إنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِن سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا.
وأشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَلا شَبِيهَ لَهُ، وَلا مَثِيلَ لَهُ، وَلا نَظِيرَ لَهُ، وَلا ضِدَّ لَهُ، وَلا نَدَّ لَهُ، وَلا زَوْجَةَ، وَلا وَلَدًا، وَلا أَعْضَاءَ، وَلا جُثَّةً، وَلا كَيْفِيَّةً، وَلا كَمِّيَّةً، وَلا أَيْنِيَّةً لَهُ، سُبْحَانَهُ، لا يَحِلُّ فِي شَيْءٍ، وَلا يَحِلُّ فِيهِ شَيْءٌ، وَلا يَنْحَلُّ مِنْهُ شَيْءٌ. مَنْ قَالَ: إِنَّ اللهَ فِي شَيْءٍ، أَوْ عَلَى شَيْءٍ، أَوْ مِنْ شَيْءٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ، إِذْ لَوْ كَانَ فِي شَيْءٍ لَكَانَ مُحْصُورًا، وَلَوْ كَانَ عَلَى شَيْءٍ لَكَانَ مَحْمُولًا، وَلَوْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ لَكَانَ مُحْدَثًا أَي مُخْلُوقًا. لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، تَنَزَّهَ رَبِّي تَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
وأشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا وَنَبِيَّنَا وَعَظِيمَنَا وَقَائِدَنَا وَقُرَّةَ عُيُونِنَا مُحَمَّدًا عَبْدَ اللهِ وَرَسُولَهُ، وَصَفِيَّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَحَبِيبِهِ، أَشْهَدُ أَنَّكَ يَا سِيدِي يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ بَلَغْتَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّيْتَ الأَمَانَةَ، وَنَصَحْتَ لِلأُمَّةِ، وَجَاهَدْتَ فِي اللهِ حَقَّ الْجِهَادِ، فَجَزَى اللهُ مُحَمَّدًا عَنَّا خَيْرًا.
اللَّهُمَّ صَلِّ صَلَاةً كَامِلَةً، وَسَلِّمْ سَلَامًا تَامًّا عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي تَنْحَلُّ بِهِ الْعُقَدُ، وَتَنْفَرِجُ بِهِ الْكُرُوبُ، وَتُقْضَى بِهِ الْحَوَائِجُ، وَتُنَالُ بِهِ الرَّغَائِبُ، وَحُسْنُ الْخَوَاتِيمِ، وَيُسْتَسْقَى الْغِمَامُ بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ.
فَرِّجِ اللهُ كُرْبَنَا فِي غَزَّةَ وَفِلَسْطِينَ بِبَرَكَةِ حَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ حَبِيبِي رَبَّ الْعَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، فَاتَّقُوا اللهَ الْعَلِيَّ الْعَظِيمَ وَأَطِيعُوهُ، وَيَقُولُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ:
{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}
كَلَامُنَا فِي هَذِهِ الْجُمُعَةِ، إِنْ شَاءَ اللهُ، عَنْ التَّكَبُّرِ، وَأُرِيدُ أَنْ أُقَدِّمَ ذَلِكَ لَكُم مِمَّا حَصَلَ مَعَ اللَّعِينِ إِبْلِيسَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
عِنْدَمَا يَتَكَبَّرُ الْعَبْدُ فَاعْتَرَضَ عَلَى اللهِ وَكَفَرَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، إِبْلِيسُ تَكَبَّرَ.
أَوَّلًا: مَا هُوَ التَّكَبُّرُ؟
التَّكَبُّرُ جَاءَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “الْكِبْرُ بَطْرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ” وَفِي رِوَايَةٍ: “وَغَمَصَ النَّاسَ”
مَا مَعْنَى بَطْرِ الْحَقِّ؟ رَدُّ الْحَقِّ عَلَى قَائِلِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْحَقَّ مَعَ الْقَائِلِ، وَهَذَا هُوَ التَّكَبُّرُ.
