مَريَمُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ العَالَمِينَ وَأَفضَلُهُنَّ بِنَصِّ القُرآنِ حَيثُ قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) ([1]).
قَالَ القُرطُبِيُّ: قَولُهُ تَعَالَى (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ) أَيِ اختَارَكِ، (وَطَهَّرَكِ) أَي مِنَ الكُفرِ، (وَاصْطَفَاكِ) لِوِلَادَةِ عِيسَى (عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)) يَعنِي عَالَمِي زَمَانِهَا، وَقِيلَ: عَلى نِساءِ العالَمِينَ أَجمَعَ إِلَى يَومِ الصُّورِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ. وَكَرَّرَ الِاصطِفَاءَ لِأَنَّ مَعنَى الأَوَّلِ الِاصطِفَاءُ لِعِبَادَتِهِ، وَمَعنَى الثَّانِي لِوِلَادَةِ عِيسَى.
وَرَوَى مُسلِمٌ عَن أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَم يَكمُل مِنَ النِّسَاءِ غَيرُ مَريَمَ بِنتِ عِمرَانَ وَآسِيَةَ امرَأَةِ فِرعَونَ، وَإِنَّ فَضلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ([2])».اهـ وَرُوِيَ مِن طُرُقٍ صَحِيحَةٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِيمَا رَوَاهُ عَنهُ أَبُو هُرَيرَةَ: «خَيرُ نِسَاءِ العَالَمِينَ أَربَعٌ: مَريَمُ بِنتُ عِمرَانَ وَآسِيَةُ بِنتُ مُزَاحِمٍ امرَأَةُ فِرعَونَ وَخَدِيجَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنتُ مُحَمَّدٍ([3])».اهـ وَمِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَفضَلُ نِسَاءِ أَهلِ الجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنتُ مُحَمَّدٍ وَمَريَمُ بِنتُ عِمرَانَ وَآسِيَةُ بِنتُ مُزَاحِمٍ امرَأَةُ فِرعَونَ([4])».اهـ
فَظَاهِرُ القُرآنِ وَالأَحَادِيثِ يَقتَضِي أَنَّ مَريَمَ أَفضَلُ مِن جَمِيعِ نِسَاءِ العَالَمِ مِن حَوَّاءَ إِلَى آخِرِ امرَأَةٍ تَقُومُ عَلَيهَا السَّاعَةُ، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ قَد بَشَّرَتهَا بِابنِهَا عَلَيهِ السَّلَامُ، وَهِيَ أَفضَلُ مِن كُلِّ النِّسَاءِ: الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ مُطلَقًا.
ثُمَّ بَعدَهَا فِي الفَضِيلَةِ فَاطِمَةُ ثُمَّ خَدِيجَةُ ثُمَّ آسِيَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُنَّ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُوسَى بنُ عُقبَةَ عَن كُرَيبٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «سَيِّدَةُ نِسَاءِ العَالَمِينَ مَريَمُ ثُمَّ فَاطِمَةُ ثُمَّ خَدِيجَةُ ثُمَّ آسِيَةُ([5])».اهـ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ يَرفَعُ الإِشكَالَ.
وَقَد خَصَّ اللهُ مَريَمَ بِمَا لَم يُؤتِهِ أَحَدًا مِنَ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ رُوحَ القُدُسِ([6]) كَلَّمَهَا وَظَهَرَ لَهَا وَنَفَخَ فِي دِرعِهَا وَدَنَا مِنهَا لِلنَّفخَةِ، فَلَيسَ هَذَا لِأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ. وَصَدَّقَت بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَلَم تَسأَل آيَةً([7]) عِندَمَا بُشِّرَت كَمَا سَأَلَ زَكَرِيَّا ﷺ مِنَ الآيَةِ، وَلِذَلِكَ سَمَّاهَا اللهُ فِي تَنزِيلِهِ صِدِّيقَةً فَقَالَ: (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ )([8]). وَقَالَ: (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)) ([9])، فَشَهِدَ لَهَا بِالصِّدِّيقِيَّةِ وَشَهِدَ لَهَا بِالتَّصدِيقِ لِكَلِمَاتِ البُشرَى وَشَهِدَ لَهَا بِالقُنُوتِ. وَإِنَّمَا بُشِّرَ زَكَرِيَّا بِغُلَامٍ فَلَحَظَ إِلَى كِبَرِ سِنِّهِ وَعَقَامَةِ رَحِمِ امرَأَتِهِ فَقَالَ: (أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ )([10])، فَسَأَلَ آيَةً([11])، وَبُشِّرَت مَريَمُ بِالغُلَامِ فَلَحَظَت أَنَّهَا بِكرٌ وَلَم يَمسَسهَا بَشَرٌ فَقِيلَ لَهَا: (كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ)([12]) فَاقتَصَرَت عَلَى ذَلِكَ، وَصَدَّقَت بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَلَم تَسأَل آيَةً مِمَّن يَعلَمُ كُنهَ([13]) هَذَا الأَمرِ، وَمَن لِامرَأَةٍ فِي جَمِيعِ نِسَاءِ العَالَمِينَ مِن بَنَاتِ آدَمَ مَا لَهَا مِن هَذِهِ المَنَاقِبِ؟!([14]).
