اسمُ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ([1])
اسمُ هَذِهِ السُّورَةِ فِي المَصَاحِفِ وَكُتُبِ التَّفسِيرِ وَأَكثَرِ كُتُبِ السُّنَّةِ سُورَةُ مَريَمَ، وَوَجهُ التَّسمِيَةِ أَنَّهَا بُسِطَت فِيهَا قِصَّةُ مَريَمَ وَابنِهَا وَأَهلِهَا قَبلَ أَن تُفَصَّلَ فِي غَيرِهَا، وَلَا يُشبِهُهَا فِي ذَلِكَ إِلَّا سُورَةُ آلِ عِمرَانَ الَّتِي نَزَلَت فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ.
وَسَمَّاهَا عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا سُورَةَ (كٓهيعٓصٓ (1) ) ، وَكَذَلِكَ وَقَعَت تَسمِيَتُهَا فِي «صَحِيحِ البُخَارِيِّ» فِي كِتَابِ التَّفسِيرِ([2]).
كَونُ سُورَةِ مَريَمَ مَكِّيَّةً أَم مَدَنِيَّةً
قَالَ القُرطُبِيُّ: هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإِجمَاعٍ([3]).اهـ
تَرتِيبُهَا فِي النُّزُولِ([4])
هِيَ السُّورَةُ الرَّابِعَةُ وَالأَربَعُونَ فِي تَرتِيبِ النُّزُولِ، نَزَلَت بَعدَ سُورَةِ فَاطِرٍ وَقَبلَ سُورَةِ طه. وَكَانَ نُزُولُ سُورَةِ طه قَبلَ إِسلَامِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ كَمَا يُؤخَذُ مِن قِصَّةِ إِسلَامِهِ([5]) فَيَكُونُ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ أَثنَاءَ سَنَةِ أَربَعٍ مِنَ البِعثَةِ.
عَدَدُ آيَاتِهَا([6])
عُدَّت آيَاتُهَا فِي عَدَدِ أَهلِ المَدِينَةِ وَمَكَّةَ تِسعًا وَتِسعِينَ. وَفِي عَدَدِ أَهلِ الشَّامِ وَالكُوفَةِ ثَمَانِيًا وَتِسعِينَ.
قَالَ القُرطُبِيُّ: وَهِيَ تِسعُونَ وَثَمَانِ آيَاتٍ.
مَوَاضِيعُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ
الَّذِي يَظهَرُ مِن خِلَالِ تَتَبُّعِ مَعَانِي الآيَاتِ الكَرِيمَاتِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ العَظِيمَةِ أَنَّها نَزَلَت لِلرَّدِّ عَلَى اليَهُودِ فِيمَا اقتَرَفُوهُ مِنَ القَولِ الشَّنِيعِ فِي مَريَمَ وَابنِهَا، فَكَانَ فِيهَا بَيَانُ نَزَاهَةِ آلِ عِمرَانَ وَتَقَدُّمِهِم فِي الخَيرِ.
- وَفِيهَا التَّنوِيهُ بِذِكرِ جَمعٍ مِنَ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ مِن أَسلَافِ هَؤُلَاءِ وَقَرَابَتِهِم.
- وَفِيهَا بَيَانُ وَذِكرُ بَعضِ خَلَفِهِم مِن ذُرِّيَّاتِهِمُ الَّذِينَ لَم يَكُونُوا عَلَى طَرِيْقَتِهِمْ فِي الخَيرِ مِن أَهلِ الكِتَابِ وَالمُشرِكِينَ وَأَتَوا بِفَاحِشٍ مِنَ القَولِ إِذ نَسَبُوا للهِ وَلَدًا، وَأَنكَرَ المُشرِكُونَ مِنهُمُ البَعثَ، وَقَالَ النَّصَارَى بِنِسبَةِ الوَلَدِ للهِ تَعَالَى.
- وَفِيهَا الإِشَارَةُ وَالتَّنوِيهُ بِشَأنِ القُرآنِ فِي تَبشِيرِهِ وَإِنذَارِهِ، وَأَنَّ اللهَ يَسَّرَهُ بِكَونِهِ عَرَبِيًّا لِيُسرِ تِلكَ اللُّغَةِ وَبَلَاغَتِهَا وَعَظَمَتِهَا.
- وَفِيهَا التَّخوِيفُ وَالإِنذَارُ بِذِكرِ بَعضِ مَا حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِنَ الأُمَمِ السَّابِقَةِ مِنَ الاستِئصَالِ.
- اشتَمَلَتِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ عَلَى ذِكرِ فَضِيلَةِ زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ إِذ أَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ فَرَزَقَهُ وَلَدًا عَلَى الكِبَرِ مَعَ كَونِ امرَأَتِهِ عَاقِرًا.