وَمِنَ التَّكَبُّرِ كَذَلِكَ غَمْطُ النَّاسِ، غَمْسُ النَّاسِ، تَحْقِيرُ النَّاسِ وَازْدِرَاءُ النَّاسِ، وَهَذَا إِبْلِيسُ اللَّعِينُ تَكَبَّرَ كَفَرَ بِاللهِ. قَبْلَ كُفْرِهِ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ لَيْسَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: (لَمْ يَكُنْ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ)، بَلْ هُوَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ، كَمَا جَاءَ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}.
ثُمَّ لَمَّا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ فِي الْجَنَّةِ مَعَهَا، إِبْلِيسُ قَبْلَ أَنْ يُكْفِرَ بِاللهِ كَانَ يَطِيفُ بِآدَمَ وَيَقُولُ: لَقَدْ خُلِقْتَ لِأَمْرٍ عَظِيمٍ يَدُورُ حَوْلَهُ، لَكِنْ لَيْسَ صَحِيحًا أَنَّهُ كَانَ يُدْخِلُ مِنْ فَمِهِ وَيُخْرِجُ مِنْهُ، بَلْ إِنَّمَا يَطِيفُ بِهِ، يَقُولُ: هَذَا خُلِقَ لَهُ جَوْفٌ خُلِقَ هَذَا، يُخْتَلِفُ عَنِ الْمَلَائِكَةِ، لَقَدْ خُلِقَ لِأَمْرٍ عَظِيمٍ.
فَلَمَّا أَمَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمَلَائِكَةَ وَمَعَهُم إِبْلِيسَ أَنْ يَسْجُدُوا لِآدَمَ، أَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَسَجَدُوا كُلُّهُمْ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالسُّجُودُ هُنَا لَيْسَ سُجُودَ عِبَادَةٍ لآدَمَ، فَالْعِبَادَةُ لا تَكُونُ إِلَّا للهِ، بَلْ هُوَ سُجُودُ تَحِيَّةٍ.
السَّجُودُ سَجَدَتْهُ الْمَلَائِكَةُ سُجُودَ تَحِيَّةٍ. لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لا يُعْصُونَ اللهَ مَا أُمِرُوا وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لِأَنَّهُ عَصَى اللهَ، بَلْ وَقَعَ فِي أَكْبَرِ مَعْصِيَةٍ وَهِيَ الْكُفْرُ بِاللهِ.
أَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَلا يُعْصُونَ اللهَ، مَا أُمِرُوا وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، وَسَجَدُوا. أَمَّا إِبْلِيسُ فَمَاذَا قَالَ هَذَا الْمُتَكَبِّرُ؟ انظُرُوا، الْكِبْرُ كَيْفَ يُعْمِي الشَّخْصَ، يَصِيرُ عِنْدَهُ عَمًى كَأَنَّهُ لا يَرَى، كَأَنَّهُ لا يَسْمَع:
“قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ”.
طُرِدَ رَجِيمًا، مُرْجُومًا. إِبْلِيسُ صَارَ اسْمُهُ مَبْلُوسًا مِنَ الْخَيْرِ، مُحْرُومًا، مُطْرُودًا وَخَرَجَ، وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، إِلَى هَذَا الْكُفْرِ.
تَكَبُّرٌ، اُنظُرُوا، عَاقِبَةُ التَّكَبُّرِ: التَّكَبُّرُ قَدْ يُؤَدِّي بِالْإِنْسَانِ، وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، إِلَى أَنْ يَكْفُرَ بِاللهِ، وَهَذَا إِبْلِيسُ.
قِصَّةُ إِبْلِيسَ تُدِلُّ عَلَى ذَلِكَ: عِنْدَمَا تَكَبَّرَ هَذَا اللَّعِينُ، اعْتَرَضَ عَلَى اللهِ، تَسْخَطَ عَلَى اللهِ، اعْتَرَضَ، وَالَّذِي يَعْتَرِضُ عَلَى اللهِ لا يَكُونُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
الْمُسْلِمُ مُنْقَادٌ لِلَّهِ، الْمُسْلِمُ مُسْلِمٌ لِلَّهِ، الْمُسْلِمُ مَهْمَا أَصَابَهُ، حَتَّى مِنَ الْاِبْتِلَاءِ، لا يَعْتَرِضُ عَلَى اللهِ.
