الْـحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا شَبِيهَ لَهُ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ، وَلَا ضِدَّ وَلَا نِدَّ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا وَنَبِيَّنَا وَعَظِيمَنَا وَقَائِدَنَا وَقُرَّةَ أَعْيُنِنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَحَبِيبُهُ.
أشهدُ أنّكَ يا سَيِّدي يا رسولَ اللَّهِ قد بَلَّغتَ الرسالةَ، وأدَّيتَ الأمانةَ، ونَصَحتَ للأمَّةَ، وجاهَدتَ في اللهِ حقَّ الجهادِ، فجزى اللَّهُ محمَّدًا عَنّا خيرًا.
اللَّهُمَّ صلِّ صلاةً كاملةً، وسلِّم سلامًا تامًّا على سيِّدِنا محمَّدٍ الذي تُنحَلُّ بهِ العُقَدُ وتَنفرِجُ بهِ الكُرَبُ، وتُقضى بهِ الحَوائِجُ، وتُنَالُ بهِ الرَّغائِبُ وحُسْنُ الخَواتِمِ، ويُستَسقَى الغَمامُ بوجهِهِ الكريمِ، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسلِّم.
عبادَ اللَّهِ، أوصِيكم ونفسي بتقوى اللَّهِ؛ فاتَّقُوا اللَّهَ يا عبادَ اللَّهِ، وأَطِيعُوهُ، واحذَرُوا النَّفْسَ الأَمّارَةَ بِالسُّوءِ. يقولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعالَى في سورةِ النَّازِعاتِ: {وَأَمَّا مَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ}.
مَن خافَ مقامَ الوُقوفِ لِلْحِسَابِ من اللَّهِ عَزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ، ونهى النَّفسَ عنِ الهَوى —النَّفسَ الأَمّارَةَ بِالسُّوءِ — النَّفْسَ الأَمّارَةَ بِالسُّوءِ التي تحُثُّ صاحبَها على معصيةِ اللَّهِ، التي تُزَيِّنُ له الحَرامَ، التي تُشَجِّعُه على العِصيانِ، عِصيانٌ باللِّسانِ أو عِصيانٌ بالجوارحِ؛ تُشَجِّعُه أن يَكذِبَ، وأن يَغتَابَ، وأن يَنمَ، وأن يَقَعَ في النَّميمةِ، وأن يُشهِدَ الزورَ، وأن يُفتيَ بِغَيرِ عِلمٍ، وأن يَتَجَرَّأَ على كتابِ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ، وأن يَتَجَرَّأَ على حديثِ محمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم.
هذهِ النَّفسُ الأَمّارَةُ بِالسُّوءِ، ونحن مأمورونَ بمُخالفتِها وعدمِ الإصغاءِ لها. أمَّا مَن خافَ مقامَ رَبِّهِ ونهى النَّفسَ عنِ الهَوىٰ، فإنَّ الجَنَّةَ هيَ المأْوَىٰ؛ يُجعلُ اللَّهُ الجنَّةَ مأْوًى لنا. مخالفةُ هذهِ النَّفسِ الأَمّارَةِ بِالسُّوءِ سببٌ لتَكونَ من أُهلِ الجنَّةِ، ليَكونَ مَأْوَاكَ جَنَّةً عَرضُها السَّماواتُ والأرْضُ، جَنَّةٌ فيها محمَّدٌ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ، وفيها إِبراهيمُ عليهِ السَّلامُ، وفيها موسى عليهِ السَّلامُ، وفيها عيسى عليهِ السَّلامُ، وفيها آدمُ عليهِ السَّلامُ، وفيها أنبياءُ اللَّهِ عليهم الصَّلاةُ والسلامُ. جَنَّةٌ ليسَ فيها موتٌ، ليسَ فيها خَبَثٌ كخَبَثِ أعدائِنا اليومَ ومَكرِهِم الذي يُنزِلونه فينا. جَنَّةٌ ليسَ فيها كَرْبٌ كالكَرْبِ الذي تَجَرَّعناه — ليسَ فقط يومًا بيومٍ، ساعةً بساعةٍ، دقيقةً بدقيقةٍ، لحظةً بلَحظةٍ — في غزَّةَ وفي فلسطين؛ هناك في الجَنَّةِ ليسَ هناكَ هذا، ليسَ هناكَ غاصِبٌ مُحتلٌّ، ولا كافرٌ مُلحِدٌ ماكِرٌ خَبِيثٌ يَستطيعُ أن يُدخِلَ الغَمَّ إلى قلبِكَ. الجنَّةُ ليسَ فيها غَمٌّ، لماذا؟ لأنَّ تنْهى النَّفسُ الأَمّارَةُ بِالسُّوءِ وتُخالِفُهَا.