- وَفِيهَا ذِكرُ كَرَامَةِ مَريَمَ بِخَارِقِ العَادَةِ فِي حَملِهَا، وَبَيَانُ فَضلِهَا وَوَلَدِهَا.
- وَفِيهَا إِثبَاتُ نُبُوَّةِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، وَفِيهَا ذِكرُ كَلَامِهِ فِي المَهدِ، وَاعتِرَافِهِ عَلَيهِ السَّلَامُ أَنَّهُ عَبدٌ للهِ وَرَسُولٌ لَهُ وَلَيسَ ابنًا للهِ وَلَا إِلَهًا، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
- وَفِيهَا ذِكرُ بَعضِ أَنبِيَاءِ اللهِ الكِرَامِ كَإِبرَاهِيمَ، وَإِسحَاقَ، وَيَعقُوبَ، وَمُوسَى، وَإِسمَاعِيلَ، وَإِدرِيسَ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
- وَفِيهَا وَصفُ الجَنَّةِ وَأَهلِهَا.
- وَفِيهَا حِكَايَةُ إِنكَارِ المُشرِكِينَ البَعثَ كَمَقَالَةِ أُبَيِّ بنِ خَلَفٍ وَالعَاصِ ابنِ وَائِلٍ، وَتَبَجُّحِهِم عَلَى المُسلِمِينَ بِمَقَامِهِم بَينَ النَّاسِ وَكَثرَةِ أَموَالِهِم.
- وَفِيهَا إِنذَارُ المُشرِكِينَ أَنَّ أَصنَامَهُمُ الَّتِي اعتَزُّوا بِهَا فِي الدُّنيَا سَيَندَمُونَ عَلَى اتِّخَاذِهَا مَعبُودَاتٍ مِن دُونِ اللهِ فِي الآخِرَةِ.
- وَفِيهَا وَعدُ الرَّسُولِ ﷺ النَّصرَ عَلَى أَعدَائِهِ.
- وَفِيهَا ذِكرُ ضَربٍ مِن كُفرِ المُشرِكِينَ بِنِسبَةِ الوَلَدِ للهِ تَعَالَى وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
- وَفِيهَا الإِشارَةُ لِلقُرآنِ وَلِلُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَأَنَّهُ بَشِيرٌ لِأَولِيَائِهِ وَنَذِيرٌ بِهَلَاكِ مُعَانِدِيهِ كَمَا هَلَكَت قُرُونٌ قَبلَهُم.
- وَقَد تَكَرَّرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ صِفَةُ الرَّحمَنِ سِتَّ عَشرَةَ مَرَّةً، وَجَاءَ ذِكرُ الرَّحمَةِ أَربَعَ مَرَّاتٍ، فَأَنبَأَ بِأَنَّ مِن مَقَاصِدِهَا تَحقِيقَ وَصفِ اللهِ تَعَالَى بِاسمِ الرَّحمَنِ، وَالرَّدَّ عَلَى المُشرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِإِنكَارِ هَذَا الوَصفِ كَمَا حَكَى اللهُ تَعَالَى عَنهُم فِي قَولِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الفُرقَانِ: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60) )([7]).
السَّيِّدَةُ الطَّاهِرَةُ البَتُولُ مَريَمُ أُمُّ عِيسَى عَلَيهِمَا السَّلَامُ([8])
مَريمُ اسمٌ أَعجَمِيٌّ غَيرُ مُنصَرَفٍ. وَقِيلَ: مَعنَاهُ بِالعِبرَانِيَّةِ خَادِمَةُ اللهِ([9])، وَقِيلَ: أَمَةُ اللهِ. وَقِيلَ: مَعنَاهُ المُحَرَّرَةُ.
مِن فَضَائِلِ السيدة مريم عليها السلام:
- تَفضِيلُهَا عَلَى نِسَاءِ العَالَمِينَ.
- إِتيَانُ المَلَكِ بِفَاكِهَةِ الجَنَّةِ لِأَجلِهَا.
- نَيلُهَا فِي الشِّتَاءِ فَاكِهَةَ الصَّيفِ.
- تَكلِيمُ المَلَائِكَةِ لَهَا.
- إِتيَانُ جِبرِيلَ إِلَيهَا.
- وِلَادَتُهَا لِعِيسَى نِبِيِّ اللهِ مِن غَيرِ مَسِّ الرِّجَالِ.
- بَيَانُ بَرَاءَتِهَا عَلَى لِسَانِ الطِّفلِ الرَّضِيعِ عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ.
- تَسَاقُطُ الرُّطَبِ الجَنِيِّ عَلَيهَا مِنَ النَّخلِ اليَابِسِ.
- إِجرَاءُ النَّهَرِ السَّرِيِّ مِن تَحتِ قَدَمِهَا.
- تَطهِيرُهَا مِنَ العَيبِ وَالفَاحِشَةِ.
- كَفَالَةُ زَكَرِيَّا عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهَا.