كَمَا أَصَابَنَا يَا إِخْوَانِي فِي غَزَّةَ وَفِلَسْطِينَ، لا وَاللهِ، لا نَعْتَرِضُ عَلَى اللهِ، بَلْ نَذْكُرُ اللهَ أَكْثَرَ وَنَزْدَادُ تَضَرُّعًا إِلَى اللهِ وَسُؤَالًا لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَنْصُرَنَا فِي فِلَسْطِينَ، وَأَنْ يَرْفَعَ الْبَلَاءَ عَنْ غَزَّةَ، عَنْ الْمُحَاصَرِينَ وَالْجِيَاعِ فِي غَزَّةَ وَفِي الضَّفَّةِ وَفِي فِلَسْطِينَ، نُسَلِّمُ لِلَّهِ، لا نَقُولُ: يَا رَبُّ أَنْتَ لِيشَ ابْتَعَملَ مَعَنَا هَذَا.
نَقُولُ: يَا رَبُّ أَنْتَ يَا اللهُ فَاعِلٌ لِمَا يَرِيدُ. اللهُ تَعَالَى قَالَ: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}.
نَحْنُ لَا نَعْتَرِضُ عَلَى اللهِ مَهْمَا أَصَابَكَ.
إِيَّاكَ! إِنْ فَقَدْتَ حَبِيبًا، لَوْ كَانَ أَحَبَّ أَوْلَادِكَ إِلَيْكَ، إِيَّاكَ! كَمْ مِنْ أُمٍّ فِي غَزَّةَ فَقَدَتْ كُلَّ أَبْنَائِهَا وَزَوْجَهَا، وَفَقَدَتْ أَبَاهَا وَأُمَّهَا وَبَيْتَهَا ثُمَّ مَاذَا قَالَتْ؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ.
نَعَمْ، عِبَادَ اللهِ، نَحْنُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. نَحْنُ فِي كُلِّ أَحْوَالِنَا نَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، لِلَّهِ مَا أَخَذَ، لِلَّهِ مَا أَعْطَى، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَلَا يُصْدُرُ عَلَى لِسَانِ وَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يَقُولَ: يَا رَبُّ نَعْتَرِضُ عَلَيْكَ، وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، أَوْ يَقُولَ: يَا رَبُّ لِمَاذَا تَفْعَلُ بِنَا هَذَا؟ سَلِم للهِ: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.
اللهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَكَ، وَنَحْنُ وَالله سَنَنْتَصِرُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}.
فَبَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ قَالَ: هَذَا يسْرَى، نَعَمْ، نَزَلَ فِي مُنَاسَبَةٍ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. قَالُوا: لَكِنْ فِي كُلِّ زَمَانٍ، عَلَا فِيهِ الْبَاطِلُ، لَابُدَّ أَنْ يَضْمَحِلَّ الْبَاطِلُ وَأَنْ يَظْهَرَ الْحَقُّ.
فَظُهُورُ الْبَاطِلِ إِلَى حِينٍ وَمَكْرُهُمْ إِلَى حِينٍ وَظُهُورُهُمْ إِلَى حِينٍ، وَبَأْسُهُمْ عَلَيْنَا إِلَى حِينٍ، وَمَهْمَا حَاوَلُوا إِذْلَالَنَا، الْعِزَّةُ للهِ وَالْعِزَّةُ لِرَسُولِ اللهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ.
لَا نَعْتَرِضُ عَلَى اللهِ. أَمَّا هَذَا إِبْلِيسُ فَاعْتَرَضَ عَلَى اللهِ، تَكَبَّرَ فَاعْتَرَضَ وَكَفَرَ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجِنُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وَصَفَ لَكُمْ”. فَدَلَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَنَّ إِبْلِيسَ لَيْسَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ.
ثُمَّ الْمَلَائِكَةُ خُلِقُوا مِنْ نُورٍ، لَا يَأْكُلُونَ، لَا يَشْرَبُونَ، لَا يَتَنَاكَحُونَ، لَا يَتَوَالَدُونَ، لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أُمِرُوا، يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، لَيْسَ لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ.
