَا يُجمَعُ فَعِيلٌ عَلَى فَعَلَةٍ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج1 ص275).
([10]) أَي صَوتَهَا المُختَلِطَ.اهـ القَامُوسُ المُحِيطُ، لِمَجدِ الدِّينِ الفَيرُوزأَبَادِيِّ (ص68).
([11]) أَي مُرتَفِعَةً عَالِيَةً.اهـ لِسَانُ العَرَبِ، لِجَمَالِ الدِّينِ ابنِ مَنظُورٍ (ج3 ص251).
([12]) أَي أَفضَلتَ أَو تَفَضَّلتَ، قَالَ الفَيُّومِيُّ: طَالَ عَلَى القَومِ يَطُولُ طَولًا مِن بَابِ قَالَ إذَا أَفضَلَ، فَهُوَ طَائِلٌ وَأَطَالَ بِالأَلِفِ وَتَطَوَّلَ كَذَلِكَ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج2 ص381).
([13]) قَالَ الفَيُّومِيُّ: السَّاجُ ضَربٌ عَظِيمٌ مِنَ الشَّجَرِ.اهـ المَرجِعُ السَّابِقُ(ج1 ص293).