هنا، عبادَ اللَّهِ، لاحِظُوا ماذا قَدَّمَتْ في هذهِ الآيةِ قبلَ قَوْلِهِ: «وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ» —قالَ: «وَأَمَّا مَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ» — والإشارةُ في ذلك أنَّ الذي يَقوى على مُخالَفَةِ نَفْسِهِ الأَمّارَةِ بِالسُّوءِ هو مَن يَخشى اللَّهَ، مَن يَخافُ من اللَّهِ.
كُلَّمَا كانَ الخَوفُ مِنَ اللَّهِ في قلوبِنا أَكْثَرَ، كُلَّمَا أَضعَفْنا شياطينَنا أَكْثَرَ، كُلَّمَا قَوِينَا عَلَى مُخالَفَةِ النَّفْسِ الأَمّارَةِ بِالسُّوءِ.
وأمّا مَن خافَ مقامَ رَبِّهِ — ما هو هذا المقامُ يا عبادَ اللَّهِ؟ — مقامُ الوقوفِ للحِسابِ يومَ القيامةِ. يومَ القيامةِ يُجمَعُ الخَلائِقُ على أرضٍ مُبدَّلَةٍ، يومَ تُبدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ، كما قال عليهِ الصلاةُ والسلامُ: «يُحشَرُ النّاسُ يومَ القيامةِ على أرضٍ ملساءَ بيضاءَ عَفراءَ كقرصَةِ النقِي ليسَ فيها علمٌ لأحدٍ» — مُستَو ليسَ هناكَ جبالٌ، ليستْ هناكَ سقفٌ تَستَظلُّ بهِ، الشَّمسُ تَدنو من رؤوسِ الناسِ فيستغيثُ المؤمنونَ بالأنبياءِ كما جاءَ في صحيحِ البخاري: قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: «تَدنو الشَّمسُ من رؤوسِ الناسِ يومَ القيامةِ، فبينما هم كذلك إذا استغاثوا بِآدَمَ ثُمَّ بِموسى ثُمَّ بمحمدٍ عليهم الصلاةُ والسلام».
نعم، الصَّالِحونَ، الشُّهَداءُ — هَنِيئًا هَنِيئًا لشُهدائنا في غزَّةَ وفلسطينَ. اللَّهُمَّ ارزُقنا الشَّهَادَةَ في سَبيلِكَ. الشُّهداءُ الصّالحونَ، العلماءُ العاملونَ لا يُصيبُهم شيءٌ من حرارةِ الشَّمسِ؛ اللَّهُ يظلُّهم في ظلِّ العرشِ. إنّما يوجدُ من العِصاةِ من المسلمينَ مَن يَحتاجونَ —أمّا الكُفّارُ فلا ذِكرَ لهم لأنَّ الكُفّارَ ليسَ لهم شَفاعةٌ أصلًا. العِصاةُ من المسلمينَ يَحتاجونَ، فينادونَ ويستغيثونَ بالأنبياءِ في ذلك المَوقِفِ.
موقفُ الحِسابِ الذي يُحاسِبُ فيهِ هو اللَّهُ سبحانهُ وتعالى، الذي يَسألُ العِبادَ — هو ربُّ العالمينَ بلا كيفٍ، بلا حرفٍ، بلا صوتٍ؛ يَزيلُ اللَّهُ تعالى الحُجُبَ المعنويّةَ عن أسماعِ العِبادِ ويُكلِّمُهم، يَسألُهم، يُفهِمونَ منَ السُّؤالِ سؤالَ اللَّهِ تعالى عن أقوالِهم، اعتقاداتِهم، أعمالِهم. روى الترمذيُّ وغيره أنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قالَ: «ما منكم من أحدٍ إلّا سيُكلِّمهُ ربُّه يومَ القيامةِ» — ما منكم من أحدٍ: أنا وأنتَ ونحنُ وكلُّنا — «ما منكم من أحدٍ إلّا سيُكلِّمهُ ربُّه يومَ القيامةِ، ليسَ بينَهُ وبَينهِ ترجمانٌ ولا حاجِبٌ يَحجُبُ».