أَمَّا إِبْلِيسُ فَلَهُ ذُرِّيَّةٌ: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ}.
الْمَلَائِكَةُ أَقْوَى خَلْقِ اللهِ وَلَا تَحْصُلُ مِنْهُمْ مَعْصِيَةٌ.
أَمَّا هَذَا إِبْلِيسُ فَتَكَبَّرَ، كَفَرَ، اعْتَرَضَ عَلَى اللهِ، وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ تَعَالَى إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ”.
يَا فَوْزَ الْمُسْتَغْفِرِينَ.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ الحَمْدُ لِلَّهِ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ المعلِّمِ طَهَ رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَن وَالاهُ. عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُم وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ الْعَلِيَّ الْعَظِيمَ وَأَطِيعُوهُ.
قالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}. المَلَائِكَةُ لَمْ تَعْتَرِضْ عَلَى اللَّهِ. المَلائِكَةُ سَأَلَتْ عَنِ الحِكْمَةِ: الحِكْمَةِ مَا هِيَ؟ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَشَرٌ. آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ أَوَّلُ الْبَشَرِ وَأَبُو الْبَشَرِ، وَهُوَ نَبِيٌّ رَسُولٌ وَجَاءَ بِالإِسْلَامِ دِينَ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ. أَوْحَى اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ هَذَا الْخَلْقِ الَّذِي سَيُخْلَقُ، سَيَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، كَمَا تَشْهَدُونَ. مَن يَسْفِكُ الدِمَاءَ، مَن يُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ، فَكَانَ سُؤَالُ المَلَائِكَةِ لَيْسَ اعْتِرَاضًا عَلَى اللَّهِ، إِنَّمَا سُؤَالُهُمْ عَنِ الحِكْمَةِ: يَا رَبُّ مَا هِيَ الحِكْمَةُ مِنْ خَلْقِ مَنْ سَيَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ؟ لَيْسَ مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعْصُومٌ، الأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الكُفْرِ، وَمِنَ الكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ وَالْخِسَّةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا. إِنَّمَا سُؤَالُهُمْ هُوَ: يَا رَبُّ مَا هِيَ الحِكْمَةُ مِنْ هَذَا الخَلْقِ.
وَعَلَّمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مَا جَاءَ فِي الآيَاتِ التَّالِيَةِ أَنَّهُ سَيَكُونُ لَهُ عِلْمٌ كَبِيرٌ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَصْطَفِيهِ: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عَلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}.
مَا كَانُوا يَعْرِفُونَ الحِكْمَةَ. المَلَائِكَةُ لا يَعْتَرِضُونَ عَلَى اللَّهِ، المَلَائِكَةُ طَائِعُونَ. وَهَكَذَا يَا عِبَادَ اللَّهِ يَنْبَغِي أَنْ نَسْلِمَ لِلَّهِ.
وَبِمَا أَنِّي ذَكَرْتُ المَلَائِكَةَ، فَقَدْ قُلْتُ لَكُمْ بِأَنَّ المَلَائِكَةَ أَقْوَى خَلْقِ اللَّهِ، أَقْوَى مِنَ الجِنِّ بِكَثِيرٍ. مَرَّةً كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَكَّةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ هَذَا إِبْلِيسُ جَاءَ وأَرَادَ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي السُّجُودِ أَنْ يَرْكُلَهُ، يَطَأَهُ، فَصَارَ يَقْتَرِبُ. فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَضَرَبَ إِبْلِيسَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً طَارَ مِنْهَا إِلَى الْعِرَاقِ، مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْعِرَاقِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ. المَلَائِكَةُ جُنُودُ اللَّهِ، لا يُقَالُ أَعْوَانُ اللَّهِ، فَاللهُ لا يَحْتَاجُ إِلَى عَوْنٍ مِنْ أَحَدٍ، لا يَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ}.
لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجْعَلُ لَنَا عِنْدَمَا تَتَقَطَّعُ بِنَا الأَسْبَابُ الأَرْضِيَّةُ جُنُودًا مِنَ المَلَائِكَةِ سُكَّانَ السَّمَاءِ مَدَدًا لِنَصْرَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ. اللَّهُ تَعَالَى يَمُدُّ غَزَّةَ وَإِخْوَانَنَا فِي غَزَّةَ بِجُنُودٍ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ.