وَذَكَرَ الحَافِظُ النَّوَوِيُّ عَنِ ابنِ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِ دِمَشقَ نَسَبَ السَّيِّدَةِ مَريَمَ بِنتِ عِمرَانَ وَأَنَّهَا مِن أَولَادِ سُلَيمَانَ بنِ دَاودَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ وَأَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَربَعَةً وَعِشرِينَ أَبًا، وَقَالَ إِنَّ اسمَ أُمِّ مَريَمَ: حَنَّةُ بِفَتحِ الحَاءِ المُهمَلَةِ وَتَشدِيدِ النُّونِ. قَالَ ابنُ عَسَاكِرَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ مَريَمَ بَقِيَت بَعدَ رَفعِ عِيسَى خَمسَ سِنِينَ، وَكَانَ عُمُرُهَا ثَلَاثًا وَخَمسِينَ سَنَةً([15]).اهـ
قَالَ الفَيرُوزأَبَادِيُّ صَاحِبُ القَامُوسِ: أُنشِدنَا لِبَعضِهِم:
تَوَكَّل عَلَى الرَّحمَنِ فِي كُلِّ حَالَةٍ
وَلَا تَترُكِ الخَلَّاقَ فِي كَثرَةِ الطَّلَب
أَلَـم تَرَ أَنَّ اللهَ قَـالَ لِمَـريَمٍ([16])
وَهُزِّي إِلَيكِ الجِذعَ تَسَّاقَطِ الرُّطَب
وَلَو شَاءَ أَن تَجنِيهِ مِن غَيرِ هَزِّهَا
جَنَتهُ وَلَكِن كُلُّ أَمرٍ لَهُ سَبَب([17])
([1]) [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:42].
([2]) صَحِيحُ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ – كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم – بَابُ فَضَائِلِ خَدِيجَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنهَا – رَقَمُ الحَدِيثِ: (2431).
([3]) جَامِعُ البَيَانِ فِي تَأوِيلِ آيِ القُرآنِ، لِابنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ (ج6 ص397).
([4]) صَحِيحُ ابنِ حِبَّانَ، لِابنِ حِبَّانَ البُستِيِّ (ج4 ص232).
([5]) فَتحُ البَارِي بِشَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، لِابنِ حَجَرٍ العَسقَلَانِيِّ (7 ص136).
([6]) هُوَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَرُوحُ القُدُسِ بِتَسكِينِ الدَّالِ وَضَمِّهَا أَي رُوحُ الطُّهرِ، قَالَ البَيضَاوِيُّ: رُوحُ القُدُسِ هُوَ جِبرِيلُ، سُمِّيَ بِالرُّوحِ لِأَنَّهُ يَأتِي بِمَا فِيهِ حَيَاةُ القُلُوبِ. اهـ تُحفَةُ الأَبرَارِ شَرحُ مَصَابِيحِ السُّنَّةِ، لِلقَاضِي نَاصِرِ الدِّينِ البَيضَاوِيِّ (ج3 ص30).
وَقَالَ ابنُ المُلَقِّنِ: وَالقُدُسُ فِيهِ أَقوَالٌ، الثَّالِثُ: الطَّهَارَةُ فَكَأَنَّهُ رُوحُ الطَّهَارَةِ وَخَالِصُهَا، وَسُمِّيَ رُوحًا لِأَنَّهُ يَأتِي بِالبَيَانِ عَنِ اللهِ فَتَحيَا بِهِ الأَروَاحُ.اهـ التَّوضِيحُ لِشَرحِ الجَامِعِ الصَّحِيحِ، لِأَبِي حَفصٍ ابنِ المُلَقِّنِ (ج5 ص559).
([7]) أَي لَم تَطلُب عَلَامَةً تَدُلُّ عَلَى صِدقِ مَا أُخبِرَت بِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهَا.
([8]) [سُورَةُ المَائِدَةِ:75].
([9]) [سُورَةُ التَّحرِيمِ:12].
([10]) [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:40].
([11]) وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ شَكَّ فِي صِدقِ الخَبَرِ أَو قُدرَةِ اللهِ أَو تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ، وَلَيسَ هَذَا تَنقِيصًا لَهُ عَلَيهِ السَّلَامُ.
([14]) الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرآنِ، لِشَمسِ الدِّينِ القُرطُبِيِّ (ج4 ص82).
([15]) تَهذِيبُ الأَسمَاءِ وَاللُّغَاتِ، لِلحَافِظِ النَّوَوِيِّ (ج2 ص355).
([16]) مَعنَاهُ: قَالَ لَهَا المَلَكُ مُبَلِّغًا عَنِ اللهِ تَعَالَى.
([17]) بَصَائِرُ ذَوِي التَّميِيزِ فِي لَطَائِفِ الكِتَابِ العَزِيزِ، لِلفَيرُوزأَبَادِيِّ (ج6 ص110).