وسؤالُ العِبادِ كلِّهم في ساعةٍ ساعةٍ — ليس ستّونَ دقيقةً؛ وإنما في وقتٍ قصيرٍ، والوقتُ جَريانُهُ على الخَلائِقِ أمّا اللَّهُ تعالى فلا يَحويهِ مكانٌ ولا يَجري عليهِ زَمنٌ. اللَّهُ لا يُسألُهم، لا يُكلِّمُهم بلُغةٍ نحنُ نتكلَّمُ بها؛ اللَّهُ يَتكلَّمُ بلا لغةٍ ولا آلةٍ ولا حرفٍ ولا صوتٍ. لو كانَ كلامُ اللَّهِ بالحرفِ والصوت لاستَغرقَ السُّؤالُ والحِسابُ زمانًا طويلًا. {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ أَلَا له الحُكمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ}.
ماذا نَقولُ عندما نُسألُ يومَ القيامةِ؟ هل أعددنا لهذا السُّؤالِ؟ هل تَحضَّرنا؟ ألسنا نَسألُ أنفسَنا عن أشياءَ كثيرةٍ اليومَ ونُحاسِبُ أنفسَنا، ولكن كم مِنَ النّاسِ يَنسى سؤالَ اللَّهِ في الآخرة؟ عندما تَأتِك نفسكُ الأَمّارَةُ بالسُّوءِ، كلُّ مَن الربا، اعمِل الموبِقاتِ تقولُ لك: اشربِ الخمر، افتِنْ بينَ الناسِ، اسفِكِ الدمَ، إذِا قبلَ أن تتَجرَّأَ على ذلك. هَل تفكَّرتَ في وَقوفِكَ للسُّؤالِ يومَ القيامةِ؟ تَمَثَّلْتَ نفسَكَ، واللهُ تعالى يَسألُكَ، ليسَ عندَكَ هناكَ وكيلٌ، لا محامٍ. كلُّ إنسانٍ يُسألُ عمّا هو فيهِ؛ كلُّ نفسٍ بما كَسَبَتْ رَهينَةٌ.
يا مَن تَمَتَّعَ بالدُّنيا وبَهجتِها، ولا تَنامُ عن اللذّاتِ عيناهُ
أفنيتَ عُمرَك فيما لستَ تُدرِكُهُ، فماذا تقولُ للهِ حينَ تلقاهُ
ماذا تقولُ للهِ سُبحانَهُ وتعالى إن كنتَ قادرًا على نُصرةِ إخوانِك وما فعلتَ؟ ماذا نقولُ للهِ عزَّ وجلَّ إن تركتَ الصَّلاةَ؟ وماذا تقولُ للهِ إن هجرتَ صيامَ رمضان؟ ماذا تقولُ للهِ إذا منعتْكَ نفسُك الأمّارةُ بالسُّوءِ من أداءِ الزَّكاة؟ ماذا تقولُ للهِ وقد سَكَتَّ عن الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَر؟ ماذا تقولُ للهِ وقد أمسكتَ عن بَذلِ المالِ، وأنتَ قادرٌ على نُصرةِ دينِ اللهِ وسَدِّ حاجاتِ المسلمين؟
يا عبادَ اللهِ، مَن أمِنَ السُّؤالَ فليُعِدَّ نفسَه، ولْيُهَيِّئْها لذلكَ اليومِ العظيم.
أيُّها الإخوةُ في الإسلامِ والإيمانِ، نُفوسُ الأنبياءِ – عليهمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ – ليست نُفوسًا أمّارةً بالسُّوء، قال تعالى حاكيًا عن يوسفَ عليهِ السَّلام:
{وما أُبَرِّئُ نفسي إنَّ النَّفسَ لأمّارةٌ بالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ ربِّي إنَّ ربِّي غفورٌ رحيمٌ}.