عِبَادُ اللَّهِ، اللَّهُ عَظَّمَ قَدْرَ جَاهِ مُحَمَّدٍ وَأَنَالَهُ فَضْلًا لَدَيْهِ عَظِيمًا فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ، قَالَ لِخَلْقِهِ: صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
عِبَادُ اللَّهِ، إِنِّي دَاعٍ لَعَلَّهَا تَكُونُ سَاعَةَ إِجَابَةٍ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا. اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِيمَانِ، وَمَنْ تُوُفِّيتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسْلَامِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا فِي الإِيمَانِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِإِخْوَانِنَا فِي غَزَّةَ وَالضَّفَّةِ وَفِلَسْطِينَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمْ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مَوْتَاهُمْ شُهَدَاءً، اللَّهُمَّ أَخْلِفْهُمْ فِي أَهْلِهِمْ بِخَيْرٍ، اللَّهُمَّ ارْزُقْهُمْ أَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِمْ، وَدَارًا خَيْرًا مِنْ دُورِهِمْ، وَجِيرَانًا خَيْرًا مِنْ جِيرَانِهِمْ.
يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا اللَّهُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا اللَّهُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا اللَّهُ، بِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ، بِرَحْمَتِكَ نَسْتَغِيثُ.
اللَّهُمَّ أَغِثْ غَزَّةَ، اللَّهُمَّ أَغِثْ غَزَّةَ، اللَّهُمَّ أَغِثْ غَزَّةَ، اللَّهُمَّ أَغِثْ الضَّفَّةَ، اللَّهُمَّ أَغِثْ طُولَ كَرْمٍ وَجَنِينَ وَنَابُلُوسَ، اللَّهُمَّ أَغِثْ المَسْجِدَ الأَقْصَى، اللَّهُمَّ أَغِثْ القُدْسَ الشَّرِيفَ، اللَّهُمَّ أَغِثْ فِلَسْطِينَ، اللَّهُمَّ أَغِثْهُمْ وَثَبِّتْهُمْ مُرَابِطِينَ فِي أَرْضِهِمْ، اللَّهُمَّ أَفْرِغْ عَلَى قُلُوبِهِمْ صَبْرًا، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، اللَّهُمَّ انْصُرْهُمْ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، اللَّهُمَّ انْصُرْهُمْ عَلَى الصَّهَايِنَةِ الْمُحْتَلِّينَ، اللَّهُمَّ انْصُرْهُمْ عَلَى قَتَلَةِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، اللَّهُمَّ انْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوكَ وَعَدُوهُمْ.
يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، ضَاقَتْ بِنَا أَسْبَابُ الأَرْضِ فَقُلْنَا: يَا اللَّهُ، تَقَطَّعَتْ بِنَا الْحِيلُ، فَقُلْنَا: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، أَزْهَقُوا مِنَّا النَّفْسَ وَالْمَالَ، فَقُلْنَا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. نَحْتَسِبُ أَمْرَنَا إِلَى اللَّهِ، وَنُفَوِّضُ أَمْرَنَا إِلَى اللَّهِ.
يَا لَطِيفًا بِخَلْقِهِ، يَا عَلِيمًا بِخَلْقِهِ، يَا خَبِيرًا بِخَلْقِهِ، أَلْطِفْ بِغَزَّةَ وَالضَّفَّةِ وَفِلَسْطِينَ، يَا لَطِيفُ، يَا عَلِيُّ، يَا خَبِيرُ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا سَخَاءً وَرَخَاءً، آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ مَلِكَ الْبِلَادِ لِخَيْرِ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَأَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ مَعَ الأَبْرَارِ بِرَحْمَتِكَ، يَا عَزِيزُ، يَا غَفَّارُ، وَبِجَاهِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ طَهَ الْمُخْتَارِ.
عِبَادُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يُعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَلِذِكْرِ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
وَأَنْتَ يَا أَخِي أَقِمِ الصَّلَاةَ.