- قَبُولُ الحَقِّ تَعَالَى إِيَّاهَا بِالإِنعَامِ وَالإِحسَانِ.
- تَربِيَتُهَا بِفُنُونِ الإِكرَامِ وَالِامتِنَانِ.
- تَكرَارُ ذِكرِهَا بِالمَدحِ فِي نَصِّ القُرآنِ، وَسُمِّيَت سُورَةٌ بِاسمِهَا، وَلَم تُسَمَّ سُورَةٌ بِاسمِ امرَأَةٍ فِي القُرآنِ إِلَّا بِاسمِهَا.
- دَعَاهَا اللهُ بِاثنَي عَشَرَ اسمًا مُنبِئًا بِفَضلِهَا أَتَمَّ البَيَانِ، دَعَاهَا بِالمُصطَفَاةِ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ) ([10])، وَبِالمُطَهَّرَةِ فَقَالَ: (وَطَهَّرَكِ) ([11])، وَبِالقَانِتَةِ فَقَالَ: (وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)) ([12])، وَبِالمُحصَنَةِ فَقَالَ: (الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) ([13])، وَبِأَنَّهَا آيَةٌ لِلنَّاسِ فَقَالَ: (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (91))([14])، وَبِالأُمِّ وَالصِّدِّيقَةِ فَقَالَ: (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ)([15])، وَبِأَنَّهَا وَالِدَةٌ فَقَالَ حِكَايَةً عَن عِيسَى عَلَيهِ السَّلَامُ: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي) ([16]).
- ذِكرُهَا بِاسمِهَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرآنِ فَقَالَ سُبحَانَهُ حِكَايَةً عَن أُمِّهَا: (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ)([17])، وَقَالَ حِكَايَةً عَن زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ: (يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا )([18])، وَقَالَ حِكَايَةً عَنِ المَلَائِكَةِ: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ([19])، وَقَالَ حِكَايَةً عَنِ المَلَائِكَةِ كَذَلِكَ:(يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ)([20])، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ )([21])، وَقَالَ سُبحَانَهُ: (ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)([22])، وَقَالَ: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ) ([23])، وَقَالَ حِكَايَةً عَن كُفَّارِ بَنِي إِسرَائِيلَ: (يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) )([24])، وَقَالَ تَعَالَى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً)([25]).
([1]) الإِتقَانُ فِي عُلُومِ القُرآنِ، لِجَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ (ج1 ص198).
([2]) صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ – كِتَابُ تَفسِيرِ القُرآنِ – بَابُ سُورَةِ (كٓهيعٓصٓ (1) )
([3]) الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرآنِ، لِشَمسِ الدِّينِ القُرطُبِيِّ (ج11 ص72). الإِتقَانُ فِي عُلُومِ القُرآنِ، لِجَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ (ج1 ص43).
([4]) التَّحرِيرُ وَالتَّنوِيرُ، لِابنِ عَاشُورٍ (ج16 ص57).
([5]) وَهَذَا عَلَى اعتِبَارِ بَعضِ الرِّوَايَاتِ فِي قِصَّةِ إِسلَامِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَإِلَّا فَيُوجَدُ رِوَايَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ فِي قِصَّةِ إِسلَامِهِ لَيسَ فِيهَا ذِكرُ سُورَةِ طَه.اهـ ذَكَرَ كُلَّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مُسنَدَةً الصَّالِحِيُّ فِي كِتَابِهِ: سُبُل الهُدَى وَالرَّشَادِ فِي سِيرَةِ خَيرِ العِبَادِ مِنَ المَبدَأ إِلَى المَعَادِ، لِمُحَمَّدِ بنِ يُوسُفَ الصَّالِحِيِّ الدِّمَشقِيِّ المُتَوَفَّى سَنَةَ 928هـ (ج2 ص370-376).
([6]) الإِتقَانُ فِي عُلُومِ القُرآنِ، لِجَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ (ج1 ص235). الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرآنِ، لِشَمسِ الدِّينِ القُرطُبِيِّ (ج11 ص72).
([7]) [سُورَةُ الفُرقَانِ:60].
([8]) مُلَخَّصَةً مِن كِتَابِ: بَصَائِرِ ذَوِي التَّميِيزِ فِي لَطَائِفِ الكِتَابِ العَزِيزِ، لِمَجدِ الدِّينِ الفَيرُوزأَبَادِيِّ (ج6 ص109-110).
([10]) [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:42].
([11]) [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:42].
([12]) [سُورَةُ التَّحرِيمِ:12].
([13]) [سُورَةُ التَّحرِيمِ:12].
([14]) [سُورَةُ الأَنبِيَاءِ:91].
([15]) [سُورَةُ المَائِدَةِ:75].
([17]) [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:36].
([18]) [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:37].
([19]) [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:42-43].
([20]) [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:45].