بيَّنَ اللهُ تعالى أنَّ هذا قولُ يوسفَ الصِّدِّيقِ عليهِ السَّلام، الذي ما فعلَ الفاحشةَ، ولا هَمَّ بها، بل نزَّهَهُ اللهُ تطهيرًا وتكريمًا.
ومعنى قولِه: {وما أُبَرِّئُ نفسي} أي: يا ربِّ أنتَ الذي بَرَّأتَني، أنتَ الذي حفظتَني بحولِكَ وقوَّتِكَ، لا أنَّ نفسَ يوسفَ عليهِ السَّلام أمّارةٌ بالسُّوء كما يظنُّ بعضُ من حرَّفَ المعنى.
ولقد دَسَّ في بعضِ كتبِ التفسيرِ المطبوعةِ أقوالٌ باطلةٌ تُوهِمُ أنَّ يوسفَ عليهِ السَّلام أرادَ الزِّنا بامرأةِ العزيزِ، وهذا كَذِبٌ وافتراءٌ على نبيٍّ كريمٍ طاهرٍ.
فالمعنى الصَّحيحُ: أنَّهُ تَوَكَّلَ على اللهِ وتواضعَ له، فكان من الذينَ رَحِمَهم ربُّهم، إذ قال:
{إنَّ النَّفسَ لأمّارةٌ بالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ ربِّي إنَّ ربِّي غفورٌ رحيمٌ}.
فاستغفِروا اللهَ وتوبوا إليه، يا فَوزَ المُستغفرين، ويا سَعادةَ التَّائبين.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ وكَفَى، وأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ المُصْطَفَى طَهَ المُعَلِّمِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أُولِي الفَضْلِ وَالوَفَاءِ، صَلِّ يَا رَبُّ عَلَيْهِمْ وَسَلِّمْ.
عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِالتَّقْوَى؛ فَاتَّقُوا اللَّهَ العَلِيَّ العَظِيمَ وَأَطِيعُوهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ وَهُمْ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّأَىٰ بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوٓءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}.
هَمَّتْ بِهِ — هِيَ امْرَأَةُ العَزِيزِ — هَمَّتْ بِالزِّنَا. لَمَّا جَاءَ الْكَلَامُ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ دُخِلَتْ لَوْلَا وَهُمْ بِهَا: «لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ». وَمَعْنَى ذَلِكَ امْتِناعٌ لِوُجُودِ هَذِهِ فَائِدَةِ «لَوْلَا» فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: امْتِناعُ لِوُجُودِ مَاذَا؟ امْتِناعُ الْهَمِّ لِوُجُودِ مَاذَا؟ لِوُجُودِ الْبُرْهَانِ. «لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ لَهُمْ» وَلَكِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَأَى الْبُرْهَانَ فَامْتَنَعَ الْهَمُّ، فَمَا حَصَلَ الْهَمُّ أَصْلًا.
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ — خَمْسَ تَأْوِيلَاتٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ — وَلَا وَاحِدٍ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ يَقُولُونَ بِأَنَّ يُوسُفَ هَمَّ بِالزِّنَا. لَهُمْ أَقْوَالٌ، لَكِنَّ هَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا: مَا حَصَلَ هَمٌّ بِالْمَرَّةِ. نَعَمْ بَعْضُهُمْ قَالَ: «هَمَّ بِدَفْعِهَا لإِبْعَادِهَا»، وَلَكِنَّ أَحْسَنَ مَا قِيلَ أَنَّهُ مَا حَصَلَ هَمٌّ أَصْلًا، لِأَنَّ دُخُولَ «لَوْلَا» لَوْلَا مَا دَخَلَتْ عَلَيْهَا هِيَ هِيَ.
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ مَا قِيلَ «لَوْلَا»، لِمَا قِيلَ «وَهُمْ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَـٰنَ رَبِّهِۦ». الْبُرْهَانُ هُوَ الْعِصْمَةُ؛ أَيْ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَصَمَ يُوسُفَ وَحَفِظَهُ. «كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوٓءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ». وَكُلُّ الأَنْبِيَاءِ مَعْصُومُونَ مَحْفُوظُونَ، فَاللَّهُ تَعَالَى حَفِظَهُ، فَمَا حَصَلَ مِنْهُ هَمٌّ بِالْمَرَّةِ؛ لَا حَصَلَ مِنْهُ زِنًى، وَلَا حَتَّى هَمَّ بِالزِّنَا. مَا هُوَ الْهَمُّ؟ الْهَمُّ تَرَدُّدُ العَبْدِ؛ يَكُونُ فِي قَلْبِهِ «أَفْعَلُ أَمْ لَا أَفْعَلُ»، وَلَكِنَّهُ إِلَى نَاحِيَةِ الْفِعْلِ أَقْرَبُ، حَتَّى هَذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْ سَيِّدِنَا يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ بِإِذْنِ اللَّهِ.
عِبَادَ اللَّهِ، اللَّهُ عَظَّمَ قَدْرَ جَاهِ مُحَمَّدٍ وأَنَالَهُ فَضْلًا لَدَيْهِ عَظِيمًا، فِي مَحْكَمِ التَّنْزِيلِ قَالَ لِخَلْقِه صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنِّي دَاعٍ؛ لَعَلَّهَا تَكُونُ سَاعَةَ إِجَابَةٍ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ.
اللَّهُمَّ ارْحَمْ شُهَدَاءَنَا فِي غَزَّةَ وَالضِّفَّةِ وَفِلَسْطِينَ؛ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمْ رَحْمَةً وَاسِعَةً، اللَّهُمَّ ارْزُقْهُمْ أَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِمْ، وَجِيرَانًا خَيْرًا مِنْ جِيرَانِهِمْ، وَدُورًا خَيْرًا مِنْ دُورِهِمْ، اللَّهُمَّ أَخْلِفْهُمْ فِي أَهْلِهِمُ الأَحْيَاءِ بِخَيْرٍ، اللَّهُمَّ عَوِّضْ أَهْلَنَا وَإِخْوَانَنَا فِي غَزَّةَ خَيْرًا يَا رَبِّ.
سَلِّمْ غَزَّةَ، يَا رَبُّ؛ سَلِّمْ غَزَّةَ، يَا رَبُّ؛ سَلِّمِ الضِّفَّةَ، يَا رَبُّ؛ سَلِّمِ القُدْسَ، يَا رَبُّ؛ سَلِّمِ المَسْجِدَ الأَقْصَى، يَا رَبُّ؛ سَلِّمْ كُلَّ فِلَسْطِينَ، يَا رَبُّ؛ سَلِّمْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسْلِمِينَ.
رُدَّ عَنَّا كَيْدَ الْمَاكِرِينَ الْكَافِرِينَ، اللَّهُمَّ اُنْصُرْ هَذَا الدِّينَ، اللَّهُمَّ اُنْصُرْ مَنْ نَصَرَ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ رُدَّ عَنَّا الْكَافِرِينَ، اللَّهُمَّ رُدَّ كَيْدَهُمْ، اللَّهُمَّ رُدَّ خِبْثَهُمْ، اللَّهُمَّ رُدَّ مَكْرَهُمْ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ اضْرِبِ الْكَافِرِينَ بِالْكَافِرِينَ، اللَّهُمَّ اضْرِبِ الْكَافِرِينَ بِالْكَافِرِينَ، اللَّهُمَّ اضْرِبِ الْكَافِرِينَ بِالْكَافِرِينَ، وَأَخْرِجِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَالِمِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ سَلِّمْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا سَخَاءً وَرَخَاءً، آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ مَلِكَ البَلَدِ لِخَيْرِ البِلَادِ وَالعِبَادِ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَأَدْخِلْنَا الجَنَّةَ مَعَ الأَبْرَارِ بِرَحْمَتِكَ يَا عَزِيزُ يَا غَفَّارُ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ، وَيَنْهَىٰ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يُعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَلِذِكْرِ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
وَأَنْتَ يَا أَخِي: أَقِمِ الصَّلَاةَ.